النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
6٧
الفُلا
عناصر الموضوع
مفهوم الفلاح
٤٠٤
الفلاح في الاستعمال القرآني
٤٠٥
الألفاظ ذات الصلة
٤٠٦
منزلة الفلاح
٤٠٨
أسباب الفلاح
٤٠٩
صفات المفلحين
٤٢٢
٤٢٧
موانع الفلاح، وأسباب حرمانه
٤٣٥
ثواب المفلحين
المُجَلَّ السَّادِسْ وَالعشْرُونْ
حرف الفاء
مفهوم الفلاح
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (فلح) تدل على معنيين:
أحدهما: يدل على شقٍ.
والآخر: على فوزٍ وبقاء (١).
فمن إطلاقات المعنى الأول: الفلح: الشق والقطع. والفلح: الشق في وسط الشفة
السفلى، فيقال: رجلٌ أفلح، وامرأةٌ فلحاء. وسمي الأكار فلاحا؛ لأنه يشق الأرض، ومنه
قولهم: إن الحديد بالحديد يفلح (٢)، والفلح: النجش، وهو زيادة المكتري ليزيد غيره فيغر
به (٣).
ومن إطلاقات المعنى الثاني: الفلاح: البقاء في الخير، وفلاح الدهر: بقاؤه. ومنه (حي
على الفلاح) أي: هلم على بقاء الخير (٤)، وقيل: الفوز بالبقاء الدائم(٥). وقيل: النجاة (٦).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الفلاح اصطلاحًا: اسمٌ جامع للظفر بالمطلوب، والنجاة من المرهوب (٧).
فلفظ الفلاح إذًا يعم كل فلاح في الدنيا والآخرة، ومن ثم لم يكن ((في كلام العرب كلمة
أجمع لخير الدنيا والآخرة من كلمة الفلاح)» (٨).
(١) مقاییس اللغة، ابن فارس ٤ /٤٥٠.
(٢) انظر: العين، الفراهيدي ٢٣٣/٣، جمهرة اللغة، ابن دريد ٥٥٥/١.
(٣) تهذيب اللغة، الأزهري ٤٧/٥.
(٤) العين، الفراهيدي ٢٣٣/٣.
(٥) تهذيب اللغة، الأزهري ٤٦/٥.
(٦) الصحاح، الجوهري ١/ ٣٩٢.
وانظر: معاني القرآن، الفراء ١٨٦/٢.
(٧) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٣٥٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ١٨٢.
(٨) شرح السنة، البغوي ١٣ / ٩٤.
٤٠٤
جوية
القرآن الكريمِ
الفلاح
الفلاح في الاستعمال القرآني
وردت مادة (فلح) في القرآني الكريم (٤٠) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٤
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون: ١]
الفعل المضارع
٢٣
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الأنعام: ٢١]
اسم الفاعل
١٣
﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾ [البقرة: ٥]
وجاء الفلاح في الاستعمال القرآني بمعنى البقاء والفوز والسعادة (٢)، قال تعالى: ﴿قَدْ
أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]. أي: ((قد أدرك الذين صدقوا الله ورسوله الخلود في جنات
ربهم، وفازوا بطلبتهم لديه))(٣). وقال ابن كثير: ((قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح)) (٤).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٥٢٦.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٤٥٠.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٥.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٤٦١.
www. modoee.com
٤٠٥
حرف الفاء
الألفاظ ذات الصلة
١
الفوز:
الفوز لغة:
الفاء والواو والزاء كلمتان متضادتان. فالأولى النجاة والأخرى الهلكة، فمن الأولى
قولهم: فاز يفوز، إذا نجا، وهو فائز، وفاز بالأمر: إذا ذهب به وخلص، ويقال هذا لمن ظفر
بخير وذهب به، والكلمة الأخرى قولهم: فوز الرجل، إذا مات وهلك (١).
الفوز اصطلاحًا:
((الظفر بالخير مع حصول السلامة»(٢).
الصلة بين الفوز والفلاح:
الفوز قريب لمعنى الفلاح، إلا أن لفظ الفلاح يختص بنوع من الفوز: وهو الفوز بالأمر
العظيم الذي يغتبط به (٣)، ويتطلب اجتهاد في تحصيله، ويلحظ فيه معنى البقاء والدوام.
النصر:
٢
النصر لغة:
النون والصاد والراء أصلٌ صحيحٌ يدل على إتيان خيرٍ وإيتائه. ونصر الله المسلمين:
آتاهم الظفر على عدوهم(٤).
النصر اصطلاحًا:
العون. ويختص لفظ النصر بأنه إعانة فى مقابل العدو المتربص، إما بالظفر عليه، وإما
بدفع مضرته(٥).
وقيل: هو الفوز والغلبة على الأعداء.
الصلة بين النصر والفلاح:
أن النصر أخص من الفلاح؛ فالنصر الظفر على العدو، والفلاح أعم من ذلك.
(١) مقاييس اللغة ٣٦٧/٤.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٨٧.
(٣) معاني القرآن، الزجاج ٤٣٥/١.
(٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ٤٣٥.
(٥) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٨٠٨، الفروق اللغوية، العسكري ص١٨٩، الكليات،
الكفوي ص ٩٠٩.
٤٠٦
جوبيين
القرآن الكريمِ
الفلاح
النجاة:
٣
النجاة لغة:
((أصل النجاء: الانفصال من الشيء، ومنه: نجا فلان من فلان وأنجيته، ونجيته))(١).
فالنجاة هي الخلاص من كل مخوفٍ مرهوبٍ ونظيرها السلامة (٢).
النجاة اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين النجاة والفلاح:
النجاة جزء من معنى الفلاح، المشتمل على الظفر بالمحبوب والسلامة من المرهوب.
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٩٢.
(٢) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢١٠.
www. modoee.com
٤٠٧
حرف الفاء
منزلة الفلاح
تنوعت أساليب القرآن الكريم في
الحديث عن منزلة الفلاح، والترغيب في
تحصیله، ومن ذلك:
١. ذكر الأسباب التي تعين على تحصيل
الفلاح.
قال جل وعز: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ
صَلِحًا فَعَسَىَّ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾
[القصص: ٦٧].
وقوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ
اُلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
٢. التنويه بصفات عباد الله المفلحين.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) الَّذِينَ
هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ
مُعْرِضُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلِزَّكَوَةِ فَعِلُونَ
، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ (٥) إِلَّا
عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ
مَلُومِينَ آ فَمَنٍ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ
هُمُ الْعَادُونَ ﴿ وَالَّذِيْنَ هُرْ ◌ِأَ مَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ
رَعُونَ ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِقُونَ
أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ
[المؤمنون: ١
اَلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾
-١١].
٣. التنويه بذكر الثواب العظيم المقارن
للفلاح في الدنيا والآخرة.
قال سبحانه: ﴿أُوْلَكَ عَلَى هُدَى مِنْ رَِّهِمّ وَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥].
وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَدُ جَهَدُواْ بِأَقْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ
وَأُوْلَئِكَ لَمُ الْخَيْرَتُّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ﴾ [التوبة: ٨٨].
٤. ذكر نماذج مشرقة ممن اتصفوا
بصفات الفلاح.
كالصحابة رضي الله عنهم عمومًا،
ويلحق بهم من صنع صنيعهم ممن جاء
بعدهم. قال جل ثناؤه: ﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ اَلَّذِىَ أُنْزِلَ
مَعَهُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [ الأعراف:
١٥٧].
وكالأنصار خصوصًا، وذلك في قوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُوالدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِْ
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ
حَاجَةً مِّمَا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ
كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ. فَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
٥. الترهيب من الأعمال التي تمنع من
تحقق الفلاح، وتكون سببًا من أسباب
حرمانه.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾
[الأنعام: ١٣٥].
وقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ [طه:
٦٩].
٤٠٨
وَرُ النَّسِيَةِ
جوبير
القرآن الكريمِ
الفلاح
٦. التخويف من نقيض وصف الفلاح
ومقابله وهو الخيبة والخسران في الدنيا
والآخرة.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَّقُلَتْ مَوَزِينُهُ. فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ.
فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ
خَلِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣].
وقال جل وعز: ﴿وَأَلْوَزْنُ يَوْمَيدٍ الْحَقُّ
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَيْكَ الَّذِينَ خَسِرُوا
أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِحَايَِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:
٨-٩].
٧. التخويف من الآثار السيئة لمخالفة
بعض أسباب الفلاح، كالاختلاف
والفرقة والتنازع.
قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ
وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَلَا تَكُونُواْ
كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَ هُمُ الْبَيِّنَكُ
وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤ -
١٠٥].
أسباب الفلاح
الأسباب: جمع سبب، وهو كل شيء
يتوصل به إلى غيره(١). والمقصود به هنا
الأعمال التي توصل إلى تحقيق الفلاح
بإذن الله، وهي على ضربين: أعمال القلوب
وأعمال الجوارح.
أولًا: أعمال القلوب:
وهي حركة القلب وإرادته الموافقة لما
استقر فيه من العلم والتصديق(٢).
وضرب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله لذلك مثالًا بقوله: ((فأما قول القلب:
فهو التصديق الجازم بالله، وملائكته،
وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويدخل فيه
الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله
عليه وسلم ... وهذا التصديق يتبعه عمل
القلب، وهو حب الله ورسوله، وتعظيم
الله ورسوله، وتعزير الرسول، وتوقيره،
وخشية الله، والإنابة إليه، والإخلاص له،
والتوكل عليه، إلى غير ذلك من الأحوال،
فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان، وهي
مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلة
للمعلول»(٣).
ومن أعمال القلوب التي جعلها الله جل
(١) لسان العرب، ابن منظور ٤٥٨/١.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٥٢٨/٧،
٦٧٢، ٠٧٣٦،٢٧١/١٠
(٣) المصدر السابق ٧ / ٦٧٢.
www. modoee.com
٤٠٩
حرف الفاء
ثناؤه سببًا في تحقق أصل الفلاح وكماله:
١. الإيمان.
وهو السبب الأعظم في کل فلاح دنيوي
وأخروي، فكلما قوي الإيمان في قلب العبد
واستحکم، كلما کمل فلاحه، وقد ذكر هذا
السبب في موضعين من القرآن الكريم،
وجاء ذكره فيهما في سياقین مختلفین:
السياق الأول: ذكر فيه الإيمان المطلق،
والمراد به الدين جميعه، فهو بمعنى
الإسلام، ويدخل فيه حينئذ الأعمال الظاهرة
والباطنة. وذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١].
والسياق الثاني: ذكر فيه الإيمان مقرونًا
بالعمل الصالح، في قوله جل ثناؤه: ﴿ فَأَمًا
مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَعَسَىَ أَن يَكُونَ مِنَ
الْمُفْلِِينَ
[القصص: ٦٧].
والمراد به أصل الإيمان في القلب، وهو
الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله،
واليوم الآخر، والقدر خيره وشره(١).
وقد نص الله جل وعز في مواطن من
كتابه الكريم على بعض أصول هذا الإيمان
بمفردها، وعلق عليها تحقق ذلك الفلاح،
ومنها:
٨. الإيمان بالغيب.
فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِمُونَ الصَّلَوَةَ
وَّا رَفَقْتَهُمْ يُفِقُونَ ﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ
(١) المصدر السابق ٧/ ٥٥١ وما بعده.
جوبيع
القرآن الكريم
مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَى ◌ِن ◌َِّهِمّ
وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٣-٥].
والمقصود به التصديق بكل ما غاب عن
العبد مما لا تدركه الحواس ولا العقول
وحدها؛ لأنه لا يعرف إلا بوحي الله إلى
رسله، ومن ذلك ما أخبر الله به في كتابه
العزيز، من الإيمان بالله، وملائكته، و کتبه،
ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، ولقائه،
والإيمان بالحياة بعد الممات(٢).
٩. الإيمان بالكتب المنزلة على
المرسلین.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمُونَ بِمَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ
مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقُونَ ) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِهِمْ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤-٥].
والمعنی أي: يصدقون بما جئت به من
الله جل وعز، وما جاء به من قبلك من
المرسلین، لا یفرقون بينهم، ولا يجحدون
ما جاءوهم به من ربهم(٣).
وقد أمر الله جل ثناؤه بذلك فقال:
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِه
وَالْكِتَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَاَلْكِتَبِ
الَّذِىّ أَنْزَّلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَتِكَتِهِ،
وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا
بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
وأخبر تبارك وتعالى أن الرسول صلى
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٢٤٢.
(٣) روي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله
عنهما، انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٢٥٠.
٤١٠
الفلاح
الله علیه وسلم ومن معه من المؤمنین، آمنوا
بهذا الأصل العظيم، ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ
إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَِكَتِهِ.
وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾
[البقرة: ٢٨٥].
وفي قرن المؤمنين هنا بالرسول صلى
الله عليه وسلم، والإخبار عنهم جميعا بخبر
واحد، شرف عظيم للمؤمنين(١).
١٠. الإيمان باليوم الآخر.
قال تعالى: ﴿وَلِّينَ يُؤْمُنَ بِمَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ
مِن قَبْلِكَ وَيَلْفِرَةِ هُمْيُوقُنَ ا أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَى مِنْ تَبِهِمّ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: ٤-٥].
والآخرة: اسم لما يكون بعد الموت،
واليقين: هو العلم التام الذي لا يتطرق إليه
شك. والمعنى: يوقنون بكل ما أعده الله
لخلقه يوم القيامة، فهم موقنون بالبعث
والقيامة، والجنة، والنار، والحساب،
والميزان، والثواب والعقاب. وخص
الإيمان باليوم الآخر بالذكر مع دخوله في
عموم الإيمان بالغيب، والإيمان بما أنزل
علی الرسول صلی الله عليه وسلم؛ لأنه
أحد أركان الإيمان؛ وأعظم باعث على
الرغبة والرهبة والعمل (٢).
١١. الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم
وتعظيمه، ونصرته، وإتباع ما جاء به.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٦١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٢٥٢، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ
الْأُقِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِى
التَّوْرَةِ وَآلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَّيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ
الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَدُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ:
[الأعراف: ١٥٧].
اشتملت هذه الآية على أربعة أفعالٍ،
هي من أسباب حصول الفلاح في الدنيا
والآخرة، وهي:
تصديق النبي الأمي صلى الله عليه
وسلم، والإقرار بنبوته، وتوقيره وتعظيمه،
ونصرته على من يعاديه، ويلحق به تعظيم
سنته صلى الله عليه وسلم ونصرتها، ثم
إتباع القرآن وما تضمنه من شرائع الإسلام
التي أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذه الآية أيضًا تنويه بعظيم فضل
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي
الله عنهم؛ لأنهم أول وأعظم من تحققت
فيهم هذه الصفات، ويلحق بهم من نصر
(٣)
دینه من بعدهم
٠
ويدخل تحت هذا الأصل من أصول
الإيمان: التسليم الكلي، والانقياد التام
ظاهرًا وباطنًا لحكم الله جل ثناؤه، وحكم
(٣) التحرير والتنوير ٤٨٣/٥.
www. modoee.com
٤١١
حرف الفاء
رسوله صلی الله علیه وسلم، قال تعالی:
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوّاْ إِلَى الَّهِ وَرَسُولِهِ.
◌ِيَحْكُمُ بَيْنَهُ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ
اٌلْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].
فإن من صفات المؤمنين الصادقين،
الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم، أنهم حين
يدعون إلى ما جاء في كتاب الله، وسنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم
بينهم بذلك، سواء وافق ذلك الحكم
أهواءهم، أم خالفها = يقولون: ﴿سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا﴾، سمعنا حكم الله ورسوله، وأجبنا
من دعانا إليه، وأطعنا طاعة تامة، سالمة من
الحرج، وبدون أدنى تردد أو تباطؤ(١). وهذا
شرط الإيمان، قال جل وعز: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لَا يَجِدُواْفِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
٢. التقوى.
وهي أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه
من غضب ربه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من
ذلك، بفعل کل ما أمر الله به ورسوله صلی
الله عليه وسلم، وترك كل ما نهى الله عنه
ورسوله صلی الله علیه وسلم(٢).
وقد تكرر هذا السبب خمس مرات، في
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧٢.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٩/٢٧،
جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٣٩٨/١.
سياقات متنوعة:
١. تقوى الله فى مجانبة عادات الجاهلية،
وخطوات المبتدعين الذين زادوا في
الحج ما ليس من شرع إبراهيم عليه
السلام(٣)، قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ
عَنِ الْأَمِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ
وَاَلْحَجِّ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ
مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىُّ وَأَتُواْ
اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَاً وَأَتَّقُواْ اللّهَ
لَعَلَكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].
٢. تقوى الله في مجانبة ما حرمه الله
من المعاملات، قال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَواْ أَضْعَدِفًا
مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[آل عمران: ١٣٠].
٣. تقوى الله في ملازمة الصبر، والجهاد
في سبيل الله، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَ مَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل
عمران: ٢٠٠].
٤. تقوى الله في ملازمة فعل الطاعات،
وترك المحرمات، والجهاد في
سبيل الله، قال عز وجل: ﴿يَكَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ
اَلْوَسِيلَةَ وَجَِهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١/ ٢٦٣،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٧/٢.
٤١٢
جَوَُّور
القرآن الكريمِ
الفلاح
تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥].
٥. تقوى الله في مجانبة كل ما كان صفته
الخبث والرداءة، والخسة والفساد،
من الاعتقادات، والأقوال، والأعمال
القبيحة، والنفوس الخبيثة، والأموال
المحرمة(١)، قال جل ثناؤه: ﴿قُل لَّا
يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالََّيْبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ
اَلْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠].
وتقوى الله لما كانت جماع كل خيرٍ،
وكانت تجمع حقوق الله وحقوق العباد؛
علق الفلاح عليها في جميع هذه الآيات
تعلق المسبب بسببه؛ إيذانًا بأن تحقق
التقوی سببٌ في تحقق الفلاح، وأن العبد
كلما جاهد نفسه، واجتهد في تحقيق تقوى
مولاه، كان فلاحه أكمل، وسعادته أعظم.
٣. الصبر والمصابرة.
الصبر من خصال الخير عظيمةٌ، التي لا
يعلم جزاءها إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَاتُوَنَّ
الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
من هدي إليه فقد هدي إلی خیر عظیم،
قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا
وَمَا يُلَقَّنَا إِلََّذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥].
وقد جاء في موطنٍ واحدٍ تعليق الفلاح
على مجموعة أمورٍ منها الصبر والمصابرة،
وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٠٥/٥.
ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
◌َعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [ آل عمران: ٢٠٠].
والمراد بالصبر هنا الصبر على جميع
معانى طاعة الله جل ثناؤه، فيما أمر به، وفيما
نهى عنه، فيدخل فيه الصبر على الجهاد،
والصبر على الصلوات وفرائض الإسلام،
والصبر على المصائب، والصبر على فعل
الخير. فلا يدع ذلك الدين، وتلك الطاعة
لشدة تعتریه ولا لرخاء حتی یأتیه الیقین. أما
المصابرة فهي مصابرة أعداء الله، أهل الكفر
والضلال، مع النبي صلی الله عليه وسلم في
حياته وبعد مماته، حتی یتحقق موعود الله،
بإعلاء كلمته ودينه، والظفر والنصر لعباده
للمؤمنين، والخزي لأعدائهم (٢).
٤. مطالعة آلاء الله ونعمائه(٣).
وهو من الذكر القلبي الذي يدخل تحت
عموم قوله سبحانه: ﴿فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ
لَعَلَّكُوْ نُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩].
إذ علق الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة
على تذکر نعم الله والتفكر فيها، وفي ذلك
سرٌّ لطيفٌ، وهو أن ذكر النعم، وإدامة النظر
فيها، واستشعار عظمتها، يبعث في النفس
تعظيم المنعم سبحانه، ومحبته، والخضوع
له، والمداومة على شكره بالقلب واللسان
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣٦/٦، تفسير
ابن أبي حاتم ٣/ ٨٤٧.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١ / ٩٥.
www. modoee.com
٤١٣
حرف الفاء
والجوارح، فتقابل تلك النعم حينئذٍ ٣١].
بالطاعات.
٥. التوبة.
وقد علق الفلاح بالتوبة تعلق المسبب
بسببه في موضعين اثنين، وتنوع المراد
بالتوبة في هاتين الآيتين لتنوع الخطاب
والسياق القرآني فيهما:
أولًا: التوبة من الشرك: وجاء ذلك في آية
مکیة کان الخطاب فیها للمشرکین، قال جل
ثناؤه: ﴿وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَّكَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلْ يَسْتَجِيبُواْ
ويوم
لَهُمْ وَرَأَوْ اَلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْنَدُونَ
يُنَادِهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ { فَعَمِيَتْ
عَلَيْهِمُ الْأَنْبَآءُ يَوْمَيِّدٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَ لُونَ
فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَيِلَ صَالِحًا فَعَسَقَ أَنْ يَكُونَ
مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٤-٦٧].
فذكر تعالى في هذه الآية: صورة التوبة
التامة، التي يكون فيها الجمع بين ترك
القبيح، وتحري الجميل(١). فهو جمع بین
ترك الشرك، وبين الإيمان وإخلاص العبادة
لله، مع قيامه بالعمل الصالح.
ثانيًا: التوبة من التقصير والغفلة (٢)،
التي لا يسلم منها إنسانٌ، وجاء ذلك في
آية مدنیة، کان الخطاب فیھا لأهل الإيمان،
فقال عز من قائل: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَميعًا
أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور:
(١) المصدر السابق.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٦/ ٣٦.
فخاطب الله تعالى خيار خلقه أن يتوبوا
إليه؛ بالرجوع إلى طاعته سبحانه في امتثال
ما أمر به، وترك ما نهى عنه، وبالرجوع
مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبه
الله ظاهرًا وباطنًا. وفي خطاب المؤمنين
وأمرهم بالتوبة الدليل على أن كل مؤمن
محتاج إلى التوبة، وفي قوله: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى
اَللَّهِ﴾، الحث على الإخلاص في أن تكون
التوبة لله وحده، لا لأجل مقاصد فاسدة
کالسلامة من آفات الدنیا، أو رياء وسمعة،
أو نحو ذلك(٣).
٦. الإخلاص.
وقد جاء في سياق آيات الفلاح في القرآن
الكريم التنبيه على مثال له: بالإخلاص في
النفقة، فقال عز من قائل: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبى
حَقَّهُ, وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلِّينَ
يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الروم: ٣٨].
وذلك بأن يتوخى المسلم بنفقته -يوم
يعطي ويطعم - إرضاء الرب جل ثناؤه،
والطمع فيما عنده، فلا الرياء مقصده ولا
السمعة، ولا الفخر باعثه ولا الشهرة، ولا
مكافأة يد سابقة، قال جل ثناؤه: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا
الْأَنْقَى ) الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزَّكُى ) وَمَا لِأَحَدٍ
عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْرِىٌ ﴿ إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اَلْأَعْلَى﴾
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٦٧.
٤١٤
مَشُورَةُ الْبَقِيَّة
القرآن الكريمِ
الفلاح
[الليل: ١٧ - ٢٠].
إنما يبغي بذلك کله وجه الله، لا یرید
جزاءً ولا شكورا، قال جل وعز: ﴿وَيُطْعِمُونَ
اَلَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا ) إِنَّا
نُطْمِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءُ وَلَا شُكُورًا﴾
[الإنسان: ٨-٩].
٧. الخشوع.
وقد علق الفلاح علیه في موطن واحد،
في قوله جل ثناؤه: ﴿قَدْ أَفَلَحَ الْمُؤْمِنُونَ )
اُلَِّينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِمُونَ ﴾ [المؤمنون:
١- ٢].
والخشوع في الصلاة إنما يتحصل لمن
فرغ قلبه للصلاة، واشتغل بها عما عداها،
فأحضر قلبه بين يدي مولاه، واستحضر
قربه وعظمته جل جلاله، وتدبر جمیع ما
يقوله ويفعله في صلاته، فیسکن لذلك
قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته، ويقل
التفاته، فتنتفي بذلك الخواطر والأفكار
الرديئة (١).
وإنما ذکر الخشوع مع الصلاة؛ لأنه بها
أعلق، فهي أولى الحالات بإثارة الخشوع
وقوته؛ ولذلك قدم هذا الوصف على
بقية أوصاف المؤمنين، وفيه التنويه بشأن
الخشوع، ومجيء ذلك في صورة الجملة
الاسمية دلالة على ثبات الخشوع لهم
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٦١/٥،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٤٧.
ودوامه، وأنه أصبح لهم خلقًا (٢).
٨. موالاة الله ورسوله والمؤمنين،
والبراءة ممن حاد الله ورسوله.
لما كان الحب في الله والبغض في الله
أو ثق عرى الإيمان؛ أخبر الله جل ثناؤه أن
الاتصاف بوصف الإيمان مانع من موادة
الكفار ومحبتهم ولو كانوا أقرب الناس (٣)،
وأنه لا يجتمع في قلب المؤمن محبة الله،
ومحبة من حاد الله ورسوله، وخالف أمر
الله ونهيه، فقال تعالى: ﴿لَّا يَجِدُ قَوْمًا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَدُونَ مَنْ حَادَّ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ
أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
ومن لوازم نهي المؤمنين عن مودة
الكفار وموالاتهم؛ أن یکون ولاء المؤمن لله
ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين
قال تعالى: ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: ٥٥].
وقال جل وعز: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
وعلق سبحانه على تحقق هذه الصفة
كل فلاح دنيوي وأخروي، فقال عز من
قائل: ﴿أُوْلَبِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَانَ
وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهٌ وَيُدْيِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٤/١٨،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠/١٨.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ١١٥/٢.
www. modoee.com
٤١٥
حرف الفاء
مِن ◌َّحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَأَ رَضِىَ اَللَّهُ اشتملت آيات القرآن الكريم على أفعال
للجوارح علق الله جل وعز عليها معاقد
الفلاح، وفيما يلي ذکرها:
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ
اَللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقال سبحانه: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهُ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ
﴾ [المائدة: ٥٦].
ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
ثانيًا: أعمال الجوارح:
التوبة والإيمان والعمل الصالح، هذه
ثلاثة أسباب علق الله جل ثناؤه عليها جميعًا
الفلاح، وجمع بينها في آيةٍ واحدة، فقال
تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَعَسَى
أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧].
والمتأمل فيها يتبين مدى الترابط بينها؛
فالإيمان كلما قوي بعث في النفس روح
الأمل، فتجد العبد يعيش روحانية عالية
تجذبه جذبًا إلى المبادرة للتوبة، والمسابقة
في الأعمال الصالحات. فهو يعيش بين
لحظات ندم على ما مضى، يكفرها بتوبةٍ
وضراعة لمولاه، ويعيش فرحة أملٍ تدفعه
لحياةٍ أفضل، يغتنم فيها عمره.
والعمل الصالح هو أن يعمل بما أمره
الله بعمله في كتابه، وعلى لسان رسوله
صلی الله عليه وسلم (١)، فيؤدي الفرائض،
ويكثر من النوافل، ويجتنب المعاصي،
وكلما كانت حاله أكمل، كان فلاحه وفوزه
وسعادته في الدنيا والآخرة أكبر. وقد
(١) جامع البيان، الطبري ٢٩٨/١٨.
جَوُورُ
الْقُرْآن الكَرِيمِ
١. الصلاة.
وهي من أعظم مباني الإسلام، التي
علق عليها الفلاح، وقد جاء ذلك في خمسة
مواضع من القرآن الكريم، وتنوعت أساليبه
في ذلك:
٦. علق الفلاح على إقامة الصلاة.
قال جل ثناؤه: ﴿الَِّينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ
السَّلَوَةَ وَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْيُوقِنُونَ (٥) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِن
تَّبِّهِمّ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٣-٥].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
أُوْلَكَ عَلَى هُدَى مِّن رَّبِّهِمٌّ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[لقمان: ٤ - ٥].
وإقامة الصلاة؛ إقامتها ظاهرًا وباطنًا،
إقامتها ظاهرا: بأداء حدودها، وفروضها،
والواجب فيها، على ما فرضت عليه(٢).
وإقامتها باطنا: بحضور القلب فيها، وتدبر
ما يقوله ويفعله منها، وهي التي يترتب عليها
الثواب، فلا ثواب للإنسان من صلاته، إلا ما
عقل منها (٣).
وقد جاء التنبيه على أن هذه الإقامة
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٢٤٧.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤١.
٤١٦
الفلاح
الظاهرة والباطنة للصلاة هي من أسباب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا
تحقق الفلاح وذلك في قوله جل وعز: أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَائِهِمْ
خَشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: ١-٢].
٧. علق الفلاح على الركوع والسجود.
قال جل ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَرْ كَمُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ
الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
وخصا بالذكر من بين سائر أعمال
الصلاة؛ لأنهما أعظم أركانها وأشرفها؛ إذ
بهما إظهار الخضوع والعبودية، وتخصيص
الصلاة بالذكر قبل الأمر ببقية العبادات في
قوله: ﴿وَأَعْبُدُ واْرَبَّكُمْ﴾ تنبيه على أن الصلاة
أهم العبادات، فهي عماد الدين (١).
٨. علق الفلاح على تعلق القلب بالصلاة
واهتمامه بها.
وهذا من الرباط الذي يدخل تحت
قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وقد فسر الرباط في قولٍ بأنه انتظار
الصلاة بعد الصلاة؛ لأن كل من صبر على
أمرٍ، ولازمه وثبت عليه، يقال: ربط قلبه
عليه، وربط نفسه(٢). ويدل له ما رواه مسلم
في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
(١) انظر: التحرير والتنوير ٣٢٥/٩.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٥٣٩/١،
مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٧٤.
به الدرجات)؟. قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة
الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد
الصلاة، فذلكم الرباط)(٣).
٢. النفقة في سبيل الله.
وعلق الفلاح عليها في موضعين من
القرآن الكريم، في قوله جل ثناؤه: ﴿الَِّينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ السَّلَوَةَ وَمَّا رَزَقْهُمْ يُفِقُونَ وَالَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْفَقْ هُمْ يُقُِنَ
(١) أُوْلَكَ عَلَى هُدَى مِنْ تَّيْهِمَّ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[البقرة : ٣-٥].
ولفظ النفقة في الآية عامٌ في جميع
النفقات الممدوح بها، والمحمود علیھا (٤)،
ويشمل ذلك النفقات الواجبة والمستحبة،
التي تبذل احتسابا وتقربًا إلى الله جل وعلا،
علی قدر میسورهم وجهدهم. وأعلی تلك
النفقة قدرًا الزكاة، فإن أحب الأعمال إلى
الله الفرائض.
وقد بين سبحانه ذلك في سورة لقمان
فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿ أُوْلَكَ عَلَى
هُدَّى مِن رَّيِّهِمَّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، رقم
٢١٩/١،٢٥١.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٢٥٠.
www. modoee.com
٤١٧
حرف الفاء
وإنما علق الفلاح على الزكاة والنفقة في
سبيل الله؛ لما اجتمع فيها من تزكية للنفس
وتطهيرها من الصفات الرذيلة، والإحسان
إلى الخلق، وبها يتبين أن العبد يؤثر محبة
الله على محبته للمال، فيخرج محبوبه من
المال، لما هو أحب إليه، وهو طلب مرضاة
الله(١).
٣. ذكر الله تعالى.
وقد علق الفلاح على ذكر الله في أربعة
مواضع من القرآن الكريم، ثلاثة منها جاء
ذكره فيها مقرونًا بعبادات هي من أعظم
العبادات في الإسلام، فقد جاء مقرونًا
بالجهاد في قوله جل وعز: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
وبالصلاة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا
قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِنْ
فَضْلِ اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[الجمعة: ١٠].
ومقرونًا بالإيمان وطهارة النفس من
الشرك وبالصلاة معًا في قوله جل ثناؤه:
﴿قَدْ أَقْلَحَ مَنْ تَزََّّى ﴿ وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّى﴾
[الأعلى: ١٤ - ١٥].
وكثرة الذكر جاء بيانها في القرآن الكريم
بأن یذکر العبد ربه في کل أحواله، كما في
قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٤٦.
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا
سُبْحَنَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١].
﴿فَإِذَا قَضَيْتُهُ
تعالى:
وقوله
الصَّلَوَةَ فَأَذْكُرُواْ اللّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣].
والذكر تربية للروح، به تتصل بخالقها،
وفيه تظهر قوتها، وبسببه يتنزل المدد من
خالق الأرض والسماء، ويأخذ الأسباب
المادية والروحية يتحقق النصر والظفر على
الأعداء، والإنسان المسكين إذا فقد حظه
من ربه خسر كل شيءٍ من أمره (٢).
وكثرة الذكر سببٌّ في انشراح الصدر،
وطمأنينة القلب، وزوال الهم والغم، قال
تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ
اللّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد:
٢٨].
والموطن الرابع الذي علق فيه الفلاح
على ذكر الله، كان الذكر فيها خاصًا،
وهو ذكر آلاء الله ونعمه، قال سبحانه:
﴿فَذَّكُرُوَاْ ءَالَآءَ اَللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[الأعراف: ٦٩].
إذ يستشعر العبد بقلبه عظيم منن الله
عليه، فيعظم حبه ورجاءه له، وينطلق لسانه
بالثناء على النعماء، وتقبل جوارحه على
(٢) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في
التفسير ٥٤٧/١، ٧٨/٥.
مَوْشَوَالَرُ الْتَفْسَيد
القرآن الكريم
٤١٨
الفلاح
الطاعة، فھو یذکر فیشکر، ویتحدث بفضل
الله تعالى عليه، كما في قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةٍ
رَيِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
٤. الجهاد في سبيل الله.
وهو من أجل الطاعات وأفضل القربات؛
لما فيه من المصالح العاجلة، والمنافع
الآجلة؛ إذ فيه محقٌّ لأعداء الله، وإعزاز
للدين، وصون لدماء المسلمين وأموالهم
وأعراضهم، مع ما فيه من المشقة العظيمة،
من بذل للنفوس والأموال، ومفارقة للأهل
والأوطان (١).
ولما كان الجهاد في سبيل الله كذلك
وعد بالفلاح وعلق عليه في القرآن الكريم
وعلى بعض أحواله وصفاته، في أربعة
مواضع منه، وتنوعت الأساليب في ذلك:
١. علق الفلاح على الرباط في سبيل
الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَمَنُواْ أَصْبِرُ واْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل
عمران: ٢٠٠]. والمرابطة في الآية:
((مرابطة الغزو في نحور العدو، وحفظ
ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول
الأعداء إلی حوزة بلاد المسلمين»(٢)،
وقد وردت الأخبار في بیان ثوابه،
(١) أحكام الجهاد وفضائله، العز بن عبد السلام،
ص٥٨،٥٤،٥٣
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٧/٢.
والترغيب فيه، فروى البخاري في
صحيحه، عن سهل بن سعد الساعدي
رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (رباط يوم في سبيل
الله خير من الدنيا وما عليها) (٣).
وروى مسلم، عن سلمان الفارسي
رضي الله عنه، عن رسوله الله صلى
الله عليه وسلم أنه قال: (رباط يوم
وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن
مات جری علیه عمله الذي کان یعمله،
وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان) (٤).
٢. علق الفلاح على فعل الجهاد في سبيل
الله مقروناً بغيره من الأعمال الصالحة،
وذلك في قوله تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ
اُلْوَسِيلَةَ وَجَِهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ. لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]. والجهاد:
بذل الجهد في قتال الأعداء من الكفار
والمشركين بالمال، والنفس، والرأي،
واللسان، والسعي التام في نصر دين
الله بكل ما يقدر عليه العبد(٥). ويدخل
تحت لفظ الجهاد بذل الجهد واستفراغ
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله،
رقم ١٠٥٩/٣،٢٧٣٥.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب فضل الرباط في سبيل الله، رقم ١٩١٣،
١٥٢٠/٣.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٣٠.
www. modoee.com
٤١٩
حرف الفاء
الوسع في مجاهدة الشيطان وخطواته،
ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء لحملها
على فعل الطاعة وترك المعصية (١).
٣. علق الفلاح على الثبات عند لقاء
الأعداء، وهو من عوامل الظفر والفوز
في الدنيا، وقد جاء ذكر هذا السبب
في موضعٍ واحدٍ، مقرونًا بالإكثار
من ذكر الله تعالى، فقال سبحانه:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ
فَتْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [ الأنفال: ٤٥].
٤. وعد الله المجاهدين في سبيل الله
بأموالهم وأنفسهم، بكل خير وفلاح
في الدنيا والآخرة، فقال سبحانه:
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ
جَهَدُواْ بِأَمْوَلِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ
لَهُمُ الْخَيْرَثٌّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[التوبة: ٨٨].
٥. فعل الخير والدعوة إليه.
وقد جاء عد ذلك من أسباب تحقق
الفلاح في الدنيا والآخرة، في قوله جل
ثناؤه: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٠٨.
اٌلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [ الحج: ٧٧].
والخير ((اسم جامع لكل ما يقرب إلى
الله ویبعد من سخطه))(٢)، وروي عن مقاتل
بن حيان تفسير الدعوة إلى الخير بالدعوة
إلى الإسلام(٣)، ومراده بالدعوة إليه: الدعوة
إلى خصال الإسلام وشرائعه التي شرعها
الله لعباده(٤).
وفعل الخير والدعوة إليه صورة من
صور تكاتف الأمة وتلاحمها في السعي إلى
الرقي بأبنائها في مدارج الكمال، وتكميل
جوانب النقص والحرمان، والجمع بينهما
سبيل الأنبياء والمصلحين.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّتَن
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٤٢.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٧٢٧/٣.
ونقل ابن الجوزي في زاد المسير ٣١٢/١
قول أبي سليمان الدمشقي في تفسير الخير:
بالعمل بطاعة الله. وهو من قبيل اختلاف
العبارة والمعنى واحد، فطاعة الله في أمره
ونهيه هو امتثال لشرائع الإسلام.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٦١/٥، التحرير
والتنوير ٤ / ٤٠.
واستدل ابن عاشور رحمه الله على أن الخير
اسمٌ يجمع خصال الإسلام، بقول حذيفة
اليمان رضي الله عنه بحضرة النبي صلى الله
عليه وسلم: ((يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية
وشرٍ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا
أخرجه
الخير من شر؟» الحديث.
البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب
کیف الأمر إذا لم تكن جماعة، رقم ٦٦٧٣،
٢٥٩٥/٦. ومسلم في صحيحه، كتاب
الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور
الفتن، رقم ١٤٧٥/٣،١٨٤٧.
٤٢٠
القرآن الكريمِ
الفلاح
دَهَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"
أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١].
اٌلْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
٦. الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر.
وقد جاء في موضع واحد عده من
أسباب تحقق الفلاح في الدنيا والآخرة،
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِلْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِّ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران:
١٠٤ ].
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
علامة لأهل الخير والطاعة، وتركه مع
القدرة سبب في حلول العقاب، ومنع إجابة
الدعاء، والسؤال عنه يوم القيامة.
وهو صفة الأنبياء ومن تبعهم من
المؤمنين، قال جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا
عِندَهُمْ فِىِ التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم
◌ِاَلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَئُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُ
لَهُمُ الطَّيْبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ
عَلَيْهِمَّ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ
وَأَتَّبَعُواْ أَلِتُّورَ أَلَّذِىَّ أُنْزِلَ مَعَهُ, أُوْلَكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ
((والمعروف: اسم لكل فعل يعرف
بالعقل أو الشرع حسنه، والمنكر: ما ينكر
بهما))(١).
والمقصود به الأمر بكل ما يقرب العباد
إلى الجنة، ويبعدهم من النار، والنهي عن
كل ما يقربهم إلى النار ويبعدهم من الجنة.
ومن أعظم الأمر بالمعروف: الدعوة إلى
الله وحده، وعبادته لا شريك له، والدعوة
إلى اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ودينه
الذي جاء به من عند الله. وأعظم النهي عن
المنكر: النهي عن الكفر بالله، والتكذيب
بمحمد صلی الله عليه وسلم، وبما جاء به
من عند الله، ثم الأمر بعد ذلك درجات،
فيؤمر بكل ما هو طاعة لربهم، وينهى عن
كل ما هو معصية لربهم(٢).
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٦١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٦١/٥، تفسير
ابن أبي حاتم ٧٢٧/٣، محاسن التأويل
القاسمي ١٩٤/٥، تيسير الكريم الرحمن،
السعدي ص١٤٢.
www. modoee.com
٤٢١
حرف الفاء
صفات المفلحين
أولًا: زكاة النفس، ووقايتها من الشح:
من صفات المفلحين أن أنفسهم أنفس
زكية؛ لأنهم يسعون في تهذيبها وتزكيتها،
قال جل ثناؤه: ﴿قَدْ أَفَحَ مَن تَزََّّى﴾ [الأعلى:
١٤].
وقال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكِّنْهَا
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنَهَا﴾ [الشمس: ٩-١٠].
ومادة زكى في اللغة تدل على النماء
والطهارة (١).
ولفظ التزكية في الآيات عامٌ يدخل فيه
تزكية النفس وتطهيرها بالإيمان الذي هو
ضد الكفر، وبالطاعة التي هي ضد المعصية،
وبالأخلاق الحميدة التي هي ضد الأخلاق
الرذيلة، ويدخل فيه تزكية العمل بمتابعة
النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ومن الصفات التي لها آثارٌ ذميمة،
وجاءت النصوص بذمها، والثناء على من
زکی نفسه فتطهر منها، وتحلی بضدها صفة
الشح؛ وقد جاء التصريح بأن توقي شح
النفس من صفات المفلحين.
قال عز وجل: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُ
وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًّاً لِّأَنْفُسِكُمْ
وَمَنْ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٧/٣، غريب
القرآن، ابن قتيبة ص٣١.
[التغابن: ١٦].
وفي إضافة الشح إلى النفس، دلالة على
أنه من طباع النفوس وغرائزها، ويدل لذلك
قوله سبحانه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَ نفُسُ الشُّحَّ﴾
[النساء: ١٢٨].
وفي قول: ﴿وَمَن يُوقَ ﴾ إشارة إلى إمكان
التوقي منه(٢)، ودفعه بمجاهدة النفس.
و((الشح هو شدة الحرص على الشيء،
والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في
تحصيله، وجشع النفس عليه))(٣).
ويترتب على ذلك ضيق النفس وعدم
إرادتها بل وكراهتها وصول الخير إلى الغير.
وهذا أساس الشر والهلاك الظاهر والباطن؛
إذ يحمل صاحبه على البخل؛ بامتناعه عن
نفع غيره، وعلى الظلم بإلحاق الضرر
بالمنعم عليه في نفسه وماله وعرضه،
ويحمل على الحسد وهو كراهة ما اختص به
الغير وتمني زواله، والذي يجمع بين سيئتي
البخل والظلم، فإذا كان الحال كذلك بين
الأقارب كانت قطيعة الرحم (٤).
(٢) فتح الباري، ابن حجر ١١/ ٢٥٦.
(٣) الوابل الصيب، ابن القيم ص٧٥.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٣٤/١٨،
١٤٤/٢٨. ويدل لذلك ما أخرجه مسلم
في صحيحه، في كتاب البر والصلة والآداب،
باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٨، ١٩٦٦/٤
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم
والظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا
الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم،
٤٢٢
صَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم