النص المفهرس

صفحات 21-34

الفساد
ذكر علمه تعالى؛ لتلاحظ ذلك حين العمل، الجلود. وبدأ بالمفسد أولًا؛ ليقع الإمساك
عن الإفساد.
وترقب الجزاء على ما تعمل؛ حتى تأمن
الزلل، وتبتعد عن مواطن الشبهة، فشهوة
الطمع كثيرًا ما تسول للإنسان أكل مال
الیتیم، كما تزين له أكل مال أخيه الضعيف
ولا وازع ولا زاجر إلا تقوى الله، ومراقبته
في السر والعلن.
فالله مطلع على ضمائركم عالم بما في
قلوبكم، وهذا تهديد عظيم، والسبب أن
الیتیم لا یمکنه رعایة الغبطة لنفسه، وليس له
أحد يراعيها، فكأنه تعالى قال: لما لم يكن
له أحد يتكفل بمصالحه فأنا ذلك المتكفل
وأنا المطالب لوليه، وقيل: والله يعلم
المصلح الذي يلي من أمر اليتيم ما يجوز له
بسببه الانتفاع بماله، ويعلم المفسد الذي لا
يلي من إصلاح أمر الیتیم ما يجوز له بسببه
الانتفاع بماله، فاتقوا أن تتناولوا من مال
اليتيم شيئًا من غير إصلاح منكم لمالهم))(١).
واليوم نرى بعضًا من الأوصياء على
الأيتام يظهرون العفة والزهد في أكل
أموالهم، وهم يلتهمونها التهامًا، فتراهم
بعد قليل أصبحوا من ذوى الثراء، وأجرهم
المفروض ليس فيه الغناء، فلا نرى منهم
إلا الفساد والإفساد، دون مراقبة لله في
أعمالهم، ومراجعة نفوسهم في أفعالهم،
غير ناظرين إلى الوعيد الشديد الذي تقشعر
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٤٦.
وفي الآيات دليل على:
١. جواز أنواع المخالطات، في المآكل
والمشارب، والعقود وغيرها، وهذه
الرخصة، لطف من الله سبحانه وتعالى
وإحسان، وتوسعة على المؤمنين،
وقد اكتنف هذه المخالطة الإصلاح
قبل وبعد، فقبل، بقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ
◌َّمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وبعد بقوله:
﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ
فالأولى أن يراد بالمخالطة ما فيه
إصلاح لليتيم بأي طريق كان.
٢. النظر في مصالح الأيتام من أهم مقاصد
الشريعة.
٣. ليس من المصلحة أن يعرض الناس
عن النظر في أموال اليتامى اتقاء لألسنة
السوء، وتهمة الظن بالإثم، فلو تمالا
الناس على ذلك وقاية لأعراضهم
لضاع اليتامى، وليس هذا من شأن
المسلمين.
٤. لما أذن الله عز وجل في مخالطة الأيتام
مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم وفيهم،
كان ذلك دليلا على جواز التصرف في
مال اليتيم تصرف الوصي في البيع،
والقسمة، وغير ذلك على الإطلاق
لهذه الآية.
www. modoee.com
٣١٣

حرف الفاء
٤. إهلاك الحرث والنسل.
من صور الفساد إهلاك الحرث والنسل؛
لأن بهما عمارة الكون وتحقيق خلافة الله
في الأرض، وإهلاكهما سبب في تعطيل
حكمة الله في الكون، والله لا يحب من هذا
صفته وهذا فعله.
والحرث: إلقاء البذر في الأرض
وتهيؤها للزرع، والنساء زرع ما فيه بقاء نوع
الإنسان، كما أن بالأرض زرع ما به بقاء
أشخاصهم(١).
والنسل: الولد؛ لكونه ناسلًا عن أبيه.
قال تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾
[البقرة: ٢٠٥]، وتناسلوا: توالدوا(٢)
٠
ومما ذكره الله في ذكر أسباب الفساد
قوله تعالى في صفة المنافق: ﴿وَإِذَا تَوَّلَى
سَعَى فِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ
وَالنَّسْلَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
قال مجاهد رحمه الله: ((إذا سعى
في الأرض إفسادًا منع الله القطر، فهلك
الحرث والنسل. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
أي: لا یحب من هذه صفته ولا من يصدر
منه ذلك)»(٣).
وقال سيد قطب رحمه الله: ((هذا
الذي يتناقض ظاهره وباطنه ويتنافر مظهره
ومخبره، هذا الذي يتقن الكذب والتمويه
والدهان حتى إذا جاء دور العمل ظهر
المخبوء، وانكشف المستور، وفضح بما
فيه من حقيقة الشر والبغي والحقد والفساد،
وإذا انصرف إلى العمل كانت وجهته الشر
والفساد في قسوة وجفوة ولدد تتمثل في
إهلاك كل حي من الحرث الذي هو موضع
الزرع والإنبات والأثمار، ومن النسل الذي
هو امتداد الحياة بالأنسال، وإهلاك الحياة
على هذا النحو كناية عما يعتمل في كيان
هذا المخلوق النكد من الحقد والشر والغدر
والفساد مما كان يستره بذلاقة اللسان ونعومة
الدهان والتظاهر بالخير والبر والسماحة
والصلاح ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ولا يحب
المفسدين الذين ينشئون في الأرض الفساد
والله لا تخفى عليه حقيقة هذا الصنف من
الناس، ولا يجوز عليه الدهان والطلاء
الذي قد يجوز على الناس في الحياة الدنيا
فلا يعجبه من هذا الصنف النكد ما يعجب
الناس الذين تخدعهم الظواهر وتخفى
علیهم السرائر.
إن هذا النموذج تراه حيًا يتحرك، تقول
في غير تردد: هذا هو، هذا هو الذي عناه
القرآن، وأنت تراه أمامك ماثلًا في الأرض
الآن وفي كل آن)) (٤).
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٢٦.
(٢) المصدر السابق ص ٨٠٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٥٤/١.
(٤) في ظلال القرآن، ١٩٨/١-١٩٩ . باختصار.
٣١٤
◌َ البَسيـ
جوبي
القرآن الكريم

الفساد
الأساليب القرآنية في محاربة الفساد
تنوعت الأساليب القرآنية في محاربة
الفساد، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتى:
أولًا: النهي عن الفساد وإنكاره:
يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من أهم وسائل دفع الفساد داخل المجتمع،
وإذا خلا منه مجتمع عم الفساد، وانتشرت
المنكرات، وعم الله المجتمع بالعذاب
والهلاك.
ولذلك اهتم القرآن الكريم بهذه القضية،
بل جعلها من أهم سمات الخيرية في الأمة
الإسلامية.
قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ
أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِّنْهُمُ
اَلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ اُلْفَسِقُونَ ﴾ [آل
عمران: ١١٠].
ومما ذكره القرآن في معرض الحديث
عن مقاومة الفساد قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ
مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ يَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ
الْفَسَادِ فِ الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمٌ
وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ
مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦].
قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله:
((جاءت هذه الآية بعد بيان إهلاك الأمم
بظلمهم وفسادهم في الأرض للإعلام بأنه
لو كان منهم جماعات وأحزاب أولي بقية
من الأخلاق والفضائل والقوة في الحق
ينهونهم عن ذلك لما فشا فيهم وأفسدهم،
وإذن لما هلكوا، فإن الصالحين المصلحين
في الأرض هم الذين يحفظ الله بهم الأمم
من الهلاك ما داموا يطاعون فيها بحسب سنة
الله.
كما أن الأطباء هم الذين يحفظ الله
بهم الأمم من فشو الأمراض والأوبئة فيها،
ما دامت الجماهير تطيعهم فيما يأمرون به
من أسباب الوقاية قبل حدوث المرض، أو
من وسائل العلاج والتداوي بعده، فإذا لم
يمتثل الجمهور لأمرهم ونهيهم فعل الفساد
فعله فيهم، والله لا يحفظ الأمم لذوات
الصالحين، وبركة أجسادهم، ولا بعبادتهم
الشخصية العائد نفعها عليهم، بل بأمرهم
بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وطاعة الأمة
لهم)»(١).
وقد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم
یکونوا کثیرًا، وهم الذين أنجاهم الله عند
حلول غضبه وفجأة نقمته(٢).
((فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد
الناس لغير الله في صورة من الصور فيجد
من ينهض لدفعه هي أمم ناجية، لا يأخذها
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٢/ ٢٤٤ -
٢٤٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٤٨١.
www. modoee.com
٣١٥

حرف الفاء
بالعذاب والتدمير، أما الأمم التي يظلم ١٨٣].
فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا
ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون
فيها من يستنكر ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في
الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحق علیھا، إما
بهلاك الاستئصال، وإما بهلاك الانحلال
والاختلال.
فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده،
وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها
بالدينونة لغيره عز وجل، هم صمام الأمان
الأمم والشعوب، وهذا يبرز قيمة كفاح
المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده،
الواقفين للظلم والفساد بكل صورة، فهم لا
يؤدون واجبهم لربهم ولدینهم فحسب، إنما
هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله،
واستحقاق النكال والضياع)»(١).
وأمر شعيب عليه السلام قومه بعدم
العیث في الأرض مفسدين، وتكرر هذا
الأمر في القرآن في ثلاث آيات؛ لأنهم كانوا
من أشد الأمم فسادًا في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ أَوْقُواْ أَلْمِكْيَالَ
وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ
أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِ اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾
[هود: ٨٥].
وقال عز وجل: ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ
أَشْيَدَهُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِ اْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء:
(١) في ظلال القرآن ١٩٣٣/٤.
وقال عز وجل: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ
اَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
[العنكبوت: ٣٦].
بخس: البخس النقص بخسه حقه يبخسه
بخسًا إذا نقصه، والبخس من الظلم(٢).
(نهاهم عن العيث في الأرض بالفساد
وهو السعي فيها والبغي على أهلها وذلك
أنهم: كانوا ينقصون المكيال والميزان،
ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع
کفرهم بالله ورسوله»(٣).
وبينت الآية: ((أن الخيانة في المكيال
والميزان مبالغة في الفساد في الأرض» (٤).
ولما نهاهم شعيب عن ذلك قالوا له في
استهزاء: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَن تَتْرُكَ مَا
يَعْبُدُ مَابَآ ؤُنَّا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَلِنَا مَا نَشَوَّأَ
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧].
وفي هذه الآية ربط السياق القرآني بين
قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع
والشراء، وبين العقيدة؛ للدلالة على طبيعة
هذا الدين، وتسويته بين العقيدة والشريعة،
وبين العبادة والمعاملة، في أنها كلها من
مقومات هذا الدين، المرتبطة كلها في كيانه
الأصيل.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٢٤/٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٤٧/٣.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٧٤.
٣١٦
القرآن الكريمِ

الفساد
وقد أمرهم شعيب عليه السلام بثلاثة وأنفسهم وأعراضهم، وأموالهم وهذه
ضريبة القعود عن مدافعة الفساد، وإيثار
الحياة الدنيا.
أمور:
أحدها: إصلاح الاعتقاد، وهو من
إصلاح العقول والفكر.
وثالثها: صلاح الأعمال والتصرفات في
العالم بأن لا يفسدوا في الأرض.
ووسط بينهما الثاني: وهو شيء من
صلاح العمل خص بالنهي؛ لأن إقدامهم
عليه كان فاشيًا فيهم حتى نسوا ما فيه من قبح
وفساد، وهذا هو الكف عن نقص المكيال
والميزان، فابتدأ بالأمر بالتوحيد؛ لأنه أصل
الصلاح، ثم أعقبه بالنهي عن مظلمة كانت
متفشية فيهم وهي خيانة المكيال والميزان،
وهي مفسدة عظيمة؛ لأنها تجمع خصلتي
السرقة والغدر (١).
وهذا المنهج ينبغي أن يقتدي به
المصلحون في أمرهم بالمعروف ونهيهم
عن المنكر.
ثانيًا: سنة التدافع:
إن الذين يطمعون في الإصلاح ودرء
الفساد عن الأمة بدون الأخذ بسنة التدافع
إنما يخالفون منهج الأنبياء في الدعوة إلى
الله، وإن الذين يؤثرون السلامة والخوف
من عناء مدافعة الفساد وأهله، يقعون في
مشقة أعظم وعناء أکبر یقاسونه في دينهم،
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٣/١.
قال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ
الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
الْعَلَمِينَ﴾[البقرة: ٢٥١].
وقال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ
بَعْضَهُم بِعْضٍ لَّدِّمَتْ صَوَيِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ
وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا أَسْمُ اللَّهِ كَثِيراً
وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ
عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
هاتان الآيتان دستور التدافع بين الحق
والباطل، وهما يكشفان عن حكمة الله
عز وجل العليا في الأرض من تدافع
القوى وتنافس الطاقات، وانطلاق السعي
في تيار الحياة المتدفق الصاخب الموار،
وهنا تكشف على مد البصر ساحة الحياة
المترامية الأطراف تموج بالناس، في تدافع
وتسابق وزحام إلى الغايات، ومن ورائها
تلك اليد الحكيمة المدبرة تمسك بالخيوط
جميعًا، وتقود الركب المتزاحم المتصارع
المتسابق، إلى الخير والصلاح والنماء.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((﴿وَلَوْلًا
دَفْعُ اللَّهِ﴾ العدو بجنود المسلمين، لغلب
المشركون، فقتلوا المؤمنين، وخربوا البلاد
www. modoee.com
٣١٧

حرف الفاء
والمساجد))(١).
قال الطبري رحمه الله: «ولولا أن الله
يدفع ببعض الناس وهم أهل الطاعة له
والإيمان به، بعضًا وهم أهل المعصية له،
والشرك به لفسدت الأرض، بمعنى: لهلك
أهلها بعقوبة الله إياهم، ففسدت بذلك
الأرض، ولكن الله تعالی ذو من على خلقه،
وطولٍ عليهم بدفعه بالبر من خلقه عن
الفاجر، وبالمطيع عن العاصي منهم»(٢).
((لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن
لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، ولولا أن
طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها تعارض
مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة؛
لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب،
وتتدافع، تنفض عنها الكسل والخمول،
وتستجیش ما فيها من مكنونات مذخورة،
وتظل أبدًا يقظة عاملة، مستنبطة لذخائر
الأرض مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة.
وفي النهاية يكون الصلاح والخير
والنماء، يكون بقيام الجماعة الخيرة
المهتدية المتجردة، تعرف الحق الذي
بينه الله لها، وتعرف طريقها إليه واضحًا،
وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار
من عذاب الله إلا أن تنهض بهذا الدور
النبيل، وإلا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل
في الأرض طاعة لله وابتغاء لرضاه، وهنا
یمضي الله أمره، وینفذ قدره، ويجعل كلمة
الحق والخير والصلاح هي العليا، ويجعل
حصيلة الصراع والتنافس والتدافع في يد
القوة الخيرة البانية، التي استجاش الصراع
أنبل ما فيها وأكرمه، وأبلغها أقصى درجات
الكمال المقدر لها في الحياة.
ومن هنا كانت الفئة القليلة الواثقة بالله
تغلب في النهاية، وتنتصر؛ ذلك بأنها تمثل
إرادة الله العليا في دفع الفساد عن الأرض،
وتمكين الصلاح في الحياة، إنها تنتصر؛
لأنها تمثل غاية عليا تستحق الانتصار))(٣).
ويدفع الله عز وجل ((شر الطائفتين
بخيرهما، كما دفع المجوس بالروم
النصارى، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَقَتَلَ
دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَنَهُ اللهُ الْمُلْكَ
وَاَلِْكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءُ وَلَوْلًا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ
الْأَرْشُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]))(٤).
«ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض،
ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون،
الحق في الأرض، وتعرف أن لا نجاة لها وفسدت الأرض، وبطلت منافعها، وتعطلت
مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ١١٧.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢/ ٤٠٣.
(٣) في ظلال القرآن ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٤) الجواب الصحيح، ابن تيمية ٢١٦/٢.
٣١٨
القرآن الكريم

الفساد
الأرض)»(١).
ثالثًا: الكشف عن عمل المفسدين:
كشف الله سبحانه وتعالى عن المفسدين
في کتابه الکریم؛ لأنه علیم بهم.
قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
بِالْمُفْسِدِينَ﴾[آل عمران: ٦٣].
وقال: ﴿وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لَّا
يُؤْمِنُ بِدٍّ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:
٤٠].
وممن كشف الله سبحانه وتعالى
عنهم للمؤمنين اليهود وعملهم بالفساد،
قال تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَْفَأَهَا
اللَّهَّ وَيَسْعَوْنَ فِ الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
اٌلْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤].
فكشف الله سبحانه وتعالى للمؤمنين
عن سجايا اليهود حتى يكونوا على بينة
منهم، فمن طبيعتهم وأخلاقهم وأعمالهم
أنهم کلما عقدوا أسبابًا یکیدون بها للإسلام
وأهله، وكلما أبرموا أمورًا يحاربون بها
يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم، ويحيق
مكرهم السيئ بهم، ومن سجيتهم أنهم
-دائمًا- يسعون في الإفساد في الأرض،
والله لا يحب من هذه صفته، ((وعلة عدم
محبة الله سبحانه وتعالی لهم أنهم يفسدون
أنفسهم بشناعات أعمالهم، ويفسدون
(١) الكشاف ١٤٨/١.
الناس بحملهم على الفواحش»(٢).
وإيقاد نيران الحرب والفتن والقتال
بمحاولة منع اجتماع كلمة العرب،
وخروجهم من الأمية إلى العلم، ومن الوثنية
إلى التوحيد، وبالكيد للمؤمنين، وتشكيكهم
في الدين؛ حسدًا لهم، وحبًا في دوام
امتیازهم علیهم، والله لا يحب المفسدين
في الأرض، فلا يصلح عملهم، ولا ينجح
سعيهم؛ لأنهم مضادون لحكمته في صلاح
الناس وعمران البلاد(٣).
وإذا رأينا اليوم اليهودية العالمية توقد
نار الحرب على البلاد الإسلامية، وتسعى
في الأرض فسادًا وتفلح! فينبغي ألا ننظر
إلى فترة قصيرة من الزمان، ولا إلى مظهر لا
يشتمل على الحقيقة كاملة. فمفتاح الموقف
كله في وجود العصبة المؤمنة، التي يتحقق
لها وعد الله. فأين هي العصبة المؤمنة الیوم،
التي تتلقى وعد الله، وتقف ستارًا لقدر الله،
ويحقق الله بها في الأرض ما يشاء؟
ويوم تفيء الأمة المسلمة إلى الإسلام،
تؤمن به على حقيقته، وتقيم حياتها كلها
علی منهجه وشريعته،
يومئذ یحق وعد الله علی شر خلق الله.
واليهود يعرفون هذا، ومن ثم يسلطون كل
ما في جعبتهم من شر وکید، ویصبون کل
(٢) التحرير والتنوير ٣١٩/٢٥.
(٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٦/ ٣٨٠.
www. modoee.com
٣١٩

حرف الفاء
ما في أيديهم من بطش وفتك، على طلائع
البعث الإسلامي في كل شبر من الأرض،
ويضربون -لا بأيديهم ولكن بأيدي
عملائهم- ضربات وحشية منکرة، لا ترعى
في العصبة المؤمنة إلّا ولا ذمة. ولكن الله
غالب على أمره. ووعد الله لا بد أن يتحقق.
إن هذا الشر والفساد الذي تمثله یهود،
لا بد أن یبعث الله علیه من يوقفه ويحطمه،
فالله لا يحب الفساد في الأرض، وما لا
يحبه الله لا بد أن يبعث عليه من عباده من
يزيله(١).
وإنا لنرى بفضل الله سبحانه وتعالى
هذه العصبة في بيت المقدس وأكناف بيت
المقدس، تنمو وتزداد وتقوى شو کتها، وهي
- بإذن الله- الأمل بعد رعاية الله وحفظه لها
في القضاء على اليهود، وتطهير الأرض
منهم، ومن فسادهم ومن أمثالهم، فنسأل
الله لهم العون والتأييد.
وفي معرض حديث القرآن عن المنافقين،
واعتقادهم الباطل أنهم مصلحون، أخبر الله
عنهم أنهم هم المفسدون، وأعلم المؤمنين
أن المنافقين مفسدون.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْلَا نُفْسِدُوا فِی
الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) أَلَّ إِنَّهُمْ
هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ﴾ [البقرة: ١١-
١٢].
فقوله تعالى: ﴿أَلََّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ﴾
إثبات لفسادهم وفضح لسعيهم؛ لأن الكفر
فساد في الأرض؛ إذ فيه كفران نعمة الله،
وإقدام كل أحد على ما يهواه؛ لأنه إذا كان لا
يعتقد وجود الإله ولا يرجو ثوابًا ولا عقابًا
تهارج الناس، ومن هذا ثبت أن النفاق فساد.
ودخول أداة الاستفتاح (ألا) على الجملة
تنبه السامعين على الاهتمام بالخبر وإشاعته
وإعلانه.
فوجب على المصلحين كشف فساد
المنافقين وإعلانه وإشاعته بين الناس؛ حتى
يأخذوا حذرهم، ولا يفتنوا بحلو كلامهم،
ويعاملوهم معاملة العدو المتربص، كما قال
ج
الله: ﴿هُمُ الْعَدُوٌّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤].
(١) في ظلال القرآن ٢/ ٩٣٠.
٣٢٠
الْقُرآن الكَرِيمِ

الفساد
عاقبة المفسدين
إن سنة الله عز وجل في الأفراد
والجماعات قد مضت بأن يذوق المفسدون
سوء عاقبة فسادهم.
قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا
ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الحشر: ١٥]،
أي: ذاقوا سوء أعمالهم. فالفرد إذا أفسد
وظهر عليه آثار الفساد، ولم ينزل به العقاب
الإلهي عقب فساده، فإنه يزداد غيًا وفسادًا،
ولا يحسب للعواقب حسابًا، فيسترسل في
ظلمه وفساده إلى أن يحيق به عذاب الله
الشدید.
ولقد أمرنا الله عز وجل أن ننظر
لتتأمل عاقبة المفسدين، وما حل بهم من
الخزي والنكال، وأيضًا وجه أنظار وعقول
المفسدين؛ ليعتبروا بما حدث للمفسدين
من الأمم السابقة؛ حتى يكون رادعًا لهم عن
العصيان والفساد.
قال تعالى:
﴿ُثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُوسَى
بِثَايَتِنَآَ إِلَى فِرْعُونَ وَمَلَيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَأَنْظُرْكَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٣].
وقال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا
أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَكُلُوَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَرِقِبَةُ
اٌلْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤].
فالخطاب في الآيتين تسلية للرسول
صلى الله عليه وسلم ولمن بعده وسار
على نهجه ((بما حل بالمكذبين بالرسل)) (١)
من عاقبة أمرهم: ((إذا نصر عبده ورسوله
موسى عليه السلام عليهم، وهو فرد من
شعب مستضعف مستعبد لهم، وهم أعظم
أهل الأرض دولة وصولة وقوة، نصره
عليهم: بإبطال سحرهم، وإقناع علمائهم،
وسحرتهم بصحة رسالته و کون آياته من
الله، ثم نصره بإرسال أنواع العذاب على
البلاد، ثم بإنقاذ قومه، وإغراق فرعون، ومن
اتبعه من ملئه وجنوده.
وهذه عبرة ظاهرة وحجة قائمة مدة
الدهر، على القائلين إنما الغلب للقوة
المادية على الحق، ولاسيما المغرورين
بعظمة دول - أمريكا وبريطانيا وأوربا
وإسرائيل- الظالمة لمن استضعفتهم من
أهل الشرق، وعلى أولئك الباغين بالأولى،
فأولى لهم أولى، ثم أولى لهم أولى!))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلٍ
صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ
مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجَاً
وَأَذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَتََّكُمْ
وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾
[الأعراف: ٨٦].
والخطاب في هذه للمفسدين أي:
((وانظروا ما نزل بمن كان قبلكم من الأمم
(١) التحرير والتنوير ١/ ٣٠٦٠.
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٩/ ٤٠.
www. modoee.com
٣٢١

حرف الفاء
حين عتوا على ربهم، وعصوا رسله من ضوء ما كان في ماضي الطريق)»(٣).
المثلات، والنقمات، وكيف وجدوا عقبى
عصيانهم إياه))(١).
﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ
وقوله تعالى:
كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتََّكُمْ﴾ المقصود
منها أنهم إذا تذكروا نعم الله عليهم انقادوا
وأطاعوا، وقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اَلْمُفْسِدِينَ﴾ المقصود منها: ((إنهم إذا
عرفوا عاقبة المفسدين المتمردين ليست
إلا الخزي والنكال، احترزوا عن الفساد
والعصيان وأطاعوا، فكان المقصود من
هذين الكلاميين حملهم على الطاعة بطريق
الترغيب أولًا والترهيب ثانيًا)»(٢).
فالقرآن الكريم يدعو المسلمين إلى
دراسة سنن الله في الأرض من أجل
أن: ((يردهم إلى الأصول التي تجري
وفقها الأمور، فهم ليسوا بدعًا في الحياة،
فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا
تتخلف، والأمور لا تمضي جزافًا، إنما
هي تتبع هذه النواميس، فإذا هم درسوها
وأدركوا مغازيها، تكشفت لهم الحكمة من
وراء الأحداث، وتبينت لهم الأهداف من
وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي
تتبعه الأحداث، وإلى وجود الحكمة الكامنة
وراء هذا النظام، واستشرفوا خط السير على
(١) جامع البيان، الطبري ٥/ ٥٤٤.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ١٨٣.
ولقد أخذ الله الأمم المفسدة بذنوبهم،
واختلفت سوء العاقبة بحسب عظمة الذنب،
فكلما كان الذنب عظيمًا كان العقاب عظيمًا،
وكلما خف الذنب خف العقاب.
قال تعالى: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَتْبِةٍ فَمِنْهُم
مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم ◌َنْ أَخَذَتْهُ
الضَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ
وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأْ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
[العنكبوت: ٤٠].
فأخذ عز وجل هذه الأمم بالإتلاف
والإهلاك؛ لأنهم من أشد الأمم فسادًا في
الأرض، فالحاصب ما أصاب عادًا، والذين
أخذتهم الصيحة هم ثمود، والذين خسفت
بهم الأرض قارون وأهله، والذين أغرقهم:
فرعون وهامان ومن معهما من قومهما.
فالفساد له عواقب دنيوية، وأخروية،
وهذا بيانها:
أولًا: العواقب الدنيوية:
١. حرمان التأييد الإلهي.
قال تعالى: ﴿قَلَمَّا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا
جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ: إِنَّ اللّهَ لَا يُصْلِحُ
عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١].
((ليس المراد بعدم إصلاح عملهم
(٣) في ظلال القرآن ١/ ٤٧٢.
٣٢٢
جَوَبُور
القرآن الكريم

الفساد
عدم جعل فسادهم صلاحًا، بل عدم إثباته
وإتمامه، أي: ((لا يثبته، ولا یکمله، ولا
يديمه، بل يمحقه ويهلكه، ويسلط عليه
الدمار)»(١).
قال الألوسي رحمه الله: «المراد بعدم
إصلاح ذلك عدم تقویته بالتأييد الإلهي»(٢).
٢. التدمير والهلاك.
أخبر الله عن التسعة رهط المفسدين من
قوم صالح ومكرهم بنبيهم وتبيتهم لقتله،
وسوء عاقبتهم.
قال تعالى: ﴿ وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْمَةُ رَهْطٍ
يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴾ قَالُواْ
تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّتَنَّهُ, وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِّهِ.
مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِقُونَ
وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ
٤٩
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
٥٠
لَا يَشْعُرُونَ
عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَمِينَ﴾
[النمل: ٤٨-٥١] . فالله دمر التسعة الرهط،
ودمر قومهم الذين لم يكونوا معهم عند
مباشرتهم لذلك، ولم یشذ منهم أحد، ولا
سلم من العقوبة فرد من أفرادهم.
٣. الإصابة بالآفات والعلل.
قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُفِ آلْبِّ وَالْبَحْرِ
بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى
عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ /١٧٠.
(٢) روح المعاني ١١/ ١٦٧.
قال ابن القيم رحمه الله: «لم تزل أعمال
بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من
الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من
الآلام والأمراض والأسقام والطواعين،
والقحوط والجدوب، وسلب بركات
الأرض وثمارها ونباتها، وسلب منافعها أو
نقصانها أمورًا متتابعة يتلو بعضها بعضًا، فإن
لم يتسع علمك لهذا فاكتف بقوله تعالى:
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبِّ وَالْبَحْرِبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِی
النَّاسِِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَيِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
[الروم: ٤١].
ونزل هذه الآية على أحوال العالم
وطابق بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف
تحدث الآفات والعلل كل وقت في الثمار
والزرع والحیوان؟ وکیف یحدث من تلك
الآفات آفات أخر متلازمة بعضها آخذ
برقاب بعض؟ وكلما أحدث الناس ظلمًا
وفجورًا أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى
من الآفات والعلل في أغذیتهم وفواكههم،
وأهويتهم، ومياههم، وأبدانهم وخلقهم،
وصورهم وأشكالهم، وأخلاقهم من النقص
والآفات ما هو موجب أعمالهم وظلمهم
وفجورهم))(٣).
٤. الإبعاد من الرحمة، وسوء العاقبة
والمآل.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ
(٣) زاد المعاد ٣٢٦/٤.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الفاء
بَعْدٍ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَهُمْ سُوَهُ
الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]. أي: البعد والذم من الله
وملائكته وعباده المؤمنين، والجحيم بما
فيها من العذاب الأليم.
٥. الخسران.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
مِنْ بَعْدٍ مِئَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ: أَنْ
يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِّ أُوْلَِكَ هُمُ
الْخَسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]. فحصر الخسارة
فيهم؛ لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم،
ليس لهم نوع من الربح؛ لأن كل عمل صالح
شرطه الإيمان، فمن لا إیمان له لا عمل له.
٦. إقامة حد الحرابة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤْاْ أَلَّذِينَ
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِ الْأَرْضِ
فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ
أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ
مِنَ الْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنِّيّاً
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:
٣٣].
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ((روى
الشافعي رحمه الله في سننه، عن ابن عباس
رضي الله عنه في قطاع الطريق: إذا قتلوا
وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا. وإذا قتلوا ولم
يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا. وإذا أخذوا
المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم
من خلاف. وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا
مالًا نفوا من الأرض، وهذا قول كثير من
أهل العلم.
فمن كان من المحاربين قد قتل فإنه
يقتله الإمام حدًا، ولا يجوز العفو عنه بحال
بإجماع العلماء، ولا یکون أمره إلى ورثة
المقتول، بخلاف ما لو قتل رجلٌ رجلًا
لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو ذلك من
الأسباب الخاصة، فإن هذا دمه الأولياء
المقتول إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا،
وإن أحبوا أخذوا الدية؛ لأنه قتله لغرض
خاص. وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ
أموال الناس، فضررهم عام بمنزلة السراق،
فكان قتلهم حد الله، وهذا متفق عليه بين
الفقهاء»(١).
«فالمنهج الرباني لا يأخذ الناس بالقانون
وحده. إنما يرفع سيف القانون ويصلته؛
ليرتدع من لا يردعه إلا السيف. فأما
اعتماده الأول فعلى تربية القلب، وتقويم
الطبع، وهداية الروح، ذلك إلى جانب إقامة
المجتمع الذي تنمو فيه بذرة الخير وتزكو،
وتذبل فيه نبتة الشر وتذوي»(٢).
ودلت الآية على أمرين: أحدهما: التخيير
في جزاء المحاربين، والأمر الثاني: أن هذه
(١) السياسة الشرعية، ابن تيمية ١٠٥/١.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٨٨١/٢.
٣٢٤
جوبي
القرآن الكريمِ

الفساد
العقوبات هي لأجل الحرابة، وليست لأجل بذواتهم والاعتزاز بأشخاصهم وما يتعلق
حقوق الأفراد من الناس، ولذلك فلو أسقط
المعتدى عليهم حقوقهم لم يسقط عن
المحارب عقوبة الحرابة.
ثانيًا: عاقبة الأقوام المفسدين في
الآخرة:
١. حرمان النعيم الأخروي.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُها
لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُوَا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
قال الطبري رحمه الله: ((تلك الدار
الآخرة يجعل نعيمها للذين لا يريدون
تکبرًا عن الحق في الأرض وتجبرًا عنه، ولا
ظلم الناس بغير حق، وعملًا بمعاصي الله
فيها))(١).
وإن حصل لهم بعض القهر والراحة
فإنه لا يطول وقته، ويزول عن قريب، وعلم
من هذا الحصر في الآية الكريمة أن الذين
يريدون العلو في الأرض، أو الفساد ليس
لهم في الدار الآخرة نصيب، ولا لهم فيها
حظ (٢).
وقال سيد قطب رحمه الله: ((فلا يقوم
في نفوسهم خاطر الاستعلاء بأنفسهم
لأنفسهم، ولا يهجس في قلوبهم الاعتزاز
(١) جامع البيان، الطبري ١١٤/١٠.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٤٩.
بها. إنما یتواری شعورهم بأنفسهم؛ ليملأها
النور بالله، ومنهجه في الحياة، أولئك الذين
لا یقیمون لهذه الأرض وأشیائها وأعراضها
وقيمها وموازينها حسابًا، ولا يبغون فيها
كذلك فسادًا. أولئك هم الذين جعل الله لهم
الدار الآخرة، تلك الدار العالية السامية))(٣).
٢. الزيادة في العذاب.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا
كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].
«قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال، وعن
ابن عباس رضي الله عنه قال: خمسة أنهار
تحت العرش يعذبون ببعضها في الليل،
وبعضها في النهار)) (٤).
وقال ابن كثير رحمه الله: ((هذا دليل
على تفاوت الكفار في عذابهم كما يتفاوت
المؤمنون في درجاتهم في الجنة ودرجاتها
كما قال تعالى: ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا
نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]»(٥).
وقال سيد قطب رحمه الله: ((فالكفر
فساد، والتكفير فساد، وقد ارتكبوا جريمة
كفرهم، وجريمة صد غيرهم عن الهدى،
(٣) في ظلال القرآن ٢٧١٤/٥.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٣.
(٥) المصدر السابق.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف الفاء
فضوعف لهم العذاب جزاء وفاقًا))(١).
فإذا قيل: إنا نرى المفسد الظالم الباغي
قديزداد في دنياه مالًا وولدًا، ويتمتع بصنوف
اللذات، من الدور والقصور، والفراش
الوثير، والسكن في الجنات، ويركب فاره
الخيول المطهمة والمراكب الفاخرة، ويشار
إليه بالبنان، بينا نرى المطيع لربه، المظلوم
من بنی جنسه قد یعیش عيش الكفاف، ولا
يجد ما یقیم به أوده، ويسد به مخمصته،
أفیکون من حكمة الحکیم العادل الذي لا
يظلم مثقال ذرة أن يترك الناس سدى يفعلون
ما شاءوا بلا حساب ولا عقاب، أو ينتصف
للمظلوم من الظالم ويرجع الحق إلى
صاحبه، وربما لا يحصل هذا في الدنيا؟!
الجواب: لابد من دار أخرى يكون
فيها العدل والإنصاف، والكيل بالقسط
والميزان، وتلك هي الدار التي وعد بها
الرحمن، على ألسنة رسله الكرام، صدق
ربنا، وإن وعده الحق، وإن هذا اليوم آت
لاشك فیه؛ لتجزی کل نفس بما كسبت، لا
ظلم اليوم(٢).
موضوعات ذات صلة:
الإصلاح، التغيير، الدفع، الصلاح
(١) في ظلال القرآن ٢١٨٨/٤.
(٢) تفسير المراغي ١٠٥/٢٣.
العضو
٣٢٦
جَوَسُولَة
القرآن الكريم