النص المفهرس
صفحات 41-60
الفتنة لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن امض ونحن معك)(١). # ترك الجهاد سبب للذل والهوان. قال تعالى: ﴿إِلَّا نَنْفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التوبة: ٣٩]. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف))(٣). سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله علیکم ذلا لا ینزعه حتى ترجعوا إلی دینکم)(٢). ٢. الفتنة عن وحدة الصف. إن من أهم وأخطر الفتن هو تفرق الأمة وتشتت جمعها وكلمتها، فوحدة الصف ضرورة أجمع عليها العقلاء من الناس، والائتلاف مطلب ضروري لا غنى عنه لأمة تريد الفلاح. حثت النصوص على لزوم الجماعة والحذر من الفرقة والاختلاف بشكل عام (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (فاذهب أنت وربك فقاتلا)، ٦/ ٥١، رقم ٤٦٠٩. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب الإجارة، باب في النهي عن العينة، رقم ٣٤٦٢، ٢٧٤/٣. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٣٦/١، رقم ٤٢٣. وفي وقت الفتن بشكل خاص. قال تعالى: وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقد جاءت تفاسیر عدیدة لمعنی الحبل لا تعارض بينها، منها لزوم الجماعة. قال البغوي: ((الحبل: السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وسمي الإيمان حبلاً كما جاء ت أحاديث نبوية تؤكد لزوم الجماعة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار)(٤). وقوله تعالى في الآية ((ولا تفرقوا)) ((أي ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بینکم کما اختلف اليهود والنصارى أو ولا تحدثوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع والألفة»(٥) كما جاءت آيات تحث على لزوم الجماعة محذرة من الفرقة والاختلاف في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَلَّذِينَ تَغَرَّقُوا وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَتُ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]. (٣) معالم التنزيل ٣٩١/١. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، رقم ٢١٦٧، ٤٦٦/٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٣٧٨/١، رقم ١٨٤٨. (٥) الکشاف، الزمخشري، ص٣٩٤-٣٩٥ www. modoee.com ١٧٩ حرف الفاء کما برأ الله ورسوله من مثل هؤلاء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُكِثُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (١٥٩) ـ [الأنعام: ١٥٩]. ولأجل الحفاظ على الجماعة دون التفرق، نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم الخروج على أولي الأمر وأداء النصح لهم إن اقتضى الأمر ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا يغل علیھن صدر مسلم: إخلاص العمل لله عز وجل و مناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين)(١). ثلاثًا، یرضی لکم أن تعبدوه ولا تشر كوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا وأن تناصحوا من ولى الله أمركم، ويسخط لکم ثلاثًا، قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال)(٢). كما حذرت أحاديث من مفارقة الجماعة فقال صلى الله عليه وسلم: (من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)(٣). (١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٨٣/٥. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ٤٠٤. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثر المسائل بدون حاجة، ٣/ ١٣٤٠، رقم ١٧١٥. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، وفي آخر: (ومن فارق الجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية)(٤) . وفي حديث آخر قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(٥). وحرصًا على الجماعة فإنه ينبغي الموالاة والنصرة والإيواء لكل المسلمين وبعكسه البراء من الأعداء والعصاة المشركين قال تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. ومن لوازمها كذلك إصلاح ذات البين وقال كذلك: (إن الله تعالى يرضى لكم وتحكيم كتاب الله فيما شجر من التنازع وإحياء مفهوم الأمة. ومن الفتن التي تترتب على الخروج عن وحدة الصف وتفرق الكلمة: ١. ضعف الأمة وفشلها في تحقيق مصالحها العليا. باب سترون بعدي أمورا، ٨٧/٢، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، رقم ٠١٤٧٦/٢،١٨٤٨ (٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٠٨/١٠، رقم ٦١٦٦. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٧٥١/٢، رقم ٩٨٤. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب رحمة الناس بالبهائم، ٧٧/٧ -٧٨، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ١٩٩٩/٣، رقم ٢٥٨٦. جَوْسُورَةُ النَّية القرآن الكريم ١٨٠ الفتنة يقول الله تعالي: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. ويقول الله تعالي: ﴿وَالْعَصْرِ )) إِنَّ اَلْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ ﴾ [العصر: ١ - ٣]. بِالصَّبْرِ ولهذا أصبحت الجماعة والاجتماع علي الخير والطاعة من ضروريات الدين ومحكماته، والعبادات العامة كالصلاة، والصوم والحج، والأعياد وغيرها دليل عملي علي ذلك. إن الفرقة والاختلاف داءان وبيلان يقعدان بالأفراد والأمم عن الإصلاح والبناء، ويمكنان للهدم والفساد، ويسببان ظلمة القلوب، وفساد الألسن، والطعن في الناس، وقد يؤديان إلى الاحتراب والتقاتل. ٢. التنافر وفقدان الإلفة بين المجتمع الواحد. وقد امتن الله على المسلمين الأوائل بتأليف قلوبهم حين وحدهم بالإسلام فقال: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَيْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّ قُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِّكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا وَكُنُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَّكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ (ن)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزُ حَكِيمٌ) ﴾ [الأنفال: ٦٣]. ولأن تأليف القلوب ميزة خصها الله تعالي بالمؤمنين، فقد وصف الله تعالي اليهود بأن قلوبهم متفرقة فقال: ﴿لَا يُقَيُِّونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ قُرِّى تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآَ جُدٍُّ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَميعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْفِلُونَ ١٤ ﴾ [الحشر: ١٤]. ولذلك أكد الإسلام على ضرورة الأخوة في العقيدة والتي تثمر المحبة والموالاة، وإلا لانتفت صفة الإيمان منهم كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتی یجب لأخيه ما يحب لنفسه)(١). ويعود ذلك لاضطراب مفهوم الولاء والبراء عند کثیر من المسلمین. ٣. تشجيع أعداء الأمة في الداخل والخارج للتدخل بشؤون المسلمين. فالمستفيد الأول من حالة التنازع ما بين المسلمين بشكل عام هم أعداء هذا الدين، سواء من الداخل أم من الخارج، فتشتیت الجهود غاية کل أفاق، وأمل كل أفاك، فالجهود المتفرقة غير موجعة، والكن (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب، رقم ١٤/١،١٣. www. modoee.com ١٨١ حرف الفاء الجهود المتوحدة قوية لا شك أنها ضربة عدوم اتباع السنة، فالابتداع في الدين، والمیل إلی الهوى، والغرور بالدنيا هو سبب التفرق والاختلاف. قاصمة رادعة، توقف المنافقين ومبتغي الفتن عند حدودهم، وتر دعهم عن مزيد من حملات تشويه الصورة وإسقاط الرموز. كما أن في الفرقة تشويه صورة المسلمین أمام العالم، وإظهارهم بمظهر الأمة المشتتة والمتعصبة لشتى الولاءت وبذلك لا يستحقون التقدير والاحترام، وصدق الله عز وجل إذ يقول: إن فسسكـ تَسُؤَّهُمْ وَإِن تُصِبَّكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْبِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. ويضاف إليها تضخيم مواطن الخلاف، فيظهر التنابز بالألقاب والسعي بالغيبة والنميمة بين أبناء الدين الواحد والقبلة الواحدة، فتتشتت جهودهم في كيل التهم لبعضهم، والتنظير لإثبات مخالفة فريق ما لقواعد الإسلام وأصوله، حتى يضيع وقت الأمة في قيل وقال، بدلًا من أن تصرف الأوقات للدعوة إلى التوحيد والأخلاق الفاضلة والسعي في الأرض والإنتاج والتقدم والنهضة. ٤. الفرقة مدعاة لسخط الله والحرمان من رحمته. فقال سبحانه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات: ١٠]. ١٠ ومن أسباب هذه الفرقة الموجبة لذلك ٥. التخلف الحضاري وسقوط الدول تحت الاستعمار. وهو نتيحة للولاء لأعداء الأمة والاتكال عليهم في أمورنا وخلافاتنا، وحل مشاكلنا، ولذلك يذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم ما یمکن به أن نتجنب ذلك ويعصمنا من هذه القواصم، وجاءت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم ترسخ هذه الأخوة، وتدعو إلى ما يعززها ويقويها، وتنهى عما يضعفها ويصدعها، قال صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس) (١). وفي جانب النصرة وعدم الخذلان قال صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم لا یظلمه ولا یسلمه)(٢). ومن أساليب القرآن في الحث على (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٥١٧/٣٧، رقم ٢٢٨٧٧. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ١١٣٠، رقم ٦٦٥٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم، رقم ٢٣١٠، ٢/ ٨٦٢، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظّلم، رقم ٢٥٨٠، ١٩٩٦/٤. ١٨٢ جَوَسُ القرآن الكريم الفتنة الجماعة أن الله جعل من أخص صفات المؤمنين أنهم أولياء بعض؛ فقال: وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِْ يَأَمُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ سَيَّرْحُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧١]. والولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام، والكون مع المحبوبين ظاهرًا وباطنًا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نابض بالحياة. (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)(١). ومن أساليب الشريعة في الحث على الوحدة بين المسلمين: تحذيرها من الشذوذ ومفارقة الجماعة، ففي سنن الترمذي عن ابن عمر قال: (خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس: إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، ثم ذكر خطبة جاء فيها: (عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته، فذلكم المؤمن) (٢). (١) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، رقم ٤٦٧، ١/ ١٨٢. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفتن، باب إن إعادة قراءة التاريخ الإسلامي، والوقوف على مواطن القوة فيه، والتي كان من أهم أسبابها وحدة المسلمين قلبًا وقالبًا، وانضواؤهم تحت راية واحدة هي راية الإسلام، وعدم تخوين بعضهم بعضًا، هي الاستفادة الحقيقية من التاريخ، فليس التاریخ مجرد قصص وحكايات تقضى بها الساعات وتقتل بها الأوقات، ولیست عيشًا في الماضي، وإنما هي دروس وعبر تدفع الأمة دفعًا نحو المستقبل، بفكر واعٍ وقلب ما جاء في لزوم الجماعة، والنسائي في السنن الكبرى، رقم ٢٨٤/٥،٩١٧٥. وصححه الألباني في الإرواء، ٢١٥/٦. www. modoee.com ١٨٣ حرف الفاء الحكمة من الفتنة وسبل النجاة منها أولًا: التمحيص والتمييز ورفع المنزلة: في الفتن يظهر الناس على حقيقتهم، ففي التجربة تتبين حقيقة الفرد فليس كل من يدعي الصبر هو صابر، أو يدعي الزهد هو زاهد، والطريق لكشف هذه الحقائق حقائق الناس هو الفتن ويظهر التمييز في أمور مهمة منها: ١. تمييز الصادقين من الكاذبين. وذلك لأن الصدق أساس الإيمان، ويترتب الثواب عليه، كما قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمٌ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّتُ تَرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [المائدة: ١١٩]. والحكمة في تمييز الصادق من الكاذب يدل عليه قوله تعالى: ﴿الَّمَّ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُقْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ أَلْكَذِبِينَ [العنكبوت: ١-٣]. قال الزمخشري: ((والفتنة الامتحان بشدائد التكليف، من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، هجر الشهوات والملاذ، وبالفقر والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم، والمعنى: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالإيمان أنهم یترکون بذلك غیر ممتحنین، بل يمتحنهم الله بضروب المحن حتى يبلو صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع نياتهم، ليميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب، والمتمكن من العابد على حرف»(١). ومن الفتن التي يتميز فيها الصادقون من الكاذبين فتنة الحرب والقتال، فيتوعد الله الجبناء المنهزمين بقوله: ﴿وَمَن يُّوَلّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِّقِثَالٍ أَوْ مُتَحَيِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ [الأنفال: ١٦]. والتمييز في الفتن التي تصيب الأمة في عقائدها، ويوم تقلب الحقائق، هنا يظهر الصادقون الذي يراقبون الله في کل حال ويقولون كلمة الحق ولو اجتمعت الدنيا ضدهم، وعلى النقيض يظهر الكذابون الدجالون الذین شغلتهم الدنیا عن الدین، وتزداد الفتنة بهم، وتشتد بهم محنة الصادقين: وفي فتنة الابتلاء بالغنى والسعة في الرزق، كما أخبرنا بذلك تعالى فقال: وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ ٧٥ (١) الكشاف، الزمخشري، ٤٣٩/٣. ١٨٤ القرآن الكريم الفتنة فَلَمَآ ءَاتَنَّهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُم مُعْرِضُونَ (٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: ٧٥ -٧٧]. فالآيات تتحدث عن طائفة من الناس الذين تظهر الفتنة بالغنى نفاقهم، فقد ادعوا إن أغناهم الله أن يتصدقوا، فلما رزقوا نكصوا وكذبوا فحرمهم الله ما هو أعز من المال، وذلك بأن ﴿خَتَمَ اللَّهَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَ سَمْعِهِمٌ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ ﴾ [البقرة: ٧]. عَظِيمٌ ٢. تمييز الصابرين من القانطين. فالفتنة إذا حلت ميزت الناس على هذين المستويين، كما قال تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَُ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]. قال البغوي في تفسير الآية: ((﴿وَحَمَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ أي: بلية، فالغني فتنة للفقير، يقول الفقير: ما لي لم أكن مثله، والصحيح فتنة للمريض، والشريف فتنة للوضيع، وقال ابن عباس: أي جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون من خلافهم، و تتبعوا الهدى، وقيل نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم فرأى الوضيع قد أسلم قبله أنف وقال: أسلم بعده فيكون له علي السابقة والفضل فیقیم علی کفره، ويمتنع من الإسلام، فذلك افتتان بعضهم ببعض» (١). إن فتنة المؤمنين بالكافرين وأذاهم تميز الصابر الذي لا يفت في عضده سخرية جاهل أو بطش كافر أو كيد منافق يتميز هؤلاء من صنف آخر إيمانه ضعيف وعقيدته مهزوزة يفقد زمام الصبر عند تسلط الكفار، ويقنط وییأس، وقد يصل إلى الردة وقد ذم الله تلك الطائفة فقال: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوزِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. وقال ابن عباس في الآية: «فتنته أن يرتد عن دينه إذا أو ذي في الله، و کذا قال غيره من علماء السلف (٢). وهي كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]. إذن لا بد من الفتنة ليتحقق الإيمان، ويدل عليها قوله تعالى: ﴿الَّمَّ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَّكُواْ أَن يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ [العنكبوت: ١- ٢]. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على الصبر ويحذرهم القنوط، وفي حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، وقد لقينا (١) معالم التنزيل، البغوي ٩٧/٥. (٢) مختصر ابن كثير، الصابوني ٣٠/٣. www. modoee.com ١٨٥ حرف الفاء من المشرکین شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو لنا؟ فقعد وهو محمر الوجه فقال: (لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحدید ما دون عظمه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دين، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فیشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دینه)(١). وما هذا التحذير من رسول الله صلی الله عليه وسلم إلا لأن القنوط واليأس يؤدي للاستسلام للعدو، والحذر من ذلك هو ما تحتاجه الأمة وخصوصًا فى هذا العصر الذي اجتمعت فيه كل القوى ضد المسلمين وتكالبوا عليها واستسلم الكثير بعدما غفلوا عن ضرورة الصبر في مواجهة الكفار. ٣. تميز الشاكرين من الجاحدين. والشكر اعتراف بنعمة الله وكرمه وإحسانه، فالشاکر لسانه رطب بحمد الله، وشكر الله من قبل الإنسان في حال الفتنة بالسراء والنعمة هو كذلك فضل من الله يحتاج إلى شكر آخر ومن الشكر استعمال نعمة الله فيما يحب، والكفر والجحود نقيض ذلك باستعمال نعمة الله فيما يكرهه سبحانه، وذلك باتباع الشرع واستعمال كل شيء في موضعه الذي وضعه الله تعالی له، وبعكسه یکون قد جحد النعمة (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، ٦١٩/٦، رقم ٣٦١٢. ومن الفتنة في هذا المجال أن الإنسان لا يحدث بالنعمة بينما يعدد المصائب، وهو الجحود بعينه وقال عنهم تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنسَنَ لِرَبِّهِ، لَكُنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]. ومن شكر المنعم ذكر آلائه ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث ١١ [الضحى: ١١]. كما أن الاستهزاء بدل الشكر جحود وأعظم كفرا، فقد قال تعالی عن بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ اَلْقَرِيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِقَةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥٨-٥٩]. وهناك من يلجأ إلى الله ساعة الخطر، فإذا زال تنكر كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُم ◌َّوْجٌ كَلِّلَلِ دَعَواْ اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا ◌َجَّنُهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْنَصِدُ وَمَا يَجْحَدُ بِعَايَتِنَاْ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾[لقمان: ٣٢]. فيتبين حال الجاحد والكافر عند انكشاف الفتنة وزوال البلاء، فهو يجحد ويطعن وينسب الفضل في كشف ذلك لنفسه كما قال تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْتَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ "إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ ﴾ [هود: ١٠]. أما الحكمة الأخرى في رفع المنزلة فتتمثل في عدة جوانب: ١٨٦ جوية لِلْقُرآن الكَرِيمِ الفتنة ٤. الرضا الموجب لرضوان الله ٦. الثواب في الدنيا والآخرة. تعالی. فالمصائب تنزل بكل الناس فالساخط يخسر الدنيا والآخرة، أما من رضيها فله الرضا من الله سبحانه وتعالی حیث قال: ﴿فِي جَنَّتِ عَلَّدٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. ٥. تكفير السيئات. وذلك يعني التمحيص للذنوب والخطايا، فقد دلت نصوص كثيرة على أن ما یتعرض له الإنسان في حياته من فتن ومحن وابتلاءات تكون بمثابة كفارات للذنوب، إذا هو صبر عليها واحتسب، ومن ثم ييسر له الله الخيرومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحْصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤١]. قال الشوكاني: ((والتمحيص: التطهير، أي ليخلص المؤمنين من ذنوبهم فتبقى صحائفهم نقية، ليس فيها إلا الحسنات))(١). وهناك أحاديث كثيرة كلها تفيد تكفير السيئات للعبد المبتلى بالفتن والمحن صغيرها وكبيرها، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ولا يصيب المؤمن من وصب ولا نصب حتی الھم یهمه، والشو کة يشاكها إلا كفر به عن سيئاته)(٢). (١) زبدة التفسير من فتح القدير، الأشقر، ص ٨٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى والطب، باب ما جاء في كفارة المرض، من كرم الله سبحانه وتعالى أن يكافئ من يبتليه في الحياة الدنيا ويعوضه ما فقده، كما حصل للنبي أيوب عليه السلام فقد أعاد له أهله ومثلهم، و کما عوض الله أم سليم زوج الصحابي أبي طلحة حين صبرت على فقدها ولدها. والأجر في الدنيا ثابت في القرآن الکریم، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَّرٍ أَوْ أُنْقَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ [النحل: ٩٧]. وفضلا عن مكافأة الدنیا فللابتلاء ثواب في الآخرة، ويكون الأجر حسب درجة الابتلاء، وليس المقصود هو الأجر على المصيبة بل على الصبر والرضا، لأن الأجر يترتب على الفعل المكتسب ((وإن رضي بھا ۔أي المصيبة كان له أجر الراضين، ولا يؤجر على نفس المصيبة لأنها ليست مني عمله فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦](٣). كما يكون الابتلاء بالفتن والمحن وسيلة لدخول الجنة، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَنَهَدُواْ ١٤٢ ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ ( ٧. اتخاذ الشهداء. ١١٤/٧، رقم ٥٦٤١. (٣) فوائد البلوى، العزبن عبد السلام، ص ١٥. www. modoee.com ١٨٧ حرف الفاء أن الله سبحانه وتعالى هيأ لعباده ثانيًا: تمييز الخبيث من الطيب واختيار القيادات الراشدة: المؤمنین منازل في دار كرامته، لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالفتن فقيض الله لهم الأسباب التي توصلهم إليها، ومن تلك المنازل ((الشهادة)) وقد رتب الله ذلك بعدما أوضح أن ذلك من حكم الابتلاء: ﴿إِن وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. أي: وليكرم فئة منكم بالشهادة ليمنحها عنده كرامة الشهداء ما دامت أعمارهم قد انتهت، وآجالهم قد حلت فلئن يموتوا شهداء خير لهم((١). وفي هذه الآية بيان الحكمة من ابتلاء المؤمنين بظهور الكفار يوم أحد فمنها تمييز أهل الإيمان والصبر، ومنها إدراك بعض المؤمنين الشهادةكما وضحت آية أخريالحكمة من ابتلاء المؤمنين بالجهاد ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللّهُ لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن ◌ِبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٌِّ وَالَّذِينَ قُِّلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ٤]. فقوله ((ليبلو بعضكم ببعض)) أي ((فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب، ومن قتل من الكفار الى العذاب» (٢)، ثم بين بعد ذلك الثواب وهو الجنة التي عرفها لهم. (١) بصائر المسلم المعاصر، الميداني ص ٣٨٦. (٢) معالم التنزيل، البغوي ٦/ ١٧٥. ١. تمييز الخبيث من الطيب. في الفتن وخصوصًا الفتن الجماعية تظهر معادن الناس وصفاتهم من الصبر والشجاعة والزهد والتواضع والثبات والكرم، مما يناقضها كالشح والجبن والجشع والكبرياء وغيره. وتنكشف حقيقة النفوس المدعية، فمدعي الإيمان والثبات قد يولي هاربًا ويتراجع عن كل شيء فتقام عليه الحجة. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُم [محمد: ٣١]. وفي الفتنة يثبت من عصمهم الله بالإيمان، فيتحملون الأمانة الكبرى، وبذلك يتم نفي الخبث عن الدعوة (٣)، بأن يسقط المنافقون والمداهنون ويتنحون عن المؤمنين، وهؤلاء لا يجدون عند الناس إلا الاستخفاف، بينما يكبر في أعين الناس وقلوبهم أولئك المجاهدون المضحون في سبيل الدعوة، بل حتى في نظر خصومهم ومن حكمة الله تعالى عدم دخول المتكبرين المتطلعين إلى الزعامة في الإسلام ابتداءً، ولو دخلوا خلال الصف (٣) انظر: فقه السيرة النبوية، منير محمد غضبان، ص١٩١. ١٨٨ القرآن الكريمِ الفتنة المؤمن لخذلوهم، وفرقوا بينهم. وهكذا فالجماعات تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث وتجمع قواها فيشتد عودها ويصلب، فلا يبقى صامدًا إلا أصلبها عودًا وأقواها طبيعة وأشدها اتصالًا بالله وهؤلاء هم الذين يسلمون الراية في النهاية (١). وإن المحن تساعد على تنقية الصف المؤمن من أعدائه الباطنيين المتغلغلين بين صفوفه(٢)، فقد يدخل الصف المؤمن وقت الرخاء من يتظاهر بالإسلام فيكون الابتلاء وسيلة لمعرفتهم ثم تنقية الجماعة المؤمنة منهم، وهذا ما حدث أثناء حروب الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة حيث حاول المنافقون تثبيط المسلمين عن الخروج للقتال، فقال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَدَرَ أْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخِيثَ مِنَ اَلَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. قال ابن كثير: «أي: لابد أن يعقد شيئًا من المحنة یظهر فيه ولیه ویفضح به عدوه، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهتك به ستار (١) انظر: الظلال، سيد قطب، ٢٧٢١/٥. (٢) الابتلاء والمحن في الدعوات، أبو فارس محمد عبد القادر، ص١٣٧. المنافقين، فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم»(٣). وقيل: ((أي ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط بالمنافقين حتى يميز بينكم» (٤). ونجد كثيرًا من الآيات تربط بين الفتنة الجماعية والنفاق، وذلك لأنهم حريصون على بث الفتن والمحن والشر بين المؤمنين كما أن هناك تلازمًا بين كلمتي الفتنة والنفاق (٥). وقد كشف القرآن عن صفات المنافقين کي لا ينخدع بهم المؤمنون، وذلك في سورة التوبة التي تظهر كيدهم حيث يقول تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَ وَضَعُواْ خِلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِئْنَةَ وَفِيَكُرْ سَمَّعُونَ لَهُمَّ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدِ أَبْتَغَوْ اَلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا ٤٧ لَكَ الْأُمُورَ حَقَّ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمُْ اللَّهِ وَهُمْ كَرِفُونَ (٥) وَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِ وَلَا نَفْتِنَّّ أَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ ٥)﴾ [التوبة: ٤٧- ٤٩]. كما يقول تعالى في نفس السورة: ﴿وَأَمَّا (٣) مختصر تفسير ابن كثير، الصابوني، ١/ ٣٤٠. (٤) زبدة التفسير، الأشقر، ص ٩٢. (٥) انظر: الفتنة وموقف المسلم منها، عبد الحميد السحيباني، ص٣٧٥. www. modoee.com ١٨٩ حرف الفاء الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ (٢) أَوَلَا يَرَوّنَ أَنَّهُمْ يُقْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّلَا يَتُوبُونَ وَلَ هُمْ يَذَكَّرُونَ [التوبة: ١٢٥- ١٢٦]. يوضح تعالى حال المنافقين حين التعرض للفتنة والابتلاء واستعدادهم للكفر مع أنهم مع المسلمین یرون دلائل صدق النبوة ! وتمر الأعوام وهم يرون صدقه وخذلان أعدائه فلا يتعظون، مما يدل على فساد فطرتهم فلا يعظهم الابتلاء ولا يردهم الامتحان. يقول الشوكاني: ((وأما الذين في قلوبهم مرض: وهم المنافقون فزادتهم السورة المنزلة رجسًا إلى رجسهم أي: خبئًا إلى خبثهم، الذي هم عليه من الكفر وفساد الاعتقاد فتشددوا فيه ورسخوه في أنفسهم واستمروا عليه إلى أن ماتوا كفارًا منافقين. و((يفتنون)) يختبرون ويبتليهم الله سبحانه بالقحط والشدة وبالأمراض والأوجاع أو بأمرهم بالغزو والجهاد مع النبي «ثم لا یتوبون» بسبب ذلك «ولا ھم یذکرون» وهذا تعجيب من حال المنافقين وتصلبهم في النفاق((١). ومن الأمور التي كشفها الله من أعمال المنافقين مسجد ضرار الذي بناه المنافقون قرب مسجد قباء، والذي أرادوا به فرقة المسلمین. وبعد أن ذكرت الآيات العشر الأوائل من سورة العنكبوت أنواعًا للفتن التي يواجهها المؤمنون، قال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ ﴾ [العنكبوت: ١١]. أي: ليكشف المؤمنين الذين صدقوا بالجهاد والصبر من ضعفاء الإيمان والمنافقين، فالبلايا كواشف، فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون. ٢. اختيار القيادات الراشدة. وتمر بمراحل أهمها: ١. الإيقاظ من الغفلة. إن الفتن التي تصيب العبد قد تصاحبها هزة وجدانية تجعله يتيقظ ويستدرك أخطاءه وخصوصا لمن شغلته الدنيا عن الآخرة، فيفيق بالفتن وبذلك يقول ابن ناصر الدمشقي: ((ومن فوائد الابتلاء مقت الدنيا لأنكادها وبعث النفس على العمل ليوم معادها، فإنه إذا تفكر في ذهاب أحبابه علم أنهم شربوا بکأس لا بد له من شرابه)»، ويقول: ((تيقظ المبتلي من غفلته، وطيب نفسه ببره وإخراج صدقته»(٢). ويجعلها ابن قيم الجوزية أول منازل العبودية فاليقظة: ((وهي انزعاج القلب لروعة (٢) برد الأكباد، ابن ناصر الدمشقي، ص٦٨. (١) زبدة التفسير، الأشقر، ص ٢٦٤. جوبيبو القرآن الكريمِ ١٩٠ الفتنة الانتباه من رقدة الغافلين، ولله ما أنفع هذه الروعة أو ما أعظم قدرها وخطرها! وما أشد إعانتها على السلوك وكأنها هي القومة لله المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَحِدَةٌ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَشْغَى وَفُرَدَى ثُمَّ تَفَكَّرُواْ﴾ [سبأ: ٤٦]. فالقومة لله هي اليقظة من سنة الغفلة وأول أنوارها: لحظ القلب إلى النعمة على اليأس من عدها والوقوف على حدها والتفرغ إلى معرفة المنة بها، والعلم بالتقصير في حقها))(١) وتتبع اليقظة خطوات أولها إعمال الفكر إلى الوجهة المطلوبة، فإذا استحكمت يقظته أوجب له الفكرة، وإذا صحت فكرته أوجبت له البصيرة من إدراك الوعد والوعيد، والبصيرة تنبت في القلب الفراسة الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل) ثم قرأ ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّلْمُنَّوَسِمِينَ [الحجر: ٧٥](٢). ثم بعد ذلك يأخذ في القصد والعزم(٣). (١) تهذيب مدارج السالكين، عبد المنعم صالح، ص١٠١. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب من سورة الحجر، ٢٩٨/٥، رقم ٣١٢٧. (٣) انظر: تهذيب مدارج السالكين، عبد المنعم صالح ص ١٠١- ١١١. ويكون من ثمرات اليقظة من الغفلة أن يحصل أمران: الأول: الحذر من الشيطان وكيده، وأغراء الشيطان يكون للفرد وللجماعة الغافلة فكثير من الفتن التي حولنا لا نجد لها تفسيرا إلا تحريض الشيطان، ولعل الواقع المرير ومصائبه أيقظت الكثير من الغافلين ولا يعصمهم منه إلا اللجوء إلى الله والاعتصام بشرعه. والثاني: حصول التوبة: ومن ثمرات اليقظة من الغفلة أن يتعرف الإنسان على ذنبه فيتوب منه، والفتن والمحن طريق لذلك: يقول ابن قيم الجوزية: ((فالتوبة جامعة لمقام المحاسبة ومقام الخوف، لا يتصور وجودها بدونهما)).(٤) ٢. تقوية الصف المسلم. وذلك عند الخروج من الفتن بتعميق المحبة بينهم بعد تنقية صفهم من الأعداء فيخرج قويًا متماسكًا يصعب اختراقه وهدمه. فالابتلاء يؤلف بين القلوب وپتأسی بعضهم ببعض فتزداد المودة، لأن جو الفتن قد يسوده التراحم والتعاطف حين يرى بعضهم عنت البعض الآخر. والشدائد تزيد الجماعات تماسکا واقترابًا، وقد شبه بعض الدعاة الجماعات حين تعرضها للابتلاء (٤) المصدر السابق ص ١١٥. www. modoee.com ١٩١ حرف الفاء بقطعة الاسفنج التي كلما زاد الضغط عليها قل حجمها وتقاربت أجزاؤها وطردت الهواء من فجواتها، فالصف المسلم يقل عدده لکنه یشتد صلابة لأنه فرغ من أصحاب الأفئدة الهواء))(١). ويترتب على ذلك فوائد منها: · إغاظة الأعداء: ولا شك في أن خروج المسلمين من محنهم ثابتين أقوياء في عقيدتهم وأصلب تماسگًا رغم ما أصابهم، فيه إغاظة للمشركين وكل أعداء الصف المؤمن. ظهور القدوة الحسنة والقيادة الراشدة: فحين تظهر الفتنة أناسا صابرين، وينالون من المكافأة والرفعة عند الله فسيكونون قدوة لغيرهم، ومثل ذلك في بقية الشيم التي تظهر في الفتنة فلا زال شهداء الأمم من الرعيل الأول قدوة للمسلمین یذکرون صبرهم عند الشدائد وفي مقارعة الأعداء سواء في معارك الأعداء أو المعارك الفكرية، فمن ذلك من صمد في محنة العقيدة كالإمام مالك وابن تيمية والغزالي، وغيرهم كثير هم قدوة ومنارة يهتدى بها على الطريق الصحيح، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١) انظر: الجوانب المشرقة للابتلاء، إبراهيم حجازي، مجلة المجتمع، العدد، ١٢١٩، ١٩٩٦/١٠/١، الكويت ص٥٨. أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١١]. وبعد ظهور القيادات الراشدة واختيارها يحصل التمكين للأمة، الفتن وسيلة تربوية للإعداد وترسيخ الإيمان، والتحلي بالصبر وكظم الغيظ، وذلك لأخذ الأهبة والاستعداد لأداء الأمانة رحمة من الله بالجماعة وتعهده لها بالرعاية، واعداد الخلف من بعدهم، وعلى هذا نرى الرعيل الأول الذي تخرج من مدرسة الأنبياء يقومون بأعباء الدعوة بعد أن ورثوا تركتها الثقيلة حيث أدخلهم الله مدرسة الابتلاء مع أنبيائهم مسخراً أعداءه ليربي بهم أولياءه ليعدهم لحمل الأمانة وعلى هذا فالابتلاء يسبق التمكين حيث تمتحن الجماعة المؤمنة حتى يكون من يستخلفهم الله أقوياء أمناء لا يخونون ولا يفرطون، فيوسف عليه السلام يخرج من السجن ليتبوأ على عرش مصر وخزائنها، ومع ذلك يظل مراقبًا لربه يجوع يومًا ويشبع يومًا، وهنا يتجلى الفارق بين من يخرج من السجن ليتولى الحكم، ومن يخرج من الحكم إلى السجن وهم کثیر. ويندرج تحت هذه حكمة الله في ابتلاء هذه الأمة حیث لم يبتل أمة كما ابتليت أمة الإسلام بأعدائها لوعده تعالى: ﴿وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فالشهادة على الناس جَوْ سُواحَرَ النَّفْسَيْ القرآن الكريم ١٩٢ الفتنة تكون من التمكين، والاجتباء للأمة لتبليغ رسالة الإسلام كما إن الرسول صلى الله علیه وسلم قد اجتباه الله لتبلیغ الناس ولا يصلح لمثل ذلك إلا بعد التمحيص بأنواعه، قال تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَّ جِهَادِهِ، هُوَ أَجْتَبَئِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ قِلَّةَ أَبِكُمْ إِنَزَهِيمٌ هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِنَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]. ((والظاهر أن الأمر بالجهاد في هذه الآية يبرز فيه بوضوح جهاد الدعوة لا جهاد القتال))(١). (١) بصائر المسلم المعاصر، عبد الرحمن حبنكة، ص ٣٩١. وانظر: معالم التنزيل، البغوي، ٢٩/٥. سبل النجاة من الفتن أولًا: الدعاء والصبر: ١. الدعاء مع الفتنة. إن اللجوء إلى الله بالذكر والدعاء في أيام الفتن من أقوم السبل للنجاة منها كبيرها وصغيرها، ففتنة زينة الدنيا وشهواتها تصد العبد عن ربه وتوصله للغفلة، فلا بد من لجوئه إلی یالله أن يصرف عنه فتنتها، ومن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم (وأعوذ بك من فتنة المحيا)(٢). ولما كان الأولاد والأزواج من أعظم فتن الدنيا كما مر، نجد القرآن الكريم إن من صفات عباد الرحمن الدعاء بأن يجعلهم قرة عين كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِيَّلِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ [الفرقان: ٧٤]. ٧٤ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا لَ والدعاء من عدو الإنسان الأول: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ ٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: ٩٧ -٩٨]. وفي فتنة لقاء العدو وقتال الكفار ذكر القرآن الكريم دعاء أصحاب طالوت ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَاَ أَفْرِعْ (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب التعوذ من المحيا والممات، رقم ١١،٦٣٦٧/ ٠١٧٦ www. modoee.com ١٩٣ حرف الفاء عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى ﴾ [البقرة: ٢٥٠]. ٢٥٠ اَلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ومن أمثلة الدعاء من فتنة الدين دعاء وإذَ أصحاب الكهف حین لجوءهم إليه أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَائِنَا مِنْ لَّدُنكَ رَهَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾ [الكهف: ١٠]. وذكر الله والتماس العون منه مع الأخذ بالأسباب والتوكل على الله في حصول نفعها، فقد قال تعالى حاكيًا عن ابراهيم الخليل عليه السلام ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ * [الشعراء: ٨٠]. يَشْفِين ويلاحظ فيها أدبه مع الله بنسبة المرض لمن وقع عليه ونسبة الشفاء لله، والرقى من القرآن والأدعية المأثورة من أنفع الأسباب في التطبب، وقد صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ابتلاء أيوب عليه السلام بمرضه أعظم أسوة، وقد حكى عنه : وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: القرآن قوله: أَنّ مَسَّفِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ ) [الأنبياء: ٨٣]. ويلاحظ التلطف في دعائه حيث اكتفى بتقرير حاله واظهار عجزه وحاجته بأوجز وأوضح معنى، فكانت الإستجابة ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، فَكَثَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٤]. وللدعاء أثر كبير في مواطن الاضطرار في صرف البلاء، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]. والتماس العون من الله دليل التوكل عليه قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُ؟ إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِيٍ قَدْ جَعَلَ اَللّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. فإذا علم الله من العبد صدق التوجه هيا له الأسباب للخير ما لم تکن في حسبانه. ومن الأمور التي تعين على الصبر ذكر الله تعالى، بالدعاء في مواطن الشدة، ولنا في أصحاب فرعون السحرة مثلًا حين عرفوا الحق فآمنوالم يرهبوا وعيد فرعون، بل لجأوا إلى الله ليثبتهم ﴿ وَمَا نَنِقِمُ مِنََّ إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِئَايَتِ رَيْنَا لَمَّا جَءَ تْنَاْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًّاً وَتَوَفَنَا مُسْلِمِينَ (١٣٦ ﴾ [الأعراف: ١٢٦]. ٢. الصبر عند الفتنة. إذا كان الصبر واجبًا تجاه الابتلاءات الفردية، فهو آكد في مجال الفتن والمحن العامة لأن نفعه وعاقبته يعود على الأمة جمعاء، حيث يكون من أعظم الأسلحة النافعة للثبات وعدم التخبط، ومن ثم النهوض، وإخراج الأمة من جدید وإلا فعند عدمه يقع ما هو أكبر منه. للصبر أهمية في تربية النفوس ليكون بها من قوة الإيمان ما تواجه به فتنة السراء والضراء كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ مَوَسُورُ النفسية القرآن الكريمِ ١٩٤ الفتنة عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَّنكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]. بعد أن بین إن ما یصیب الإنسان من الله وقدره، قال الشوكاني: ((أي أخبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا علی ما فاتکم من الدنیا، ولا تفرحوا بما أعطاكم منها فإن كل ذلك يزول عن قریب، وکل زائل عن قریب لا يستحق أن يفرح بحصوله ولا يحزن على فواته)»(١)، (وقيمة هذه الحقيقة في النفس البشرية أن تسكب فيها السكون والطمأنينة عند استقبال الأحداث خيرها وشرها فلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعًا وتذهب معه حسرات عند الضراء، ولا تفرح الفرح الذي تستطار به وتفقد الاتزان عند السراء»(٢). وإذا كانت الفتنة تدعو إلى الحرص على الجماعة التي هي خير من العزلة فإن ذلك مجاهدة تحتاج إلى صبر ومصابرة للقيام بمهمة الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والصبر مطلوب في كل فتنة وفي كل مجال فالصبر على الطاعة والصبر على المعصية في زمن انتشار المفاسد والمعاصي وخصوصًا في زماننا هذا حيث تفشي المنكرات والمجاهرة بالفسق والفجور حتى أصبح الماسك على دينه (١) زبدة التفسير، الأشقر، ص٧٢٢ (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٦/ ٣٤٩٣. كالقابض على الجمر، فكلما زادت هذه الفتنة وواجهها الإنسان بالصبر زاد أجره وفي ذلك يقول صلی الله عليه وسلم: (یأتي على الناس زمانٌ الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر)(٣). ومن الفتن العامة التي تحتاج إلى الصبر مايلاقيه الدعاة إلى الله قديمًا وحديثًا، فطريق الدعوة شاق طويل كثير المتاعب فلذا يحتاج إلى همة عالية وصبر شدید، لأن الداعية يطلب من الآخرين تغييرًا قد لا تطيقه نفوسهم كتجردهم من الأهواء والشهوات والوقوف عند حدود ما أمر الله به. ولا شك أن الداعية يثقل عليه إعراض الناس، ولكن ربما التحديات تزيده صلابة وهذا شأن أولياء الله، وإعراض الكثير عن دعوة المرسلين سنة لا تتغير. قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١) وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةِ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيّ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلٌ إِنَّنَا عَمِلُونَ ﴾[فصلت: ٤ -٥]. ويدعو القرآن للصبر تجاه المعرضين، لأن محنة الداعية قد تتعدى وتتجاوز القول إلى الفعل وهو أمر قديم وحديث لَتُبْلُونَ فِىّ أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفتن، ٥٢٦/٤. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٩٥٧. www. modoee.com ١٩٥ حرف الفاء وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قربيًا فجاءهم الجواب بأن النصر قريب حين نجحوا في الابتلاء، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿حَقَّى إِذَا أَسْتَيْتَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَ هُمْ نَصْرُنَا فَنُجِىَ مَن نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ ﴾ [يوسف: ١١٠]. قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَذَى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ()﴾ [آل عمران: ١٨٦]. والآية وصفت الأذى المسموع بالكثرة، وهو الحرب الكلامية على أهل الإيمان من التشويه والتشويش والإفتراء والتحريف فلا بد من إحتمالها بالصبر والتقوى التي لا بد منها، فالصبر للثبات في وجه الباطل والتقوى للتعفف من مقابلة الخصم بأسلحته الخبيثة، كما قرن تعالى بين أهل الكتاب والمشركين لإتفاقهم على عداوة الإسلام(١). ومن مجالات الصبر في فتنة الأمة استبطاء النصر وهي فتنة عظيمة، فالله تعالى وعد المتقين بالنصر بعد الصبر وكتب لهم التمكين في الأرض ليكون الدين كله لله، وهذه المنزلة لا يبلغها المؤمنون سريعًا إلا بعد الشدائد حين تزيغ الإبصار وتبلغ القلوب الحناجر ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قَرِيبٌ فقولهم: متى نصر الله؟ استبطاءً له واستعجالًا وكلما اشتد الكرب كان الفرج (١) انظر: الصبر الجميل، سليم الهلالي، ص ٤٠- ٤١ ومع اشتداد الفتن یحتاج العبد إلى مزید من الصبر والمجاهدة ضد الشيطان كي لا يقنطه ولا يسخطه ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي فيدع الدعاء)(٢). والصبر مطلوب عند البأس وملاقاة العدو، لأن الفرار كبيرة، فالصبر هنا شرط أساسي للنصر. قال تعالى: ﴿وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرّآءِ وَحِينَ الْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ((وإنما نصب الصابرين على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته»(٣). وذلك لأن المفاجآت في الحروب (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد مالم يعجل، ٧/ ١٥٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل، رقم ٢٠٩٥/٣،٢٧٣٥. (٣) مختصر تفسير ابن كثير، الصابوني، ١/ ١٥٥. ١٩٦ جوبيه القرآن الكريمِ الفتنة تحتاج إلى صبر وثبات فقد يختل الصف ما أحوجنا لذلك بأن يصبر المسلم على زلة بسبب الإشاعات المثبطة للهمم وهو ما أخيه وأن يحتسب ذلك لله سمي حدیثا ب(الحرب النفسية) فلذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُؤْ مِنِينَ (٦)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا)(١). وفتن الحروب لا تخص المقاتلين وحدهم بل تعم الأمة بالبلاء وربما تجتمع الابتلاءات فيها من الخوف والجوع ونقص الأنفس والثمرات. والصبر على الأخوة في الله للحفاظ على بنيان المجتمع وتقوية روابط المحبة أمر مهم، فلا تقابل الإساءة بالإساءة فيكون عونًا للشيطان بل تقابل بالصبر والحلم بأن يدرأ بالحسنة السيئة فيعود المخطأ إلى صوابه. يقول تعالى: ﴿وَلَّا تَسْتَوِى لَلْحَسَنَّةُ وَلَا السَِّتَةُ آدَفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَذَ الَّذِى بَيْنَكَ وَمَا يُلَقَّنِهَا وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىُّ حَمِيدٌ ) إِلَّا أَلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّتَهَا إِلَّ ذُوحَظٍ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: ٣٤-٣٥]. ونحن في زمن الفتنة وتكالب الأعداء (١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٩/٥، رقم ٢٨٠٣. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١١٥١/٢، رقم ٦٨٠٦. فقد أخبر الله أن الصبر يورث درجة ـامة فقال: ﴿وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ ◌ِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَّرُواْ وَكَانُواْ بِشَايَتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: ٢٤]. ((أي: جعلناهم أئمة لصبرهم على مشاق التكليف والهداية للناس))(٢). وإذا كان الصبر مثابًا عليه في كل مجالاته فهو عند وقوع الفتن والاختلاف والأهواء أكثر ثوابًا وذلك بإسداء النصح والأمر بالمعروف الذي يحتاج إلى معاناة كبيرة في مثل تلك الظروف يدل عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (انتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحًا فإن من ورائكم أيام الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجل يعملون مثل عملكم)(٣). والصبر كله خير وبه يستعان على كيد الأعداء والمتربصين بالأمة كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. (٢) زبدة التفسير، الأشقر، ص٥٤٧ (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير، باب ومن سورة المائدة، ٢٥٧/٥، رقم ٣٠٥٨. قال الترمذي: حسن غريب. وصحح الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٤٩٤. www. modoee.com ١٩٧ حرف الفاء ثانيًا: الالتزام بهدايات الوحي وتجنب العجب والغرور: ١. الالتزام بهدايات الوحي. بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم انه لا سلامة من الفتن كلها إلا بالتمسك بهدايات الوحي وهما الكتاب والسنة، والأدلة على ذلك من القران الكريم كثيرة، فإذا أردنا النهوض بالأمة من جديد في عصر تلاطمت فيه الفتن فلا بد من دراسة ظروف ميلادها الأول، عند ذلك ندرك أهمية الاهتداء بالكتاب والسنة وتطبيقات السيرة في عملية البعث الإسلامي أو إخراج الأمة ونهوضها من جدید. والاعتصام بالكتاب والسنة جاء ضمنًا في سياق الأمر بطاعة الله ورسوله بأسلوب الترغيب حيث رتب الرحمة عليها والثواب فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وقال كذلك: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَيْكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: ٦٩]. وحذر تعالى من عدم الطاعة فقال: ﴿وَأَطِيُوْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ ﴾ [ المائدة: ٩٢]. ومن متممات الطاعة رد الحكم لله والرسول قرانا وسنة في الأمر كله، ولا نجاة للأمة إلا بإتباعهما، فهما المصدران الأساسيان وفيهما المنهج الكامل للحياة فمتى ما عصفت بالأمة الفتن علم أنها زاغت عن الطريق وحادت عن المنبع الأصلي، وبعدت عن هذين المصدرين وما عليها إلا الرجوع إليهما وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله علیه وسلم: (تر کت فیکم أمرین لا تضلوا ما تمسكتم بهما کتاب الله و سنة نبيه)(١). وفي حديث آخر قال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)(٢). وقد وعظ الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقيل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا فقال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر (١) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر، ٨٩٩/٢، والحاكم في المستدرك، ٩٣/١. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٥٦٦/١، رقم ٢٩٣٧. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٦٧/٢٨، رقم ١٧١٤٢، وابن ماجه في سننه، كتاب المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، ١٦/١، رقم ٤٣. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٨٠٥/٢، رقم ٤٣٦٩. ١٩٨ صَوْسُو القرآن الكريمِ