النص المفهرس

صفحات 21-40

الفتنة
كما نبه عن الانشغال بهم عن ذكر الله فقال: يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَمْوَّلُكُمْ وَلَآَ
أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩].
وقد شدد في التحذير منهم حتى جعلهم
کالأعداء إذا صدوا عن مسألة خطيرة تتعلق
بمصالح الأمة حيث قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَبِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا
لَكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن : ١٤].
وقد سأل رجل ابن عباس عن الآية فقال:
((فهؤلاء الرجال أسلموا من مكة فأرادوا أن
يأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما
أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا
الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم
فأنزل الله هذه الآية ﴿وَإِن تَعْفُواْ﴾(١). وقال
الزمخشري: ((إن من الأزواج أزواجًا يعادين
بعولتهن ويخاصمنهم ويجلبن عليهم، ومن
الأولاد أولادًا يعادون آباءهم ويعقونهم
ويجرعونهم الغصص والأذى فاحذروهم
لما علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عداء،
فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم
وشرهم.))(٢) وهي عامة في كل معصية
(١) مختصر تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
الصابوني، ٣/ ٥١٠.
والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك على
الصحيحين ٥٣٢/٢، وقال: هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) الكشاف، الزمخشري، ٤/ ٥٥٠.
٣. ومن مواطن الفتنة التنافس والتكاثر بهم
للتفاخر والزينة.
قال تعالى: ﴿اَلْهَنْكُمُ الشَّكَائِرُ ) حَقَّ
زُدُْ الْمَقَابِرَ ﴾ [التكاثر: ١-٢].
وجاءت آيات كثيرة تعيب على الذين
يتباهون بكثرة الأولاد وخصوصا البنين
منهم، لأنهم سوف يأتون يوم القيامة فرادى
ولن تنفعهم أولادهم بل هي أعمالهم كما
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْفِى
عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُم ◌ِنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ
هُمْ وَقُودُ اَلنَّارِ ﴾ [آل عمران: ١٠].
٤. ومن فتنة الأولاد التقصير في تربيتهم
و توجیھھم ونصحهم.
وقد نبه القرآن إلى ذلك فقال: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوْاْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُمْ نَارًا﴾
[التحريم: ٦].
ويتضمن ذلك عدم المساواة بينهم في
العطاء وقد أمر الرسول صلى الله عليه
وسلم بذلك فقال: (اتقوا الله واعدلوا في
أولادكم)(٣).
ومن ذلك تفضيل البنين على البنات
وعدم المساواة بينهم في المحبة والعطاء
والتربية، وقد عد الإسلام ذلك من الجاهلية.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِالْأُنْفَ ظَلَّ
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الهبات،
باب كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة،
١٢٤٢/٢، رقم ١٦٢٣.
www. modoee.com
١٥٩

حرف الفاء
٥٨﴾ [النحل: ٥٨].
وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾
فحث الرسول صلى الله عليه وسلم على
رعايتهن وجعلها سببا لدخول الجنة، ومع
ذلك فإن هذه الفتنة ما زال يقع فيها الكثير
حتى ممن يدعى الثقافة، والعلم الشرعي !!
ومنها القسوة في معاملة الأولاد، وقد
حث الرسول على الرفق معهم وخفض
الجناح والملاطفة، وكان صلى الله عليه
وسلم قدوة في ذلك، ولنا في وصايا لقمان
الحكيم لابنه التي قصها القرآن نموذج
للتربية الصالحة.
٣. فتنة الجاه والسلطان.
حب الجاه: أصل الجاه: انتشار الصيت
والاشتهار، وهو مذموم إذا قصده المرء، كما
أنه من أعظم مظاهر الحياة الدنيا، لذا كانت
فتنة الجاه من أعظم الفتن.
ومعناه: ((هو قيام المنزلة في قلوب
الناس، أي اعتقاد القلوب لنعت من نعوت
الكمال في شخص، إما من علم، أو عبادة،
أو نسب، أو قوة، أو حسن صورة، أو غير
ذلك مما يعتقده الناس كمالًا، فبقدر ما
يعتقدون له من ذلك، تذعن قلوبهم لطاعته،
ومدحه وخدمته، وتوقيره))(١).
ويقترن حب الجاه بحب المال، وهما
(١) إحياء علوم الدين، الإمام الغزالي، ٤٣٢/٣،
مختصر منهاج القاصدين، ابن قدامة المقدسي
ص ٢٧٠.
على رأي الإمام الغزالي ركنا الدنيا، وعلى
هذا فالجاه محبوب بالطبع، وقد يفوق حب
المال، لأن المال ليس هدفًا بذاته بل وسيلة
متاع الدنيا، وقد يكون الجاه طريقًا إلى المال
وهذا لا يعني أن الجاه مذموم جملة
وتفصيلاً، بل فيه ما يحمد، وفيه ما يذم وهو
الغالب فحب المرء أن يكون له منزلة في
قلوب من حوله لضرورة التعايش معهم ليس
بمذموم، أو لصفة هي فيه لغرض نافع فهو
مباح، كقول يوسف عليه السلام ﴿قَالَاجْعَلْنِى
عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِّ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ ﴾
[يوسف: ٥٥].
أو قصد إخفاء ما لا يليق لأن الستر على
القبائح جائز.
والمحظور أن يطلب الجاه لذاته أو بما
لیس فیہ کالعلم والورع والنسب، وأن یکون
ذلك كل همه، فتظهر الفتنة فيمن غلب على
قلبه ذلك فيعمد لتحقيقه بارتكاب المعاصي
كالكذب والخداع، أو بالعبادة فيدخل في
الرياء المحرم، وربما بالنفاق كما قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (حبك المال والجاه
ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء
البقل)(٢).
وحب الجاه يؤدي بصاحبه إلى حب
المدح وإن كان بما ليس فيه، وكان أهل
الصلاح يفرون من الشهرة والجاه، كما روي
(٢) إتحاف السادة المتقين، الزبيدي، ٨/ ١٤١.
جوُوعَةَ النَّفْتَّ
الْقُرآن الكَرِيْمِ
١٦٠

الفتنة
عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه خرج من
منزله فتبعه جماعة، فالتفت إليهم وقال: «علام
تتبعوني فوالله لو علمتم ما أغلق عليه بابي ما
اتبعني منكم رجلان)» وفي لفظ آخر أنه قال:
«ارجعوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع»(١).
وقد قرن تعالى بين إرادة العلو والفساد
فقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ
[القصص: ٨٣].
٨٣
أما فتنة السلطان فهي الأشد ولذلك
سأقف عليها ببعض التوضيح:
ومن المعروف أن الإسلام دين ودولة،
ولا يمكن أن تطبق تعاليم الإسلام من
غير وجود دولة ورئيس لها وقد تختلف
الألقاب لمن يتولى أمر المسلمين كالخليفة
والسلطان، والأمير وكلها مسميات لمعنى
واحد. أما وسيلة إسناد السلطة فهي ((البيعة))
وهي: ((عقد رضائي بين الأمة والحاكم ملزم
للجانبين، يلتزم فيه الأمير بأن يسير بالأمة
وفقًا للكتاب والسنة، وأن يقوم بفروض الإ
مامة وتلتزم فيه الأمة بتقديم الطاعة والنصرة
له ما لم يتغير حاله)»(٢).
وبما أن الحاكم نائب عن الأمة ووكيلها،
(١) راجع إحياء علوم الدين، الغزالي ٢٧٦/٣.
(٢) النظام السياسي الإسلامي مقارنًا بالدولة
القانونية، منير حميد البياتي ص٢٠٩.
وانظر: الحاكم وأصول الحكم، صبحي عبد
سعید ص ٤٧ - ٥٠.
فإن سلطته مقيدة بحدود تلك الوكالة وهو
مقيد بما تقيد به الأمة فى الأصل، فلا يملك
أكثر مما يملكه الأصيل (٣).
وللحاكم واجبات أهمها تطبيق الشرع،
وقد فصل العلماء في ذلك(٤)، وهي ((رياسة
عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي
صلى الله عليه وسلم)»(٥)، والتي يجمعها
قوله تعالى: ﴿اَلَِّينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِ آلْأَرْضِ
أَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَللَّهِ عَقِبَةُ
الْأُورِ ﴾ [الحج: ٤١].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) (٦).
وفتنة السلطان تتمثل فى مشكلة تجاوز
السلطة لحدودها: بما أن وجود الحاكم
(٣) انظر: النظام السياسي الإسلامي، منير حميد
البیاتي، ص ٢٤٠.
(٤) فصلت كتب السياسة الشرعية حقوق
وواجبات الحاكم كالماوردي، والأحكام
السلطانية، أبو يعلى وابن تيمية والشهر ستاني،
وابن خلدون، وعبد الوهاب خلاف وانظر:
فقه المسؤولية في الإسلام، لعلي عبد الحليم
محمود، دار التوزيع والنشر الإسلامية،
القاهرة، ١٩٩٥، ص٢٥٠-٢٧٧.
(٥) تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي
والإجتماعي، حسن إبراهيم حسن، ط٧،
مكتبة النهضة المصرية، ١،١٩٦٤ / ٤٦٤.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب الوصايا،
باب تأويل قوله تعالى: (من بعد وصية ... )،
١٨٩/٣، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة
الإمام العادل، ١٤٥٩/٢.
www. modoee.com
١٦١

حرف الفاء
واجب لا بد منه، فإن وجود السلطة يقسم
الجماعة إلی حاکم ومحکوم، وآمر ومطيع،
ولكي تقوم السلطة بمهمتها الداخلية
والخارجية دون التعرض لحقوق الأفراد
وحرياتهم وصيانتها، ودون ظلم لأحد
الطرفين، فقد تكفل الإسلام - وهو النظام
الرباني - بحل ذلك بأن قيد سلطة الحاكم
بالشرع، فإذا تجاوز ذلك وانحرف فقد فتح
باب المشكل السياسي والذي هو («مشكلة
شعب في مواجهة سلطة))(١).
وذلك لأن الأمة مسؤولة أمام الله في
اختيارها للحاكم، وعليها ألا تسكت أمام
إنحرافات السلطة، كما أن الفرد والأمة
مسؤولون في طاعة الحاكم بالمعصية والتي
تستحق العذاب عليه بالنار، كما قال تعالى:
(وَقَالُواْ رَبَّنَاْ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَنَا فَأَضَلُّونَا
السَّبِيلاً
[الأحزاب: ٦٧]، كما تثبت
٦٧
مسؤولية الجماعة في قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ
فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ
وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْعِقَابِ ﴾
[الأنفال: ٢٥].
ولقد حذر القرآن الكريم من الوقوع
في فتنة الصراع بسبب السلطة، وضرب لنا
الأمثلة على الطغاة المستبدين الذي غرهم
سلطانهم فضلوا وأضلوا وذلك لأخذ العبرة
(١) الحريات العامة في الدولة الإسلامية، راشد
الغنوشي ص٢٧.
منهم، لأن فتنة المال وشهوة الحکم جذورها
عميقة في أعماق النفس البشرية، وقد ذکر
لنا القرآن أبرز مثل في فرعون الذي استعبد
الناس، وبلغ من تجبر هذا الطاغية أن استخف
بدعوة موسى عليه السلام وقال القرآن عنه:
﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِ قَوْمِهِ، قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيْسَ لِ
مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِىَّ أَفَلاَ
[الزخرف: ٥١].
٥١
تُبْصِرُونَ :
والأكثر من ذلك ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى ، فَقَالَ
أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: ٢٣ -٢٤].
ومن أهم أسباب ذلك الانحراف هو
حب السلطة والمنصب والجاه: ومن
المعروف أن للمنصب عند البعض نشوة
تلعب بالرؤوس لا تعادلها نشوة، فتساعد
على الغطرسة والاستعلاء والبطش، وتزين
لصاحبها أنه على الحق والصواب(٢).
وقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم
بمثل هؤلاء الحكام المسببين للفتن فقال:
(إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين،
وإذا وقع في أمتي السيف لم يرفع إلى يوم
القيامة)(٣).
(٢) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية، أبو زهرة،
محمد، ٢٨/١.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفتن، باب
ما جاء في الأئمة المضلين، ٤ / ٥٠٤، وابن
ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب ما يكون من
الفتن، رقم ٣٩٥٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٣٦٤، رقم ٠١٧٧٣
١٦٢
جَوْسُورُ
القرآن الكريم

الفتنة
كما تنبأ بوجود الحاشية الفاسدة لهم
فقال: (أخوف ما أخاف على أمتي رجل
منافق عليم اللسان غير حكيم القلب،
يغيرهم بفصاحته وبيانه ويضلهم بجهله)(١).
وعلى هذا واجه الحكام المعارضين
بالقمع، وخصوصاً لمن كان عنده الاستعداد
الشخصي للانحراف عند بعض الحكام:
فالنزوع إلى إساءة استعمال السلطة إنما هو
نزعة سلوكية واعوجاج في سلوك الإنسان،
وقد عالج الإسلام ذلك بربط أصول الحكم
بالعقيدة والأخلاق - حماية للحاكم من
الاستبداد- باعتباره منفذًا للشریعة ولیس له
سن القوانين، كما حث الإسلام على تولية
الكفء الأمين ﴿إِنَ خَيْرَ مَنِ أُسْتَنْجَرْتَ
اٌلْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
ثم العقاب الدنيوي بالخلع وعقاب الله وكأنما أنت النبي محمد
بالآخرة(٢).
ومن العوامل المساعدة على الانحراف
وزيادة الفتنة وجود بطانة السوء المحابين
لذوي السلطة وهم أصناف منهم الأقارب
العصبية): ویکون لهؤلاء تأثير إيجابي،
ولكن الغالب أن يكون لهم تأثير سلبي
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٨٩/١، رقم
١٤٣.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٢٣٩.
(٢) انظر: النظام السياسي الإسلامي، منير حميد
البياتي، ص ١٦٣ -١٦٤.
للاستئثار بالمناصب والجاه والمالومنهم
الأعوان من ذوي المراكز: كالوزراء والولاة
والقادة، ومنهم كذلك بعض الأغنياء
وأصحاب المصالح الذين يتقربون للحاكم
وذويه حفاظًا على ثرواتهم وخصوصًا ذوي
الكسب غير المشروع، فيستغلهم بالمقابل
لجمع المؤيدين وتضليل الناسومنهم الأدباء
المداحون: وهم يمثلون (وسائل الإعلام
في الوقت الحاضر).
ونرى من يبالغ فيجعل للخليفة صفات
الله ومقام النبوة، فهذا ابن هانئ الأندلسي
يمدح الخليفة الفاطمي المعز لدين الله
قائلًا(٣).
ما شئت لا ما شاءت الأقدار
فاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنما أنصارك الأنصار
ومنهم العلماء (فقهاء السلاطين):
وإذا وضعنا تأثير الأصناف السابقة فى فتنة
الأمة في كفة، نضع في الكفة المقابلة تأثير
العلماء، الاقتداء العامة بهم.
وعلى هذا كان لفتنة الحكم والسلطة
أثر في التراجع الحضاري للأمة الإسلامية
وجرت عليها السنن الإلهية التي تصيب
من نكص عن اتباع الرسالات السماوية ولا
(٣) ديوان محمد هانئ الأندلسي، تحقيق محمد
اليعلاوي ص ١٨١.
www. modoee.com
١٦٣

حرف الفاء
أمل إلا بالرجوع إلى حكم الله والاعتبار
بالأمثلة القرآنية الواقعية فى هذا المجال،
وأهمها العمل بالشورى، وفتنة السلطة قد
تكون بنهج صاحبها للظلم وعدم المساواة،
والنصوص الشرعية في تحريم الظلم
كثيرة جدا وهي تتحدث عن ظلم الإنسان
لنفسه وغيره ومقرونة بالتهديد والعذاب
والخسران.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا
عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم : ٤٢].
﴿وَمَنْ أَظْلُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَ اللّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ
◌ِكَايَتِهُ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الأنعام: ٢١].
كما عرف القرآن الظلم فقال: ﴿وَمَنْ يَنَعَذَّ
حُدُودَ اَللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
فيكون الظلم وضع الشيء في غير
موضعه الشرعي (١). وفي الحديث القدسي
کما یرویه الرسول صلی الله عليه وسلم: (یا
عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته
بينكم محرما فلا تظالموا)(٢).
أو المنزلة أو الحكم أو العطاء)»(٣).
فالعدل ميزان الله في الأرض، وهو قوام
الدين والدنيا، والآيات التي توجب العدل
والقسط كثيرة منها قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ
بِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠].
وقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ
◌ِاَلْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
فالأمر بالعدل نهي عن الظلم كما أن
نصوص السنة زاخرة بالدعوة إلى العدل، بل
إن أول وثيقة دستورية أعلنها النبي الكريم
في المدينة تكرر فيها كلمة القسط والعدل
أكثر من تسع مرات (٤).
ولما كان من السنن الإلهية أنه لا يفلح
الظالمون، فقد أدت إلى زوالهم، كما أكدت
القصص القرآنية هلاك الأمم الظالمة،
ولذلك يقول العلماء: ((إن الدولة تبقى مع
الكفر ولا تبقى مع الظلم، لقوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمِ
وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (٧)﴾ [هود: ١١٧].
يقول الرازي: ((إن المراد من الظلم في
ونتبين موقف الإسلام في تحريم الظلم
في نصوص وجوب العدل نقيضه في آيات
كثيرة، فالعدل شرعا: «وضع الشيء موضعه
هذه الآية، الشرك، والمعنى أن الله تعالى لا
يهلك أهل القرى بمجرد کونھم مشرکین،
الشرعي وإعطاء كل شيء حقه من المكانة إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما
بينهم)) (٥).
(٣) السنن الإلهية، عبد الكريم زيدان، ص ١١٥.
(١)
فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ٥/ ٩٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تحريم الظلم، ٣/ ١٩٩٤، رقم
٢٥٧٧.
(٤) النظام السياسي الإسلامي مقارنا بالدولة
القانونية، منير حميد البياتي، ص١٤٩ - ١٥٠.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٨/ ٧٦.
١٦٤
جوبيـ
القرآن الكريم

الفتنة
ثانيًا: الفتنة بالشر:
١. الفتنة بالإيذاء.
ولهذه الفتنة صور كثيرة منها الأذى
بالبدن، وقد یکون قدریا من الله وقد یکون
الأذى مسلطًا على فرد أو جماعة، وتكمن
الفتنة في الثانية، فقد يسلط أهل الباطل على
أهل الحق بالإيذاء النفسي والبدني، ولنا
أمثلة من الإيذاء النفسي الذي واجهه الأنبياء
عامة والرسول محمد صلى الله عليه وسلم
خاصة، فرميه بالكذب - وهو الصادق
الأمين- تارة وبالجنون تارة، وبالكهانة
والسحر أخرى كان إيذاءا شاقا على نفس
رسول الله صلی الله علیه وسلم، وقد ذکر
القرآن تلك الاتهامات في آيات كثيرة، قال
تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَمٍ بَلِ افْتَرَتُهُ
بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
﴾ [الأنبياء: ٥].
وقال: ﴿وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَارِكُواْ ءَ الِهَيْنَا لِشَاعِي
تَجْنُونٍ ﴾ [الصافات: ٣٦].
أما الأذى البدني فقد كان الأنبياء لهم منه
نصیب، فقد رمي إبراهيم عليه السلام بالنار،
وأوذي محمد صلی الله عليه وسلم بدنيا
وعذب صحابته من قبل مشركي قريش، من
مثل بلال وعمار وخباب رضي الله عنهم،
وهذا هو فعل الطواغيت حين يعجزون عن
صرف المؤمنين عن دينهم، ومن أصاف
الأذى البدني التذيب بالنار، والخنق، ونزع
اللحم عن العظم، والنشر بالمنشار(١).
وقد يبتلى الفرد ببدنه بعاهة أو عوق،
وليس له إلا الصبر ليؤجر على ذلك فثواب
الصبر مفتوح بغير حساب، وهذا الأسلوب
ما زال يتبع وبوسائل كثيرة في العصر
الحاضر.
أما فتنة المرض فقد تعرض لكل
الناس، وهو فتنة بالشر لأن الإنسان خلق
ضعيفا، والمؤمن يصبر أمام فتنة المرض
حين يستحضر الأجر منه إذا صبر عليه،
فالأمراض والأسقام وإن كانت ذا مرارة
إلا أن الله جعل فيها حکما، فهو يكون في
حالة الفقر إلى بارئه فيلجأ إليه، فقد ابتلى
الله يعقوب في بنيه وفراق يوسف وأخيه
و کف بصره ثم رده الله إليه بعد صبر طويل،
وفي قصة أيوب امتحنه الله امتحانًا خاصًا
في نفسه وولده وماله فضرب مثلًا أعلى في
الصبر ﴿إِنَّ وَجَدْنَهُ صَاِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّابٌ
[ص: ٤٤].
وقد كشف الله عنه البلاء و عوضه خيرًا
وأمرض القلوب فتنة أكبر، فقد أثبت
القرآن الكريم أن للقلوب أمراضًا هي أشد
من أمراض الجسد.
قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ قَرَضِّ فَزَادَهُمُ اللّهُ
(١) انظر: الفتنة وموقف المسلم منها، عبد الحميد
السحيباني، ٢١٣-٢١٦.
www. modoee.com
١٦٥

حرف الفاء
مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠].
هذه الأمراض تتسبب في فتن اجتماعية
للمسلمين، منها: غلظة القلوب، والفتنة
في ذلك أن الناس ينفرون من الفظ الغليظ
القلب حتی ولو کان ناصحًا، ولذلك عصم
الله سبحانه وتعالى الأنبياء من هذه الصفة
فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ
كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل
عمران: ١٥٩].
والحقد والحسد وهما مرضان قدیمان،
وأوله حقد إبليس على آدم عليه السلام، ولم
تهدأ ثائرة حسده بإخراج آدم وزوجه من
الجنة، فطلب أن يتبعهما وذريتهما في الدنيا
قَالَ أَرَهَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَ لَبِنْ
أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَفِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا
قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٦٢].
وآثار الحسد سيئة على الفرد والمجتمع،
إذا خالط قلبًا عجز عن ضبطه و کتمانه حتى
يغلب على من اتصف بالدهاء فتظهر في
كلامه وفلتات لسانه وأسارير وجهه، كما أنه
مضر بالجسد والنفس.
وقد يكون مرض القلب همّا يعاني منه
المرء لسبب من الأسباب، يعان علیه بالدعاء
المأثور (اللهم إني أعوذ من الهم والحزن
والعجز)(١)
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن،
باب التعوذ من الفتن، رقم ٦٠٠١، ٢٣٤٠/٥،
وباب الحيس ٥٥١٠٩/ ٢٠٦٩.
أما القتل والخوف فكل منهما فتنة
تظهر وتزداد لأسباب كثيرة، منها السياسية
والطائفية وغير ذلك، وقد يتعرض لها
أصحاب الدعوة الحق بعد فشل المساومات
معهم، لأن العقيدة لا تخضع للمساومة
والابتزاز، فقد قتل أنبياء ودعاة.
وكانت هناك محاولات من قبل اليهود
والمشركين لقتل الرسول صلى الله عليه
وسلم، والقتل وكثرته من علامات الساعة
التي نراها واضحة في زماننا يقول رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس
بیده لا تذهب الدنیا، حتى يأتي على الناس
يوم لا يدري القاتل فيم قتل، ولا المقتول
فيم قتل؟! فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال:)
الهرج، القاتل والمقتول في النار)(٢).
وفتنة الخوف ملازمة لما قبلها، فالأمن
والسلام نعمة امتن الله بها على قريش
الَّذِىّ
﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا أَلْبَيْتِ ))
أَطْعَمَهُمْ يِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾
[قريش: ٣-٤].
ولذلك جعلت التحية في الإسلام بلفظ
السلام، وهذه النعمة لا يدركها إلا من
افتقدها، وقد جعل النبي صلى الله عليه
وسلم الأمن من أركان الحياة الثلاث فقال:
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن
وأشراط الساعة باب لا تقوم الساعة حتى
يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان
الميت من البلاء ٢٩٠٨، ٢٢٣١/٤-٢٢٣٢ ..
١٦٦
القرآن الكريم

الفتنة
(من أصبح منكم آمنًا في سربه معافى في
بدنه عنده قوت يومه فكانما حيزت له الدنيا
بحذافيرها)(١).
والخوف قد يكون ابتلاء وامتحانا من
الله كما ذكر في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَّنَّكُم
بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ
وَاَلْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ
١٥٥
[البقرة: ١٥٥].
وقد يكون الخوف نوع عقوبة من الله
تبارك وتعالى على معاصي ارتكبها الإنسان،
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ
ءَامِنَةٌ مُطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ
مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِيَاسَ
الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
[النحل: ١١٢].
والخوف المحمود هو الخوف من الله
تعالی، أما المذموم فهو الذي یوقع الإنسان
في مخافة الناس على حساب مرضاة الله
وهو الذي يدفع بالإنسان إلى الانهزام
والتخلي عن المعتقد أو الحقوق، ويفسح
المجال أمام العدو ليعيث في الأرض
الفساد ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ٥
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم
٣٠٠، والترمذي في سننه، أبواب الزهد،
٤/ ٥٧٤، رقم ٢٣٤٦.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ١٠٤٤، رقم ٦٠٤٢.
وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ، إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِّقِثَالٍ أَوْ
مُتَحَيِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ
اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾﴾
[الأنفال: ١٥-١٦].
٢. الفتنة في المال والأهل.
الأرزاق من الله يقدرها بحكمته وفق
مصالح العباد، كما قال تعالى ﴿وَفِ اَلسَّمَلِ
رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: ٢٢].
وعلى العبد السعي في تحصيل رزقه
وماله أخذًا بالأسباب.
وقد يصاب الإنسان بفتنة نقص المال أو
ضياعه، وهو نوع من الابتلاء الذي يمتحن به
الإنسان، كما قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ
مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَرَتِّ وَبَشْرِ الصَّبِينَ ﴾ [البقرة: ١٥٥].
وطلبت منه الصبر على البلاء وللصابر
البشرى، وسأتناول فتنة الفقر، وآثارها على
الفرد والمجتمع.
وأثر الفقر في مجال الأسرة: ويظهر أثره
في الأمور الآتية:
في تكوين الاسرة ابتداءً لأن الفقر
يعيق الشباب عن الزواج وتحمل تبعاته
من مهرٍ ونفقة البيت والأولاد هذه العوائق
الإقتصادية قد تؤدي بضعاف الإيمان إلى
جريمة الزنا فجاءت النصوص لتوجيه
الشباب إلى الصبر فقال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ
الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
www. modoee.com
١٦٧

حرف الفاء
[النور : ٣٣].
وقال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر زينة: ﴿الْمَالُ وَاَلْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ لم
الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج
فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم
يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)(١)، أي:
وقاية وعلاج وفي الصوم يتحقق الصبر.
والفقر خطر على تماسك الأسرة
وتكاثرها حيث تقدم الأسرة على تحدید
النسل وتقليله، والأكثر من ذلك قتل الأولاد
بطرق جديدة كالإجهاض خشية الفقر، وقد
وَلَا
نهى الله سبحانه وتعالى عنه فقال:
تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍّ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ
وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]. ومثلها في المعنى
[الإسراء: ٣١].
أما فتنة النقص في الولد عند الحرمان
منهم بسبب العقم أو غيره، فتكون فتنة
في الشر، لأن الأولاد من زينة الدنيا
المحببة للنفوس، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ
حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل
عمران: ١٤].
والحرمان منها يقتضي الصبر
والاحتساب وإلا أصاب النفوس العنت،
وأوقعها في فتنة الجزع والحسد والحقد
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصوم
لمن خاف على نفسه العزوبة، ٢٢٨/٢ -
٢٢٩، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه ووجد
مؤونته، ١٠١٨/٢، رقم ١٤٠٠.
وغير ذلك ولذلك بعد ذكرهم الله بأنهم
يجعلها قيمة للإنسان بل مجرد زينة ولهو،
فلذلك عقب بالقول ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ
خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ تَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٦].
وهي تتبع فتنة الأهل فهي بما يصيبهم
من نقص أو خلل أسري ولها أشكال وصور
كالعقوق والنشوز والاختلاف عقائدي،
زقد وضع الإسلام وقاية وعلاجا لكل هذه
الحالات، وعلى العموم تواجه جميعها
بالصبر ولاحتساب والدعاء.
٣. فتنة الإخراج من الأوطان.
والمقصود هنا الإخراج القسري المجبر
عليه الإنسان وليس الخروج الطوعي،
وقد نال من تلك الفتنة أكثر الأنبياء عليهم
السلام، ولكنهم استطاعوا أن يستثمروا تلك
الفتنة والنقمة وتحويلها إلى نعمة بفضل الله
ومثابرتهم على مواصلة الدعوة.
وقد ضرب القرآن الكريم مثلا بهجرة
إبراهيم عليه السلام وغيره من الأنبياء،
ويخروج أصحاب الكهف فرارا بدينهم
فحفظهم الله من عبث المفسدين.
قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى اَلْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ
فَقَالُواْ رَبَّنَاَ ءَائِّنَا مِنْ لَّدُنَكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ
أَمْرِنَا رَشَدًا ، فَضَرَبْنَا عَلَى ◌َاذَانِهِمْ فِى
اَلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًّا ® ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِتَعْلَّمَ
أَىُّ الِبَيْنِ أَحْسَى لِمَا لَبِئُواْ أَمَدًّا ◌َ نَّحْنُ نَقُصُ
١٦٨
القرآن الكريمِ

الفتنة
عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ
وَزِدْنَهُمْ هُدَّى ◌َ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ
قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَنْ
نَّدْعُواْ مِن دُونِهِ: إِلَهَا لَّقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًا ))
هَؤُلَاءٍ قَوْمُنَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ= ◌َالِهَةٌ لَّوْلًا
يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَإِذِ أَعْتَزَ لْتُمُوهُمْ
وَمَا يَعْبُّدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأَوُاْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ
لَكُّرَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُّهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم
مِرْفَقًا ﴾ [الكهف: ١٠- ١٦].
ومن المعلوم يعلم أن طريق الهجرة
وعرة المسلك، ومليئةٌ بالمنغصات، وتبقى
ساعة الوداع مؤثرة، والوقوف على الأطلال
يرافقه البكاء، حتى النبي صلى الله عليه
وسلم حين خرج من مكة قال: (والله إنك
لخیر أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله،
ولولا أني أخرجت منك لما خرجت)(١).
و کذلك الصحابة رضي الله عنهم، عندما
هاجروا إلى المدينة - كما تذكر عائشة رضي
الله عنها - تذكروا مكة وجبالها، وخاصة
أن المدینة أوبا أرض الله من الحمى، وقد
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٠/٣١، رقم
١٨٧١٥، والترمذي في سننه، أبواب
المناقب، باب في فضل مكة، ٧٢٢/٥، رقم
٣٩٢٥، وابن ماجه في سننه، كتاب المناسب،
باب فضل مكة، ١٠٣٧/٢، رقم ٣١٠٨.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١١٩٢/٢، رقم ٧٠٨٩.
أصابت الحمی بعض الصحابة، و کان بلاٌ
إذا أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم
يرفع صوته:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً
بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنةٍ
وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل
قالت عائشة رضي الله عنها: ثم إني
دخلت على رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فأخبرته، فقال: (اللهم حبب إلينا
المدينة كحبنا مكة، اللهم وصححها وبارك
لنا في مدها وصاعها، وانقل حماها واجعلها
بالجحفة)(٢)، فغرس الله بعد ذلك حب
المدينة في قلب الصحابة ومن بعدهم أبد
الدهر.
فالإخراج من الأوطان فتنة تقتضي
الصبر والاحتساب والحفاظ على العقيدة،
ونشر الدعوة، والاقتداء بالمثل الصالح من
الأنبياء والسلف الصالح.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب
الأنصار، باب مقدم النبي صلى الله عليه
وسلم وأصحابه المدينة، ٦٦/٥، رقم
٣٩٢٦.
www. modoee.com
١٦٩

حرف الفاء
مجالات الفتنة
أولًا: الفتنة في الدين والعبادات:
١. الفتنة في الدين.
الفتنة في الدين قد تعرض للفرد
والمجتمع والأمم، ولها أسباب كثيرة
وصور متعددة، وتحصل بإحدى طريقتين:
الأولى: أن الإنسان يبتلى في دينه من قبل
نفسه الأمارة بالسوء، فهو اختارها طواعية
لنفسه، کان أصيب الإنسان في دينه بانحراف
أو شبهة أو شهوة فذلك أعظم المصائب،
وإنها لخسارة الدنيا والآخرة.
والثانية: أن يسلط على المرء أو الجماعة
من يفتنهم إكراها عن دينهم، وخصوصا ما
حصل للأنبياء والصالحين والدعاة على مر
الأزمان، وقد أجبر المسلمون الذين بقوا
في الأندلس بعد سقوطها لتبديل دينهم
وتنصیرهم کرها.
فقد يستدرج الإنسان أو المجتمع للفتنة
في الدين فيقع طواعية أو يجبر إكراها،
ولكل الحالات صور وأسباب كثيرة، وهي
في أزماننا شاخصة واضحة يجمعها دعاء
الرسول في التعوذ منها في قوله: (ولا تجعل
مصيبتنا فى ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر
همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا
يرحمنا)(١).
وأشد تلك الفتن: الشرك والكفر، وذلك
بصد الناس عن دینھم الحق.
قال تعالى: ﴿وَأَلْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾
[البقرة: ١٩١].
فقد فسرها ابن عباس صلى الله عليه
وسلم هنا بالكفر(٢).
قال الطبري: قد كانوا يفتنون عن دينه
حتی یردوه لی الکفر بعد إيمانه، وذلك أکبر
عند الله من القتل))(٣).
وقد تصل هذه الفتنة إلى الإكراه بشتى
الوسائل، كالأذى الجسمي والنفسي
والاقتصادي وغير ذلك.
وقد تكون الفتنة فى الدين بطرق ناعمة قد
لا يلتفت إليها مثل فرض الأنظمة والأوضاع
الفاسدة ومحاربة المسلمین في ديارهم.
ومنها: نشر الإلحاد والتشجيع عليه
بتخطيط ممنهج، وقد بذلوا في سبيل ذلك
كل الوسائل وكان من نتيجتها إلزامهم
بالتحاكم إلى قوانين وضعية وغير ذلك.
ومنها: ظهور الفرق الكلامية قديما التي
كانت نتيجة لترجمة الفلسفة اليوناية، وكان
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
٥٢٨/٥، رقم ٣٥٠٢.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٢٧٢،
رقم ١٢٦٨.
(٢) انظر مفاتيح الغيب، الرازي ١٤١/٥.
(٣) جامع البيان، الطبري، ٣٦١/٢.
١٧٠
جوبيـ
القرآن الكريمِ

الفتنة
هدف بعضها الدفاع عن الإسلام بطرق مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا
كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ [الأنعام: ١٠].
فلسفية، وبعضها استهدفت الإسلام والنيل
منه، والمهم أنها أحدثت فتنة دينية وفرقت
المسلمين، كما ظهرت فرق حديثة بعضها
اتخذت من الدين ستارا لهم، وبعضها
جاهرت بالعداء له.
وهذه الفتن يتعرض لها المؤمنون قديما
وحديثًا بصورة عامة والدعاة بصورة خاصة
سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات،
نتیجة للصراع بین الحق والباطل، بین أولیاء
الرحمن وأولياء الشيطان، فتلحق بهم فتن
لها صور كثيرة منها:
حملات التشويه للمخلصين وتنفير
الناس منهم.
وحث الناس على عدم التعاون
والتعاطف معهم، مع التشکیك بصدقهم،
وهو جزء من الحرب النفسية الإعلامية عن
طريق الاستهزاء والسخرية، وقد كانت هذه
أحد أساليب قريش ضد الرسول صلى الله
عليه وسلم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَمَاكَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا
أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَنَّكُمْ وَهُم بِذِكْرِ
[الأنبياء: ٣٦].
الرَّحْمَنِ هُمْ كَفِرُونَ )
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ
إِلَّاّهُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اَللَّهُ رَسُولًا )﴾
[الفرقان: ٤١].
ثم جاء الاستهزاء من قبل المنافقين في
المدينة كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْأَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا
مَعَكُمْ إِنَّمَا غَحْنُ مُسْتَهْزِءُ ونَ ﴾ [البقرة: ١٤].
ويشمل هذا الاستهزاء الصحابة الكرام
رضي الله عنهم، وأسلوب المستهزئين
واحد في كل العصور بل تفننت وسائل
الإعلام في العصر الحاضر بذلك كما نسمع
ونری.
اتهام المتدينين المخلصين بالكذب
لتشويه صورهم وإثارة الشكوك
حولهم.
والقرآن حافل بالآيات في اتباع الظلمة
لهذا الأسلوب القبيح كما جاء في القرآن
﴿وَعِبُواْ أَنْ جَآَّهُمْ مُنْذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ
عنهم:
اَلْكُفِرُونَ هَذَا سَحِرٌّ كَذَّابٌ ﴾ [ص: ٤].
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّ إِفْكُّ أَفْتَرَهُ ﴾
[الفرقان: ٤].
وكاحص مع الأنبياء السابقين ﴿كَذَّبَتْقَوْمُ
﴾ [الشعراء: ١٠٥].
نُوجِ الْمُرْسَلِينَ )
الاتهام بالجنون، للتشكيك بقدراتهم
العقلية.
كما جاء عن اتهام النبي صلى الله عليه
وسلم ﴿ وَقَالُواْ يَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
ومثلها في قوله: ﴿وَلَقَدِ أَسْنُهْزِئَّ بِرُسُلٍ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الحجر: ٦].
www. modoee.com
١٧١

حرف الفاء
كَادُواْ لَيَسْتَغِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ
الاتهام بالسفاهة.
كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِلًا
(٧٦)﴾ [الإسراء: ٧٦].
كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَآءَ﴾
[البقرة: ١٣].
وهو ما قيل في حق هو عليه السلام:
قَالَ أَلْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا
لَغَرَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ
اَلْكَذِبِينَ ﴾ [الأعراف: ٦٦].
ومثل ذلك الاتهام بالسحر والكهانة مما
وصفت به الأقوام المشركة الأنبياء، وفي
العصر الحاضر يتهم المتدينون بالرجعية
والجمود والتحجر.
التهديد بالأذى، كالتهديد بالضرب
والرجم.
كما قال تعالى: ﴿قَالُواْ لَيْن لَّمْتَنْتَهِ يَنُوُ
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ﴾ [الشعراء: ١١٦].
التهدید بالسجن.
كتهديد فرعون لموسى ﴿قَالَ لَيْنِ اتَّخَذْتَ
إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾
[الشعراء: ٢٩].
التهديد بالقتل والتشرید.
فقد حكى القرآن عن قوم شعيب هددوه
ومن معه بذلك ﴿﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ
مِن قَوْمِهِ، لَتُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن
قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاْ قَالَ أَوَلَوْ كُنَا كَثِهِينَ
[الأعراف: ٨٨].
حصل لنبينا صلى الله عليه وسلم ﴿وَإِن
التهديد بالقتل.
وقد حصل لكل الأنبياء، وبقطع الرزق
وبها تعلل المشركون حين قالوا: ﴿وَقَالَوَا
إِنْ تََِّّعِ الْمُدَى مَعَكَ نُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاْ أَوَلَمْ
ثُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبِىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ
شَىْءٍ﴾ [القصص: ٥٧].
ومنها الإغراء بالمال والجاه والسلطان،
وهي وسيلة قد تسقط الكثيرين ممن ثبتوا
أمام الحملات الإعلامية والتهديد بالأذى،
ولكنهم قد يتراجعون أمام الإغراءات
الدنيوية، یصبر في الشدائد ولکن یتھاوی
أمام حظوظ الدنيا، ولقد حاولت قريش
اتباع هذا الأسلوب مع النبي صلى الله
عليه وسلم، حين عرضت عليه المال
الجاه والسلطة ولكنها فشلت أمام العقيدة
الراسخة التي لا تقبل المساومة.(١)
ومن مظاهر الفتنة في الدين كما هو
مألوف هو موالاة الكفار على حساب
المسلمين، وهو ما نهى الله تعالى عنه
ورسوله بنصوص كثيرة، وهو نتيجة لضعف
الإيمان.
قال تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
(١) انظر، الابتلاء في الدعوات، عبد القادر أبو
فارس، ص٤١ -٨٩.
١٧٢
جَوَنُور
القرآن الكريم

الفتنة
اَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَّةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍّ وَمَن يَتَوَلَّم
◌ِّنْكُمْ فَإِنَّهُ, مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
وعلة ذلك لأنهم لا يألون جهدا في
إفساد أحوال المسلمین، وإن لم یکن ظاهرا
فبالمكر والخديعة، كما قال تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ لَا
يَأَلُونَكُمْ خَبَا لَا وَدُّواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتٍ الْبَغْضَآءُ مِنْ
أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرٌ قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ
﴾ [آل عمران: ١١٨].
IM
الْآَيَتِّ إِن كُنتُمْتَعْقِلُونَ (
ويعود ذلك كله لضعف الإيمان وحب
الدنيا، فإذا ما أدمن الإنسان على المعاصي
اتبع الفتن، فيصل لدرجة لا يميز بين الحق
والباطل والخير والشر، ولذلك فالعواصم
من الفتنة في الدين الإيمان، فقد يتبين
للمؤمن ما لا يتبين لغيره، فالمؤمن كيس
فطن، ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
٢. الفتنة عن العبادات.
العبادات هي التطبيق العملي للعقائد،
والعبادات بمفهومها الكبير تشمل كل
نظام الحياة، كما أنه یشمل کل عمل خیر،
ونظام العبادات في الإسلام هو النظام
الوحيد المؤهل لإسعاد البشرية وتجنيبها
الفتن والاضطرابات والحروب، لأنه من
لدن حكيم خبير، يعلم ما يصلح الناس وما
يناسب ما خلقهم عليه(١).
(١) انظر: فقه الفتن، الأدريسي ص٣١٧.
فالعقيدة تعمل على إصلاح باطن
الإنسان وتصحيح اعتقاده وتصوره للكون
والحياة والخالق، فيأتي دور العبادت
الشرعية العملية قولية وفعلية لتكمل ذلك،
فتجعله على صلة بالله من خلالها، فيقدم
على الطاعات بأنواعها من تزكية النفس
وتهذيبها، وتنعكس على أخلاقه، كما أن
العبادات تربي الفرد والجماعة على محبة
وموالاة بعضهم لبعض، وتدعوهم على
تماسك صفوفهم لدرء الفتنة فتعصم الأمة
من كثير من الشرور.
وعليه فإن ترك العبادات کفیل بأن يوقع
الإنسان في فتن خاصة وعامة نذكر منها:
الإقبال على المعاصي والشهوات.
فمن مصائب الدين أن يترك المسلم
العبادات التي شرعها الله، ويقبل على
الملذات والمعاصي والشهوات، فترك
الصلاة مثلا من أكبر المصائب، وترك صلاة
الجماعة خصوصًا كذالك من أعظم الفتن،
ولو أديت هذه الفريضة كما وجبت لتجنب
الفرد والمجتمع كثيرًا من المزالق، فهي
بنص القرآن تنهى عن الفحشاء والمنكر.
قال تعالى: ﴿أَثْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ
الْكِتَبِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةٌ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَيْ
عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
﴾ [العنكبوت: ٤٥].
٤٥
واللّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
فهي تنجي من فتنة السراء بشكر المنعم
www. modoee.com
١٧٣

حرف الفاء
والضراء بالصبر عليها واحتسابها، كما أنها
الملاذ للعبد مما یهمه في الدنیا، کما قال
تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ وَإِنَّهَا
لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ ﴾ [البقرة: ٤٥].
بلال أقم الصلاة أرحنا بها)(١).
ولأهميتها لم يرخص الشرع لأحد بتركها
وللقادر كذلك أن يترك صلاة الجماعة، فقد
روی أن رجلا أعمی قال: (یا رسول الله،
لیس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل
رسول الله صلی الله علیه وسلم أن يرخص
له، فلما ولى دعاه فقال: (هل تسمع النداء ؟
قال: نعم، قال: فأجب) وفي رواية قال: (لا
أجد لك رخصة)(٢).
وكان الصحابة رضوان الله عليهم
والسلف الصالح يعدون ترك صلاة الجماعة
مصيبة تستحق التعزية، وقال حاتم الأصم:
مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا، ولقد
ماتت لي بنت فعزاني أكثر من عشرة آلاف
وفاتتني صلاة الجماعة فلم يعزني أحد.
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
في صلاة العتمة، رقم ٤٣٣٣.
وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة،
رقم ١٢٥٣.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب
في التشديد في ترك الجماعة، رقم ٥٥٢،
١٥١/١.
قال النووي في المجموع ١٩١/٤: إسناده
صحيح أو حسن.
ومن مصائب الدين الإقبال على
المعاصي وإلفها، والتفاخر والمجاهرة بها،
قال النبي صلی الله عليه وسلم: (كل أمتي
معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا يعمل العبد بالليل عملا، ثم يصبح قد ستره
ربه، فيقول: يا فلان! قد عملت البارحة كذا
وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف
ستر الله عنه)(٣).
قال أبو الدرداء: (من هوان الدنيا على
الله أنه لا یعھی إلا فیھا، ولا ینال ما عنده
إلا بتركها) (٤)
ومثل ذلك بقية العبادات ففي الزكاة
والصيام والحج فوائد وحكم لا تحصى على
مستوى الفرد والجماعات والأمة، فنرى
كل عبادة لها طابع اجتماعي، فعلاوة على
الفوائد الروحية والصحية فهي كلها تزيد
من رابطة الإخاء بين المسلمين في كل بقاع
الأرض، وهي من مقومات وحدة الأمة لما
فيها من توحد المشاعر والشعائر التي تشعر
الجميع بالمساواة والعدل وتلغي فوارق
ومقاييس المجتمعات الأخرى، وتجعل
المسلم فخورا بدینه، وهذه نعمة لا يدركها
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب ستر المؤمن على نفسه، رقم ٥٧٢١،
٥/ ٢٢٥٤، ومسلم في صحيحه، كتب الزهد
والرقائق، باب ستر المؤمن على نفسه، رقم
٠٥٥٩١/٤،٢٩٩٠
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٦/ ٤١٥.
جَوَسُولَهُ النَّفْسِيْ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٧٤

الفتنة
إلا من ابتعد عنها بترك تلك العبادات.
وبما أن العبادات بمفهومها الواسع
تشمل كل عمل صالح، وليس فقط
بالمفهوم الضيق بما هو مشهور للعبادات
المحضة، فترك العمل الصالح ينعكس على
الفرد والمجتمع ويعرضهم للفتن بجميع
أنواعها فيقبلون على المعاصي ومن ثم
نجد للذنوب والمعاصي من الآثار القبيحة
المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا
والآخرة ما لا يعلمه إلا الله فمن ذلك:
١. حرمان العلم.
فإن العلم نور يقذفه الله في القلب
والمعصية تطفئ ذلك النور، يقول
تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
ومثلها حرمان الطاعة، فلو لم يكن للذنب
عقوبة فكفاه أنه صد عن طاعة الله فالعاصي
يقطع عليه طاعات كثيرة كل واحدة منها خير
من الدنيا وما فيها.
٢. هوان العبد على ربه.
لأن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب
صاحبها كما قال بعض السلف في قول
الله تعالى ﴿كَلَّابَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ
[المطففين: ١٤].
الران: هو الذنب بعد الذنب.
ثانيًا: الفتنة عن الجهاد ووحدة الصف:
١. الفتنة عن الجهاد.
الجهاد في سبيل الله ذروة سنام
الإسلام، وحامي حماه، بل لا قيام لهذا
الدین في الأرض إلا به، وبه نال المسلمون
العز والتمكين في الأرض، وبسبب تعطيله
حصل للمسلين الذل والهوان والصغار،
واستولی علیهم أعداءهم، بل تداعت عليهم
الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها،
وأصبحوا مع کثرتهم غثاء كغثاء السيل، نزع
الله المهابة من قلوب أعدائهم ووضعها في
قلوبهم.
ولقد حرص الأعداء على تشويه صورة
الجهاد والمجاهدين وتخذيل المسلمين
عنه، ووضع العراقیل دونه، وقد دل القرآن
الكريم على توقي الفتنة بالجهاد فقال تعالى:
﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾
[البقرة: ١٩٣].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ
عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾
[التوبة: ٣٩].
وهو من فروض الكفاية لقوله تعالى:
( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ
فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِقَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ
فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (٣٢)﴾ [التوبة: ١٢٢].
www. modoee.com
١٧٥

حرف الفاء
قال ابن تيمية رحمه الله: ((ولما كان في
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد
في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض
به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك
ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة
من الفتنة كما قال عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُم
مَن يَقُولُ أَشْذَن لِ وَلَا نَفْتِنِّيِّ أَلَا فِى
اَلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ
◌ِالْكَفِرِينَ ﴾﴾ [التوبة: ٤٩].
فإعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله
عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له
ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف
يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه
بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟ والله
يقول: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ
لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣].
فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا
تكون فتنة: فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه
من ريب قلبه ومرض فؤاده وتركه ما أمر الله
به من الجهاد(١).
وقد وردت في الكتاب والسنة فضائل
کثيرة للجهاد منها:
١. الثواب العظيم للمجاهد من حين
يخرج من بيته، قال تعالى ﴿مَاكَانَ
لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ
يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ الَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٦٥/٢٨ - ١٦٧.
عَن نَّفْسِهَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ
ظَمَاً وَلَا نَصَبٌّ وَلَا يَخْمَصَةٌ فِ سَبِيلِ
اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوِْنًا يَغِيُّ الْكُفَّارَ
وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ تَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ
لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ { وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٌ
صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَّعُونَ
وَادِيًّا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ
اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٢١
[التوبة: ١٢٠- ١٢١].
٢. أنه أفضل من نوافل العبادات، قال
تعالى ﴿﴿ أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجْ وَعِمَارَةَ
اَلْمَسْجِدِ اَلَْرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
اُلْأَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ
عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظََّلِينَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى
سَبِيلِ اللّهِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ
اللّهِ وَأَوْلَكَ هُ الْغَايِرُونَ ن يُبَشِّرُهُمْ
رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ
خَلِدِينَ
لُمْ فِيَهَا نَعِيدٌ يُقِيهُ @)
فِيَهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ( أَجْرٌ عَظِيمٌ
[التوبة: ١٩-٢٢].
٣. أنه سبب لدخول الجنة، قال تعالى
( إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ
يُقَئِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَتَّا فِى
١٧٦
جَوَبُو حَرَ النَفسِّيّة
القرآن الكريمِ

الفتنة
الثَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْقَ
بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ
الَّذِى بَا يَعْتُمُ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
١١١)﴾ [التوبة: ١١١].
٤. أنه سبب للفلاح، قال تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ
اُلْوَسِيلَةَ وَجَهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ. لَعَلَّكُمْ
﴾ [المائدة: ٣٥].
(٣٥)
تُفْلِحُونَ !
٥. أنه سبب لتحقيق الإیمان، قال تعالی:
﴿ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِى
سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوَاْ أُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ
﴾ [الأنفال: ٧٤].
٧٤
٦. أنه سبب لحفظ الحق وتمكينه ودفع
الباطل، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ
اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضِ لََّدِّمَتْ صَوَيِعُ
وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ
فِيَهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ
اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزُ
[الحج: ٤٠]. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللّهِ
أَلنَّاسَ بَعْضَّهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ
اَلْأَرْشُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ
عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
ومما سبق نستخلص عظم الفتنة في ترك
الجهاد مع القدرة عليه لأن:
ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا
والآخرة، أما هلاك الدنيا فبالذلة
والاستعباد وتسلط الكفار عليهم، وأما
هلاك الآخرة فمعلوم.
قال تعالى: ﴿وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوَا
بِأَيْدِيَكُ إِلَى النَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
(١٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنْفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا
مِنَ الْآَخِرَةُ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
فِ اَلْأَخِرَةِ إِلَّ قَلِيلُ (٥) إِلَّا نَفِرُوا
يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا
غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئَأُ وَاَللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التوبة: ٣٨-٣٩].
ترك الجهاد سبب لعذاب الله وبطشه.
٥
قال تعالى: ﴿إِلَّا تَفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ
عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا
تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرٌ
﴾ [التوبة: ٣٩].
ترك الجهاد والفرح بالقعود من صفات
المنافقين.
قال الله تعالى مبينًا أنه لا يترك الجهاد
إلا المنافقين والذين في قلوبهم مرض:
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَعْذِتُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
◌ِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَلِهِْ
وَأَنْفُسِهِمُْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِلْمُنَّقِينَ ﴿ إِنَّمَا
يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ
الْآَخِرِ وَأَرْتَبَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ
www. modoee.com
١٧٧

حرف الفاء
٤٥ ٢ ﴾ [التوبة: ٤٤ - ٤٥].
يَتَرَدَّدُونَ
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ
وقال سبحانه:
بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ
يَمَوَالِْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِى
اَلْحَرَّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرََّ لَوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ
فَلْيَصْحَكُوْ قَلِيلًاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ
٨١
﴾ [التوبة: ٨١- ٨٢].
يَكْسِبُونَ (٨٢))
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات
ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على
شعبةٍ من نفاقٍ)(١).
وقال كعب بن مالك رضي الله عنه
حين تخلف عن تبوك: (فكنت إذا خرجت
في الناس بعد خروج رسول الله صلی الله
عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى
إلا رجلًا مغموصًا علیه النفاق، أو رجلًا ممن
عذر الله من الضعفاء)(٢).
ترك الجهاد سبب لإفساد أهل الأرض
بالقضاء على دينهم.
قال تعالى:
النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب ذم من مات ولم يغزو،. رقم ١٩١٠،
٠١٥١٧/٣
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي،
باب حديث كعب، رقم ٤١٥٦، ٤ /١٦٠٣،
ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب
حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، رقم
٢١٢٠/٤،٢٧٦٩.
اَلْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
الْعَلَمِينَ ﴾ [البقرة: ٢٥١].
وقال سبحانه ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
يَعْضِ لَّدِّمَتْ صَوَفِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠].
ترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة
وفضائل جمة منها الأجر والثواب
والشهادة والمغنم والتربية ودفع شر
الكفار وإذلالهم، ورفع شأن المسلمين
وإعزازهم.
ترك الجهاد قد يعرض لعقوبة عاجلة
تنزل بالقاعدين عن الجهاد.
کما قص الله تعالى من خبر بني إسرائيل
لما طلب إليهم موسى عليه السلام أنيدخلوا
الأرض المقدسة فقالوا: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى
إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدَأُ مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ
وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ
٢٤
قَالَ رَبِّ إِنِّ لَآَ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىٌّ فَأَفْرُقْ
قَالَ
٢٥
بَيْنَنَا وَبَيْنَ اَلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَنِيهُونَ
فِىِ الْأَرْضِِّ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِفِينَ
﴾ [المائدة: ٢٤-٢٦].
وقد وعی أصحاب رسول الله صلى الله
علیه وسلم هذا الدرس جيدًا، ففي يوم بدر
لما استشارهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم في القتال؛ قال له المقداد: (يا رسول
الله: إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل
صَوَسُولَةُ النَّقِينَ
الْقُرآن الكَرِيمِ
١٧٨