النص المفهرس
صفحات 21-35
الفلاح وأعظم نفوسٍ برئت من هذه الصفة، هي نفوس الأنصار أهل الدار، أنصار النبي المصطفى صلی الله علیه وسلم، فقد زکاهم الله جل ثناؤه في كتابه الکریم بذلك، فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩]. ثانيًا: المسارعة إلى الخيرات: حث الله عزو جل عباده المؤمنين على فعل الخير، والسعي في طلب كل وسيلة تقرب إليه سبحانه، من الإيمان به، ومحبته، وطاعته، والعمل بما يرضيه، وعلق على هذا تحقق الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، فقال سبحانه: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُواْ فِی سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]. يَأَيُّهَا بِنَ وقال عز من قائل: ءَمَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. وجاء الحث فيهما بصورة الأمر في قوله: ﴿وَأَبْتَغُواْ﴾ وقوله: ﴿وَفْعَلُواْ﴾، الذي حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم). يتضمن معنى المسارعة والسابقة إلى فعل الطاعات والاستكثار من الخيرات(١). وفي هذا دلالة أن من صفات المؤمنين المفلحين: المسابقة والمسارعة إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة. وقد ندب الله جل وعلا إلى هذه الصفة، فقال: ﴿فاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَتِ ﴾ [البقرة: ١٤٨]. وأثنى الله جل ثناؤه على أنبياءه عليهم السلام، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِيِ الْخَيْرَتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وأثنى سبحانه على عباده المؤمنين من أهل الكتاب بهذه الصفة فقال: ﴿يُؤْمِنُون بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤]. وعلى المؤمنين من هذه الأمة فقال: ﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَةِ وَهُمْ لَمَا سَِقُونَ [المؤمنون: ٦١]. ومن لازم هذه المسارعة في الخيرات الاستكثار من الأعمال الصالحة، قال جل ثناؤه : في وصف عباده المفلحين: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨]. ثالثًا: أداء الأمانات والحقوق: عظم الله جل ثناؤه شأن الحقوق وأمر (١) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٤٧١. www. modoee.com ٤٢٣ حرف الفاء بالقيام بها، ومن ذلك قوله جل وعز: أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوْ إِلَّ إِنَّهُ وَ بِأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾ [الإسراء: ٢٣]. إلا من وفق الله)) (٢). فجميع ما أوجبه الله على عبده فهو أمانة. وقوله بعد ذلك: ﴿ وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ. وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]. وعظم سبحانه شأن من يرعى هذه الحقوق ويقوم بحقها، وجعل ذلك مناطًا للمدح في كتابه الكريم، فجاء في موطنین وصف المؤمنين المستحقين للفلاح بهذه الصفة. الآية الأولى: قوله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]. ثم ذكر من صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ هُرْ ◌ِأَمَنَّتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾ [ المؤمنون: ٨]. فاشتملت هذه الآية على صفتين من صفات عباد الله المفلحين: ١. أداء الأمانة. وهذا عام في جميع الأمانات التي هي حق لله، من فرائضه التي ائتمن الناس عليها، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَجَلَهَا الْإِنْسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢] (١)، ((وهي أمانة التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٢٧٧، تیسیر الكريم الرحمن، السعدي ص٥٤٧. جوسين القرآن الكريم ومنها الاستجابة التامة، والسمع والطاعة المطلقة لحكم الله، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوّاْ إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمُ بَّنَهُ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. [النور: ٥١]. ويدخل في الأمانة أيضًا حفظ الجوارح من كل ما لا يرضي الله تعالى (٣). ومنها حفظ ما أؤتمن عليه من أمانات الناس الحسية كالأموال، والمعنوية كالأسرار، وتعاهدها بالرعاية، والمحافظة وعدم التضييع، قال تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨](٤). ٢. الوفاء بالعهد. وهو «حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال، وسمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدًا»، والوفاء به إتمامه وعدم نقض حفظه(٥). ولفظ الآية عام في جميع ما أخذ على (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٩/٦. (٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٣١٩/٥. (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٤٧. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٩١، ٨٧٨. ٤٢٤ الفلاح الإنسان العهد بحفظه من حقوق الله -جل وعلا-، قال سبحانه: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْقُواْ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. «وذلك أن يطيعوه فیما أمرهم به ونهاهم، وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم))(١)، ومن الوفاء بالعهد حفظ ما بينه وبين الناس من حقوق والتزامات، يجب عليه مراعاتها والوفاء بها، ويحرم عليه إهمالها والتفريط فيها (٢). الآية الثانية: قال تبارك وتعالى: ﴿ فَقَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ، وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الروم: ٣٨]. فجعل الله جل ثناؤه من صفات عباده المفلحين القيام بحق القريب في الصلة والإحسان إليه بوجوه البر المتنوعة، وحق المحتاج والغريب المنقطع به الطريق في الزكاة والصدقة. فإن لم يكن عنده مالٌ يؤتيه للقريب والمحتاج فلا أقل من أن يرفق بهم بفعله وقوله، بكلام لين سهل، فيقول لهم معروفًا، ويعدهم خيرًا. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَنْتِفَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]. (١) جامع البيان، الطبري ٩ / ٦٦٦. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٢٧٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٤٨، أضواء البيان، الشنقيطي ٣١٩/٥. رابعًا: البعد عن المحرمات، وحفظ الفروج: ١. البعد من المحرمات. وقد تنوعت الأساليب التي سلكها القرآن الكريم في التنبيه والدلالة على هذه الصفة: جعل التقوى من أسباب حصول الفلاح للعبد، وتقوى الله ((هو الامتناع عن المحارم، وتحري الواجبات»(٣)، وذكر الله في كتابه الكريم صورًا لبعض تلك المحرمات، منها: اتباع خطوات المبتدعين في الدين، كحال أهل الجاهلية الذين زادوا في الحج ما ليس من شرع إبراهيم عليه السلام، ومقارفة الخبيث والرديء من الاعتقادات، والأقوال، والأعمال، ومجانبة ما حرمه الله من المعاملات كالربا. جاء التصريح بنفي أصل الفلاح أو كماله عمن ارتكب بعض المحرمات، كالكفر والردة عن الدين، والخمر، والميسر، والربا، والزنا. وفي هذا دلالة على أن من أخص صفات المفلحين البعد عن المحرمات. أن الله جل ثناؤه أثنى على المؤمنين بهذه الصفة فقال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ (٣) تفسير الراغب الأصفهاني ٣٣٨/٤. www. modoee.com ٤٢٥ حرف الفاء خَشِعُونَ ) وَلَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ [المؤمنون: ١-٣]. مُعْرِضُونَ﴾ ((واللغو في كلام العرب هو كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يستقبح))(١)، فيدخل فيه الشرك، والمعاصي، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال(٢). والإعراض عن اللغو هو بالبعد عنه، بأن لا یفعله، ولا یرضی به، ولا يخالط من يأتيه، كما قال -عز من قائل -: ﴿وَاُلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] (٣)، وقال أيضًا: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَانَبْتَغِىِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [القصص: ٥٥]. جاءت هذه الصفة في سياق شرطي، وأنه كلما تحققت هذه الصفة؛ عظم الفلاح في الدنيا والآخرة، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. ويدخل تحت معنی هذه الآية، أن النفس جبلت على التطلع والحرص على ما تهواه وتشتھیه، فمن تابع نفسه في هواها، ولم يحجزه إيمانه، يوشك أن يقع في الحرام، فتزين له نفسه الزنا، والسرقة، (١) جامع البيان، الطبري ١٧ /٥٢٥. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٤٦٢. (٣) غرائب القرآن، النيسابوري ١٠٩/٥. وأكل أموال الناس ظلمًا(٤). ومن وفقه الله ووقاه حرص نفسه، فألجمها بلجام الإيمان، لم يحمله ذلك الشح على فعل الحرام، بل كان هو أشد مباعدة له، وتحقق له موعود الله، ﴿فَأَوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٢. حفظ الفروج. فقد أمر الله جل ثناؤه بحفظ الفروج، فقال جل وعز: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَنَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وأثنى سبحانه على الحافظين لها، فقال: ﴿وَاَلْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَاَلْحَفِظَتِ وَاُلَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. ((ولما كانت هذه الشهوة أغلب الشهوات على الإنسان، وأعصاها عند الهيجان على العقل»(٥)، ضمن النبي صلی الله عليه وسلم لمن حفظ فرجه الجنة، فروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من توكل لي ما بين رجليه، وما بين لحييه، توكلت له بالجنة)(٦). وأعظم الناس حفظًا (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٨/٢٢، محاسن التأويل، القاسمي ١٨٨/٩. (٥) الكاشف عن حقائق السنن، الطيبي ٣١٢١/١٠. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب ٤٢٦ جَوَسُوع القرآن الكريمِ الفلاح لفروجهم هم المفلحون من عباد الله؛ لذلك وصفهم الله جل وعز به، فقال: أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وذكر من صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِعُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرٌ مَلُومِينَ ( فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. ومفهوم الآية يتضمن أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين، وأنه من الملومين، ومن العادين. ففاته الفلاح، واستحق اسم العدوان، ووقع في اللوم. فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك(١)، فکیف بجميعه. وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِقُونَ ) إِلَّا عَلَى أَزْ وَجِهِمْ أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣٠]. وتارة يكون بحفظه من النظر إليه (٢)، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك)(٣). المحاربين من أهل الكفر والردة، باب فضل من ترك الفواحش، رقم ٢٤٩٧/٦،٦٤٢٢. (١) الداء والدواء، ابن القيم ص٣٤٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٢. (٣) أخرجه أحمد في مسنده ٢٣٥/٣٣، وأبو داود في سننه، كتاب الحمام، باب النهي عن التعري، رقم ٤٠١٧، ١٣٤/٦، والترمذي في سننه، أبواب الأدب، باب ما جاء في حفظ موانع الفلاح، وأسباب حرمانه نفي مطلق الفلاح عن الحي المعین مهما بلغ في ظلمه وكفره، ومشاقته لله ورسوله صلی الله عليه وسلم حق لله وحده جل ثناؤه ؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا هو سبحانه، وهو يعلم خاتمة كل أحدٍ، ورحمته وسعت کل من أقبل إليه بالإيمان. ويدل لهذا المعنى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيح أن رسول الله صلی الله عليه وسلم کسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل یسلت الدم عنه، ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، و کسروا رباعیته، وهو يدعوهم إلى الله)؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (٤). وبالتتبع والاستقراء الآيات الفلاح في القرآن الكريم يمكن حصر موانع الفلاح وأسباب حرمانه، وتصنيفها فيما يلي: العورة، رقم ٢٦٧٠، ٩٧/٥، وابن ماجه في سننه، كتاب أبواب النكاح، باب التستر عند الجماع، رقم ٠١٠٦/٣،١٩٢٠ قال الترمذي: «هذا حدیث حسن)). (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، رقم ١٧٩١، ٠١٤١٧/٣ www. modoee.com ٤٢٧ حرف الفاء أولًا: الكفر والردة: ١ . الكفر. وقد جاء التصريح بعده من موانع الفلاح في موضعين من القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَ هَاءَاخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُّ بِ فَإِنَّمَا ◌ِسَابُّهُ عِندَ رَبِِّّ إِنَّهُ، لَا يُفْلِحُ اُلْكَفِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. وقوله جل ثناؤه: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَنَّهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ اَلْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌ لَوْلًا أَنْ مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّاً وَيْكَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]. وإنما كان الكفر من موانع الفلاح؛ لأنه أعظم ما ينافي الإيمان وتوحيد الله الذي من أجله خلق الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب. ولفظ الكفر في هاتين الآيتين يشمل شرك من يدعو مع الله إلهًا آخر، لا برهان له به، والتكذيب بالرسل عليهم السلام، وبما وعدوا من ثواب الآخرة كما هو شأن قارون، وهذا أعظم الكفر. ويشمل كذلك الكفران بنعمة الله وجحودها (١). وقد بين الله تعالى في موطن آخر أن هذه الآلهة التي تعبد من دون الله هي من عمل الشيطان، وعلق سبحانه الفلاح والفوز على البعد عن هذه المعبودات واجتنابها، (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٤/١٧، تفسير البيضاوي ٤ / ١٨٦. تَأَيُّهَا الَّذِينَ وصرف العبادة له وحده، فقال: ءَامَنُواْ إِنََّا ◌ٌلْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠]. ٢. الردة. وهي الرجوع من الإسلام إلى الكفر(٢)، وجاء التصريح بنفي الفلاح عمن ارتد عن دينه في موضع واحدٍ، قال الله جل ثناؤه في قصة الفتية الذين آمنوا بالله، وفروا بدينهم: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِ مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا﴾ [ الكهف: ٢٠]. أي ولن تدركوا السعادة والفوز في الدنيا والآخرة إن عدتم إلى الكفر بعد إذ أنقذكم الله منه؛ لأن الکفر يحبط العمل ويوجب الخلود في النار، قال سبحانه: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةٌ وَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ثانيًا: ارتكاب الكبائر: الكبائر: جمع كبيرة، وهي كل ذنب ترتب عليه حدٌ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة (٣). والتلبس بهذه الكبائر من أعظم الموانع التي تحرم العبد كمال الفلاح في الدنيا والآخرة، (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٤٩. (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦٥٠/١١. ٤٢٨ القرآن الكريم الفلاح وفيما يلي ذکر لتلك الكبائر: ١. الخمر والميسر. الخمر: كل مسكر خامر العقل وغطاه، من أي نوع كان. والميسر: كل المغالبات القولية أو الفعلية التي يكون فيها العوض من الطرفين(١). وقد علق الفلاح على اجتناب الخمر والميسر في قوله جل ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا اَلْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠]. وإنما كانت الخمر والميسر مانعة من تحقق كمال الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة لما اشتملت عليه من الآثار السيئة والآثام الكبيرة. قال تعالى: ﴿قُلِّفِيهِمَا إِثْمٌ ڪَبِرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. ففيها فتح لأبواب الشر والفساد بوقوع العداوة والبغضاء، والفرقة والاختلاف، وربما آلت بأصحابها إلى القتل والنهب والعقوق والقطيعة، وهذا عنوان الشقاء، وفيهما أيضًا صدٌّ عن سبل الفلاح، وعن أبواب الخير العظيمة، وهذا عنوان الحرمان والخيبة. (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٨ وذكر أنه استثني من ذلك مسابقة الخيل والإبل والسهام، فهي مباحة؛ لكونها معينة على الجهاد؛ ولهذا رخص فيها الشارع. قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٩١]. ٢. الربا. وهو الزيادة في أشياء مخصوصة، والزيادة على الدين مقابل الأجل(٢)، وهو من كبائر الذنوب التي تحول بين العبد وبين الفلاح. قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللّهَ ◌َعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]. أي: واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، ومنه ترك الربا، کي تنجو من عقابه، وتظفروا بالخلود في جناته. وفيه إشارة إلى أن من لم يترك الربا لم يحصل له كمال الفلاح في الدنيا والآخرة. وإنما كان الربا من موانع كمال الفلاح؛ لأن المتعامل به فاته الاتباع والانقياد لأمر الله، وهذا أعظم خصال أهل الإيمان. قال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبَّوْاْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وصاحب الربا على خطرٍ من شؤم مخالفته لأمر الله جل ثناؤه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم. (٢) الربا في المعاملات المصرفية، عمر المترك ص٤٣. www. modoee.com ٤٢٩ حرف الفاء قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾ [النور: ٦٣]. فهو متوعد في الدنيا بنقص المال وذهاب بر کته. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِّبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. ودخول النار. قال جل وعز: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوَأْ وَأَحَلَّ اللَّهُالْبَيْعَ وَحَزَّمَ الْرِبَأْ فَمَنْ جَءُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْتَهَى فَهُ, مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ نَأُوْلَيْكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ٣. التعدي على أعراض الناس بالزنا والفجور. الزنا من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: وَلَا نَقْرَبُواْالزِّنَّ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. ومانع من موانع كمال الفلاح في الدنيا والآخرة، قال سبحانه في قصة يوسف عليه السلام: ﴿وَرَوَدَتَّهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَنِ نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ الَهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَنْوَاىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ ﴾ [يوسف: ٢٣]. الظَّالِمُونَ ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ تعالى: وقوله الظَّالِمُونَ﴾، جملة تعليليةٌ، وهي التعليل الثاني الذي يعلل به يوسف عليه السلام سبب امتناعه عما تطلبه منه امرأة العزيز. ونفي الفلاح عن الظالمین یعم كل ظالم، وأولى من يدخل تحته في هذا السياق من قابل الإحسان بالإساءة، فخان من أحسن إليه، وتعدى على عرضه وشرفه. وسمي ذلك ظلمًا؛ لأنه فعل ما لیس له فعله، فتجاوز ومتوعد في الآخرة بحرمان نعيم الجنان ما أحله الله إلى ما حرمه، ووضع الشيء في غير موضعه. قال جل وعز: ﴿وَمَن يَنَعَدَّ حُدُ ودَ اَللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقال جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]. وإنما كان الزنا من موانع كمال الفوز والسعادة فى الدنيا والآخرة؛ لأنه بفعله لهذه الفاحشة قد تعدی حدود الله، وانتقص من إيمانه بقدر هذه المعصية، ولأن الله جل ثناؤه قد رتب على الزنا أنواع العقوبات الدنيوية والأخروية، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ ٦٨ ذَلِكَ يَلْقَ أَنَامًا اَلْقِيَامَةِ وَخْلُدٌ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩]. وعقوبته مغلظة، فيقتل بأشنع القتلات، الرجم حتى الموت، أو الجلد بمشهدٍ من المؤمنين في موقف لا تأخذهم الرحمة له ٤٣٠ جَوَسُو ◌َةُ النَّيّة لِلْقُرآن الكَرِيمِ الفلاح من إقامته عليه، قال سبحانه: ﴿الزَِّيَةُ وَالزَّانِ فَلَجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِْتَّةَ جَدَةٍ وَلَا تَأْخُذْ كُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالْيَّوْمِ الآخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. ثالثًا: الظلم، افتراء الكذب على الله، الاجرام: ١. الظلم. وهو وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدولٍ عن وقته أو مكانه، والظالم هو الذي أزال الحق عن جهته وأخذ ما ليس له، ويطلق الظلم على كثير التجاوز وقليله(١). وهو من أعظم موانع الفلاح في القرآن الكريم، وقد جاء التصريح به في أربعة مواضع: ثلاثة منها أطلق فيها الظلم وأريد به الكفر بالله، وهو أعظم الظلم على الإطلاق. وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ بَايَتِهُِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]. وقوله: ﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَ مَكَانَتِكُمْ إِّ عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥]. (١) انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص٢٨، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٣٧. وقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ، وَمَنْ تَكُونُ لَهُ, عَنِقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ، لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧]. وأما الموطن الرابع فأطلق الظلم فيه وأريد به فاحشة الزنا، وذلك في قوله جل ثناؤه: ﴿وَرَوَدَتْهُ أَلَِّىِ هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ. وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ، رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اَلَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣]. وتنوع المراد بالظلم في هذه الآيات؛ إيذانٌ بأن الفلاح المنفي عن الظالم تتفاوت درجته بتفاوت الظلم نفسه، فالكافر المتصف بأعظم أفراد الظلم ينفى عنه أصل الفلاح المقتضي للخلود في النار، والحرمان من دخول الجنة، بينما نفي الفلاح عن أفراد الظلم التي هي دون الكفر هو من باب نفي كمال الفلاح الدنيوي والأخروي. وعموم نفي الفلاح عن الظالم سنة ربانية لا تتخلف ولا تتبدل أبدًا، فالظالم وإن تمتع في دنياه بما تمتع به، فنهايته فيه الاضمحلال والتلف(٢)، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته)(٣). (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٧٤. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة)، رقم ٤٤٠٩، ١٧٢٦/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب www. modoee.com ٤٣١ حرف الفاء ٢. افتراء الكذب على الله. «الفري: قطع الجلد للخرز والإصلاح، والإفراء للإفساد، والافتراء فيهما معًا، وفي الإفساد أكثر، وكذلك استعمل في القرآن الكريم في الكذب والشرك والظلم)» (١). وافتراء الكذب على الله تعالى والتكذيب بآياته من أعظم صور الظلم؛ لذا قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىْ عَلَى اللَّهِكَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ كَايَتِهُِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]. وقال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِثَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وقد جاء التصريح بعده من موانع الفلاح في موضعين اثنين من القرآن الكريم: الأول: في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَّرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴾ [يونس: ٦٩]. وافتراء الكذب على الله في الآية عامٌ يشمل جميع صوره، وأقربها من جهة السياق من اختلق على الله الكذب في نسبة الولد له سبحانه ، وفي ادعاء الشريك والشفیع له. والموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَقْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. تحريم الظلم، رقم ٢٥٨٣، ٤ /١٩٩٧. (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٣٤. وافتراء الكذب على الله هو بتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، ثم نسبة ذلك إليه سبحانه. وهذا كقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ تَجِيَرَةٍ وَلَا سَلِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى الَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. وقوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا قُلْ ءَاللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. والخطاب في هاتين الآيتين للكفار، والفلاح المنفي عنهم هو مطلق الفلاح الدنيوي والأخروي، والمقتضي للخلود في النار، والحرمان من دخول الجنة. قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ( أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِلْكَفِرِينَ ﴾ [العنكبوت: ٦٨]. وقد ذكر الله جل ثناؤه بعض وجوه نفي الفلاح الدنيوي عن المفترين الكذب عليه سبحانه، فهم متوعدون بالغضب والذلة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُمَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِى الْحَوَةِ الدُّنّ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]. وهم أيضًا متوعدون بعذاب يستأصلهم، قال سبحانه: ﴿قَالَ لَهُم ◌ُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ ٤٣٢ عبر النفسية جومبو لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الفلاح خَابَ مَنِ آَفْتَرَى﴾ [طه: ٦١]. ولما كان نفي الفلاح الدنيوي عن الذین يفترون على الله الكذب عامٌ، بین جل ثناؤه أن ما قد يحصل لبعضهم من صور التنعم الظاهر في الدنيا، هو متاعٌ قليلٌ على سبيل الاستدراج والإملاء (١)، فقال جل وعز: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦) مَتَعُ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَهْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوايَكْفُرُونَ ﴾ [يونس: ٦٩-٧٠]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ) مَتَعُ قَلِلٌ وَُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النحل: ١١٦-١١٧]. ونظير هذه الآية قوله سبحانه: ﴿ وَمَنْ ٠ ٤ر٠٠٠رر كَفَرَ فَلَا يَحْزُئِكَ كُفْرُ وَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنِّتُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ اللّهَ عَلِيُمْ بِذَاتِ الصُّدُورِ ، نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [لقمان: ٢٣-٢٤]. ٢. الإجرام. الجيم والراء والميم أصلٌ واحد بمعنى القطع، ومنه قولهم: جرم، أي كسب؛ لأن الشيء الذي يحوزه كأنه يقتطعه (٢). ثم أطلق الفعل علی کل اكتساب مكروه، ولا یکاد يستعمل في الكسب المحمود(٣). (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٣/٤. (٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٩٧/١. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص١٩٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي وقد جاء عده من موانع الفلاح في موضع أَظْلَمُ مِمَّنِ فَمن واحد، في قوله جل ثناؤه: اُفْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْكَذَّبَ بِثَايَتِهِ* إِنَّهُ لَا يُفْلِّحُ اَلْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧]. والمراد بالمجرمين هنا الكفار (٤) الذين اكتسبوا الإثم بكفرهم بالله. ولفظ افتراء الكذب على الله والتكذيب بآياته في الآية عام، ومنه تحريف كلام الله ثم نسبته إليه سبحانه، وادعاء النبوة والوحي من الله(٥)، والتكذيب بآيات القرآن التي جاء بها النبي صلی الله عليه وسلم. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ وقوله سبحانه: الْمُجْرِمُونَ ﴾ تذييل للوعيد يتنزل منزلة التعليل، أي لا ينجح ولا يفوز بحاجته من اتصف بصفة الإجرام. وهذا النفي للفلاح يختلف بحسب حال الفاعل للإجرام، فإن کان کافرًا، قد اكتسب بكفره وتكذيبه الآثام كما في سياق هذه الآية، فالمراد بنفي الفلاح عنه؛ نفي أصله، وإن كان من اتصف بصفة الإجرام قد اكتسب من الذنوب واجترح من السيئات التي لم تبلغ درجة الكفر والتكذيب، فهو على خطر الوعيد، وحقيق بأن يدخل تحت هذا القدر من الآية، ويكون المراد بنفي الفلاح عنه نفي كماله. ٣٥٦/٢. (٤) جامع البيان، الطبري ١٢ / ١٤١. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٤/٤، محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ١٣. www. modoee.com ٤٣٣ حرف الفاء رابعًا: السحر: السحر في اللغة صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، ويطلق على كل ما لطف مأخذه ودق(١). والسحر أنواعٌ فمنه ما هو تخييل، ومنه ما له حقيقة وتأثير، وهو محرمٌ بالإجماع (٢)، وما كان منه من نوع السحر الحقيقي فهو من الكفر البين؛ لأنه لا يتحقق إلا بالوقوع في الشرك، كمعاونة الشياطين للساحر مقابل ما يقدمه لهم من طاعة وخضوع في مخالفة الشرع (٣). والسحر من موانع تحقق الفلاح الدنيوي والأخروي، وقد جاء التصريح بذلك في موضعين من القرآن الكريم: الأول: في قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَ كُمْ أَسِحْرُ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّحُونَ﴾ [يونس: ٧٧]. وذلك في سياق الرد على فرعون وملئه المكذبين بما أوتي موسى عليه السلام من الآيات، والقائلين له: ﴿فَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]. ﴿قَالَ مُوسَى﴾ منكرًا عليهم: ﴿أَتَقُولُونَ (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤/ ١٧٠، لسان العرب، ابن منظور ٤ /٣٨٤. (٢) انظر: المغني، ابن قدامة ٣٠٠/١٢، شرح صحيح مسلم، النووي ١٤ / ١٧٦. (٣) تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الله آل الشيخ ص٣٨٤، السحر، أحمد الحمد ص١٨٤. لِلْحَقِّ لَمَّا جََّكُمَّ أَسِحْرُ هَذَا﴾ وضمن ذلك معنى التكذيب والتوبيخ والتجهيل لقولهم(٤)، ثم لما نفى موسى عليه السلام عن آیات الله أن تكون سحرًا، ارتقی فأبان لهم فساد السحر نفسه، وسوء عاقبة معالجيه تحقيرًا لهم؛ لأنهم كانوا يعظمون شأنه، فقال: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّحِرُونَ﴾ (٥). والموضع الثاني: في قوله سبحانه: ﴿وَأَلْقِ مَا فِ يَمِينِكَ ثَلْقَفْ مَا صَنَّعُواْ إِنََّا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍّ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ [طه: ٦٩]. أي: لا يظفر الساحر ولا يحصل له مقصوده بالسحر أينما كان، وقيل عدم فلاحه: بأن يقتل الساحر حيث وجد، وهو (٦). من التفسير باللازم ونفي الفلاح في هاتين الآيتين يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد سبحانه ذلك بالتعميم في كل الأمكنة بقوله: ﴿حَيْثُ أَنَى﴾، وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفيًا عامًا إلا عمن لا خير فيه، وهو الكافر(٧). وإنما كان السحر الحقيقي من موانع الفلاح؛ لأنه قد انتفى عنه بسحره هذا أصل (٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٧٣/٩، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٦٨/٤. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٢٥٠. (٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٥/١٦، المحرر الوجيز، ابن عطية ١١ / ٨٧. (٧) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٩/٤. ٤٣٤ جوسين القرآن الكريم الفلاح الإيمان الموجب لكل فوز وسعادة في الدنيا والآخرة، فليس للسحرة في الآخرة حظ ولا نصيب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ أُشْتَّرْنَهُ مَا لَهُ، فِىِ الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وأما حظهم في الدنيا فالذلة والصغار، وعدم تحقق ما يسعون إليه ویهدفون، قال سبحانه عن حال سحرة فرعون قبل إيمانهم ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وسجودهم لرب العالمين: ) فَقُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (® صَغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٨ - ١١٩]. ثواب المفلحين أثنى الله تبارك وتعالى على عباده الذين قاموا بأسباب الفلاح، واتصفوا بصفات المفلحين، وبين في مواطن من كتابه الكريم عظم ذلك الثواب الذي ظفروا بطرف منه وهم أحياء في الدنيا، وينتظرون الفوز الأكبر به في الآخرة، ويمكن النظر إلى ماهية ذلك الثواب من خلال ما يلي: أولًا: ثواب المفلحين في الدنيا: ١. الاهتداء إلى الطريق المستقيم. من أعظم النعم التي امتن الله بها على عباده المؤمنين نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم. قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤]. وسؤال هذه الهداية من الله عز وجل من أعظم مطالب العباد، واضطرارهم إليها فوق كل ضرورة(١). وقد أكرم الله جل ثناؤه المتقين من عباده والمحسنين؛ القائمين بأسباب الفلاح الظاهرة والباطنة على الكمال، أن وفقهم للهداية التامة فقال جل وعلا: ﴿ الّـ ب) ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبٌ فِيهِ هُدَى لِلْلَّقِينَ ﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَ يُقِيمُونَ السَّلَوَةَ وَمَّا رَنَفْهُمْ يُنفِقُونَ ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّ أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَى مِن نَِّهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ (١) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٣٢. www. modoee.com ٤٣٥ حرف الفاء الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ -٥]. فمن الهداية التامة: هداية الدلالة والبيان المتضمنة تعليم المؤمن ما لا يعلم من الحق إجمالًا وتفصيلاً، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ اُلْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. والمعنى: «لنبصرنهم سبلنا، أي: طرقنا في الدنيا والآخرة)) (١). ومن الهداية التامة: هداية التوفيق والإلهام، والمتضمنة إلهامه الحق، والتوفيق لإتباعه، والعمل بعلمه، والثبات عليه إلى الممات(٢). قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدِّى وَءَانَمُهُمْ تَقْوَنُهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. ((والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها وزادهم منها ﴿وَءَانَتُهُمْ نَقْوَنُهُمْ﴾ أي: ألهمهم رشدهم»(٣). ٢. الحصول على الخيرات والذكر الحسن. أثنى الله جل وعز على عباده المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح في الجهاد بالمال والنفس، ووصفهم بأنهم المفلحون الفلاح المطلق، الذي تكاملت فيه أسبابه، وتحققت صفاته، فهم الذين ظفروا وفازوا بكل مطلوب لهم في الدنيا والآخرة، ومنه الحصول على الخيرات الكثيرة المتتابعة، كما في قوله جل وعلا: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ بِأَمَوَيْهِمْ وَأَنفُسِهِدَّ وَأَوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَثَّتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا ذَلِكَ اٌلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٨٨-٨٩]. والخيرات جمع خيرة، وهو المستحسن من كل شيء (٤)، واللام فيه للاستغراق؛ للدلالة على كثرة وتنوع ما يمنحون من المحاسن والفضائل في الدنيا والآخرة، وأولاها بالذكر والدخول تحت عموم هذا اللفظ تلكم الخيرات المتعلقة بالإيمان والجهاد في سبيل الله، كالعزة، والنصر على الأعداء، وإقامة الحق والعدل بدين الله، والتمتع بالغنائم، والسيادة في الأرض، ومنها الذكر في الدنيا، والثناء الحسن، وسلوك الناس طريقهم(٥). ثانيًا: ثواب المفلحين في الآخرة: ١. ثقل الموازين يوم القيامة. تجازى الخلائق في الآخرة بأعمالها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فمن ثقلت (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٦/٦. (٢) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٣٢/١، الوعد الأخروي، عيسى السعدي ١/ ٨٠. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٥/٧. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٤٩/٨. (٥) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٠/ ٥٠٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠/ ٢٩١. ٤٣٦ ـَ البَشَّ جوية القرآن الكريمِ الفلاح موازينه بالأعمال الصالحة، ورجحت حسناته على سيئاته، فهو من تحقق له الفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقد أخبر الله جل ثناؤه في موضعين اثنين من كتابه الكريم أن ثقل الموازين بالحسنات يوم القيامة وما ترتب عليه، هو من الفلاح الذي ظفر به المفلحون من عباده فقال عز من قائل: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَيدٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِشَايَتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ [الأعراف: ٨-٩]. وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ.فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ. فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ -١٠٣]. ٢. وراثة الفردوس. وعد الله جل ثناؤه عباده المؤمنين الذين حققوا أسباب الفلاح في الدنيا بالظفر والفوز بالنعيم المقيم في الآخرة، فقال: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَّرِقُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠]. أي: هم الأحقاء بأن يسموا وراثًا دون من عداهم ممن لم يتصف بتلك الصفات من المؤمنين(١). (١) روح المعاني، الألوسي ١٨/ ١٢. ثم بين الله جل وعز ما يرثونه على سبيل التفخيم والتأكيد(٢)، فقال: ﴿الَّذِينَ يَرِقُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١]. والفردوس هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر (٣). وهو أوسط الجنة وأعلاها منزلًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)(٤). ووراثة عباد الله المفلحين لجنة الفردوس بأن يرثوا منازل أهل النار في الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله) فذلك قوله عز وجل: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ﴾(٥). موضوعات ذات صلة: الخسران، الصلاح، النجاة، النصر (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ٨٣. (٣) الكشاف، الزمخشري ١٧٨/٣. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء)، رقم ٦٩٨٧، ٢٧٠٠/٦. (٥) أخرجه ابن ماجه في سننه، أبواب الزهد، باب صفة الجنة، رقم ٤٣٤١، ٣٨٩/٥. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ١٠١٠، رقم ٥٧٩٩. www. modoee.com ٤٣٧