النص المفهرس

صفحات 21-40

فعون
أهل السحرة، والسحرة هم أحد أركان موسى عليه السلام قال للساحر الأكبر:
أتؤمن بي إن غلبتك؟ قال لآتين بسحر لا
یغلبه سحر))(١).
ملكه، بعد فشله في تحدي السحرة لموسى
وانقلابهم عليه، اتهم موسى عليه السلام
والسحرة بالمؤامرة عليه، هذا هو ديدن
الطغاة وأساليبهم في مواجهة الحق.
وَجَآءَ
وقد خلد الله هذه القصة فقال:
اُلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ
١١٣
كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ
لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
قَالُواْ يَمُوسَى إِمَّآ أَنْ
قَالَ
تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١)
أَلَقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ
١١٦
وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَإِذَا هِىَ
فَوَقَعَ الْحَىُّ وَبَطَّلَ مَا كَانُواْ
تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ )
فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ
١٩٨
يَعْمَلُونَ
قَالُواْ ءَامَنَّا
وَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ ®
١١٩
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
١٢١
بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِ، قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا
لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِثُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١١٣ - ١٢٣].
قال الزمخشري: ((إن صنعكم هذا لحيلة
احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن
تخرجوا منھا إلی ھذہ الصحراء قد تواطأتم
على ذلك لغرض لكم، وهو أن تخرجوا
منها القبط وتسكنوها بنى إسرائيل، وكان
هذا الكلام من فرعون تمويها على الناس
لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان، وروى أن
وقد فند ابن كثيرٍ هذه الشبهة فقال: إن
غلبه لکم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور
منکم ورضا منکم لذلك، وهو يعلم وكل
من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل
كقوله في الآية الأخرى ﴿إِنَّهُ، لَكُِكُمُ الَِّى
عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [الشعراء: ٤٩].
فإن موسى، عليه السلام، بمجرد ما
جاء من مدين دعا فرعون إلى الله، وأظهر
المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على
صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في
مدائن ملكه ومعاملة سلطنته، فجمع سحرة
متفرقین من سائر الأقاليم ببلاد مصر، ممن
اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده
ووعدهم بالعطاء الجزيل، وقد كانوا من
أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في
مقامهم ذلك والتقدم عند فرعون، وموسى
عليه السلام لا يعرف أحدا منهم ولا رآه
ولا اجتمع به، وفرعون یعلم ذلك، وإنما
قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته
وجهلتهم(٢).
(١) الكشاف ١٤١/٢.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٨/٣.
www. modoee.com
٢٧١

حرف الفاء
٢٠
دعائم ملك فرعون
لكل طاغية متجبر بطانة سيئة، تزين
له الباطل وتنافقه أو تتبعه، رجاء جاهٍ أو
منصبٍ، أو عرضٍ زائل، لتكون دعامة من
دعائم دولة الكفر والطغيان؛ وقد كانت
دعائم دولة فرعون تتمثل في التالي: علية
القوم، والسحرة، والجنود، وأصحاب
الأموال، تفريق قومه، عملًا بقاعدة: فرق
تسد؛ ففرق قومه لتبقی سیادته قائمة، فيما
یلی تفصيل ذلك.
أولًا: علية القوم:
أولى دعائم ملك فرعون علية القوم،
وهم علية القوم؛ ((وعلية القوم: أشرافهم
وصفوتهم وأرفعهم قدرًا وأسماهم
مكانةً(١).
ولقد أطلق القرآن عليه لفظ الملأ، قال
الشعراوي: ((الملأ: هم علية القوم، الذين
يملأون العيون، ويتصدرون المجالس»(٢).
وقال ابن الأثير: ((الملأ: أشراف الناس
ورؤساؤهم، ومقدموهم الذين يرجع إلى
قولهم. وجمعه: أملاء)»(٣).
قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ
يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ
(١) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار
١٥٤٨/٢.
(٢) تفسير الشعراوي ١٧/ ١٠٥٦٣.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣٥١/٤.
لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِّ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ
[القصص: ٢٠].
يقول سيد قطب معلقًا على كلمة الملا:
«لقد عرف الملأ من قوم فرعون، وهم رجال
حاشيته وحكومته والمقربون إليه أنها فعلة
موسى)) (٤).
قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ
إِنَّ هَذَا لَسَحُ عَلِيمٌ ﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِكُ
مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١) قَالُواْ أَرْجِةْ
وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ اَلْمَدَآيِنِ حَشِرِينَ
[الأعراف: ١٠٩- ١١١].
قال ابن كثير: ((أي قال الملأ وهم
الجمهور والسادة من قوم فرعون»(٥).
وقال سيد قطب: ((وأشار عليه الملأ وقد
خدعتهم مکیدته، وهم شرکاء فرعون في
باطله، وأصحاب المصلحة في بقاء الأوضاع
التي تجعلهم حاشية مقربة ذات نفوذ
وسلطان وقد خافوا أن يغلبهم موسی وبنو
إسرائيل على أرضهم لو اتبعتهم الجماهير،
حين ترى معجزتي موسى وتسمع إلى ما
يقول أشاروا عليه أن يلقى سحره بسحر
مثله، بعد التهيئة والاستعداد))(٦).
ثانيًا: السحرة:
لقد كان السحرة بمثابة اليد الضاربة،
(٤) في ظلال القرآن ٢٦٨٥/٥.
(٥) مختصر تفسير ابن كثير ٤١/٢.
(٦) في ظلال القرآن ٥/ ٢٥٩٤.
٢٧٢
موسوعة النفسية
الْقُرآن الكَرِيمِ

فعون
والمعول الذي سيقضي على دعوة موسی
من جذورها؛ فبعد تكذيب موسى والتشهير
به ونسبه إلی الجنون لم يجد فرعون بدًا
من المواجهة الحقيقية مع موسى، لذا فقد
استخدم الدعامة الضاربة التي يبني ملكه
عليها، ألا وهي السحرة، فجمعهم ثم أتى
موسى.
قال تعالى: ﴿فَتَوَلَى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ.
ثُمََّقَ ﴾ [طه: ٦٠].
قال الرازي: ((فجمع كيده، السحرة
وسائر من يجتمع لذلك ويدخل فيه الآلات
وسائر ما أوردته السحرة ثم أتی دخل تحته
أتى الموضع بالسحرة وبالقوم وبالآلات
قال ابن عباس: کانوا اثنین وسبعین ساحرًا
مع كل واحد منهم حبل وعصا وقيل كانوا
أربعمائة و قیل أكثر من ذلك»(١).
ولکن کید فرعون في تباب وهلاك،
ولقد انقلب السحر على الساحر قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ
حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُّ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ
﴾ [الأنفال:٣٦].
يُحْشَرُونَ
فقد جمع فرعون السحرة وأفق عليهم
الأموال لجمعهم، ووعدهم بالعطايا
والمكافآت، ولكن هي سنة الله فلقد
انكفأت تلك القوة على صاحبها، وآمنت
بالله إيمانًا حقيقيًا.
قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ تُجْتَمِعُونَ
مَعْلُومٍ
٣٩
﴾ فَلَمَّا
٤٠
لَعَلََّا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَدِينَ
بَ السَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ
اَلْغَلِينَ ﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَِّينَ
(٢ قَالَ لَّمْ قُوسَى أَلَّقُواْ مَآ أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَأَلْقَوَأْ
حَِالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ
الْغَالِبُونَ ﴿ فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ
مَا يَأْفِّكُونَ ﴾ فَأَلْفِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ ﴾ قَالُواْ
ءَامَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ )
٤٨
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
[الشعراء: ٣٨-٤٨].
وهكذا انقلب السحرة المأجورون،
مؤمنين من خيار المؤمنين. على مرأى
ومسمع من الجماهير الحاشدة ومن فرعون
وملئه ولا بد أن كان لهذا الانقلاب المفاجئ
وقع الصاعقة على فرعون وملئه. فالجماهير
حاشدة، فها هم أولاء يرون السحرة يلقون ما
يلقون باسم فرعون وعزته. ثم يغلبون حتى
ليقرون بالغلب ويعترفون بصدق موسى في
رسالته من عند الله، ويؤمنون برب العالمين
الذي أرسله، ويخلعون عنهم عبادة فرعون،
ها هم أولاء يؤمنون برب العالمين، رب
موسی وهارون، إن لنا أن نقدر ذعر فرعون
لهذه المفاجأة، وذعر الملأ من حوله، عندئذ
جن جنون فرعون، فلجأ إلى التهدید البغیض
(١) مفاتيح الغيب ٦٤/٢٢.
www. modoee.com
٢٧٣

حرف الفاء
بالعذاب والنكال (١).
أغرق قوم فرعون، وأنه أغرق جند فرعون؛
وقد كان السحرة قد أقسموا جهد أيمانهم وهذا يعطي دلالة واضحة بأن قوم فرعون
کان عبارة عن الملأ والجنود، بمعنی أن کل
قوم فرعون غیر الملأ هم جنود فرعون.
أن ينصروه؛ قال الزمخشري: ((وذلك أن
الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها
وصفاته على شيء: لم يقبل منه، ولم يعتد
بها حتی یقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به
فتلك عندهم جهد الیمین التي ليس وراءها
حلف لحالف))(٢).
ثالثًا: الجنود:
الجيم والنون والدال يدل على التجمع
والنصرة والجنود: جمع جند وهو العسكر
المتجمع للقتال، وأطلق على الأمم التي
(٣)
.
تجمعت لمقاومة الرسل
قال تعالى: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهٌ
إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴿ فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا
أُنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
[الزخرف: ٥٤-٥٥].
وقال أيضًا: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ.
فِيِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا
فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ.
٣٩
يُرْجَعُونَ
[القصص: ٣٩-
فَتَبَذْنَهُمْ فِ الْبَرِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ ))﴾
٤٠].
من الآيات السابقة يتضح لنا أن الله قد
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٩٦/٥.
(٢) الكشاف ٣/ ٣١٢.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٤٨٥.
لما علم فرعون بخروج بني إسرائيل مع
موسى، أرسل في المدائن يجمع الجنود؛
﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَقٍ أَنْ أَشْرِ
قال تعالى:
بِبَادِىّ إِنَّكُ مُتَّبَعُونَ ، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَآيِنِ
﴾ [الشعراء: ٥٢- ٥٣].
٥٣)
حَشِرِينَ
يقول سيد قطب: «وعلم فرعون بخروج
بني إسرائيل خلسة، فأمر بما يسمى ((التعبئة
العامة)) وأرسل في المدائن حاشرين
يجمعون له الجنود، ليدرك موسى وقومه
ويفسد عليهم تدبيرهم وهو لا يعلم أنه تدبير
صاحب التدبير! وانطلق عملاء فرعون
يجمعون الجند»(٤).
ولقد استكبر فرعون وعلا في الأرض
وزاده في ذلك غروره بقوة جنوده.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَحُنُودُهُ.
فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَالَا
يُرْجَعُونَ (٦) [القصص: ٣٩].
فماذا كانت العاقبة.
﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ.
قال تعالى:
فَتَبَذْنَهُمْ فِ الْبَرِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: ٤٠].
قال الطبري: ((فجمعنا فرعون وجنوده
(٤) في ظلال القرآن ٢٥٩٧/٥.
◌َالنَّسَبـ
جوبيه
القرآن الكريم
٢٧٤

فعون
من القبط فألقيناهم جميعهم في البحر فرعون والذي اقترن اسمه بالجنود؛ فذكر
فغرقناهم فیه»(١).
وقد قضى الله في كتابه أن فرعون
وجنوده كانوا خاطئين في حساباتهم
وتقديرهم للأمور وأن الغلبة دائمًا حليف
المؤمنين الصابرين المحتسبين وأن هلاكهم
سیکون علی ید من ربوه.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ
قال تعالى:
وَحُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ﴾ [القصص:
٨].
(«كانوا خاطئين فيما كانوا عليه من الكفر
والظلم، فعاقبهم الله تعالی بأن ربی عدوهم
ومن هو سبب هلاکھم علی أیدیھم»(٢)،
وهذه نهاية طبیعیة لکل ظالمٍ مستبد.
رابعًا: أصحاب الأموال:
القوة المستبدة، والسياسة المضللة،
وسطوة المال، أساسات أصيلة وأركان
رکینة لكل دولة ظلم وطغیان، فقد تجسدت
هذه الأركان بوضوح في دولة فرعون
الطاغية.
قال تعالى: ﴿وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ
وَهَمَنَّ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُوسَى بِالْبَيْنَتِ
فَأَسْتَكْبَرُواْ فِ اْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَِقِينَ
[العنكبوت: ٣٩].
فقد تجسدت القوة والاستبداد في
(١) جامع البيان ٥٨٢/١٩.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٥٨٠.
فرعون وجنوده تلك القوة التي جعلته
يستخف بالشعب ويوهمه أنه من يملك
الارض والأنهار وأن الخير مقرون به وبدونه
تعم الفوضى والفقر، وهامان تجسيد للإرادة
السياسية لفرعون، تجسيد لحكومة المستبد
تلك الحكومة التي تسخر كل ثروات الوطن
ومقدراته لخدمة رغبات الفرعون فهامان
يبني لفرعون البناء الذي اراده ويصوغ شريعة
للظلم ويجسد طبقة رجال دولة الطاغوت؛
فالقوة العسكرية والجنود التي یتحکم بها
فرعون لا تقدر على إقامة دولة شمولية لولا
هامان وأمثاله، وقارون تجسيد طبقة رجال
الأموال، طبقة نسيت كافة الاخلاق والمثل
وبغت على الناس بأموالها وتسلطت عليهم
بقربها من مركز الحكم فكنزت الاموال
وادعت أنها جمعتها على علم عندها.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ
ءَاتَّيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةً وَأَقْوَلًا فِي الْحَيَّوَةِ
الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَْمِسْ عَلَى
أَمْوَلِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَقَّ يَرَوْاْ
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس: ٨٨].
إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه
وكبراءهم زينة من الحلي والحلل والآنية
والماعون والأثاث والرياش، وأموالا كثيرة
الأنواع والمقادير، يتمتعون بها وينفقون
منها في حظوظ الدنيا من العظمة الباطلة
www. modoee.com
٢٧٥

حرف الفاء
والشهوات البدنية بدون حساب، لتكون
عاقبة هذا العطاء إضلال عبادك عن سبيلك
الموصلة إلى مرضاتك باتباع الحق والعدل
والعمل الصالح(١).
قال المراغي: (جرت سنة الله بأن كثرة
الأموال تورث الكبرياء والخيلاء والبطر
والطغيان وتخضع رقاب الناس))(٢).
خامسًا: تفریق قومه:
شأن الطغاة في كل العصور تفريق
أقوامهم حتى لا يجتمعوا عليهم فيهددوا
سلطانهم، فالقاعدة عندهم هي: فرق تسد،
وها هو فرعون يجسد تلك القاعدة واقعًا
حقیقیًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ اَلْأَرْضِ
وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَمًا يَسْتَضْعِفُ طَآيِفَةٌ مِنْهُمْ
يُدَيِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِ نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ، كَانَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ
(٤) [القصص: ٤].
قال الطبري: ((أي فرقًا يذبح طائفة منهم،
ويستحيي طائفة، ويعذب طائفة، ويستعبد
طائفة»(٣).
قال ابن عاشور: إن فرعون جعل أهل
المملكة شيعًا وفرقهم أقسامًا وجعل
منهم شيعًا مقربين منه، ويفهم منه أنه
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٣٨٦/١١.
(٢) تفسير المراغي ١٤٨/١١.
(٣) جامع البيان ٥١٦/١٩.
جَوَبُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
جعل بعضهم بضد ذلك، وذلك فساد في
الأمة؛ لأنه يثير بينهما التحاسد والتباغض،
ويجعل بعضها يتربص الدوائر ببعض،
فتكون الفرق المحظوظة عنده متطاولة
على الفرق الأخرى، وتكدح الفرق الأخرى
لتزحزح المحظوظين عن حظوتهم بإلقاء
النميمة والوشايات الكاذبة فيحلوا محل
الآخرین، وهكذا يذهب الزمان في مكائد
بعضهم لبعض فتنة، ولقد كان يستضعف
طائفة من أهل مملكته فيجعلها محقرة
مهضومة الجانب لا مساواة بينها وبين فرق
أخرى ولا عدل في معاملتها بما يعامل به
الفرق الأخرى، في حين أن لها من الحق
في الأرض ما لغيرها؛ لأن الأرض لأهلها
وسكانها الذین استوطنوها ونشئوا فيها (٤).
وقد بدىء بالحديث عن فرعون،
فكشف عن شخصه الذي يكشف عن
إنسان يلبس ثوب الجبروت والطغيان؛
فقد علا في الأرض، وجعل الناس شيعًا،
وهم أمة واحدة، من طينة واحدة؛ فهو
بعلوه واستكباره قد انعزل عن الناس، فكان
رأسًا، و کان الناس جميعًا أرجلًا، كان سيدًا،
وأصبح الناس كلهم في سلطانه عبيدًا،
كان إلهًا، وصار الناس له مألوهين، ثم إنه
بعمله هذا قد صنف الناس أصنافًا، ورتبهم
طبقات، وبذلك تسلطت كل طبقة على من
(٤) انظر: التحرير والتنوير ٦٨/٢٠.
٢٧٦

فعون
هي تحتها وبذلك أغرى الناس بالناس،
وشغل بعضهم ببعض(١).
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم
الخطيب ٣٠٩/١٠.
امرأة فرعون
امرأة فرعون: اسمها آسيا بنت مزاحم،
وهي زوجة فرعون(٢)، مدحها النبي صلى
الله عليه وسلم؛ فعن أبي موسى الأشعري
رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير،
ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران،
وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على
النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) (٣).
أولًا: محبتها لموسى عليه السلام:
لقد قذف الله تعالى حب موسى منذ
طفولته في قلب من يراه، لاسيما امرأة
فرعون، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِّنِى
وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِ﴾ [طه: ٣٩].
قال الطبري: ((فحببه إلى آسية امرأة
فرعون، حتی تبنته وغذته وربته، وإلى
فرعون، حتى كف عنه عاديته وشره، وقد
قيل: إنما قيل: وألقيت عليك محبة مني،
لأنه حببه إلى كل من رآه)) (٤).
ولما ألقته أمه في اليم والتقطه آل فرعون
وأتوا به إلى زوجته، تحركت محبتها
تجاهه، قال تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ: ءَالُّ فِرْعَوْنَ
(٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١٠/ ١٩٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم، باب فضل عائشة
رضي الله عنها، رقم ٢٩/٥،٣٧٦٩.
(٤) جامع البيان ٣٠٣/١٨.
www. modoee.com
٢٧٧

حرف الفاء
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّاً وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ
وَحُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِينَ ﴾ وَقَالَتِ
أَمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ حَيْنٍ لِ وَلَكَّ لَا نَقْتُلُوهُ
عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ، وَلَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
[القصص: ٨-٩].
قال ابن کثیر: «فلما كشفت عنه إذا هو
غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه
وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين
نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من
كرامتها)) (١).
ثانيًا: ثباتها على الإيمان:
كانت تعيش في أعظم القصور وأفخمها،
وقد كان قصرها مليئًا بالجواري والعبيد
والخدم فلقد كانت حياتها مترفة منعمة.
ولما دعا موسى عليه السلام إلى توحيد
الله تعالى آمنت به وصدقته، ولكنها في
البداية أخفت ذلك خشية فرعون وما لبثت
حتی أشهرت إسلامها واتباعها لدین موسی
عليه السلام، وجن جنون الفرعون لسماعه
هذا الأمر المروع بالنسبة له، وحاول عبثًا
ردها عن إسلامها وأن تعود كما كانت في
السابق.
فتارة يحاول إقناعها بعدم مصداقية ما
يدعو له موسى عليه السلام وتارة يرهبها بما
قد يحل بها من جراء اتباعها لموسى عليه
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٢٢٢.
السلام ولكنها كانت ثابتة على الحق ولم
يزحزحها فرعون في دينها وإيمانها مقدار
ذرة(٢).
قال تعالى: ﴿وَفِرْعُوْنَ ذِى الْأَوْنَاءِ الَّذِينَ
طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ ﴾ [الفجر: ١٠- ١١].
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه،
في قوله عز وجل: ﴿ذِى أَلْأَوْنَاءِ الَّذِينَ طَغَوّاً
فِىِ الْبِلَدِ﴾ قال: (وتد فرعون لامرأته أربعة
أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحّى عظيمًا
حتى ماتت)(٣).
قال السمعاني: وهي آسية بنت مزاحم،
وكانت آمنت بالله وبموسى عليه السلام
سرا ثم أظهرت، فعذبها فرعون وعاقبها،
وقد وتدها بأربعة أوتاد من حديد، فصبرت
على ذلك، فأظهرت حينئذ آسية إيمانها (٤).
ولقد خلد الله ذكرها وجعلها مثلاً
للثبات والإيمان إلى قيام الساعة.
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ
أَبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَتَبْنِ مِنْ فِرْعَوْنَ
وَعَمَلِهِ، وَتَجِِّى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
[التحريم: ١١].
قال سيد قطب: ((وإفراد امرأة فرعون
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٣/٨.
(٣) أخرجه الحاكم، في المستدرك على
الصحيحين، كتاب التفسير، باب تفسير سورة
والفجر، رقم ٣٩٢٩، ٢/ ٥٦٨.
(٤) انظر: تفسير القرآن ٤٧٩/٥.
٢٧٨
فَضْو
جَوَسُو ◌َر النفسية
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

فعون
بالذكر هنا مع مريم ابنة عمران يدل على هذا دليل على أنها كانت مؤمنة مصدقة
بالبعث))(٦).
وقال ابن عاشور: ((فكانت امرأة فرعون
مثلا لمتانة إیمان المؤمنین)»(٧).
المكانة العالية التي جعلتها قرينة مريم
في الذكر، وهما الاثنتان نموذجان للمرأة
المتطهرة المؤمنة المصدقة القانتة))(١).
وقال أبو السعود: «أي جعل حالها مثلاً
لحال المؤمنين في أن وصلة الكفرة لا
تضرهم حیث کانت في الدنیا تحت أعدی
أعداء الله وهي في أعلى غرف الجنة))(٢).
فلقد عذبها فرعون عذابًا شديدًا، لكنها
استعانت بالله طالبة منه ثلاثة أمور:
أولاها: أن يبني لها بيتا في الجنة، وقد
أراها الله بيتها في الجنة قبل موتها تحت
العذاب.
وثانيها: أن ينجيها من أعمال فرعون
الوثنية الخبيئة (٣).
وثالثها: أن ينجيها من القوم الظالمين،
قوم فرعون، وظلمهم هو شر کهم بالله؛ فقد
دعت بأن ینجیها الله من شرکهم(٤).
قال ابن القيم: «فطلبت كون البيت عنده
قبل طلبها أن يكون في الجنة فإن الجار قبل
الدار))(٥)
وهذا يدل دلالة واضحة على ثبات
إيمانها وصدقها، قال المراغي: ((وفى
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٦٢٢.
(٢) إرشاد العقل السليم ٨/ ٢٧٠.
(٣) انظر: تفسير المراغي ١٦٩/٢٨.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٧٧/٢٨. (٦) تفسير المراغى ١٦٩/٢٨.
(٥) الفوائد ١٩٧.
(٧) التحرير والتنوير ٣٧٦/٢٨.
www. modoee.com
٢٧٩

حرف الفاء
مؤمن آل فرعون
لقد قيض الله لموسى عليه السلام
رجلًا من آل فرعون يدافع عنه، لتسكين
الفتنة وإزالة الشر، ذلك الرجل الذي حمل
هم الدعوة إلى الله، متبعاً ومقتديا بموسى
وهارون، وفيما يلي تفصيل قصته.
أولًا: التعريف به:
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ﴾ [غافر:٢٨].
قال الزمخشري: ((كان قبطيًا ابن عم
لفرعون: آمن بموسى سرًا وقيل كان
إسرائيليًا ومن آل فرعون صفة لرجل، أو
صلة لیکتم، أي: یکتم إیمانه من آل فرعون،
واسمه: سمعان أو حبیب، وقيل: خربیل، أو
حزبيل، والظاهر: أنه كان من آل فرعون))(١).
وقيل: هو ذلك الرجل الذي حذر
موسى من المؤامرة في قوله تعالى: ﴿وَجَآءُ
رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَ إِنَّ
اَلْمَلَأَّ ◌َأْتَمِّرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِّ لَكَ مِنَ
﴾ [القصص: ٢٠].
٢٠
النَّصِحِينَ
قال السمعاني: ((يقال: كان اسمه
شمعون، ويقال: شمعان، وقيل: هو حزقيل
مؤمن من آل فرعون))(٢).
قال القشيري: ومن جعله إسرائيليًا ففيه
(١) الكشاف ٤/ ١٦٢.
(٢) تفسير القرآن ٤/ ١٢٩.
بعد؛ لأنه يقال: كتمه أمر كذا، ولا يقال:
كتم منه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ
حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢].
وأيضًا ما كان فرعون يحتمل من بني
إسرائيل مثل هذا القول، يعني: كونه تكلم
بهذا الكلام أمام فرعون، وجهر بكلمة الحق
ونصر موسى نصرًا مؤزرًا، ودعا الناس إلى
الإيمان بالله عز وجل، وخوف فرعون
وقومه من أیام الأحزاب التي هلك فيها عاد
وثمود وقوم نوح وغيرهم، لو كان من قوم
من بني إسرائيل قوم موسى لما كان يحتمل
منه فرعون هذا الكلام فهو من قوم فرعون
كما تدل الآية (٣).
وخلاصة الأمر أن هذا الرجل قد سماه
الله مؤمنًا، وقد حمل رسالة للدفاع عن نبي
الله موسی ودعوته؛ فقد خلد الله ذكره إلى
يوم القيامة، دون النظر لاسمه أيًا كان.
ثانيًا: نهيه عن قتل موسى عليه السلام:
لقد كانت المهمة الأساسية لهذا الرجل
المؤمن الصادق أن يوقف جريمة نكراء، ألا
وهي قتل نبي الله موسى، فلقد أفصح عن
إيمانه بموسى عليه السلام، معرضًا نفسه
للقتل والإيذاء، متحديا جبروت فرعون
قائلًا: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ
بَكْتُمُ إِيمَنَهُ، أَنَقْتُلُونَ رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٥٦٠.
٢٨٠
جوبيبو
القرآن الكريم

فرعون
رَبَِّ اَللّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾
[غافر: ٢٨].
ولم يكتم هذا الرجل المؤمن إيمانه
خوفًا؛ لذلك أظهر إيمانه في أحرج الأوقات،
عندما قال فرعون: ﴿ذَرُوِّ أَقْتُلٌ مُوسَى وَلَيَدْعُ
رَبَّةٌ إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ في
الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦].
فعند ذلك أظهر هذا الرجل المؤمن
إیمانه، فلو کان یکتم إيمانه خوفًا من فرعون
لکان أجدر به أن یستمر علی کتم إیمانه، وقد
وصل الحال مع فرعون إلى أنه هدد بقتل
موسى، وقال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلٌ مُوسَى﴾.
والحق أنه كان لهذه الكلمة: ﴿أَنَقْتُلُونَ
رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللَّهُ﴾ تأثير عظيم في
نفس فرعون.
وقد كررها أبو بكر في محاولة عقبة بن
أبي معيط خنق رسول الله صلى الله عليه
وسلم، أخرج البخاري عن عروة بن الزبير
قال: (قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص
رضي الله عنهما: أخبرني بأشد شيء صنعه
المشركون برسول الله صلى الله عليه
وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه
وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن
أبي معيط، فأخذ بمنکب رسول الله صلى
الله عليه وسلم، ولوی ثوبه في عنقه، فخنقه
خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه،
فأخذ بمنکبه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه
وسلم، ثم قال: أتقتلون رجلا أن يقول: ربي
الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟)(١) (٢).
ثالثًا: تحذيره لفرعون وقومه من عذاب
الله في الدنيا:
لقد كان ناصحًا أمينًا حكيمًا لا يخاف
في الله لومة لائم؛ فبدأ بتذكيرهم نعم الله
عليهم، ثم خوفهم بحال الأمم السابقة.
قال تعالى: ﴿يَقَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَّوْمَ
ظَهِرِينَ فِ اُلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اَللَّهِ
إِن جَاءَنَأَ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّ مَآ أَرَى وَمَآ
أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِلَ الرَّشَادِ ، وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ
يَقَوْمِ إِِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ
٣٠
مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ﴾ [غافر: ٢٩-٣١].
يذكرهم بأنهم الآن ظاهرون في الأرض،
وهذا الظهور ظهور وقتي، ويذكر أيضًا بأن
الدولة التي تحارب الدین یؤذن بزوالها، قال
ابن كثير: يحذرهم أن يسلموا هذا الملك
العزيز، فإنه ما تعرضت الدولة للدين إلا
سلبوا ملكهم، فأي دولة تحارب شرع الله
لابد أن تزول وأن تذل بعد عز (٣).
ولقد حذر هذا الرجل المؤمن الصالح
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي
صلي الله عليه وسلم: (لو كنت متخذا
خليلاً)، رقم ٣٦٧٨، ٥/ ١٠.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١١٣/٢٤.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٤٠.
www. modoee.com
٢٨١

حرف الفاء
قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة، النار، وأصحاب النار أصحاب الجنة؟
فالتنادي واقع في صور شتى، وتسميته
فبدأ بتخويف العذاب الدنيوي، فقال: يا
قومي، إني أخشی علیکم إن كذبتم موسی
أن يصيبكم مثلما أصاب الأقوام الذين
تحزبوا على أنبيائهم وكذبوا رسلهم من
الأمم الماضية، کقوم نوح وعاد وثمود ومن
بعدهم كقوم لوط، فقد حل بهم بأس الله،
ولم يجدوا لهم ناصرا ینصرهم، ولا عاصما
يحميهم، فقوله: مثل دأب، أي مثل حالهم
في العذاب، أو مثل عادتهم في الإقامة على
التكذيب(١).
النَّنَارِ﴾، تلقي عليه ظل التصايح وتناوح
الأصوات من هنا ومن هناك، وتصور يوم
زحام وخصام. وتتفق كذلك مع قول الرجل
المؤمن: ﴿يَوْمَ تُوَلُونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اْللَّهِ مِنْ
عاصمٍ﴾، وقد یکون ذلك فرارهم عند هول
جهنم، أو محاولتهم الفرار، ولا عاصم يومئذ
ولات حين فرار. وصورة الفزع والفرار هي
أولى الصور هنا للمستكبرين المتجبرين في
الأرض، أصحاب الجاه والسلطان، ﴿وَمَن
يُضْلِلِ اللَّهُ فَا لَهُ مِنْ هَارِ﴾، ولعل فيها إشارة
رابعًا: تحذيره لفرعون وقومه من
عذاب يوم القيامة:
خفية إلى قولة فرعون: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا
سَبِلَ الرَّشَادِ﴾(٣).
أعقب تخويفهم بعقاب الدنيا الذي
حل مثله بقوم نوح وعاد وثمود والذين من
بعدهم بأن خوفهم وأنذرهم عذاب الآخرة
عاطفًا جملته على جملة عذاب الدنيا (٢).
قال تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ إِنّ آَخَافُ عَلَيْكُمْ
يَوْمَ النَّنَادِ ﴿ يَوْمَ تُوَلَّوَنَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ
مِنْ عَاصٍِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُهُ مِنْ هَادٍ ﴾
[غافر: ٣٢-٣٣].
في ذلك اليوم ينادي الملائكة الذين
يحشرون الناس للموقف، وینادي أصحاب
الأعراف على أصحاب الجنة وأصحاب
النار، وينادي أصحاب الجنة أصحاب
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١١٦/٢٤.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ١٣٦.
خامسًا: دعوته لقومه:
قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ يَنْقَوْمِ
أَتَّبِعُونِ أَهْدِ كُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿ يَقَوْمِ
إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ فَلَاَ
هِيَ دَارُ الْقَرَارِ
يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنْقَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ
وَيَقَوْمِ مَا
يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ )
لِيّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَفِى إِلَى النَّارِ
تَدْعُونَنِ لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ.
مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَّمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٠٨٠/٥.
فَضْو
جَوَسُوعَةُ النفسية
القرآن الكريم
٢٨٢

فرعون
لَا جَرَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَفِيّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ لها، ثم ذكر أنه يدعوهم إلى الإيمان بالله
٤٢
الْفَفَِّ !
دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِ الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى
اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ
فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوَّضُ
أَمْرِىَّ إِلَى الَّهَ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾
[غافر: ٣٨ - ٤٤].
قال الزمخشري: ((قال أهدكم سبيل
الرشاد فأجمل لهم، ثم فسر فافتتح بذم لدنيا
وتصغير شأنها، لأن الإخلاد إليها هو أصل
الشر كله، ومنه يتشعب جميع ما يؤدى إلى
سخط الله ويجلب الشقاوة في العاقبة، وثنی
بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها،
وأنها هي الوطن والمستقر، وذكر الأعمال
سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما، ليثبط
عما يتلف وينشط لما يزلف، ثم وازن بين
الدعوتين: دعوة إلى دين الله الذي ثمرته
النجاة، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي
عاقبته النار، وحذر، وأنذر، واجتهد في ذلك
واحتشد))(١).
وقد أجمل المراغي قول الرجل المؤمن
لقومه فقال: ((اعلم أن هذا المؤمن لما رأى
تمادى قومه في تمردهم وطغيانهم أعاد
إليهم النصح مرة أخرى، فدعاهم أولًا
إلى قبول هذا الدين الذي هو سبيل الخير
والرشاد، ثم بين لهم حقارة الدنيا وعظم
شأن الآخرة، وأنها هي الدار التي لا زوال
الذي يوجب النجاة والدخول في الجنات،
وهم يدعونه إلى الكفر الذي يوجب
الدخول في النار، ثم أردف هذا بيان أن
الأصنام لا تستجاب لها دعوة، فلا فائدة في
عبادتها، ومرد الناس جميعا إلى الله العليم
بکل الأشياء، وهو الذي یجازی کل نفس
بما كسبت، وأن المسرفين في المعاصي هم
أصحاب النار ثم ختم نصحه بتحذيرهم من
بأس الله وتفویض أمره إلى الله الذي يدفع
عنه كل سوء يراد به))(٢).
سادسًا: عاقبة أمره:
لقد كانت العاقبة للمتقين في هذه القصة،
كما هي العاقبة دائمًا، قال تعالى: ﴿فَوَقَتُهُ
اَللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ
سُوَّهُ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: ٤٥].
وكانت نهاية مؤمن فرعون تختلف عن
نهایة مؤمن آل یس، فمؤمن آل یس قتلوه،
ورجموه بالحجارة كما تهددوا الرسل،
وانتقل من دار البلاء إلى رحمة الله عز
وجل، ولما عاين الكرامة: ﴿قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِى
بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَجَعَلَنِ مِنَ
٦
يَعْلَمُونَ
الْمُكْرَمِينَ ﴾ [يس: ٢٦-٢٧].
وأما مؤمن آل فرعون ﴿فَوَقَهُ اللَّهُ
سَپھَاتِمَامَڪَرُوا ﴾؛ فالمؤمن دائمًا رابح
(١) الكشاف ١٦٨/٤.
(٢) تفسير المراغي ٢٤/ ٧٤.
www. modoee.com
٢٨٣

حرف الفاء
سواء قتل فانتقل إلى کرامة الله ورحمته وما
عند الله خير، أو انتصر في الدنيا فوقاه الله
سيئات ما مكروا.
فمن يعمل مع الله عز وجل، ويتاجر
معه لا يمكن أن يخسر بحال من الأحوال،
قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ
وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا
وَعَلَانِيَةٌ يَرْجُونَ تَجَرَةً لَّنْ تَبُوَرَ ))
[فاطر: ٢٩].
فَلْيُقَتِلْ فِی
وقال سبحانه:
سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
بِالْآَخِرَةِّ وَمَن يُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ
أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُّؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )
[النساء: ٧٤].
فالمؤمن رابح في كل الأحوال سواء
انتصر أو استشهد، بخلاف الكافرين
والمكذبين، الذين يحاربون شرع الله
عز وجل، هم في خسارة وبوار في الدنيا
والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ
فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ
يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
[الأنفال: ٣٦].
٣٦
فتجارتهم خاسرة في الدنيا والآخرة.
قال السمعاني: اختلف القول في نجاته،
منهم من قال: نجا حين نجا موسى وبنو
إسرائيل، وذلك عند مجاوزة البحر، والقول
الثاني: أن مؤمن آل فرعون لما قال هذه
الأقوال، ونصح هذه النصيحة طلبه فرعون
ليقتله فهرب، فبعث في طلبه جماعة،
فوجدوه في جبل يصلي وحوله السباع
يحرسونه ففزعوا ورجعوا(١).
(١) تفسير السمعاني ٢٣/٥.
٢٨٤
جَوَنُور
القرآن الكريم

فعون
العقوبات الإلهية لفرعون
تعرض فرعون وقومه جراء كفره
وادعائه الربوبية والالوهية، لأنواعٍ شتى من
العقاب؛ فهناك العقاب الدنيوي، كالقحط
والجدب، ونقص الثمرات، والموت غرقًا،
وهناك العقاب البرزخي المتمثل في عرضه
وقومه على النار غدوًا وعشيًا، ثم العذاب
الأخروي، ألا وهو العذاب الشديد في نار
جهنم، وفيما يلي تفصيل ذلك.
أولًا: العقوبات في الدنيا:
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ
بِاَلِسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ ﴿٣ فَإِذَا جَاءَ تَهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا
لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِشَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى
وَمَنْ مَّعَةُ: أَلَا إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ
أَكْتَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا
◌ِه مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الُّْوفَانَ وَالْجَرَادَ وَاَلْقُمَّلَ
وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُواْ
قَوْمًا تُجْرِمِينَ () وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ
قَالُواْ يَنْمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ
لَبِن كُشَفْتَ عَنَّا الْرِجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ
مَعَكَ بَنِيّ إِسْرَاءِيلَ : فَلَمَّا كَشَفْنَا
عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنَكُثُونَ
فَانَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِي أَلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ
(١٣٥)
كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ ﴾
[الأعراف: ١٣٠ - ١٣٦].
ولقد اختبرنا قوم فرعون وأتباعه على ما
هم عليه من الضلالة بالسنين، أي بالجدب
سنة بعد سنة، والقحط، يقال منه: ((أسنت
القوم))، إذا أجدبوا، ونقص من الثمرات،
واختبرناهم مع الجدوب بذهاب ثمارهم
وغلاتهم إلا القليل لعلهم يذكرون، عظة
لهم وتذکیرًا لهم، لینزجروا عن ضلالتهم،
ويفزعوا إلى ربهم بالتوبة(١).
قال الزمخشري: ((أما السنون فكانت
لباديتهم وأهل مواشيهم. وأما نقص الثمرات
فكان في أمصارهم»(٢).
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الُْوفَانَ
قال تعالى:
وَالْرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَائِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتِ
فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ
١٣٣
[الأعراف: ١٣٣].
أي: فأرسلنا عليهم عقوبة على جرائمهم
تلك المصائب والنكبات، وهی آيات بينات
على صدق رسالة موسى، إذ قد توعدهم
بوقوع كل واحدة منها على وجه التفصيل،
لتكون دلالتها على صدقه واضحة لا
تحتمل تأويلاً بأنها وقعت لأسباب لا
ارتباط لها برسالته، فاستكبروا عن الإيمان
بها لرسوخهم في الإجرام والإصرار على
الذنوب وإن كانوا يعتقدون صدق دعوته
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣ /٤٥.
(٢) الكشاف ٢/ ١٤٤.
www. modoee.com
٢٨٥

حرف الفاء
وصحة رسالته.
وهو الإغراق، فقد ذكر على هيئة الإيجاز،
وقد عدد سبحانه هنا من الآيات خمسًا وهو الحادث الذي جاء في سورة أخرى
بالتفصيل.
وفى سورة الإسراء تسعًا وهى:
١. الطوفان: فقد نزلت عليهم أمطار
أغرقت أرضهم وأتلفت زرعهم
وثمارهم.
٢. الجراد: وقد أكل الأخضر واليابس.
٣. القمل: وقد امتلأت بها أجسادهم
وملابسهم.
٤. الضفادع: وقد امتلأت بها مياههم
وأوانيهم وفراشهم وأسرتهم.
٥. الدم: فقد كانت مياه المصريين
تتحول إلى دم(١).
ثم كان الانتقام بالغرق؛ قال تعالى:
فَأنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِ أَلْيَمِ بِأَنَّهُمْ
كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ ﴾
[الأعراف: ١٣٦].
قال الشعراوي: ((يوضح هنا سبحانه أنه
مادام قد أخذهم بالعقاب في ذواتهم، وفي
مقومات حياتهم، وفي معكرات صفوهم لم
يبق إلا أن يهلكوا؛ لأنه لا فائدة منهم؛ لذلك
جاء الأمر بإغراقهم، لا عن جبروت قدرة،
بل عن عدالة تقدير؛ لأنهم كذبوا بالآيات
وأقاموا على كفرهم))(٢).
ويلاحظ هنا أن أهم ما في القضية
(١) انظر: تفسير المراغي ٩/ ٤٣.
(٢) الخواطر ٤٣٢٣/٧.
ثانيًا: العقوبات في القبر:
قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
وَعَشِيَّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْ خِلُواْءَالَ فِرْعَوْنَ
أَشَدَّ الْعَذَابِ
٤٦°﴾ [غافر: ٤٦].
((ومعنى عرضهم على النار أن أرواحهم
تشاهد المواضع التي أعدت لها في جهنم،
وقوله: غدًا وعشيًا كناية عن الدوام لأن
الزمان لا يخلو عن هاذین الوقتین»(٣).
قال الجزائري: ((إخبار بأن أرواح آل
فرعون تعرض في البرزخ على النار غدوًا
وعشيًا وذلك بأن تكون في أجواف طير سود
على خلاف أرواح المؤمنين فإنها تكون في
أجواف طير خضر ترعى في الجنة. إلى يوم
القيامة» (٤).
والتحقيق أن فرعون يعذب هو وقومه
بعد موتهم وقبل قيام الساعة، قال القرطبي:
((والجمهور على أن هذا العرض في
البرزخ)»(٥).
وقال الزحيلي: ((إن أرواح فرعون وقومه
بعد موتهم في عالم البرزخ، وقبل مجيء
القيامة تعرض على النار وتحرق فیھا صباحًا
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ١٥٩.
(٤) أيسر التفاسير ٥٣٨/٤.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣١٨/١٥.
٢٨٦
القرآن الكريمِ

فرعون
ومساء إلى قيام الساعة))(١).
قال ابن عاشور: «هذا ذكر عذاب الآخرة
وقد أخرج البخاري عن ابن عمر أن الخالد، أي يقال: أدخلوا آل فرعون أشد
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العذاب، وعلم من عذاب آل فرعون أن
فرعون داخل في ذلك العذاب بدلالة
الفحوى)» (٤).
أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة
والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل
الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار
فیقال هذا مقعدك حتی یبعثك الله إليه يوم
القيامة)(٢).
ثالثًا: العقوبات في الآخرة:
قال تعالى: ﴿ فَوَقَنُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا
مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اَلْعَذَابِ
٥)﴾ [غافر: ٤٥].
قال الشنقيطي: ((وحاق بآل فرعون سوء
العذاب معناه: أنهم لما أرادوا أن يمكروا
بهذا المؤمن وقاه الله مكرهم، ورد العاقبة
السيئة علیهم، فرد سوء مکرهم إلیھم، فكان
المؤمن المذكور ناجيا في الدنيا والآخرة،
وكان فرعون وقومه هالكين في الدنيا
والآخرة والبرزخ)) (٣).
لقد انهت الآيات قصة فرعون بفاصلة
تناسب نهايته البغيضة.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْ خِلُواْءَالَ
﴾ [غافر: ٤٦].
٤٦
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
(١) التفسير المنير ١٣١/٢٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب الميت يعرض عليه مقعده، رقم ١٣٧٩،
٢/ ٩٩.
(٣) أضواء البيان ٣٨٨/٦.
ويقول الزحيلي: ((ثم أوضح الله تعالى
ذلك العذاب السيء، فقال: النار يعرضون
عليها غدوا وعشيا، ويوم تقوم الساعة،
أدخلوا آل فرعون أشد العذاب أي إن أرواح
فرعون وقومه بعد موتهم في عالم البرزخ،
وقبل مجيء القيامة تعرض على النار وتحرق
فيها صباحًا ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان
يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم
في النار، ويقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون
في جهنم، حيث يكون العذاب فيها أشد ألمًا
وأعظم نكالً))(٥).
ويجوز أن يعذب فرعون وقومه في
المكان الذي يعذب به المنافقين كما قال
الأخفش: ((قال ﴿أَدْخِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
الْعَذَابِ﴾، وقال ﴿إِنَّ الْتُفِقِينَ فِي الدَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ فيجوز أن يكون آل
فرعون أدخلوا مع المنافقين في الدرك
الأسفل وهو أشد العذاب»(٦).
ويؤكد الرازي هذا المعنى نقلًا عن ابن
الأنباري فيقول: ((إنه تعالى قال في صفة
(٤) التحرير والتنوير ١٥٩/٢٤.
(٥) التفسير المنير ١٣١/٢٤.
(٦) معانى القرآن ٢/ ٥٠٢.
www. modoee.com
٢٨٧

حرف الفاء
﴿إِنَّ الْمُفِقِينَ فِىِ الذَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ
المنافقين
مِنَ النَّارِ﴾، وقال في آل فرعون ﴿أَدْخِلُواْ
ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فأيهما أشد
عذابًا، المنافقون أم آل فرعون؟ وأجاب بأنه
يحتمل أن أشد العذاب إنما يكون في الدرك
الأسفل، وقد اجتمع فيه الفريقان))(١).
الدروس المستفادة من قصة فرعون
لقد اشتملت قصة فرعون مع موسی علی
هداياتٍ جمة، نقتطف بعضًا منها كما يلي :.
من كان مع الله فلن يضره ضعفه، ومن
لم يكن مع الله فلن تنفعه قوته، مفارقة
عجيبة في هاتين الآيتين: قوله تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا
خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْبَرِّ وَلَا تَّخَافِى
وَلَا تَحْزَنِ إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: ٧].
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ.
فَنَبَذْنَهُمْ فِ الْبَيِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ
٤٠
[القصص: ٤٠]؛ فالأولى يلقى موسى
في اليم وهو الطفل الضعيف والذي لا
حول له ولا قوة فينجو، بينما في الثانية
فرعون وجنوده وطواغيته يلقون في
الیم رغم قوتهم وجبروتھم فیھلکون.
إن قصة موسى ونجاته من كيد عدوه
فرعون وهو حملاً في بطن أمه، ثم
طفلًا وشابًا ورجلًا قبل أن يكون
رسولًا، لأعظم آية على حفظ الله
لأوليائه و دفاعه عنهم ونصره لهم.
إذا توجهت عناية الله إلى أمرٍ غير ذي
قيمة جعلته آية ومعجزة؛ فقد توجهت
إلى عصا موسى؛ فأصبحت معجزة
(١) مفاتيح الغيب ٢٥١/١١.
٢٨٨
الْقُرآن الكَرِيمِ

فرعون
خالدة بانقلابها إلى حية تسعى، قال
تعالى: ﴿فَلَّقَنْهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى
﴾ [طه: ٢٠].
٢٠
وضرب بها الحجر فانفجرت منه
اثنتا عشرة عینا، قال تعالى: ﴿آضْرِب
بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ أَقْنَا
عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠].
وضرب بها البحر فانفلق شقين، قال
فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَقَ أَنِ أَضْرِبِ
تعالى:
بِحَصَاكَ الْبَحْرِّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَّوْدِ
﴾ [الشعراء: ٦٣].
اَلْعَظِيمِ
المؤمن الصادق يؤيده الله بأمور لا
تخطر على باله، وكلما زاد في الصدق
مع الله والإخلاص له أتاه تأييد الله
ونصره وفرجه من حيث لا يحتسب،
قال تعالى: ﴿قَالَ كَلََّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ
﴾ [الشعراء: ٦٢].
٦٢
أهمية صفتي الأمانة والقوة، فبهما
تصلح الدنيا والدين، قال تعالى:
﴿قَالَتْ إِحْدَهُمَا يَكَأَبَتِ اُسْتَعْجِرَةٌ إِنَّ
خَيْرَ مَنِ أُسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ اَلْأَمِينُ ﴾
[القصص: ٢٦].
صفة الحذر من صفات أهل الإيمان
والعقل والحكمة، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ
فِ الْمَدِينَةِ خَيِفًا يَتَقَّبُ ﴾ [القصص: ١٨].
والخوف هنا خوف الحذر وليس
خوف الجبن.
نصرة المظلوم واجبة، كما في موقف
الرجل الذي جاء من أقصى المدينة
يحذر موسى، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ
مِّنْ أَقْصَا ◌ٌلْعَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَى إِنَّ
اَلْمَلَأَ بَأْتَمِّرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِ لَكَ
مِنَ النَّصِحِينَ ﴾ [القصص: ٢٠].
وموقف مؤمن آل فرعون، قال تعالى:
﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ عَالِ فِرْعَوْنَ
يَكْتُمُ إِيمَنَهُ، أَنَقْتُلُونَ رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ
رَبَِّ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨].
الظلم سبب زوال النعم وحلول
النقم، كما بين الله في سبب هلاك
آل فرعون، قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَهُ
وَجُنُودَهُ، فَنَبَذْنَهُمْ فِ اَلْيَرِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ
٤٠
[القصص: ٤٠].
دخول المعركة من أجل عرض قليل
من الدنيا الفانية عنوانٌ للفشل وإعلان
الهزيمة الساحقة، كما هو حال
السحرة، قال تعالى: ﴿وَجَآءَ السَّحَرَةُ
فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنّ ◌َنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ
الْغَلبِينَ
﴾ [الأعراف: ١١٣].
فكانت عاقبتهم الغلبة، قال تعالى:
١١٩
﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ
[الأعراف: ١١٩].
أهمية اللين والحكمة والهدوء في
الدعوة والإقناع والحوار وحل
www. modoee.com
٢٨٩

حرف الفاء
المشاكل، قال تعالى: ﴿فَقُولًا لَهُقَوْلًا
لَِّنَّا لَّعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: ٤٤].
وقد فعلا عليهما الصلاة والسلام.
إن الفصاحة والإعراب من دواعي
قبول قول الداعي، قال تعالى: ﴿وَأَخِى
مَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ
مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِىِّ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
﴾ [القصص: ٣٤]؛ فقد كان هارون
أفصح من موسى، وكان موسى هو
الرسول ويساعده هارون النبي.
العلو في الأرض له نهاية مؤلمة؛ قال
تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ﴾
[القصص: ٤].
هذا الذي جعل فرعون ینتهي سلطانه،
فالعلو في الأرض، من أعظم الذنوب
عند الله.
الإمامة لا تنال إلا بالصبر واليقين؛
وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِتَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا
لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِثَايَتِنَا يُوقِنُونَ
[السجدة: ٢٤].
٢٤
إن الدعاء وحده دون العمل لا يكفي
لجلب نصرة الله؛ فبني إسرائيل دعوا
الله فترة طويلة دون أن يرتفع الظلم
عنهم؛ قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ وَجْنَا بِرَحْمَتِكَ
[يونس: ٨٥-
مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
٨٦].
ولما أمرهم موسى بالتغيير وأطاعوه
﴿وَأَوْحَيْنَاْ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا
بِمِصْرَ بُونًا وَأَجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةٌ
وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِينَ
(٢)﴾ [يونس: ٨٧].
ثم كان دعاء موسى بعد التغير،
٠
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ
وَمَلَأَّهُ زِينَةٌ وَأَمْوَلَا فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا
لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَْمِسْ عَلَ
أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَقّ
يَرُواْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ )﴾ [يونس: ٨٨].
فكانت النتيجة، قال تعالى: ﴿قَالَ
قَدْ أُجِيبَتَ دَعْوَتُكُمَا فَأَسْتَقِيمَا وَلَا
نَّعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
٨٩
[يونس: ٨٩].
بيان حسن تدبير الله تعالى في منع
موسى من سائر المرضعات حتى يرده
إلى أمه، قال تعالى:
* وَحَرَّمْنَاعَلَيْهِ
الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدْكُ عَلَى أَهْلِ
بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ
(١٢) [القصص: ١٢].
التحذير من تزيين الأعمال القبيحة
نتيجة الإدمان عليها والاستمرار على
فعلها، فإن من زينت له أعماله السيئة
فأصبح يراها حسنة هلك والعياذ بالله،
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ
سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِّ وَمَا كَيْدُ
٢٩٠
جَوْسبو
القرآن الكريمِ