النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الفُتَنَةُ
عناصر الموضوع
مفهوم الفتنة
١٤٠
الفتنة في الاستعمال القرآني
١٤١
الألفاظ ذات الصلة
١٤٣
أنواع الفتنة
١٤٥
مجالات الفتنة
١٧٠
١٨٤
الحكمة من الفتنة وسبل النجاة منها
١٩٣
سبل النجاة من الفتن
المُجَلَّ السَّادِسْ وَالعشْرُونْ
حرف الفاء
مفهوم الفتنة
أولًا: المعنى اللغوي:
((الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار))(١)، ومن هذا الأصل
يقال في اللغة: فتنت الذهب، إذا أدخل النار لينظر ما جودته، وهو مفتون وفتين(٢)، ويسمى
الصائغ: الفتان لإذابته الذهب والفضة في النار(٣).
وقد وردت الفتنة في كلام العرب، وأريد بها عدة معانٍ، منها: الامتحان والاختبار، وتطلق
غالبًا على الاختبار من المكروه، والإثم، والكفر، والقتال، والإحراق، والإزالة، والصرف
عن الشيء، والمال، والأولاد، واختلاف الناس بالآراء، وتطلق كلمة الفتان على الشيطان (٤).
قال الأزهري: ((جماع معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان، وأصلها مأخوذ
من قولك: فتنت الفضة والذهب، أذبتهما بالنار ليتميز الردي من الجيد))(٥).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يخرج المعنى الاصطلاحي لكلمة الفتنة عن المعنى اللغوي، ويفهم من معاني الفتنة
الواردة في لغة الفصحاء، وفي القرآن والسنة: الاختبار والابتلاء بالعذاب والقتل، والضلال،
والكفر، والإثم، والجنون، والإعجاب بالشيء والمرأة (٦).
قال الإمام الجرجاني: ((الفتنة: ما يتبين به حال الإنسان من الخير والشر)) (٧). ويمثل ذلك
قال ابن حجر: ((وأصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في اختبار كشف
ما يكره))(٨).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/ ٤٧٢.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٦/ ٢١٧٥.
(٣) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٩/ ٢٩٨.
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ٣/ ٤١٠، فتح الباري، ابن حجر ٢٣/١٣، لسان العرب،
ابن منظور ٣١٨/١٣.
(٥) تهذيب اللغة ١٤/ ٢٩٦.
(٦) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣١٧/١٣.
(٧) التعريفات، الجرجاني ص ٢١٢.
(٨) فتح الباري، ابن حجر ١٧٦/١١.
الحضوري
مُوسُو ◌َةُ النَّفْسِّ
القرآن الكريم
١٤٠
الفتنة
الفتنة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (فتن) في القرآن الكريم (٦٠) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١١
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣]
الفعل المضارع
١٢
﴿يَنْبَفِىّ ءَآدَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَنُ ﴾ [الأعراف: ٢٧]
اسم الفاعل
١
[الصافات: ١٦١-١٦٢]
﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُصِرُونَ (٥)
بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ
اسم المفعول
١
[القلم: ٥-٦]
المصدر
٣٥
﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخَْجُوكُمْ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
[البقرة: ١٩١]
وجاءت الفتنة في الاستعمال القرآني على (١٠) أوجه(٢):
الأول: الكفر والشرك: ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. يعني:
لا يكون شرك. وقوله تعالى: ﴿لَقَدِ آَبْتَغَوْ اٌلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: ٤٨]. يعني: ابتغوا الكفر.
الثاني: العذاب في الدنيا: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾
[العنكبوت: ١٠]. يعني: جعل عذاب الناس في الدنيا كعذاب الله.
الثالث: البلاء: ومنه قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُوَأْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
٢﴾ [العنكبوت: ٢]. يعني: وهم لا يبتلون في إيمانهم.
الرابع: الحرق بالنار: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠].
يعني: أحرقوا المؤمنين والمؤمنات في الدنيا.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الفاء، ص ٨٦٥ - ٨٦٦.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، مقاتل بن سليمان، ص٦٣- ٦٥، الوجوه والنظائر، الدامغاني،
ص٣٦٤ -٣٦٥.
www. modoee.com
١٤١
(١٦٢
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١)
مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ
حرف الفاء
الخامس: القتل: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]. يعني:
يقتلكم.
السادس: الصد: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
[المائدة: ٤٩]. يعني: أن يصدوك.
السابع: الضلالة: ومنه قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَئِنِينَ (٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ
[الصافات: ١٦٢- ١٦٣]. يعني: بمضلين.
الثامن: المعذرة: ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ
﴾ [الأنعام: ٢٣]. يعني: ثم لم تكن معذرتهم.
التاسع: الفتنة بعينها: ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
[يونس: ٨٥]. أي: لا تسلط علينا فرعون وقومه فيقولون: لولا أنا أمثل منهم ما كنا سلطنا
عليهم، فیکون ذلك فتنة.
العاشر: الجنون: ومنه قوله تعالى: ﴿ِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ﴾ [القلم: ٦]. يعني: أيكم
المجنون.
١٤٢
جوبي
قَضوري
القرآن الكريمِ
الفتنة
الألفاظ ذات الصلة
الابتلاء:
١
الابتلاء لغةً:
التجريب والاختبار، وابتلاه: اختبره، والتبالي: الاختبار(١).
الابتلاء اصطلاحًا:
الاختبار من الله تعالی للعبد المؤمن في حیاته ومعاشه؛ حتی یزداد قدره وأجره، إن صبر
واحتسب ورضي بقضاء الله تعالى.
وقيل: وهو :اختبار من الله سبحانه وتعالى في أي جهة تخصه، أو تلزمه، وقد يكون في
الخير أو الشر، ففي الخير يكون منحة فيتطلب الشكر من الله، وفي الشريكون محنة فيتطلب
الصبر.
الصلة بين الابتلاء والفتنة:
الابتلاء هو الاختبار من الله تعاليللعبد المؤمن، والفتنة أعم من ذلك وأشمل؛ إذ إنها قد
تكون من الله تعاليبلا تكييف ولا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، وقد تكون من الكافر، كقصة
أصحاب الأخدود في فتنة المؤمنين، كما أن الاختبار والابتلاء بالجملة جزء لا يتجزأ من
معنی الفتنة ومدلولها.
الاشتباه:
٢
الاشتباه لغة:
التشابه والاشتباه، إذا أشبه كلٌّ منهما الآخر؛ حتى التبسا(٢).
الاشتباه اصطلاحًا:
حصول التباس نتيجة تشابه شيئين في أمر ما.
الصلة بين الاشتباه والفتنة:
الاشتباه قد يكون له تأثير سلبي وقد لا يكون، كما أنه من العبد، إضافة إلى أن معناه جزء
من المعنى العام للفتنة.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٢٨٥/٦.
(٢) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ١٢٤٧.
www. modoee.com
١٤٣
حرف الفاء
الحق:
٣
الحق لغة:
هو نقيض الباطل وخلافه، وهو مصدر من حق الشيء إذا ثبت وكان واجباً(١)، ولا يصح
إنكاره، يقول ابن فارس: ((يدل على إحكام الشيء وصحته(٢).
الحق اصطلاحًا:
(هو الحكم المطابق للواقع، يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب، باعتبار
(٣)
اشتمالها على ذلك، ويقابله الباطل))
.
الصلة بين الحق والفتنة:
الحق لا يكون إلا خيرًا واضحًا ناصعًا، والفتنة قد تأتي بخير إذا كانت من عند الله تعالى،
وقد تأتي بسوء إذا كانت من العباد، كما أن الفتنة غامضة فيها بين الحق والباطل.
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٣/ ٦، المصباح المنير، الفيومي ص ١٤٣.
(٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٥/٢-١٧ بتصرف.
(٣) التعريفات، الجرجاني ص٨٩.
١٤٤
جوبي
الْقُرْآن الكَرِيمِ
الفتنة
أنواع الفتنة
الفتن والمحن بالشر والخير:
دلت النصوص القرآنية أن سنة الفتنة
والابتلاء تكون في الخير والشر، كالفقر
والغنى، والصحة والمرض، والخوف
والأمن.
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوْتُ
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ
﴾ [الأنبياء: ٣٥].
٣٥
قال الزمخشري: ((أي نختبركم بما
يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه
الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم
على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو
الشكر وفتنة: مصدر مؤكد لنبلوكم من غير
لفظه)»(١).
وقال ابن كثير: ((أي نختبركم بالمصائب
تارة وبالنعم أخرى، فننظر من يشكر ومن
یکفر، ومن يصبر ومن يقنط.
قال ابن عباس: ((أي بالشدة والرخاء
والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال
والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى
والضلال)»(٢).
ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى:
﴿فَمَّا آلْإِنْسَنُ إِذَا مَا أَبْثَلَنْهُ رَبُّهُ، فَأَكْرَمَهُ, وَنَعَّمَدُ,
وَأَمَّا إِذَا مَا أَبْنَلَنُهُ
فَيَقُولُ رَبِّتَ أَكْرَمَنِ ٥
(١) الكشاف ٣ / ١١٦.
(٢) مختصر تفسير ابن كثير، الصابوني، ٢/ ٥٠٧.
فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنَنِ
[الفجر: ١٥- ١٦].
فجعل الإكرام والنعمة ابتلاء كالتضييق
في الرزق سواء، فالمنحة والمحنة كلاهما
بلاء
والمؤمن يحتاج إلى الصبر على الاثنين،
بل القدرة على البلاء في النعمة أشد،
((فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية
للشكر والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام
بحقوق الشكر، فالمنحة أعظم البلاءين،
وبهذا النظر قال عمر بن الخطاب رضي الله
عنه: ((بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم
نصير))(٣).
وقال بعض العارفين: ((البلاء يصبر عليه
المؤمن والعوافي (جمع عافية) لا يصبر
علیها إلا صدیق»(٤).
وقال الإمام الغزالي: ((وإنما كان الصبر
على السراء أشد لأنه مقرون بالقدرة ومن
العصمة ألا تقدر والجائع عند غيبة الطعام
أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة
اللذيذة وقدر عليها، فلهذا عظمت فتنة
السراء»(٥).
وبهذا يقول المرحوم سيد قطب: ((إن
الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء ويستحث
(٣) المفردات، الأصفهاني، ص٦١.
(٤) انظر: الصبر في القرآن الكريم، يوسف
القرضاوي، ص٤٢.
(٥) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي ١/ ٧.
www. modoee.com
١٤٥
حرف الفاء
المقاومة ويجند الأعصاب، فتكون القوى
كلها معبأة لاستقبال الشدة والصمود لها، أما
الرخاء فيرخي الأعصاب وينيمها ويفقدها
القدرة على اليقظة والمقاومة.
ولذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدة
بنجاح حتى إذا جاءهم الرخاء سقطوا في
الابتلاء، وذلك شأن البشر إلا من عصم
الله، فكانوا ممن قال فيهم رسول الله صلی
الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره
کله خیر ولیس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن
أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته
ضراء صبر فكان خيرًا له)(١) وهم قليل.
فاليقظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى
من اليقظة لها في الابتلاء بالشر، والصلة
بالله في الحالين هي وحدها الضمان»(٢).
أولًا: الفتنة بالخير:
الابتلاء بالشر معروف ولكن الابتلاء
بالخیر یحتاج إلی فهم دقیق لا یناله إلا ذوو
الألباب.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرُّ دَعَانَا
◌ُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوِيْتُهُ عَلَى
عِلَّمَّ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ )
قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُوا
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير،
٢٢٩٥/٣، رقم ٢٩٩٩.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٣٧٨.
يَكْسِبُونَ ﴾ [الزمر: ٤٩-٥٠].
يقول تبارك وتعالى مخبرًا عن الإنسان
أنه في حال الضراء يتضرع إلى الله ويدعوه،
وإذا خوله نعمة بغى وطغى، وقال: ﴿إِنَّمَا
أُوِيتُهُ عَلَى عِلَّمٍ﴾ أي: لما يعلم الله
استحقاقي له، قوله: ﴿بَلَهِىَ فِتْنَةٌ﴾ أي:
ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه
لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي(٣)؟
وقد قالها الذين سبقوهم قالها قارون
وكل مخدوع غافلين أنها فتنة للاختبار.
ولعل فتنة الخير تعود كلها إلى (زينة
الدنيا» التي تجمع كل خير قال تعالى:
﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لََّا لِنَبْلُوَهُرْ
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
ذهب الإمام القرطبي إلى ((أن الزينة
تشمل كل ما على وجه الأرض من جهة
خلقه وصنعه وإحكامه»(٤).
وما ذاك إلا الابتلاء والاختبار في الزهد
بهذه الزينة وعدم الاغترار بها واتخاذها
غرضًا للشكر وليس للشهوات والأغراض
الفاسدة لأنها زائلة بدليل التعقيب على الآية
﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا
[الكهف: ٨].
(٣) انظر: مختصر تفسير ابن كثير، الصابوني،
٢٢٤/٣، في ظلال القرآن، سيد قطب
٣٠٥٦/٢٤.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣١٧/١٠-
٣١٨.
١٤٦
القرآن الكريمِ
الفتنة
وزینة الدنیا تعم جميع البشر فالدنیا یھبها
الله للمؤمن والكافر ولكن الآخرة للمؤمن
فقط، ومن ذلك فتنة العطاء قال تعالى:
كُلَا تُمِدُّ هَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَِّرَبِّكْ وَمَا
كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَخْطُورًا ﴾ [الإسراء: ٢٠].
وأكثر المفسرين ومنهم القرطبي والرازي
على أن المراد من قوله ﴿هَؤُلَاءٍ وَهَنَؤُلَاءِ﴾
المؤمنون والكافرون(١).
١. فتنة المال.
جاءت فتنة المال متمثلة بمجموعة
المشکلات والانحرافات حول تدبير المال
والتي تنعكس على حياة البشر أفرادًا ودولًا
مسببة فتنا ومحنًا شتى وصدق رسول الله
صلی الله عليه وسلم حيث قال: (إن لكل
أمة فتنة، وفتنة أمتي المال)(٢).
المال والتملك في نظرة الإسلام غريزة
فطرية عند الإنسان وهي من أقوى الغرائز
لديه، وبدافع هذه الغريزة يسعى الإنسان
ويعمل لإشباعها والحصول على ما ترغب
فیه.
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
١٠/ ٢١٣، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠/ ١٨١.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب
ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال، ٤ / ٥٦٩،
رقم ٢٣٣٧.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
غريب.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٣٠/١، رقم ٢١٤٨.
والمال في نظر الشريعة زينة الدنيا
ومتاعها كما أنه وسيلة لا غاية فى حد ذاته،
أي وسيلة لتحقيق غايات في مقدمتها طاعة
الله عز وجل، قال تعالى: ﴿أَلْمَالُ وَالْبَنُونَ
زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْبَغِيَتُ الصَّالِحَتُ خَرُّ
عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٦].
ولما كان الإنسان بفطرته يحب المال
ويسعد بتملكه فإنه لا يشبع منه، قال تعالى:
﴿وَتُحِبُونَ الْعَالَ حُبَّا جَمَّا﴾ [الفجر: ٢٠].
وبذلك قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (منهومان لا يشبعان: منهوٌ في
العلم لا يشبع منه ومنهومٌ في الدنيا لا يشبع
منها)(٣)، وقال في حديث آخر: (لو كان
لابن آدم وادیان من مال لابتغی ثالثًا ولا يملأ
جوف ابن آدم إلا التراب ویتوب الله على من
تاب)(٤).
ذكر المال في القرآن الكريم ستًا وسبعين
مرة وهذا يدل على اهتمام الإسلام به، كما
أنه ذکر مقترنًا بالأولاد والأنفس وهو دلیل
على أنه لايقل عنهما أهمية يقول تعالى:
﴿وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ.
[التوبة: ٤١].
(٣) أخرجه الدارمي في سننه، المقدمة، باب فضل
العلم والعالم، ٨١/١، رقم ٣٣٨.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ١١٢٥، رقم ٦٦٢٤.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، ١/ ٧٢٥،
رقم ١٠٤٨.
www. modoee.com
١٤٧
حرف الفاء
ويقول تعالى: ﴿فَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥].
بل ورد ذكر المال قبل النفس في الآيات
كلها التي ورد فيها، ولم يتأخر إلا في واحدة
وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ أَشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
اَلْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
وهذا إلفاتٌ صريحٌ إلى أن منزلة المال والحرية في اكتسابه بالطرق المشروعة
فوق منزلة النفس، وقد أخر في موضع
واحد لأنه في مقام البذل، فالمرء في مجال
التضحية يجعل آخر شيء هو أعزشيء
عنده!(١).
ومع أن المال نعمة إلا أنه - كما أثبتت
النصوص - من أشد متع الدنيا فتنةً فتميل
النفس إلى الإفراط والاستكثار منه.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَّرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْغَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْفَمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوْةِ
الدُّنْيَّا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَعَابِ )﴾ [آل
عمران: ١٤].
والله الذي فطر الناس يعلم سلطان
المال على القلوب فعلى هذا جاءت دعوات
الأنبياء إلى القناعة والتخفف من سطوة
المال، وجاء التحذير منه مقرونًا بالأجر
(١) انظر: السياسة المالية في الإسلام، الخطيب،
عبد الكريم، ص ٤٦ - ٤٧ ط٢ دار الفكر
العربي، القاهرة، ١٩٧٦ م.
العظيم في الآخرة، ولكن لايفهم التحذير
المتكرر من فتنة المال في القرآن والسنة أن
الإسلام عدو له، أو ینظر إلیه علی أنه شر، أو
خطر يجب اجتنابه كما فهم البعض(٢).
وقد حدد الإسلام صلة الإنسان بالمال
بشكلٍ يجعل منه نعمةً كبرى ووسيلة
لإسعاده في الدنيا والآخرة، فأعطاه الحق
بالسعي والعمل ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا
مَا سَعَى ﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ: سَوْفَ يُرى
[النجم: ٣٩-٤٠].
فهو إذن أداة خاضعة لتصرف الإنسان إن
شاء جعله نعمة وفضلًا ورزقًا طيبًا وإن شاء
جعله عكس ذلك.
وبالجملة فالإسلام ينظر للمال على أن
ملکیته الحقیقیة لله، وأن وضع يد الإنسان
عليه وضع استخلافٍ وتوكيل، توجب عليه
أن يراعي الله فيه من حيث استثماره وإنفاقه
على السواء، وذلك بأن يكون المال قوام
الأمة كلها وليس لمالكيها فقط، وأن يتخذ
وسيلة لقوة الأمة وتماسكها ضد الأعداء،
(٢) انظر: تلبيس إبليس، ابن الجوزي، ص ١٧١ -
١٧٧.
وقد رد على استدلال الحارث المحاسبي
والذي تابعه فيه أبو حامد الغزالي بحديث أبيّ
ذر مع كعب الأحبار عند موت عبد الرحمن
بن عوف رضي الله عنه وقال إن الحديث
غير صحيح لأن أبا ذر توفي سنة ٢٥هـ
وعبدالرحمن بن عوف توفي سنة ٣٢هـ.
١٤٨
مُؤْشُوالَهُ النَفسِّيّةْ
جوبيين
الْقُرآن الكَرِيْمِ
الفتنة
وهناك آيات تدل على أن صلاح الأمة الصالح) (١).
مرتبطٌ برعاية الله في شؤون المال قال
تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ
لَكُرْقِيَهًا﴾﴾ [النساء: ٥].
ولكن قد يكون الغنى فتنة ونقمة، وهو
الغالب، يدل عليه قول الرسول صلى الله
عليه وسلم: (إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي
وفتنة المال تکون بالخير والشر، وأهم المال)(٢). وهذه الفتنة تکون من وجوه:
فتن المال:
فتنة الغنی وآثاره.
الغنى هو امتلاك المال الفائض عن
الحاجة، والمال نعمة من الله بها على عباده
فقال: ﴿وَيُمْدِذَّكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِنَ وَيَجْعَل لَُّجَنَّتِ
وَجَجْعَل ◌َّكُمْ أَنْهَرًّا ﴾ [نوح: ١٢].
كما سماه القرآن خيرًا فقال: ﴿إِن تَرَكَ
خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠].
وفي الغنى فوائد دينية ودنيوية، فهو
عونٌ على الدين، فالغني ينفق على نفسه
ويستعين بالمال على العبادة كالحج
والجهاد، وما لا يتوصل إلى العبادة إلا
به فهو عبادة، كما أن الغني يتصدق على
غيره وينفع عامة المسلمين كبناء المساجد
والقناطر والوقف، وكان بعض السلف
يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة
الفقراء، وإنما قنع بعضهم باليسير منه إيثارًا
للعبادات.
والمال نعمة خصوصًا عندما يكون في
يدٍ تعرف حقه كما قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (نعم المال الصالح للرجل
١. توهم رضا الله عنه.
فقد يخيل للغني أن غناه منحة إلهية تدل
على الرضا العالي وأن السعادة لا تقوم إلا به،
وقد نفى القرآن ذلك وسمی كلا من الغنى
والفقر ابتلاء، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا آلْإِنسَنُ
إِذَا مَا أَبْئَلَهُ رَبُّهُ، فَأَ كْرَمَهُ، وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَبِّتَ أَكْرَمَنِ
وَأَمَّ إِذَا مَا أَبْتَنْهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِِّ
﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦].
١٦
أَهَنَنِ
كما بين القرآن أنه لولا الفتنة على ضعاف
النفوس لقصر الغنى والجاه على الكفار،
فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً
لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن
فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ { وَلِبُيُوتِهِمْ
وَزُخْرُفًا وَإِن
٣٤
أَبْوَبَا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِّقُونَ
كُلُ ذَلِكَ لَمَّا مَتَحُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٤/ ١٩٧.
وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة،
رقم ٣٧٥٦.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب
ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال، ٤ / ٥٦٩،
رقم ٢٣٣٧.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
غريب.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٣٠/١، رقم ٢١٤٨.
www. modoee.com
١٤٩
حرف الفاء
﴾ [الزخرف: ٣٣-٣٥].
٣٥
عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
ومن هنا يتبين أن «ليس للمال دلالة
معنوية مجردة علی خیر أو شر وإن كان من
الممكن أن يكون خيرًا، ومن الممكن أن
یکون شرا علی حسب الطرق التي يؤخذ منها
أو ينفق فيها)) (١) وصدق القائل: ﴿أَيَحْسَبُونَ
نَُّارِعُ هَمْ فِی
أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِه مِن قَالٍ وَبَنِينَ
اْخَيْرَتِ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ ﴾ [المؤمنون: ٥٥-٥٦].
٢. عدم أداء حق المال.
وذلك في حالات:
إمساك المال وعدم إنفاقه: وإمساك
المال ممحقٌ للمال مذهبٌ للبركة
يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: (ما
نقص مال من صدقه)(٢). وقد يؤدي
إمساك المال بصاحبه إلى عدم أداء حقه
وقد یکون ذلك سببًا في محقه.
كنز المال: هو جمع المال وادخاره،
والكنز: المال المدفون، وقال الراغب:
الكنز: جعل المال بعضه على بعض
وحفظه (٣).
وقد حذر القرآن منه فقال: ﴿وَاَلَّذِينَ
(١) الإسلام وأوضاعنا الإقتصادية، محمد
الغزالي، ص ١٥٤.
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده، ٥٦١/٢٩، رقم
١٨٠٣١، والترمذي في سننه، أبواب الزهد،
باب ما جاء مثل الدنيا.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٥٨/١، رقم ٣٠٢٤.
(٣) انظر المفردات، الراغب ص ٧٢٧.
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيٍ )
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى
بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَتُلُهُورُهُمَّ هَذَا مَا
كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْفِرُونَ
﴾ [التوبة: ٣٤-٣٥].
(٣٥)
وتدل الآية على حرص الإسلام على
تداول الثروة في المجتمع وعدم حبسها
لتعم منفعتها الجميع لقوله تعالى: ﴿كَلَا
يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ آلْأَغْنِيَآءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].
٣. اللهو والصرف عن العبادة.
وإن كان الإسلام يعد العمل عبادة، إلا أن
الإفراط فى حب المال وجمعه بحيث يطغى
على القلب فيجر صاحبه للتقصير حتى في
أداء الفروض، وهذا هو موطن الفتنة، أو
يصبح المال کل همه وتفکیره دون ذكر الله
كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ
أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَئِدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
[المنافقون: ٩].
٤. البطر والتجبر والطغيان.
كما قال تعالى في المال عندما يفيض
فيغرق صاحبه: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَ أَنْ
﴾ [العلق: ٦-٧].
٧
رَّءَاهُ أَسْتَغْىَ
والله العارف بمن خلق يعلم بغي الغني
فيقول: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْاْ فِ
الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧].
١٥٠
جومبو
القرآن الكريم
الفتنة
٥. الإغراء بالمعاصي.
تكذيب الرسل من قبل المترفين سنة مطردة،
لأن فيه القدرة على ذلك والمال نوع من وقد فصل القرآن مواقفهم هذه تجاه كل نبي
فقد تشابه ردهم وكأنهم يشعرون بعاطفة
واحدة ويدافعون عن مصلحة واحدة (٢).
القدرة وخصوصًا عند ضعاف الإيمان وهنا
يثبت الابتلاء حيث فتنة السراء أعظم من
الضراء فقد یجمع الغني بین کثیر مما ذکرنا
فيصل إلى حد المترفين الذين يشكلون
خطرًا على المجتمع.
وقد نبه القرآن إلى خطورة هؤلاء فذكر
أن أول عاداتهم المسارعة في تكذيب الحق
والرسل ورد الحق الذي جاءوا به استدلالًا
بما لديهم فقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَافِ قَرْیَةٍمِّن
تَّذِيرٍ إِلَّا قَالُ مُتْرَفُوهَا إِنَّابِمَا أُرْسِلْتُمبِهِ، كَفِرُونَ
وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَقْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا
٣٤
نَحْنُ بِمُعَلَّبِينَ ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن
يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )
[سبأ: ٣٤-٣٦].
قال ابن كثير: ((وهم أولو الحسب
والنعمة والثروة والرياسة))(١)، أي أن
حجتهم في التكذيب أنهم أكثر من غيرهم
أموالًا وأولادًا وهذا دليل على كرامتهم على
الله فرد عليهم: ﴿قُلٌّ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ ﴾ وقال
في أخرى: ﴿وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُّكُمْ بِالَّتِى
تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَىَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾
[سبأ:٣٧].
وتكرار مثل هذه الآيات يدل على أن
كما قرر القرآن الكريم أن الترف سبب
من أسباب هلاك الأمم وسقوط الحضارات
قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا
مُتْرَفِهَا فَفَسَقُواْ فِهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا
تَدْمِيرًا (١٦)
﴾ [الإسراء: ١٦].
قال الزمخشري: ((والأمر مجاز: لأن
حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا،
وهذا لا یکون، ووجه المجاز أنه صب عليهم
النعمة صبًا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي
واتباع الشهوات وإنما خولهم إياها ليشكروا
ويعملوا فيها الخير فلما فسقوا حق عليهم
القول فدمرهم»(٣).
٦. فتنة سوء استخدام المال.
ويظهر ذلك في ناحیتین:
أ. الفتنة في سوء الكسب.
ويتمثل في الحالات الآتية:
١. كسب المال بغير حق.
وذلك مثل السرقة والنهب والغصب
والسطو وقطع الطريق والغلول (وهو سرقة
أموال العامة)(٤)، ولكل ذلك أدلته في
(٢) انظر الإسلام وأوضاعنا الإقتصادية، الشيخ
الغزالي، ص ٤٤-٥٧.
(١) مختصر تفسير ابن كثير، الصابوني ١٣٢/٣- (٣) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٦٥٤.
(٤) ويطلق في الاصل على سرقة غنائم الحرب
١٣٣.
www. modoee.com
١٥١
حرف الفاء
التحريم والنهي، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَمُوَاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَّآءٌ بِمَا
كَسَبَا تَكَلاً مِّنَ اللَّهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )﴾
[المائدة: ٣٨].
وقد جمع ذلك كله قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ
بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّ أَن تَكُونَ تَجَرَةً عَن
تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
ويدخل في ذلك الغش والاحتيال قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (من غشنا
فليس منا)(١).
ومثله تطفيف الكيل والميزان لقوله
تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَّفِّفِينَ ﴾ [المطففين: ١].
ومنه أكل مال اليتيم حيث شدد الشرع
في تحريمه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
اَلْيَسَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: ١٠].
وكذلك الاحتكار، ومثله التلاعب
بالأسعار من قبل التجار وفي هذه الحالة
تقدم مصلحة المجموع ويباح التسعير
لوقاية المجتمع من المستغلين الجشعين
ومعاملتهم بنقيض مقصودهم كما تقر
قبل أن تقسم على المجاهدين من قبل
الحاكم.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ((من
غشنا فليس منا))، رقم ١،١٦٤/ ٩٩.
القواعد والأصول (٢).
٢. الكسب غير المشروع ولو برضا
الطرفين.
وذلك مثل:
* الرشوة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُمْ
بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ
فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
١٨٨)
[البقرة: ١٨٨].
وعن ثوبان قال: (لعن رسول الله صلى
الله عليه وسلم الراشي والمرتشي) (٣).
القمار والميسر.
وحرم لأنه تملك مال غیر مقترن بجهد،
ورضا الطرف الآخر لا عبرة به، لأن كلّا
من الطرفين قصد الربح، فيسبب العداوة
والبغضاء ويصد عن واجبات الإسلام لأن
هدفه الربح بأقرب الطرق وغالبًا ما يخالطه
المجون والفساد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِنَّمَا ◌ٌلْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ
(٢) الحلال والحرام في الإسلام، القرضاوي،
ص ٢٣٨.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية،
باب في كراهية الرشوة، ٩/٢، رقم ٣٥٨٠،
والترمذي في سننه، أبواب الأحكام، باب
ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم،
٦٢٢/٣، رقم ١٣٣٦، وابن ماجه، كتاب
الأحكام، باب التغليض في الحيف والرشوة،
٧٧٥/٢، رقم ٢٣١٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ٩١٠، رقم ٥١١٤.
مَوَبوبة النفسية
القرآن الكريمِ
١٥٢
الفتنة
إِنَّمَا
عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِاللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ
أَنْتُمْ مُنْفَهُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
وكذلك اليانصيب وما شاكله هو ضرب
من القمار.
٣. العقود المحرمة.
إن الأصل في العقود والشروط والبيوع
الجواز والصحة، ولا يحرم و يبطل منها إلا
ما دل على ذلك نص أو قياس (١)، والعقود
المنصوص على حرمتها مجالها كتب الفقه.
٤. الكسب مقابل فعل محرم.
مثل التجارة بالمحرمات كالخمور
والمخدرات إنتاجًا وبيعًا وترويجًا، وبيع
الخنزير، وكل عمل محرم كامتهان الكهانة
والترويج للفاحشة عن طريق الصحف
والمجلات ووسائل الدعاية الأخرى.
ولاشك أن کل ذلك يؤثر في فساد الأخلاق
والأمراض والتفكك الإجتماعي، وأكل
أموال الناس بالباطل وإثراء فئة ضالة.
٥. تزییف العملة وترويجها.
وقد نبه إلى ذلك حجة الإسلام الإمام
الغزالي عند ذكره لانواع الأمور المحرمة (٢).
ب. الفتنة في الإنفاق.
(١) انظر: النظرية الإقتصادية في الإسلام، فكري
أحمد نعمان، ص ٢٩٤.
(٢) انظر: إحياء علوم الدين، الامام الغزالي،
١١٧/٢.
إن قضية الإنفاق و کیفیته ووجوهه لا تقل
أهمية عن قضية الكسب ووسائله، وذلك
لأن إنفاق المال يحتاج الى الحكمة والعقل
التي يحتاجهما في كيفية الحصول عليه
فالذي يتحرى الحلال والكسب الطيب
عليه كذلك أن ينفقه في وجوه وطرق
سليمة نافعة وغیر ضارة، ولا يتأتى ذلك إلا
بمعرفة أحكام الإسلام ونظرته إلى المال
على أنه مال لله وهو الوكيل والمستخلف
فيه، ومحاسبٌ على إنفاقه، وأنه نعمة إذا
لم يحسن التصرف فيها تنقلب نقمة وفتنة
تستوجب الحساب في الآخرة وزوالها
محتمل في الدنيا يقول الرسول صلى الله
عليه وسلم: (لا تزول قدما ابن آدم حتى
يسأل عن ماله مم اكتسبه وفيم أنفقه)(٣).
ويقول الحسن البصري رضي الله عنه:
((إذا أردتم أن تعرفوا من أين اكتسب الرجل
ماله فانظروا فيم أنفقه»(٤).
وفي طرق الإنفاق التي حددها الإسلام
يكون قد وضع الأسس والضوابط القويمة
للحفاظ على المال والمكتسبات بإنفاقها
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب صفة القيامة،
باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص
٤ /٩٥ رقم ٢٥٣٢ وقال: هذا حديث
وصححه الألباني
صحیح.
في صحيح الجامع، ١٢٢١/٢، رقم ٧٣٠٠.
(٤) السياسة المالية في الإسلام وصلتها
بالمعاملات المعاصرة، عبد الكريم الخطيب،
ص٢١٢.
www. modoee.com
١٥٣
حرف الفاء
في محلها المشروع وهذه الأسس هي(١):
١. تطهيرها بالزكاة بالإنفاق على الفقراء
وذوي الحاجات.
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن
الله طيب لا يقبل الا طيبًا)(٢).
٢. الإنفاق على الأهل.
من الوالد والولد وذوي القربى بحسب
القدرة والحاجة التي تدور بين الضرورات
والحاجيات والتحسينات، ولا يتوسع بها
لحد الترف المؤدي للضياع.
٣. الصدقة الموصولة على أصحاب
الحاجات.
وإذا ساءت الأحوال فعليهم أن يسدوا
خلة إخوانهم كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ
شُعَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الحشر: ٩].
(١) انظر بعض هذه الاسس في: السياسة المالية
في الإسلام، الخطيب، عبد الكريم، ص
٢١٢، وانظر: مشكلة الفقر وسبل علاجها
في ضوء الإسلام، عبد الرحمن آل سعود،
٢٤٦/١- ٢٥٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
قبول الصدقة من الكسب الطيب، ٧٠٣/١
رقم ١٠١٥. الدارمي، كتاب الرقاق، باب في
أكل الطيب، ٦٠٨/٥ رقم ٢٧٢٠.
٤. الاعتدال في الإنفاق.
كما دعت اليه النصوص الكثيرة والتي
تمثل الوسطية ومثالية الإسلام، قال
ويكون الإنفاق من الكسب الطيب كما تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِنْ
طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
يَقْتُّرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا
٦٧
[الفرقان: ٦٧].
وفي الحديث: (كلوا وتصدقوا والبسوا
من غير إسراف ولا مخيلة)(٣).
ويدخل في ذلك تحريم كنز المال الذي
سبق الكلام عنه. وإذا كان الاعتدال مطلوبًا
على مستوى الأفراد ففي الأموال العامة أكثر
أهمية، وأولياء الأمر أمناء عليه.
٥. الرشد والأمانة فيمن يتولى الإنفاق.
والرشد ضد السفه قال تعالى:
وَلَا
تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمْ أَلَّتِى جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا﴾
[النساء: ٥].
ولذلك منع القرآن إعطاء اليتامى الصغار
أموالهم حتى يبلغوا الرشد فقال: ﴿وَأْثَلُواْ
اَلْيَ حَقَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ
رُشِّدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَقْوَكُمْ﴾ [النساء: ٦].
إن اتباع الأسس السابقة يقود إلى الإنفاق
المشروع وهذا هو الأصل من كلمة (إنفاق)
(٣) أخرجه معلقًا البخاري في صحيحه، كتاب
اللباس، ٧/ ١٤٠، ووصله ابن ماجه في سننه،
كتاب اللباس، باب إلبس ما شئت ما أخطأك
سرف أو مخيلة، ٢/ ١١٩٢، رقم ٣٦٠٥.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ٨٣٠، رقم ٤٥٠٥.
مَوَسُو
الْقُرآن الكَرِيْمِ
١٥٤
الفتنة
حتى إذا ما أطلقت أريد بها ذلك، أو أخص
بأنه: بذل المال في سبيل الله والذي شجع
عليه الشرع لما له من الأثر في شخصية
المسلم (١).
أما الفتنة في الإنفاق فتكون بوضع المال
في غير محله مما يؤدي الى ضائقة إقتصادية،
أو فساد خلقي على المستوى الفردي
والجماعي ويتمثل في الوجوه الآتية:
وجود المال في أيدي غير آمنة أو غير
قادرة على حفظه واستثماره كما مر في
السفيه.
عدم أداء حق الله في المال وشكره
بدفع الزكاة والصدقات في وجوه البر
المختلفة.
الإسراف والتبذير والترف، والمقصود
بها الإفراط في الإنفاق فيما لا يحتاج
إليه، وقد يصل الإسراف والتبذير لحد
الترف الذي تكلمنا عن آثاره الخطيرة
الشح والبخل: وكما نهى الإسلام
(١) انظر: الإنفاق وأثره في بناء شخصية المسلم،
أحمد محمد عبد الخالق، حيث ذكر
ثمانية آثار وهي:١- انه يربي المسلم على
الثقة بالله، ٢- الثقة في وعده بالمضاعفة
إلى سبعمائة ضعف، ٣- على الصدق مع
الله، ٤- على تزكية النفس وتطهيرها
من الشح والبخل، ٥- على تحري
الحلال، ٦ - الإحساس بالآخرين، ٧- على
الإخلاص،٨- الاستعداد للقاء الله، بحث
منشور في مجلة الخيرية العدد ٦٨ رجب
١٤١٦ هـ -السعودية ص ٢٤-٢٧.
عن الإسراف نهى عن البخل والتقتير
فقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى
عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]. وفي آية آخرى:
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ
اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرٌلَمُّ بَلَّ هُوَ شَرٌّ لَهُمّ
سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل
عمران: ١٨٠].
الإنفاق في المحرمات والمكروهات:
وذلك مثل اقتناء الأشياء المحرمة
كالتماثيل، وعلى الملاهي وشرب
الخمر والميسر أو إهلاك المال في
الفساد وفي المخدرات بأنواعها
بالقياس والنص (٢)، وذلك لأنها
كالخمر في التأثير وعلة التحريم قال
ابن تيمية: ((إن من غاب عقله منها يجب
أن يقام عليه الحد ثمانون جلدة كحد
الشرب من الخمر سواء بسواء»(٣).
٢. فتنة الزوج والولد.
أشار القرآن الكريم إلى إمكانية وجود
هذه الفتنة.
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِ كُمْ عَدُوَّا لَّكُمْ
فَأَحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التغابن: ١٤].
(٢) انظر: الحلال والحرام في الإسلام، أحمد
عساف، ص ٢٩٢.
(٣) المصدر السابق ص ٢٦٣.
www. modoee.com
١٥٥
حرف الفاء
وفي هذه الآيات نلمح الإعجاز التربوى
فى النص الكريم، فمن معانى هذه الآية أن
من الأزواج والأبناء من يمكن أن يكون
عدوا للعبد المؤمن لأنهم يشكلون عائقا
بینه وبین عمل الخير ويحولون بینه وبین
القيام بواجبات الطاعة لله تعالى بل قد
يدفعونه إلى السعى فى اكتساب الحرام
وارتكاب الآثام من أجل تحقيق رغباتهم
المادية العاجلة بأي ثمن، وذلك انطلاقا
من فرط محبته لهم، ومن شدة تعلقه بهم،
ولذلك تأمر الآية الكريمة بضرورة الحذر
من هذا النوع من الزوجات والأولاد، وذلك
بعدم الاستجابة لرغباتهم، أو الطاعة العمياء
لأهوائهم، وجاء سبب النزول ليؤكد هذا
المعنى.
فعن ابن عباس سأله رجل عن هذه الآية
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ
وَأَوْلَدِ كُمْ عَدُوَّ لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾
قال هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة،
وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن
يدعوهم أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم، فلما أتوا رسول الله صلى
الله عليه وعلى آله وسلم رأوا أصحابهم قد
فقهوا في الدين، هموا أن يعاقبوهم، فأنزل
الله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ
وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوَّالَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾(١).
ولذا جاء هذا التحذير من إمكانية هيمنة
الأزواج والأولاد على العبد المؤمن لصرفه
عن طاعة الله تعالى انطلاقا من الحرص
على الأموال أو المحافظة على السلامة
لأن ذلك مدخل من مداخل الشيطان الذى
يستغل العاطفة بين الزوجين وتلك التى
تربطهما بأبنائهما لتحقيق غايته ولذلك
اتبعت هذه الآية الكريمة بقوله وتعالي:
﴿إِنَّمَآ أَمَوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاللَّهُ عِندَهُ
أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥
فَأَنَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمُ وَأَسْمَعُواْ
وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَن
يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[التغابن: ١٥- ١٦].
وهذه الآيات الثلاث فى سورة التغابن
تنبه العبد المؤمن إلى إمكانية أن یکون له من
زوجه وولده عدوا له يصرفه عن البذل فى
سبيل الله حرصا على المال، أو يثبطه عن
الجهاد فى سبيل الله حرصا على النفس، أو
يستغل نفوذه إذا كان صاحب نفوذ للإفساد
فى الأرض.
وقد تكون زوج الرجل والأبناء فى
طريق غير طريق الزوج المؤمن، فيحاولون
جاهدين صرفه عن طريقه السوي إلى طرقهم
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب ومن سورة التغابن، ٤١٩/٥،
رقم ٣٣١٧.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
١٥٦
جوبي
القرآن الكريم
الفتنة
الملتوية فيهلكوه، أو أن يستغلوا جاهه
وسلطانه فى غير ما يرضى الله فيدمروه،
وقد اقتضى كل ذلك هذا التحذير الإلهى
الشديد لكل عبد مؤمن من إمكانية الوقوع
فى موقف يعجز فيه عن المفاصلة بینه وبین
زوجه وأبنائه إذا وقفوا عائقا حقيقيا دون
تحقیق عبودیته لخالقه، ثم کررت الآيات
فى السورة هذا التحذير فى صورة أخرى
هى فتنة الأموال والأولاد، بمعنى بمعنى
الافتتان حتى الوقوع فى عدد من المخالفات
الشرعية سواء كانت صغيرة أو كبيرة ولذلك
قال تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةٌ وَاَللّهُ
عِندَهُ، أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التغابن: ١٥].
هذه العداوة ليست قاصرة على الزوجة
والأولاد، بل ربما تكون عداوة الزوج
لزوجته وأولاده وفتنته لهم أشد وأنکی، فقد
یمنع الزوج زوجته من البر بأقرب الناس أو
حتى الإنفاق فيما تملك.
وفتنة الأهل والولد درجات، فقد تصل
الفتنة إلى درجة الكفر، وقد تقصر عن ذلك:
﴿ وَأَمَّا أُلْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَّيْنٍ فَخَشِينَآ أَنْ
يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنَّا وَكُفْرَان﴾ [الكهف: ٨٠].
وإذا أردنا أن نخص فتنة الأزواج فقد
تدخل فتنة الزوجة ضمن فتنة النساء التي
حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم،
ومع نظرة الإسلام للمرأة نظرة تكريم إلا أنه
عدها من زينة الدنيا التي تفتن الرجل.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَوِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤].
فإذا كانت المرأة صالحة كانت خير
متاعها، وإلا فلا، کما قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (الدنيا متاع وخير متاعها
المرأة الصالحة)(١).
ومن جانب آخر نجد أحاديث تحذر من
فتنة النساء كقول الرسول صلى الله عليه
وسلم: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله
مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا
الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل
في النساء)(٢).
وفي حديث آخر: (فما تركت بعدي فتنة
أضر على الرجال من النساء)(٣).
وتتجلى فتنة النساء في المظاهر الآتية:
كيد النساء، لما في طبيعة المرأة وفطرتها من
الكيد الذي تستعمل فيه وسائل التأثير على
الغير، حب المرأة للمظاهر والنعيم، والميل
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع،
باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة،
١٠٩٠/٢ رقم ١٤٦.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء، باب أكثر أهل الجنة .. وبيان الفتنة
بالنساء ٢٠٩٨/٣ ح ٢٧٤٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب ما يتقى من شؤم النساء، ٦/ ١٢٤، ومسلم
في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب أكثر
أهل الجنة الفقراء، وبيان الفتنة بالنساء، رقم
٢٧٤٠ - ٢٧٤١، ٣/ ٢٠٩٧.
www. modoee.com
١٥٧
حرف الفاء
المفرط من جانب المرأة لذلك قد يوقع
الرجل الضعيف في فتنة الكسب الحرام أو
المشبوه لإرضاء تطلع المرأة، تسلط النساء
على الرجال: وهي أن تنقلب الموازين
فتصبح الكلمة للمرأة دون الرجل، وهو
خلاف الفطرة والشرع، وقد يقع هذا التسلط
في مجال الإسرة، وهو خلاف القوامة،
كما أنها قد تفسد علاقته بالآخرين وأقرب
الناس إليه فتوصله إلى قطيعة الرحم وعقوق
الوالدين، وهي فتنة تعاني منها أغلب
المجتمعات اليوم، وفي مجال السياسة:
تأثير المرأة على الرجل الذي يتولى الأمر
في قرارات خطيرة تتعلق بأمور المسلمين
وقد حدثنا التاريخ كيف أثرت النساء في هذا
المجال والأمثلة كثيرة لا مجال لذكرها.
أما فتنة الولد، فإن الله تعالى عالم
بمواطن الضعف في الإنسان، ويعلم أن
الحرص على الأولاد من أعمق تلك
المواطن، وتكون الفتنة فیھم من وجوه:
١. عدم أداء حق الله وشكره على نعمة
الأولاد.
قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ: أَجْرٌ عَظِيمٌ
[الأنفال: ٢٨].
فقد قرن الأولاد بالمال وكلاهما ابتلاء
وامتحان من الله، فمن أطاع الله فيهما
وشكر فقد فاز ومن شغل بهما فقد خسر.
وقد ورد في التفاسير أن هذه الآية متعلقة
بما قبلها، وهي التي نزلت في أبي لبابة بن
عبد المنذر الذي خان الأمانة وأفشى السر
ليهود بني قريظة، وكان مناصحا لهم لأن
عياله وماله في أيديهم فندم فنزلت الآية
لتعلمهم أن الأمانة مع الله ورسوله فوق
كل شيء، حتى ولو كان المال والولد، فقال
الزمخشري فيها: ((جعل الأموال والأولاد
فتنة لأنهم سبب الوقوع في الفتنة، أو محنة
من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على
حدوده))(١)، فالأمانة تقتضي الاستعلاء
على فتنة الأولاد، كما قال صلى الله عليه
وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة
الإیمان: أن یکون الله ورسوله أحب إليه مما
سواهما)(٢).
٢. الانشغال بهم عن الطاعات والقربات
من العمل الصالح وذكر الله بل
وربما الانشغال بهم عن أداء الفروض
الموجب تركها الإثم والعقوبة
کالجهاد.
والفتنة في هذا الجانب كبيرة كما أشار
النص السابق ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمَوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ حيث يعالج القرآن ذلك
محذرا من الضعف عن اجتياز هذا الامتحان
(١) الكشاف، الزمخشري، ٢١٣/٢ - ٢١٤
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان
باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب
لنفسه، رقم ١٤/١،١٦.
١٥٨
جَوَبُو
القرآن الكريمِ