النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الفساد عناصر الموضوع مفهوم الفساد ٢٩٤ الفساد في الاستعمال القرآني ٢٩٥ الألفاظ ذات الصلة ٢٩٦ مجالات الفساد ومظاهره ٢٩٨ الأساليب القرآنية في محاربة الفساد ٣١٥ ٣٢١ عاقبة المفسدين المُجَلَّ السَّادِسْ وَالعشْرُونْ حرف الفاء مفهوم الفساد أولًا: المعنى اللغوي: ((الفاء والسين والدال كلمة واحدة، فسد الشيء يفسد فسادًا وفسودًا وهو فاسد وفسيد))(١)، وفسد: كنصر وعقد وكرم، ضد صلح فهو فاسدٌ، والفساد: أخذ المال ظلمًا. والمفسدة: ضد المصلحة (٢). والفساد: ((خروج الشيء عن الاعتدال، قليلًا كان الخروج أو كثيرًا، ويضاده الصلاح، ويستعمل ذلك في النفس، والبدن، والأشياء الخارجة عن الاستقامة))(٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرف الفساد في الاصطلاح خلقٌ كثيرون، ولكن هذا البحث سيتناول هذا المصطلح بما يتفق مع طبيعته القرآنية، حيث جاء في تعريفه الآتي: ١-تعريف الجرجاني للفساد بأنه: ((زوال الصورة عن المادة بعد أن كانت حاصلة))(٤). ٢- تعريف الشيخ محمد رواس قلعه جي بأنه: ((إخراج الشئ عن أن يكون منتفعًا به منفعة مطلوبة منه عادة))(٥). وبالنظر إلى التعريفين السابقين يتبين أن التعريف الثاني أكثر وضوحًا وانسجامًا مع الدراسة القرآنية، خاصة أنه يشمل كل ما من شأنه تخريب وإفساد، وأيضًا يتفق مع أصل الفساد لغةً. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ص٧٤٨. (٢) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٣٠٦. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٧٩. (٤) التعريفات ص١٦٦. (٥) معجم لغة الفقهاء ١ / ٤١. ٢٩٤ جوبيين القرآن الكريم الفساد الفساد في الاستعمال القرآني وردت مادة (فسد) في القرآن الكريم (٥٠) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٤ ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَ الِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ [الشعراء: ١٥٢] (١٥٢ الفعل المضارع ١٤ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌّ كَبِيرٌ المصدر ١١ ﴾ [الأنفال: ٧٣] ٧٣ اسم الفاعل ٢١ ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ [البقرة: ١٢] ١٢ وورد الفساد في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: تغير الشيء عما كان عليه من الصلاح، وقد يقال في الشيء مع قيام ذاته، ويقال فيه مع انتقاضها، ويقال فيه إذا بطل وزال بالكلية؛ فيشمل الخراب والهلاك والقتل وغير ذلك من المعاني التي تندرج تحت معنى الفساد. ولم يخرج في الاستعمال القرآني عن هذا المعنى (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٥١٨-٥١٩، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الفاء ص٨٧٦ -٨٧٧. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٣٦١ - ٣٦٢، نزهة الأعين النظائر في علم الوجوه والنظائر، ابن الجوزي، ص٤٦٩ - ٤٧٠، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ١٩٢/٤. www. modoee.com ٢٩٥ حرف الفاء الألفاظ ذات الصلة الظلم: ١ الظلم لغةً: الظلمة: وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه(١). الظلم اصطلاحًا: مجاوزة الحق الذي يجري مجرى نقطة الدائرة، ويقال فيما يكثر وفيما يقل من التجاوز؛ ولهذا يستعمل في الذنب الكبير، وفي الذنب الصغير (٢). الصلة بين الظلم والفساد: من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي يتبين أن الفساد أعم وأشمل من الظلم؛ إذ إن الظلم هو مجاوزة الحد فقط، والفساد هو خروج عن الاعتدال. الفسق : ٢ الفسق لغة: تعريف الفسق لغةً: (فسق: الفسق: العصيان والترك لأمر الله عز وجل والخروج عن طريق الحق، وقيل: الفسوق الخروج عن الدين، وكذلك الميل إلى المعصية كما فسق إبليس عن أمر ربه. وفسق عن أمر ربه أي جار ومال عن طاعته)(٣) الفسق اصطلاحًا: (العصيان وترك أمر الله تعالى، والخروج عن طاعته، وعن طريق الحق. ورجل فاسق: أي عصی وجاوز حدود الشرع)(٤). الصلة بين الفسق والفساد: الفسق هو خروج عن حجر الشرع، والفساد هو خروج عن أي اعتدال، وعلى هذا فإن الفسق أعم من الكفر، لكن الفساد أعم منه. (١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٣٧. (٢) انظر: المصدر السابق. (٣) لسان العرب، ابن منظور الأفريقي، ٣٠٨/١٠. (٤) الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه، عبدالله الأثري ص ٢٤٠. ٢٩٦ مَوَسُولَةُ التَّقية القرآن الكريمِ الفساد الطغيان: ٣ الطغيان لغةً: ((تجاوز الحد في العصيان))(١). الطغيان اصطلاحًا: قال القرطبي: ((الطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه؛ وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى))(٢). الصلة بين الطغيان والفساد: الفساد أعم وأشمل؛ إذ إنه خروج عن الاعتدال، والطغيان هو تجاوز للحدود في العصيان. البغي: ٤ البغي لغة: مصدر بغى يبغي بغيًا إذا تعدى وظلم. (٣). البغي اصطلاحًا: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى، سواء تجاوزه حقيقة أم لم يتجاوزه (٤). الصلة بين البغي والفساد: الفساد أعم وأشمل؛ إذ إن البغي قد لا يقتضي فعلًا، إنما هو طلب، والفساد هو کل خروج عن الاعتدال سواء أكان قلبًا أو قولًا أو فعلًا. (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٢٣. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٥/٦. (٣) لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٧٧. (٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص١٣٧. www. modoee.com ٢٩٧ حرف الفاء مجالات الفساد ومظاهره تعددت مجالات الفساد كما عرضها القرآن الكريم، وسنبينها فيما يأتي: أولًا: الفساد في مجال العقائد: ١. الشرك. من الأسباب الرئيسة في فساد البشرية: الشرك وهو الذي يترتب عليه فساد نظام الحياة الكونية والبشرية، وهو القائم على عبادة العباد بدلًا من عبادة رب العباد. ومما ذكره القرآن الكريم في معرض حديثه عن أسباب الفساد قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةٌ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ اٌلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة أخرى ولم يكن جميع من فيها ملكًا لله وعبادًا له لفسدت السماوات والأرض واختل نظامها الذي خلقتا به. وهذا استدلال على بطلان عقيدة المشركين؛ إذ زعموا أن الله جعل آلهة شركاء له في تدبير الخلق، أي: أنه بعد أن خلق السماوات والأرض أقام في الأرض شركاء له؛ ولذلك كانوا يقولون في التلبية في الحج: لبيك لا شريك لك إلا شریگا هو لك، تملکه وما ملك. وذلك من الضلال المضطرب الذي وضعه لهم أئمة الكفر بجهلهم وترويج ضلالهم على عقول الدهماء. والآية استدلال على استحالة وجود آلهة غير الله بعد خلق السماوات والأرض؛ لأن المشركين لم يكونوا ينكرون أن الله خالق السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَلَين سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]. فهي مسوقة لإثبات الوحدانية لا لإثبات وجود الصانع؛ إذ لا نزاع فيه عند المخاطبین، ولا لإثبات انفراده بالخلق؛ إذ لا نزاع فيه كذلك، ولكنها منتظمة على ما يناسب اعتقادهم الباطل لكشف خطئهم وإعلان باطلهم. والفساد المترتب على الشرك: هو اختلال النظام وانتفاء النفع من الأشياء. ففساد السماء والأرض هو أن تصيرا غير صالحتين ولا متسقتي النظام بأن يبطل الانتفاع بما فيها. فمن صلاح السماء نظام كواكبها، وانضباط مواقيت طلوعها وغروبها، ونظام النور والظلمة. ومن صلاح الأرض مهدها للسير، وإنباتها الشجر والزرع، واشتمالها على المرعى والحجارة والمعادن والأخشاب، وفساد كل من ذلك ببطلان نظامه الصالح. ووجه انتظام هذا الاستدلال أنه لو تعددت الآلهة للزم أن يكون كل إله متصفًا بصفات الإلهية المعروفة آثارها، ٢٩٨ جوبيع القرآن الكريمِ الفساد وهي الإرادة المطلقة والقدرة التامة على كبير أصاب الأرض وما عليها. التصرف. وفرع على هذا الاستدلال إنشاء تنزيه الله تعالى عن المقالة التي أبطلها الدليل بقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَّ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أي: عما يصفونه به من وجود الشريك (١). وهذا الكون بجملته لا يستقيم أمره ولا يصلح حاله، إلا أن يكون هناك إله واحد، یدبر أمره، وما يقع الفساد في الأرض كما يقع عند تتعدد الآلهة، عندما يتعبد الناس الناس، عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته، وأن له فيهم حق التشریع لذاته، وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته، والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر به، وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد. ٢. النفاق. من الأسباب الرئيسة في فساد البشرية النفاق: فأهل النفاق سبب کل بلية أصيبت بها الأمة، وسبب تسليط العدو عليها، بل هم العدو الحقيقي، فهم الذین یکشفون أسرار الأمة لعدوهم، وهم الذين يدلون العدو على مواضع الضعف، وهم الذين يتربصون بالأمة الدوائر، ويبطئونها عن الجهاد، ويوالون الكفار حتى حدث بسب ذلك فساد (١) التحرير والتنوير ٣٣/١٧. ومما ذكره القرآن الكريم في معرض حديثه عن أسباب الفساد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُوا فِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ﴾ [البقرة: ١١- ١٢]. فأهل النفاق: مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه وشکهم في دين الله الذي لا يقبل من أحد عملًا إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، وبمالئتهم الكفار على المسلمين، بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم؛ مما يؤدى إلى هيج الفتن بینهم. وفي الآيات: ((محاورة جرت بين المؤمنين والمنافقين، فقال لهم المؤمنون: لا تفسدوا في الأرض، فأجابهم المنافقون بقولهم: إنما نحن مصلحون، فكأن المحاورة انقطعت بين الفريقين ومنع المنافقون ما ادعى عليهم أهل الإيمان من کونهم مفسدین، وأن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاح لا فساد، فحكم العزيز الحكيم بين الفريقين بأن سجل على المنافقين أربعة أمور: أحدها: تكذيبهم. www. modoee.com ٢٩٩ حرف الفاء والثاني: الإخبار بأنهم مفسدون. والثالث: أنهم أولى بالفساد. والرابع: نفي الشعور عنهم بكونهم مفسدین. الموضع ثم نفى العلم في قولهم: ﴿آنُؤمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣]. بفسادهم، وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل، أن يكون الرجل مفسدًا، ولا شعور له بفساده البتة، مع أن أثر فساده مشهور في الخارج مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به، وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه، وكذلك كونه سفيهًا، والسفه غاية الجهل وهو مركب من عدم العلم بما يصلح معاشه ومعاده وإرادته بخلافه، فإذا كان بهذه المنزلة وهو لا يعلم بحاله كان من أشقى النوع الإنساني، فنفي العلم عنه بالسفه الذي هو فيه متضمن لإثبات جهله ونفى الشعور عنه بالفساد الواقع منه متضمن لفساد آلات إدراكه، فتضمنت الأيتان الإسجال عليهم بالجهل وفساد آلات الإدراك بحيث يعتقدون الفساد صلاحًا والشر خيرًا))(١). والعلاقة بين الفساد والنفاق: أن النفاق (١) بدائع الفوائد، ابن القيم، ٤/ ٩٤٢. جَوَسُوع الْقُرآن الكَرِيمِ أدى إلى فساد آلات الإدراك عند المنافقين، والتي بدورها أدت إلى اختلال موازين الحكم على الأشياء. وفي هذا المعنى قال سيد قطب رحمه وتأمل كيف نفى الشعور عنهم في هذا الله: ((والذين يفسدون أشنع الفساد، ويقولون: إنهم يصلحون، كثيرون جدا في كل زمان، يقولونها؛ لأن الموازين مختلة في أيديهم، وإذا اختل ميزان الإخلاص فنفى علمهم بسفههم وشعورهم والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم، والذين لا يخلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم؛ لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية، ولا يثوب إلى قاعدة ربانية)) (٢). ٣. موالاة غير المؤمنين. أمر عز وجل المؤمنين بولاية بعضهم بعضًا، وإلا حدثت الفتنة والفساد الكبير، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ يِّنْ وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنَصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم وَالَّذِينَ مِيثَقُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ () كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآهُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: (٢) في ظلال القرآن ١/ ٣٨. ٣٠٠ الفساد ٧٢-٧٣]. لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، ثم قال: إن لم تجانبوا المشركين وتولوا المؤمنین وإلا وقعت فتنة في الناس، أي: محنة بالحرب، وما يتبعها من الغارات والجلاء والأسر والفساد الكبير الذي يترتب عليه من الشر مالا ينحصر من اختلاط الحق بالباطل، والمؤمن بالكافر، وعدم إقامة كثير من العبادات الكبار كالجهاد والهجرة، وغير ذلك من مقاصد الشرع والدين التي تفوت إذا لم يتخذ المؤمنون وحدهم أولیاء بعضهم لبعض؛ لأنهم بهذه الولاية يستطيعون أن يواجهوا المجتمع الجاهلي الموالي بعضهم بعضًا. «فإن لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضهم لبعض، فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي؛ لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفرادًا، وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده. ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام، وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله، ووقوع الناس عبيدًا للعباد مرة أخری وهو أفسد الفساد. ولا یکون بعد هذا النذير نذير، ولا بعد هذا التحذير تحذير، والمسلمون الذين لا يقيمون وجودهم على أساس التجمع العضوي الحرکي ذي الولاء الواحد والقيادة الواحدة، يتحملون أمام الله -فوق ما يتحملون في حياتهم ذاتها- تبعة تلك الفتنة في الأرض، وتبعة هذا الفساد الکبیر))(١). ومن يقف على تاريخ الدول الإسلامية التي سقطت وبادت، والتي ضعفت بعد قوة يرى أن السبب الأعظم لفساد أمرها ترك ولاية المؤمنين أو استبدالها بولاية غير المؤمنين. فالمؤمن لا يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء الله وهو يؤمن بالله، وما أحوج ناسًا ممن يدعون الإسلام، ويتسمون بأسماء المسلمين، وهم يستعينون بأعدى أعداء الله في الأرض، أن يتدبروا هذا القرآن، فالحمية للدين لتكبت في أول الأمر عمدًا، ثم تهمد ثم تخمد، ثم تموت. ثانيًا: الفساد في مجال العبادات: ١. عبادة غير الله. قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأُ قَالَ يَقَّوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَءٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَآءَتُكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ فَأَوْقُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْالنَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُوا فِىِ الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ (١) المصدر السابق ١٥٦/٣. www. modoee.com ٣٠١ حرف الفاء لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]. الله صلى الله عليه وسلم حكمًا فيما وقع بینهم من نزاع في حیاته، ویتحاكموا إلى سنته بعد مماته، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما انتهى إليه حكمه، وينقادوا مع ذلك انقيادًا تامًا. ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ قال تعالى: حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ((إن الحياة لا تستقيم ولا تصلح إلا على أساس الإيمان بالله الواحد، والعبودية لإله واحد، وإن الأرض لتفسد حين لا تتمحض العبودية لله في حياة الناس. إن العبودية لله وحده معناها أن يكون للناس سيد واحد، يتوجهون إليه بالعبادة وبالعبودية كذلك، ويخضعون لشريعته وحدها فتخلص حياتهم من الخضوع لأهواء البشر المتقلبة، وشهوات البشر الصغيرة. إن الفساد یصیب تصورات الناس كما يصيب حياتهم الاجتماعية حين يكون هناك أرباب متفرقون يتحكمون في رقاب العباد -من دون الله- وما صلحت الأرض قط ولا استقامت حياة الناس إلا أيام أن كانت عبوديتهم لله وحده -عقيدة وعبادة وشريعة- وما تحرر الإنسان قط إلا في ظلال الربوبية الواحدة)»(١). ٢. مخالفة رسول الله صلى الله علیه وسلم. لقد أرسل الله الرسل؛ ليطاعوا فيما أمروا ونهوا. قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهُ﴾ [النساء: ٦٤]. وأقسم سبحانه وتعالى بنفسه الكريمة أنه لا يتحقق إيمان العباد حتى يجعلوا رسول (١) في ظلال القرآن ٣/ ٧٥٣. مَوْ قَ الَرُ النَّفِيَةْ القرآن الكريم ومما ذكره القرآن في معرض الحديث عن أسباب الفساد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءُ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَّأْ قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. قال ابن القيم رحمه الله: ((من تدبر العالم والشرور الواقعة فيه علم أن كل شر في العالم سببه مخالفة الرسول، والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فإنه بسبب طاعة الرسول، وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها إنما هو من موجبات مخالفة الرسول ومقتضياتها، فعاد شر الدنيا والآخرة إلى مخالفة الرسول وما يترتب عليه، فلو أن الناس أطاعوا الرسول حق طاعته لم يكن في الأرض شر قط، وهذا كما أنه معلوم في الشرور العامة والمصائب الواقعة في ٣٠٢ الفساد الأرض، فكذلك هو في الشر والألم والغم قتادة رحمه الله: أي: فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الذي یصیب العبد في نفسه فإنما هو بسبب مخالفة الرسول، ولأن طاعته هي الحصن الذي من دخله كان من الآمنين، والكهف الذي من لجأ إليه كان من الناجين))(١). الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم)). وقيل: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أي: فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم)) (٢). ٣. الحكم بغير ما أنزل الله. بین الله في كتابه الكريم وجود صنف من البشر إذا صار حاكمًا أفسد في الأرض بالظلم والقتل وفعل المعاصي والرشا وقطع الأرحام العامة والخاصة. قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ اُلْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ ﴾[محمد: ٢٢]. اختلف في معنى: ﴿إِن تَوَلَيْتُمْ﴾. فقيل: ((هو من الولاية: قال أبو العالية رحمه الله: المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم حكامًا أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا. وقال الكلبي رحمه الله: أي: فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال ابن جريج رحمه الله: المعنى: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام. وقال كعب رحمه الله: المعنى: فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضًا. وقيل: من الإعراض عن الشيء: قال (١) الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه ١/ ٤٤. والمعنيان من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وللجمع بينهما نقول: إن القرآن قد شمل كل ما يحتاجه الحاكم الصالح في إرساء دعائم الحكم الصالح. وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. والمراد بـ ﴿تولى﴾ صار واليًا لہ حکم ينفذ وعملٌ يستبد به، وإفساده حينئذٍ یکون بالظلم مخرب العمران وآفة البلاد والعباد، وإهلاكه الحرث والنسل يكون إما بسفك الدماء والمصادرة في الأموال، وإما بقطع آمال العاملين من ثمرات أعمالهم وفوائد مكاسبهم. ومن انقطع أمله انقطع عمله، إلا الضروري الذي به حفظ الدماء، ولا حرث ولا نسل إلا بالعمل. وقد شرحت لنا حوادث الزمان وسير الظالمين هذه الآية فقرأنا وشاهدنا أن البلاد التي يفشو فيها الظلم تهلك زراعتها، وتتبعها ماشيتها، وتقل ذريتها، وهذا هو الفساد والهلاك الصوریان، (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٦/١٦. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الفاء ويفشو فيها الجهل، وتفسد الأخلاق، العباد خلقوا للتعبد لله سبحانه وتعالى والدخول تحت أمره و نھیه(٣). وتسوء الأعمال حتى لا يثق الأخ بأخیه، ولا یثق الابن بأبيه فیکون بأس الأمة بينها شديدًا ولكنها تذل وتخنع للمستعبدين لها. وهذا هو الفساد والهلاك المعنويان، وفي التاريخ الغابر والحاضر من الآيات والعبر، ما فيه ذكرى ومزدجرٌ(١). ثالثًا: مجال الأخلاق: ١ . اتباع الأهواء. من الأسباب الرئيسة في فساد البشرية اتباع الهوى: فما من مجتمع ولا دولة تعرض عن شريعة الله التي اختارها عز وجل؛ لتحكم حياة البشر، إلا ويتبع أهواء الذين لا يعلمون، فهما طريقان لا ثالث لهما: إما اتباع شريعة الله؛ فيكون الإصلاح الشامل والحياة الطيبة، وإما اتباع أهواء الذين لا يعلمون؛ فيكون الفساد الشامل للأرض وما عليها. قال الشاطبي رحمه الله المقصد الشرعي من وضع الشريعة: ((إخراج المكلف عن داعية هواه؛ حتی یکون عبدا لله اختيارًا كما هو عبد له اضطرارًا))(٢)، ويدلل على ذلك بأدلة منها: الأول: النص الصريح الدال على أن (١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢/ ١٩٩٩. (٢) الموافقات، الشاطبي ١٦٨/٢. جوب القرآن الكريمِ وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يجتمع وضع الشريعة على وفق أهواء الناس مع عبادة الله تعالى؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَنَيْنَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١]. الثاني: ما دل على ذم مخالفة هذا القصد: من النهي أولًا عن مخالفة أمر الله، وذم من أعرض عن الله، وإيعادهم بالعذاب العاجل من العقوبات الخاصة بكل صنف من أصناف المخالفات، والعذاب الآجل في الدار الآخرة، وأصل ذلك اتباع الهوى والانقياد إلى طاعة الأغراض العاجلة، والشهوات الزائلة (٤). الثالث: ما علم بالتجارب والعادات من أن المصالح الدينية والدنيوية لا تصلح مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض؛ لما يلزم في ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك وهو مضاد لتلك المصالح، وهذا معروف عندهم بالتجارب والعادات المستمرة (٥). ولحصول هذه الاختلافات الكثيرة اقتضى الأمر جعل المرء يسير تبع الشريعة (٣) المصدر السابق ٢/ ١٦٩. (٤) المصدر السابق. (٥) المصدر السابق ٢/ ١٧٠. ٣٠٤ الفساد لا تبع هواه؛ لأن الشريعة وضعت على وفق فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض، ولا المصالح المطلقة، دون النظر إلى الأفراد موافقة أو مخالفة، وبذلك تنضبط الأمور وتسير(١). تتخلف سنته لرغبة طارئة، ولو خضع الكون للأهواء العارضة والرغبات الطارئة لفسد كله، ولفسد الناس معه، ولفسدت القيم والأوضاع واختلت الموازين والمقاييس، ومما ذكره القرآن في معرض حديثه عن ﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَاْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَنَيْنَهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم ◌ُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١]. أسباب الفساد قوله تعالى في اتباع الأهواء: وتأرجحت كلها بين الغضب والرضا، والكره والبغض، والرغبة والرهبة، والنشاط والخمول، وسائر ما يعرض من الأهواء والمواجد والانفعالات والتأثرات. أي: «لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى وشرع الأمور على وفق ذلك؛ لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، أي: لفساد أهوائهم واختلافها»(٢). ((ووجه ذلك أن أهواءهم متعلقة بالظلم والكفر وفساد الأخلاق، فلو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض لفساد التصرف والتدبير، المبني على الظلم وعدم العدل؛ فالسموات والأرض ما استقامتا إلا بالحق والعدل))(٣). فالأهواء الفاسدة المختلفة لا يمكن أن من يشرع للكون كله، ويدبره في تناسق يقوم عليها نظام السماء والأرض ومن فيهن، بل لو كانت هي المتبعة لفسد الجميع. ((فالحق واحد ثابت، والأهواء كثيرة متقلبة، وبالحق الواحد يدبر الكون كله، (١) المصدر السابق. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦١/٣. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٥٦ بتصرف. وبناء الكون المادي واتجاهه إلى غايته كلاهما في حاجة إلى الثبات والاستقرار والاطراد على قاعدة ثابتة، ونهج مرسوم، لا يتخلف ولا يتأرجح ولا يحيد. ومن هذه القاعدة الكبرى في بناء الكون وتدبيره، جعل الإسلام التشريع للحياة البشرية جزءًا من الناموس الكوني تتولاه اليد التي تدبر الكون کله وتنسق أجزاءه جمیعًا. والبشر جزء من هذا الكون خاضع الناموسه الكبير؛ فأولى أن يشرع لهذا الجزء عجيب. بذلك لا يخضع نظام البشر للأهواء فيفسد، إنما يخضع للحق الكلي، ولتدبير صاحب التدبير)» (٤). ٢. الطغيان. ومن صور الفساد الرئيسة: الطغيان. فليس وراء الطغيان إلا الفساد. (٤) في ظلال القرآن ٢٤٤٥/٤. www. modoee.com ٣٠٥ حرف الفاء قال تعالى في معرض حديثه عن سبب فساد قوم عاد وثمود وفرعون: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (١) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ) الَِّ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِىِ اَلْبِلَدِ (٥) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْنَاءِ ) الَّذِينَ طَفَوْاْ بِالْوَادِ فِي الْبِلَدِ ﴿ فَأَكْثَرُواْ فِيَهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: ٦-١٢] أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس (١). قال السعدي رحمه الله: ((هذا الوصف عائد إلى عاد وثمود وفرعون ومن تبعهم، فإنهم طغوا في بلاد الله، وآذوا عباد الله، في دينهم ودنياهم، وهو العمل بالكفر وشعبه، من جميع أجناس المعاصي، وسعوا في محاربة الرسل وصد الناس عن سبيل الله»(٢). ومعنى طغيانهم في البلاد: أن كل أمة من هؤلاء طغوا في بلدهم، ولما كان بلدهم من جملة البلاد (أي: أراضي الأقوام) كان طغيانهم في بلدهم قد أوقع الطغيان في البلاد؛ لأن فساد البعض آيل بفساد الجميع بسن سنن السوء؛ ولذلك تسبب عليه ما فرع عنه من قوله: ﴿فَأَكْثَرُواْ فِيهَا اُلْفَسَادَ﴾؛ لأن الطغيان يجرئ صاحبه على دحض حقوق الناس، فهو من جهة يكون قدوة سوء لأمثاله وزملائه، فكل واحد منهم يطغي على من هو (١) تفسير القرآن العظيم ٣٩٧/٨. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٢٣. دونه. وذلك فساد عظيم؛ لأن به اختلال الشرائع الإلهية والقوانين الوضعية الصالحة، وهو من جهة أخرى يثير الحفائظ والضغائن في المطغي عليه من الرعية، فيضمرون السوء للطاغين، وتنطوي نفوسهم على كراهية ولاة الأمور، وتربص الدوائر بها فيكونون لها أعداء غير مخلصي الضمائر، ويكون رجال الدولة متوجسين منهم خيفة فيظنون بهم السوء في کل حال، ويحذرونهم. فتتوزع قوة الأمة على أفرادها عوضًا عن أن تتحد على أعدائها فتصبح للأمة أعداء في الخارج وأعداء في الداخل؛ وذلك يفضي إلی فساد عظیم، فلا جرم کان الطغيان سببًا لكثرة الفساد (٣). فليس وراء الطغيان إلا الفساد؛ «فالطغیان یفسد الطاغیة، ویفسد الذین یقع عليهم الطغيان سواء. كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة. ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف، المعمر الباني، إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال. إنه يجعل الطاغية أسير هواه؛ لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر، فیفسد هو أول من یفسد ویتخذ له مكانًا في الأرض غیر مكان العبد المستخلف و کذلك قال فرعون: ﴿آنا (٣) التحرير والتنوير ٢٨٤/٢٠. ٣٠٦ جوسيق القرآن الكريم الفساد عندما أفسده طغيانه، فتجاوز به رَبُّكم الأعْلَى ﴾ مکان العبد المخلوق، وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فساد. ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء، مع السخط الدفين والحقد الكظيم، فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية، وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية. والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن، وتصبح مرتعًا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة، وميدانًا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك، وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع، وهو فساد أي فساد. ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة؛ لأنها خطر على الطغاة والطغيان. فلابد من تزييف للقيم، وتزوير في الموازين، وتحريف للتصورات؛ كي تقبل صورة البغي البشعة، وتراها مقبولة مستساغة. وهو فساد أي فساد. العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد (١). ٣. المعاصي. المعاصي سبب من أسباب الفساد في الأرض، والطاعات سبب من أسباب صلاح الأرض. لقد نهى الصالحون من قوم موسى عليه (١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٩٠٤. السلام قارون عن العمل بالمعاصي، والتي منها إنفاق ماله في غیر وجهه، وإمساكه عن و جهه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْعُ اَلْفَسَادَ فِ الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] أي: لا تعمل فيها بمعاصي الله(٢). ومن صور الفساد بالمال: البغي والظلم، والفساد بالمتاع المطلق من مراقبة الله ومراعاة الآخرة، والفساد بملء صدور الناس بالحرج والحسد والبغضاء، والفساد بالنقص في الثمار والزروع ومحق البركات من السماء والأرض. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ أَلْفَسَادُ فِ الْبَرِّوَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ اَلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، أي: فشا الفساد، وانتشرت عدواه وتوارثه جيل عن جيل أينما حلوا وحيثما ساروا بسبب المعاصي والذنوب. وفساد البر: يكون بفقدان منافعه فلما أكثروا في الأرض الفساد، كان وحدوث مضاره، مثل حبس الأقوات من الزرع والثمار والكلأ، وفي موتان الحيوان المنتفع به، وفي انتقال الوحوش التي تصاد من جراء قحط الأرض إلى أرضين أخرى، وفي حدوث الجوائح من جراد وحشرات وأمراض. وفساد البحر: كذلك يظهر في تعطيل (٢) فتح القدير، الشوكاني ٤٢٢/٥. www. modoee.com ٣٠٧ حرف الفاء منافعه من قلة الحيتان واللؤلؤ والمرجان الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التى كانت تردها الناقة)(١). وغير ذلك، وكثرة الزوابع الحائلة عن الأسفار في البحر، ونضوب مياه الأنهار وانحباس فيضانها الذي به يستقي الناس. ومن مظاهر الفساد بسبب المعاصي الحروب والغارات، بالجيوش والطائرات، والسفن الحربية والغواصات، بما كسبت أيدي الناس من الظلم وكثرة المطامع، وانتهاك الحرمات، وعدم مراقبة الخلاق، وطرح الأديان وراء ظهورهم، ونسيان يوم الحساب، وأطلقت النفوس من عقالها، وعائت في الأرض فسادًا، إذ لا رقيب من وازع نفسى، ولا حسيب من دين يدفع عادیتها، ویمنع أذاها. ومن مظاهر الفساد بسبب المعاصي: ما يحل بها من الخسف والزلازل، ويمحق بركتها، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود، فمنعهم من دخول دیارهم إلا وهم باکون، ومن شرب میاههم، ومن الاستسقاء من آبارهم، حتى أمر أن لا يعلف العجين الذي عجن بمياههم للنواضح؛ لتأثير شؤم المعصية في الماء، روى مسلم بسنده عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أخبره: (أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجین فأمرهم رسول الله صلى والله سبحانه وتعالى يريد الصلاح في الأرض، وتطهيرها من الفساد والمفسدين. ٤. جحود نعم الله. من الأسباب الرئيسة في الفساد: جحود نعم المنعم إنكارًا باللسان، رغم اليقين بالجنان. وجحود النعم يصدر من الفرد ويصدر من الأمة. فمما حكاه القرآن الكريم عن الفرد ما حكاه عن قارون لما وعظه الصالحون من قومه رد عليهم قائلاً: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِّتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىُّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ. مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَأَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعَاً وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٧]. أي: إنما أعطيت هذه الكنوز بما عندي من العلم والقدرة. فالآية دالة عن أن من أعظم الفساد جحود نعم الله، وإسناد الحصول عليها لعلم العبد وقدرته ونسیان المنعم الكريم، واستخدامها في البغي والظلم والقتل والصد عن سبيل الله، كما يحدث في الوقت المعاصر. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق؛ باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، رقم ٢٩٨١. ٣٠٨ جوبيع القرآن الكريمِ الفساد ما حكاه عن قوم موسى عليه السلام وهم نموذج لمن كذب الرسل. ومما حكاه القرآن عن جحود الأمم فتذكروا نعم الله تعالى عليكم في ذلك كله واشكروها له بتوحيده وإفراده بالعبادة، واستعمالها فيما فيه صلاحكم، ولا تستبدلوا الكفر بالشكر فتعثوا في الأرض مفسدين. والمعنى: ولا تتصرفوا في هذه النعم تصرف عثيانٍ وكفرٍ بمخالفة ما يرضي الله فيها حال کونکم متصفین بالإفساد ثابتین علیه(٢). قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتُهُمْ ءَايَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌّ ◌ِ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَهُوَّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَثِقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣-١٤]. أي: فلما جاءت فرعون وقومه أدلتنا الواضحة المنيرة الدالة على صدق الداعي أنكروها وقالوا: هذا سحر بین لائح يدل على مهارة فاعله وحذق صانعه، و کذبوا بها بألسنتهم وأنکروا دلالتها على صدقه وأنه رسول من ربه، لكنهم علموا في قرارة نفوسهم أنها حق من عنده، فخالفت ألسنتهم قلوبهم؛ ظلمًا للآيات، إذ حطوها عن مرتبتها العالية وسموها سحرًا؛ ترفعًا عن الإيمان بها(١). فالآيتان تدلان على أن الجحود سبب للفساد. وحكى القرآن عن قوم صالح عليه السلام حيث ذكرهم بنعم الله عليهم سواء كانت الخاصة أو العامة. قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءُ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوََّكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِنُونَ الْجِبَالَ بُوتًا فَأَذْكُرُواْ ءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤]، أي: (١) تفسير المراغي ١٢٥/١٩. ومما ذكر صالح به قومه: أولًا: نعمًا خاصة وهي جعلهم خلفاء بعد الأمة التي سبقتهم، وذکرهم بما اختصوا به من اتخاذ القصور من السهول ونحت الجبال بيوتا. ثم ذكر نعمًا عامة بقوله: ﴿فَأَذْكُرُوَا ءَالَآءَ اللّهِ﴾ ومعنى ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: أنزلكم بها وأسکنکم إياها. فالحق لا يجحده الجاحدون؛ لأنهم لا يعرفونه، بل لأنهم يعرفونه. يجحدونه وقد استيقنته نفوسهم؛ لأنهم يحسون الخطر فيه على وجودهم، أو الخطر على أوضاعهم، أو الخطر على مصالحهم ومغانمهم. فيقفون في وجهه مکابرین، وهو واضح مبين. وهذا ظلم لأنفسهم وظلم للناس؛ لأنهم حجبوا أنفسهم عن الحق الجلي الذي يقود النفوس إلى الصلاح والإصلاح، واستبدلوه بالفساد الذي حرم العباد من استنشاق عبير الحق، والتمتع بالأمن والسعادة في ظل الحرية التي يتيحها الإسلام وفق ضوابط الشريعة. (٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤٤٨/٨. www. modoee.com ٣٠٩ حرف الفاء رابعًا: الفساد في مجال العمل: ١. قتل النفس ظلمًا. لقد كانت فعلة ابن آدم، وقتل أخيه ظلمًا وعدونًا، وسنه القتل لمن بعده، سببًا من أسباب الفساد في الأرض. قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىَّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ، مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتَهُمْ رُسُلْنَا بِأَلْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِ الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢]. أي: بسبب جناية القتل هذه شرعنا لبني اسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض بأي نوع من أنواع الفساد، الموجب للقتل كالشرك والمحاربة فكأنما قتل الناس جميعًا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله، وأنه من امتنع عن قتل نفس حرمها الله فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ فالحفاظ على حرمة إنسان واحد حفاظ على حرمات الناس كلهم. وقال سيد قطب رحمه الله: ((من أجل وجود هذه النماذج في البشرية، من أجل الاعتداء على المسالمين الوادعين الخيرين الطيبين، الذين لا يريدون شرًا ولا عدوانًا، ومن أجل أن الموعظة والتحذير لا يجديان في بعض الجبلات المطبوعة على الشر، وأن المسالمة والموادعة لا تكفان الاعتداء حين يكون الشر عميق الجذور في النفس، جعلنا جريمة قتل النفس الواحدة كبيرة كبيرة، تعدل جريمة قتل الناس جميعًا وجعلنا العمل على دفع القتل واستحياء نفس واحدة عملًا عظيمًا يعدل إنقاذ الناس جميعًا، و کتبنا ذلك على بني إسرائيل فيما شرعنا لهم من الشريعة)). إن قتل نفس واحدة -في غیر قصاص لقتل، وفي غير دفع فساد في الأرض- يعدل قتل الناس جميعًا؛ لأن حق الحياة واحد ثابت لكل نفس. فقتل واحدة من هذه النفوس هو اعتداء على حق الحياة ذاته الحق الذي تشترك فيه كل النفوس. كذلك دفع القتل عن نفس، واستحياؤها بهذا الدفع -سواء كان بالدفاع عنها في حالة حياتها أو بالقصاص لها في حالة الاعتداء عليها لمنع وقوع القتل على نفس أخرى- هو استحياء للنفوس جميعًا؛ لأنه صيانة لحق الحياة الذي تشترك فيه النفوس جميعًا (١). وقد تحمل ابن آدم مثل وزر من يرتكب القتل من بعده؛ لأنه أول من سن القتل، روى مسلم بسنده عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه (١) في ظلال القرآن ٢/ ٨٧٨. ٣١٠ جَوَسُوء القرآن الكريمِ الفساد وسلم: (لا تقتل نفسُ ظلمًا إلا كان على ابن الأرض بقلب نظام الحكم، وتغيير الأوضاع آدم الأول کفلٌ من دمھا لأنہ کان أول من سن القتل)(١). ٢. ذبح الأبناء واستحياء النساء. من صور الفساد الرئيسة ذبح الأبناء واستحياء النساء، وهذا الفعل يؤدي إلى الفساد؛ لأنه يؤدي إلى وقف نمو الجيل الذي آمن، مما يؤدي إلى انقراض المؤمنين المتمسكين بهذا الدين. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَّكَّ قَالَ سَنُقَيِّلُ أَبَهُمْ وَنَسْتَجِيء نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]. الملأ: الرؤساء سموا بذلك؛ لأنهم ملاءٌ بما يحتاج إليه، وقيل أشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم(٢). ((فالإفساد في الأرض -من وجهة نظرهم- هو الدعوة إلى ربوبية الله وحده؛ حيث يترتب عليها تلقائيًا، بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله؛ إذ أن هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون بأمره أو بتعبير مرادف على أساس ربوبية فرعون لقومه، وإذن فهو -بزعمهم - الإفساد في (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات؛ باب بيان إثم من سن القتل، رقم ١٦٧٧ . (٢) لسان العرب، ابن منظور، ١٥٨/١. القائمة على ربوبية البشر للبشر، وإنشاء وضع آخر مخالف تمامًا لهذه الأوضاع الربوبية فيه لله لا للبشر، ومن ثم قرنوا الإفساد في الأرض بترك موسى وقومه لفرعون ولآلهته التي يعبدها هو وقومه)»(٣). ولما حرض الملأ فرعون على قتل موسى عليه السلام ومن آمن معه قال لهم فرعون: ((سنقتل أبناء قومه تقتيلًا ما تناسلوا -فتعبيره بالتقتيل يدل على التكثير والتدریج- ونستبقي نساءهم أحياءً کما کنا نفعل من قبل ولادته؛ حتی ینقرضوا، وإنا فوقهم قاهرون، وإنا مستعلون عليهم بالغلبة والسلطان)» (٤). وهدف فرعون من قتل الأبناء وإبقاء النساء واستعمالهن في الخدمة، حتى لا يستطيع موسى عليه السلام من نشر دعوة رب العالمين بواسطة الرهط والشيعة الذين آمنوا معه؛ فلذلك عزم على تقليل رهطه وشيعته. إنها طبيعة الطغيان وأساليبه في مواجهة أهل الحق في كل مكان وفي كل زمان. لا فرق بين وسائله اليوم ووسائله قبل عشرات القرون والأعوام !. ٣. أكل مال اليتيم بغير حق. (٣) في ظلال القرآن ١٣٥٤/٣. (٤) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٩/ ٧٠. www. modoee.com ٣١١ حرف الفاء أوصى الله المؤمنين باليتامى حتى ملكت فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه عليهم نفوسهم، فتركتهم في حيرة وحرج من وسلم فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِعُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه (١). أمر القيام على اليتامى، واستغلال أموالهم؛ خوفًا من أن ينالهم شيء من الظلم، وتأثم الصحابة من مخالطة اليتامى، فكان بعضهم يأبى القيام على اليتيم، وبعضهم يعزل اليتيم عن عياله، فلا يخالطونه في شيء حتى إنهم کانوا یطبخون له وحده. ثم فطنوا إلى ما في هذا من الحرج مع عدم المصلحة لليتيم، بل فيه مفسدة له في تربيته وضياع ماله، إلى ما في ذلك من الاحتقار والإهانة له، ومن ثم احتاجوا إلى السؤال عما يجمع بين المصلحتين: مصلحة الیتیم؛ لیعیش في بیت کافله عزيزًا كأحد عیاله، ومصلحة الكافل فيسلم من أكل ماله بغير حق، فأجيبوا ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَسِّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمَّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّاللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[البقرة: ٢٢٠]. روى أبو داود بسنده، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اَلْيَتَمَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، انطلق من كان عنده يتيمٌ فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل یفضل من طعامه، فیحبس له حتی یأکله أو یفسد، فاشتد ذلك علیھم، ((أي: قل لمن يسأل عن المصلحة في معاملة الیتامی من عزل أو مخالطة: إن كل ما فيه صلاح لهم فهو خير، فعلیکم أن تصلحوا نفوسهم بالتربية والتهذيب، وأموالهم بالتنمية والتثمير، ولا تهملوا شئونهم فتفسد أخلاقهم وتضيع حقوقهم، ولا وجه للتأثم من مخالطتهم في المأكل والمشرب والكسب، فهم إخوانكم في الدين، ومن شأن الإخوة أن يكونوا خلطاء في الملك والمعاش، وفي ذلك منفعة لهم لا ضرر عليهم، إذ كل واحد منهم يسعى في خير الجميع، والمخالطة مبنية على المسامحة؛ لانتفاء مظنة الطمع، فيكون اليتيم في البيت کالأخ الصغیر تراعی مصلحته، ويتحری له رجحان كفته. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِيَّ أي: والله يعلم ما تضمره القلوب، وتميل إليه من قصد الإفساد أو الإصلاح في هذه المخالطة، وسيحاسبكم على الدقيق والجليل من الأمور، وإنما نبه القلوب إلى (١) أخرجه أبو داود في سننه، کتاب الوصايا، باب مخالطة اليتيم في الطعام، رقم ٢٨٧٣. ٣١٢ جوي القرآن الكريم