النص المفهرس
صفحات 41-60
الغيب فكيف بمن اتخذهم وأنفق عليهم معتمدًا على أقوالهم؟)) (١). روى مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان؟ فقال: (إنهم ليسوا بشيء) فقالوا يا رسول الله، إنهم يحدثونا أحيانًا بشيء فيكون حقًا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها (٢) في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون معها مائة كذبة)(٣) . وأخرجه البخاري أيضًا من حديث أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الملائكة تنزل في العنان، وهو السحاب - فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحیہ إلی الکھان، فیکذبون معها مائة كذبةٍ من عند أنفسهم) (٤). العرافة: (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/٧. (٢) القر: ترديد الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، ٤ / ١٧٥٠، رقم ٢٢٢٨. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ٤ /١١١، رقم ٣٢١٠. هي معرفة الاستدلال ببعض الحوادث الخالية على الحوادث الآتية بالمناسبة أو المشابهة الخفية التي تكون بينهما، أو الاختلاط أو الارتباط، على أن يكونا معلولي أمر واحد، أو يكون ما في الحال علة لما في الاستقبال. وشرط كون الارتباط المذكور خفيًا أن لا يطلع عليه إلا الأفراد، وذلك إما بالتجارب أو بالحالة المودعة في أنفسهم عند الفطرة(٥). والعراف هو الذي يزعم أنه يعرف الأمور الغيبية بمقدمات وأسباب قولية أو فعلية يستدل بها على مواقعها، كالشيء يسرق، فيعرف المظنون به السرقة، وتتهم المرأة بالزنا فيعرف من صاحبها (٦). وقال ابن تيمية: ((العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، كالحازي الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف». وقال أيضًا: ((والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء)»، وعند آخرین: (هو من جنس الكاهن وأسوأ حالًا منه، فيلحق به من جهة المعنى)). وقال الإمام أحمد: ((العراف طرف من السحر، والساحر أخبث)) (٧). (٥) انظر: أبجد العلوم، صديق خان ٣٧٩/٢، ومفتاح السعادة، طاشكبري زاده ١/ ٣٣٢. (٦) معالم السنن، لخطابي، بهامس مختصر سنن أبي داود للمنذري ٣٧٠/٥. (٧) انظر: تيسير العزيز الحميد ص ٤١٢. www. modoee.com ١١٧ حرفالغين وقال ابن الأثير: ((العراف: المنجم أو بعلمه، وادعوا أنهم أولياء، وأن ذلك كرامة، ولا ريب أن من ادعى الولاية، واستدل عليها بإخباره ببعض المغيبات، فهو من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن. الحازي الذي يدعي علم الغيب وقد استأثر الله تعالی به»(١). وقال ابن القيم: ((من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفًا وعرافًا)(٢). والمقصود من هذا: معرفة أن من يدعي علم شيء من المغيبات، فهو إما داخل في اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به، وذلك أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالکشف، ومنه ما هو من الشیاطین، ویکون بالفأل، والزجر والطير، والضرب بالحصى، والخط في الأرض، والتنجيم، والكهانة والسحر، ونحو هذا من علوم الجاهلية. ونعني بالجاهلية: كل من ليس من أتباع الرسل، كالفلاسفة والكهان والمنجمين، وجاهلية العرب الذين كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذه من علوم قوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل عليهم السلام. وکل هذه الأمور یسمی صاحبها كاهنًا وعرافًا، فمن أتاهم فصدقهم بما يقولون لحقه الوعید. وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام، فادعوا بها علم الغيب الذي استأثر الله تعالى (١) النهاية، ابن الأثير ٢١٨/٣. (٢) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ٢٢٩/٢. جوسيس القرآن الكريم إذ الكرامة أمر يجريه الله على يد عبده المؤمن المتقي، إما بدعاء أو أعمال صالحة لا صنع للولي فيها، ولا قدره له علیھا، بخلاف من يدعي أنه ولي لله، ويقول للناس: اعلموا أني أعلم المغيبات، فإن مثل هذه الأمور قد تحصل بما ذكر - آنفًا- من الأسباب، وإن كانت أسبابًا محرمة كاذبة في الغالب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الكهان: ((فيكذبون معها مائة كذبةٍ» فبين أنهم يصدقون مرة ويكذبون مائة. وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعي الولاية والعلم بما في ضمائر الناس، مع أن نفس دعواه دلیل علی کذبه؛ لأن في دعواه الولاية تزكية النفس المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿فَلاَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أَتَّقَ﴾ [النجم: ٣٣]. وليس هذا من شان الأولياء، بل شأنهم الإزراء على نفوسهم وعيبهم لها، وخوفهم من ربهم. فکیف یأتون الناس ويقولون: اعرفوا أنا أولياء، وأنا نعلم الغيب. وفي ضمن ذلك طلب المنزلة في قلوب الخلق، واقتناص ١١٨ الغيب الدنیا بهذه الأمور، وحسبك بحال الصحابة والتابعين، وهم سادات الأولياء، أفكان عندهم من هذه الدعاوى والشطحات شيء؟ لا والله، بل كان أحدهم لا يملك نفسه من البكاء إذا قرأ القرآن كالصديق، وكان عمر يسمع نشيجه من وراء الصفوف يبكي في صلاته، وکان يمر بالآية في ورده بالليل فیمرض منها ليالٍ يعوده الناس، وكان تميم الداري يتقلب في فراشه، لا يستطيع النوم إلا قليلا، خوفًا من النار، ثم يقوم إلی صلاته. ويكفيك في صفات الأولياء: ما ذكر الله تعالى من صفاتهم في سورة الرعد، والمؤمنين، والفرقان، والذاريات والطور، فالمتصفون بتلك الصفات هم الأولياء الأصفياء، لا أهل الدعوى والكذب، ومنازعة رب العالمين فيما اختص به من الكبرياء والعظمة، وعلم الغيب، بل مجرد دعواه علم الغيب كفر، فکیف یکون المدعي لذلك و لیا لله؟ ولقد عظم الضرر، واشتد الخطب بهؤلاء المفترين، الذين ورثوا هذه العلوم عن المشركين، ولبسوا بها على خفافيش البصائر. نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة(١). التنجيم: (١) تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الله، ص ٤١٢ - ٤١٤. وقد یزعم بعض الناس أن هناك مدرگًا من مدارك علم الغيب يلجئون إليه للتعرف على ما سيقع مستقبلًا، وهو التنجيم. وهو علم يعرف به الاستدلال بالتشكلات الفلكية على الحوادث السفلية (٢). والمنجمون هم القائلون بالدلالات النجومية ومقتضى أوضاعها في الفلك، وآثارها في العناصر، وما يحصل من الامتزاج بين طباعها بالتناظر، ويتأدى من ذلك المزاج إلى الهواء، وهؤلاء المنجمون ليسوا من الغيب في شيء، إنما هي ظنون حدسية وتخمينات مبنية على التأثير والنجومية، وحصول المزاج منه للهواء، مع مزيد حدس، يقف به الناظر على تفصيل في الشخصيات في العالم، وذلك كله باطل (٣). حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبةً من السحر زاد ما زاد) (٤). (٢) انظر: كشف الظنون، حاجي خليفة ٢ / ١٩٣ - ١٩٤، أبجد العلوم صديق خان ٥٥١/٢- ٥٥٩. (٣) انظر: مقدمة ابن خلدون ١٩٥/١. وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية وبين خطأهم، كما في مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥/ ١٧٢ - ١٧٣. (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطب، باب في النجوم ٣٧١/٥، وابن ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب تعلم النجوم ١٢٢٨/٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٠٤٩/٢، رقم ٦٠٧٤. www. modoee.com ١١٩ حرفالغين قال الإمام الخطابي: ((علم النجوم الخبرة بها من الأئمة الذين لا نشك في عنایتهم بأمر الدين ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به عنها. مثل أن يشاهدوها بحضرة الكعبة، ويشاهدوها في حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم: الدلالة عنها بالمعاينة، وإدراكنا لذلك بقبولنا لخبرهم؛ إذ كانوا غير متهمين في دينهم ولا مقصرين في معرفتهم))(١). المنهي عنه: هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع، وستقع في المستقبل، كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، وما كان في معانيها من الأمور، يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها، وباجتماعها واقترانها، ويدعون لها تأثيرًا في السفلیات، وأنها تتصرف على أحكامها، وتجري على قضايا موجباتها. وهذا منهم تحكم على الغیب وتعاطٍ لعلم استأثر الله سبحانه به، لا يعلم الغيب أحد سواه. فأما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والحس، کالذي یعرف به الزوال، ويعلم به جهة القبلة، فهو غير داخل فيما نهي عنه. وذلك: أن معرفة رصد الظل ليس شيئًا بأكثر من أن الظل ما دام متناقصًا، فالشمس بعد صاعدةٌ نحو وسط السماء في الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي. وهذا علم يصح دركه من جهة المشاهدة، إلا أن أهل هذه الصناعة قد دبروه، بما اتخذوا له من الآلة التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصده. وأما ما يستدل به من جهة النجوم على جهة القبلة: فإنما هي كواكب أرصدها أهل وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: ((والمأذون في تعلمه: علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم، قليله وكثيره. أما علم التسيير، فإذا تعلم ما يحتاج إليه للاهتداء، ومعرفة القبلة والطريق كان جائزًا عند الجمهور. وما زاد علیه فلا حاجة إليه، وهو يشغل عما هو أهم منه، وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين في أمصارهم، كما وقع ذلك كثيرًا من أهل هذا العلم قديمًا وحديثًا، وذلك يفضي إلى اعتقاده خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار، وهو باطل))(٢) ونقل ابن عابدين الحنفي عن (مختارات النوازل) أن علم النجوم في نفسه حسنٌّ غير مذموم؛ إذ هو قسمان: (١) معالم السنن، الخطابي ٣٧١/٥-٣٧٢، مع مختصر المنذري. (٢) فضل علم السلف على علم الخلف، ابن رجب الحنبلي، ص٣٤ - ٣٥. ١٢٠ جوبيع القرآن الكريم الغيب أحدهما: حسابيٌّ وهو حق، وقد نطق بما لا يدل عليه. به الكتاب، قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]. أي: سيرهما بحساب. والثاني: استدلاليٌ بسير النجوم وحركة الأفلاك على الحوادث بقضاء الله تعالى وقدره، وهو جائز، كاستدلال الطبيب بالنبض على الصحة والمرض. ولو لم يعتقد بقضاء الله تعالى أو ادعى علم الغيب بنفسه يكفر. ثم إن تعلم ما يعرف به مواقيت الصلاة والقبلة: لا بأس به(١). وأما الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ، فقد جعل التنجيم ثلاثة أقسام: الأول: وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الكواكب فاعلة مختارة. وهو قول الصابئة المنجمين الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل عليه السلام. وهذا کفر بإجماع المسلمين. الثاني: الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب، واجتماعها وافتراقها، ونحو ذلك. ويقول: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، فلا ريب في تحريم ذلك. واختلف المتأخرون في تكفير القائل بذلك، وينبغي أن يقطع بكفره؛ لأنها دعوى لعلم الغيب، الذي استأثر الله تعالى بعلمه، (١) حاشية ابن عابدين ٤٣/١-٤٤ و٢٤٣/٤. الثالث: وهو تعلم منازل القمر والشمس؛ للاستدلال بذلك على القبلة وأوقات الصلوات والفصول(٢). ثالثًا: معرفة نوع الجنين وعلم الغيب: تقدمت الإشارة في مفاتح الغيب إلى اختصاص الله سبحانه وتعالى بعلم ما في الأرحام، وقد يقع في أذهان بعض الناس أن البشر يستطيعون أن يعلموا ما في الأرحام بمعرفة جنس الجنين هل هو ذكر أو أنثى؟ وذلك عندما يمكن أن تغرز إبرة لسحب نقطة من السائل الامنيوسي لفحص خلال الجنين، هل تحمل شارة الذكورة أو الأنوثة، ويكون ذلك بعد مضي أربعة أشهر على الأقل من الحمل (٣). وقد يخيل لبعضهم أن في هذا معرفةً للغيب الذي اختص الله تعالی به. وهنا ينبغي أن نلاحظ جملة أمور لا يجوز أن تغيب عن أذهاننا؛ إذ هي تلقي ضوءًا على ذلك، وتحرر محل الخلاف، وتحدد الإجابة، وتنفي الشبهة والظن إن شاء الله تعالی. ١. إن الله تعالى يعلم علمًا يقينيًا قاطعًا منذ الأزل بكل التفاصيل والأحوال (٢) تيسير العزيز الحميد، ص ٤٤١- ٤٤٨. (٣) انظر: خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد علي البار، ص ٢٩٧ - ٢٩٩. www. modoee.com ١٢١ حرفالغين للجنين، من ذكورة وأنوثة، وصفات أخرى كالتمام والنقص في الخلقة والعدد إلخ. فهو بالنسبة لله تعالى علمٌ يقينيٌ شامل حتى قبل أن يوجد الجنين نفسه. ٢. إن الطريقة التي سبقت الإشارة إليها في معرفة نوع الجنين إنما تكون بعد مضي أربعة أشهر، وأما قبل ذلك فلا تكون متيسرة إن لم تكن مستحيلة. أما الجنين ذاته فإنه لا یمکن تمییزہ ولو نزل سقطًا وشرح تشريحًا كاملًا، فلا يعرف جنسه؛ لأن الغدة التناسلية لم تتمیز؛ إذ هي لا تتميز قبل نهاية الأسبوع الرحمي السادس حتى تعرف هل هي خصية أو مبيض(١). ولم يخف على الله تعالى العلم للجنين حتى في هذه المرحلة. ٣. وكذلك عندما يستخرجون نقطة من السائل الامنيوسي بعد المدة السالفة تكون قد أصبحت أمامهم في عالم الشهادة، أي: لم تعد غيبًا، ولم يعد معرفة ما يتعلق بالجنين في هذه الحال غيبًا. والكلام منصبٌ على معرفة الغيب، لا على معرفة الشيء في عالم الشهادة والحس. ٤. ثم إن معرفة البشر رغم ذلك معرفة ظنية قابلة للخطأ والصواب، ومعرفة جزئية مبتورة ناقصة، فهي ظنّ وليست علمًا یقینیًا. وفي خلال المدة التي تعقب الشهور الأربعة الأولى من بدء الحمل لا يكون الجنين في مرحلة الغيب المطلق الذي حجبه الله تعالى عن الخلق جميعًا، بل إن الملك الموكل يعرف ذلك بإخبار الله تعالی. كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثم یکون في ذلك مضغةً مثل ذلك، ثم يرسل الله الملك فينفخ فیه الروح، ويؤمر بأربع كلماتٍ: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌ أو سعيدٌ، فو الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)(٢). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ٤ /١١١، رقم ٣٢٠٨، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، (١) المصدر السابق، ص ٢٩٩. جَوَسُوعَةُ التفسير القرآن الكريم ١٢٢ الغيب وفي بعض طرق الحديث: (ثم يبعث الله ملگًا بأربع كلماتٍ: فیکتب عمله، وأجله، ورزقه، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح) الحديث (١). وفي حديث حذيفة بن أسيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقيٌ أو سعيدٌ؟ فیکتبان، فيقول: أي رب أذكرٌ أم أنثى؟ فیکتبان، ویکتب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم تطوی الصحف فلا يزاد فيها ولا پنقص)(٢). ففي هذه المرحلة قد أعلم الله تعالى الملك الموكل بالنطفة بالكلمات السابقة، فأصبح الملك یعرفهم، فخرجت عندئذ عن كونها من الغيب المطلق الذي اختص الله به، ولا مانع بعد ذلك أن يهيئ الله تعالی للإنسان أداة أو وسيلة للتعرف على شيء من ذلك ظنّا أو يقينًا، وكأن عموم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى قد دخله التخصيص بحديث ابن مسعود وحديث حذيفة بن أسید، فيقبل أيضًا تخصيصًا آخر بدليل ظنيٍ. ٢٠٣٦/٤، رقم ٢٦٤٣. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم، ١٣٣/٤، رقم ٣٣٣٢. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، ٤/ ٢٠٣٧، رقم ٢٦٤٤. وأما المرحلة السابقة لإعلام الله تعالى الملك بذلك فإنها محجوبة قطعًا عن كل الخلق، ولا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى: ﴿اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَعْمِلُ كُلُّ أُنْقَ وَمَا تَّخِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ. بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]. قال ابن قيم الجوزية: ((والتحقيق في معنى الآية: أنه یعلم مدة الحمل وما يحدث فيها من الزيادة والنقصان، فهو العالم بذلك دونكم، كما هو العالم بما تحمل كل أنثى هل هو ذكر أو أنثى؟ وهذا أحد أنواع الغيب التي لا يعلمها إلا الله، كما في (الصحيح) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مفاتيح الغيب خمسٌ لا يعلمهن إلا الله: لا يعلم متى تجيء الساعة إلا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولا يعلم متى يجيء الغيث إلا الله، ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرضٍ تموت إلا الله)(٣). فهو سبحانه المتفرد بعلم ما في الرحم، وعلم وقت إقامته فيه، وما يزيد من بدنه، وما ينقص. وما عدا هذا القول فهو من توابعه ولوازمه، كالسقط التام، ورؤية الدم، وانقطاعه))(٤) (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستسقاء، باب لا يعلم متى يجيء المطر إلا الله، ٣٣/٢، رقم ١٠٣٩. (٤) تحفة المودود بأحكام المولود، ابن القيم، ص ٣٨١ -٣٨٢. www. modoee.com ١٢٣ حرفالغين وقال أبو بكر الجصاص: ((لا يعلم أحدٌ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا ) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن زَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦-٢٧]. والله أعلم)»(١). الفرق بين العلقة التي يكون منها الولد وبين ما لا يكون منها الولد إلا أن يكون قد شاهد علقًا كان منه الولد وعلقًا لم يكن منه الولد، فیعرف بالعادة الفرق بين ما كان منه ولد وبين ما لم يكن منه ولد بعلامة توجد في أحدهما دون الآخر في مجرى العادة وأكثر الظن، كما يعرف كثير من الأعراب السحابة التي يكون منها المطر والسحابة التي لا یکون منها المطر، وذلك بما قد عرفوه من العلامات التي لا تكاد تتخلف في الأعم الأكثر. فأما العلقة التي كان منها الولد فمستحيل أن يشاهدها إنسان قبل كون الولد منها متميزة من العلقة التي لم يكن منها ولد، وذلك شيء قد استأثر الله بعلمه إلا من اطلع عليه من ملائكته حین یأمره بکتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُ أُنْقَ وَمَا تَفِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ وَكُلُ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]. وقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَامِ﴾. وهو عالم بكل شيء سبحانه وتعالى ولكنه خص نفسه بالعلم بالأرحام في هذا الموضع إعلامًا لنا أن أحدًا غيره لا يعلم ذلك، وأنه من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن ارتضى من رسول. قال الله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وأيضًا: إن علم ما في الأرحام الذي لا يعلمه إلا الله هو علم ما تغيض الأرحام، فقد أخبر النبي صلی الله عليه وسلم عن عدد ومسمى مفاتح الغيب في صيغتين: الصيغة الأولى: تشير إلى القضايا التي وردت في آية سورة لقمان، ففي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مفاتح الغيب خمسٌّ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾﴾(٢). وفي الصيغة الثانية: عن ابن عمر أيضًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفاتيح الغیب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله)(٣). فنحن الآن أمام حديثين وردا بصيغتين (١) أحكام القرآن، الجصاص ٢٢٨/٣. (٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله: (إن الله عنده علم الساعة)، ١١٥/٦، رقم ٤٧٧٨. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قوله: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا)، ١١٦/٩، رقم ٧٣٧٩. جَوَسُوع الْقُرآن الكَرِيْمِ ١٢٤ الغيب مختلفتين، في موضوع واحد، هو تحديد ولا الأنوثة ولا العلم بصفات الجنين، ويكون أيضًا العلم بوقت نزول المطر الوارد في الحديث هو أحد مفاتح الغيب الخمس، لا مطلق إنزال الغيث الوارد في الآية الكريمة (١). عدد ومسمى مفاتح الغيب، وصيغة الحديث الأول تماثل صيغة الحديث الثاني، في ثلاث قضايا هي: علم الساعة، وعدم دراية الأنفس لکسبها، ومکان موتها. وهذه الثلاثة غيب حقيقيٌ لا يعلمه إلا الله باتفاق العلماء، لكن الحديثين يختلفان في مسمى قضية إنزال المطر، وقضية ما في الأرحام. فالحديث الأول: أشار إلى أن الصيغة العامة لهما هي مفتاح الغيب، في قوله تعالی: ﴿وَيُنَزِّفُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَاِ﴾. وأما الحديث الثانى: فقد عدل عن صيغة العموم إلى صيغة الخصوص، فقد سماهما النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ ما مخصوصة محددة فقال: (ولا يعلم تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلا الله). وبالجمع بين الروايتين يصير (غيض الأرحام)، وزمن مجيء المطر، هما الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ومن ثم يصبح مراد النبي صلى الله عليه وسلم في اللفظ العام في آية سورة لقمان بناء على الحديث الأول، هو المعنى المحدد باللفظ الخاص في الحديث الثاني، وبهذا تتوافق النصوص وينتهي الإشكال، ويكون (غيض الأرحام) هو أحد مفاتح الغيب الخمس، لا الذكورة وهنا يرد السؤال ما هو (غيض الأرحام)؟ يطلق الغيض في اللغة على: النقص والغور، والذهاب، والنضوب. وقد جاء في المعاجم اللغوية: غاض الماء غيضًا ومغاضًا ومغیضًا: قل ونقص، أو غار فذهب، أو قل ونضب، أو نزل في الأرض وغاب فيها. وغاضت الدرة: احتبس لبنها ونقص (٢). وقد دار تفسير العلماء لـ (غيض الأرحام) حول معنيين: الأول: الدم الذي ينزل على المرأة الحامل. والثاني: هو السقط الناقص للأجنة قبل تمام خلقها. إذن يمكننا القول بأن السقط المفسر للغيض والمراد في كلام علماء اللغة والتفسير هو: الجنين الذي سقط من بطن أمه قبل اكتمال خلقه، أو هو الجنين الذي (١) مفاتح الغيب وعلم ما في الأرحام، مقال للدكتور عبد الجواد محمد الصاوي، بمجلة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، تصدرها رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، العدد ٢٨ ص٣٣. (٢) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٦٦٨/٢-٢٦٩. www. modoee.com ١٢٥ حرف الغين يهلك في الرحم، ويتحلل ويغور وتختفي آثاره منها، ويصدق عليه أن الرحم تبتلعه كما تبتلع الأرض الماء (١). اكتشاف جهاز الأشعة فوق الصوتية واستخدامه في تشخيص الحمل ومتابعته، تأكدت حالات غور الأجنة واختفائها من وعلم الأجنة الحديث يجلي الحقيقة؛ داخل الأرحام(٢). والله سبحانه وتعالى أعلم. حيث يقول علماء الأجنة: عندما تهلك الأجنة في الأسابيع الثمانية الأولى من عمرها، إما أن تسقط خارج الرحم، أو تتحلل وتختفي تماما من داخله، ويسمي علماء الأجنة هذا الهلاك بصورتيه: الإسقاط التلقائي المبكر. وهو متوافق تمامًا مع أقوال علماء اللغة والتفسير في تعريفهم للغيض. وعليه يمكننا أن نقول: إن (غيض الأرحام) هو الإسقاط التلقائي المبكر. وهو الذي يحدث خلال الأسابيع الثمانية الأولى من الحمل، وهو ظاهرة شائعة، ونسبة حدوثه كبيرة، إذ تصل إلى حوالي ٦٠٪، في الأسابيع الثمانية الأولى من الحمل. وفي عدة مشاهدات للسقط المبكر لم يكن الجنين موجودًا، أي: إن الجنين قد تحلل واختفى داخل الرحم. وعدم رؤية جنینٍ في حويصلة الحمل، يسمى: (کیس الحمل الفارغ). وتمثل هذه الحالات حوالي نصف حالات السقط التلقائي المبكر، وبعد (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٥٩/١٦ -٣٦٥، ومعالم التنزيل، البغوي ٤/ ٢٩٧-٢٩٨. وانظر: خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد علي البار، ص ٦٩- ٨٢. (٢) مجلة الإعجاز العلمي في القرآن، مقال الدكتور عبد الجواد الصاوي ص ٣٥، وله أيضًا: غيض القرآن بمجلة الفرقان الأردنية، العدد ٥٢، جمادى الأولى ٢٠٠٦م. جَوَسُولَة التي القرآن الكريم ١٢٦ الغيب نتائج الإيمان بالغيب أو إنكاره إن الإيمان بكل الأركان وعلى رأسها الركن الأول والأعظم فيها وهو الإيمان بالله تعالى، إنما هو إيمان بالغيب. إن هذا الإيمان يثمر في نفس الإنسان ثمراتٍ كثيرةً، وله آثاره العظيمة، على مستوى الفرد والأسرة والجماعة، في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة، فكل آثار الإيمان بالله تعالى وتوحيده هي آثار للإيمان بالغيب، وكل ما نجده من خير واستقامة وسعادة وتقدم و إبداع، وكل ما يتطلع الإنسان إليه من القيم والأخلاق العالية كالتوكل على الله، واليقين، والعلم، والصدق، والخوف من الله، والرضا، والرجاء، وغير ذلك، هذا کله وأضعافه، إنما هو أثر من آثار الإيمان بالغيب! وعلى الجانب الآخر؛ عندما يتنكر الإنسان للإيمان بالغيب، تختلف الصورة، وتختلف النتيجة، فكل ما تعانى منه البشرية، على مستوى الفرد والجماعة والأمة، في کل المجالات، من أمراض ومساوئ ومفاسد وأدواء، كاتباع الشهوات والركون للدنيا، والشقاء والاضطراب النفسي والاجتماعي، والقلق ونحوه، علاوة على التمزق النفسي والضياع والتيه، وإطفاء نور الفطرة التي فطر الخلود في النار في الآخرة. كل هذا وغيره، إنما هو أثر ونتيجة لهذا الإنكار والإلحاد. وفيما يلي نتحدث عن: ثمرات الإيمان بالغیب، وبعض نتائج إنکار الغيب، بحسب ما يسمح به المقام. أولًا: ثمرات الإيمان بالغيب: ١. تحقيق إنسانية الإنسان وكرامته. جعل الله تعالى الإنسان أكرم المخلوقات وفضله عليها جميعها، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ وَجَلْنَعُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم ◌ِنَ الَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٠ ]. وهذا التكريم الإلهي للإنسان يتجلى في صور كثيرة، يأتي على رأسها فطرة الإيمان بالغيب ومالا تدركه الحواس، والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس -أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس -. وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الله تعالى الإنسان عليها، مع ما ينتظره من الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء www. modoee.com ١٢٧ حرفالغين الكون من قدرة وتدبير. كما أنها بعيدة الأثر صفة: ﴿الَِّينَ يُؤْنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ [البقرة: ٣](١). في حياته على الأرض، فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته، ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود. وأن وراء الكون ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها وجوده، حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار ولا تحيط بها العقول. وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدد والتمزق والانشغال بما لم تخلق له، وما لم توهب القدرة للإحاطة به، وما لا يجدي شيئا أن تنفق فيه، وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلى به المؤمنون، وهو الصفة الأولى من صفات المتقين. لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة، ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان - كجماعة الماديين في كل زمان- يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى، إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا (تقدمية)، وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها، فجعل صفتهم المميزة، ٢. الاستقامة وتربية الشعور الديني. الإيمان بالغيب هو الأساس والركن الذي يقوم عليه الشعور الديني والمراقبة لله تعالى والالتزام بالأحكام الشرعية والأوامر الإلهية، وذلك يؤهل المؤمن للوقوف أمام محكمة الضمير أو النفس اللوامة التي أقسم الله تعالى بها، وهو سبحانه لا يقسم إلا بما هو عظيم، فقال: ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ ﴿ وَلَا أَقِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ١- ٢]. وهي محكمة باطنية، بينما محكمة المجتمع محكمة سطحية ظاهرية لا تتناول من أعمالنا إلا ما يقع تحت السمع والبصر، ولا تتناول من هذه الأعمال إلا ما يصل إلى علمها، فهل هناك محكمة تحيط بظواهرنا وبواطننا، ولا يخفى عليها شيء من أمرنا، وإن بعدنا عن أعين الرقباء؟ نعم! تلك هي المحكمة الإلهية العليا(٢). إن تربية الشعور الديني هي الدافع للاستقامة وحسن السلوك، وهي الضابط الذي يعصمنا من الجريمة ومن ارتكاب الحرام ومن مخالفة الأوامر، فاستقرار الإيمان في النفس البشرية هو سببٌ واضح في عدم مخالفة الأوامر التي يأمر بها الشارع (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١١٨/١-١١٩. (٢) دراسات إسلامية، محمد عبد الله دراز، ص٧٣ -٧٨. ١٢٨ جَوَسُوع القرآن الكريمِ الغيب وهو الله -عزوجل-، حتى إن لم يكن هناك أي رقابة خارجية، فالإيمان بالله ومراقبته في السر والعلن والالتزام بأوامره تقوي علاقة الإنسان بربه، وتجعله يستشعر مراقبة الله تعالی له في کل تصرف من تصرفاته. وهناك أمثلة من الواقع التاريخي تدل على سلطة الايمان في الاستقامة والبعد عن المأثم. ونذكر هنا مثالًا على ذلك، وهو تحريم الخمر في الإسلام، وذلك بمجرد نزول الأمر القاطع في ذلك، بينما فشلت في ذلك أكبر النظم المعاصرة رغم تقدمها المادي والعلمي؛ لأنها لا تقوم على الإيمان، أو لا تنظر إلى حلال أو حرام فيما تشرعه من قوانین. قال تعالى: ﴿َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا اُلْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَعْضَآَةُ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنَِّهُونَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِن ٩١ تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُّبِينُ ٢ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ◌ُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أُتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ ثُمَّ أَنَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ وَالَهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٠ -٩٣]. لقد تمت هذه المعجزة التشريعية؛ لأن المنهج الرباني أخذ النفس الإنسانية بطريقته الخاصة، أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته، وبحضور الله سبحانه فيها حضورًا لا تمللك الغفلة عنه لحظة من زمان أخذها جملة لا تفاريق، وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة (١). ٣. محاسبة النفس والاستعداد للحساب. إن إيمان المرء بالله تعالى، وإيمانه بکل ما ينطوي عليه من أمر الغيب، له أثره في عمق الشعور بتقوى الله وخشيته، والخوف من حسابه يوم القيامة، ويترتب على ذلك انضباط السلوك وحساسية الضمير تجاه مسئولية الإنسان عن أعماله. فإن الإسلام يرسي قاعدة المسئولية بأوسع معانيها، فهي تشمل الفرد والجماعة، والحاكم والمحكوم، وتكون هذه المسئولية أمام محكمة الضمير أو الوجدان، كما تكون أمام الرأي العام في الجماعة، وأعلى من هذا كله المسئولية أمام الله تعالى، وهي تقتضي الاستعداد لهذا الحساب الدقيق. وللدكتور محمد عبدالله دراز رحمه الله كلمةٌ في بيان المحكمة التي سنقف أمامها للمسئولية ونقدم فيها الحساب لمعرفة أثر ذلك في التربية والتهذيب والاستقامة. يقول (١) انظر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسمين، أبو الحسن الندوي، ص ٩٣، في ظلال القرآن، سيد قطب ٦٦٣/٢-٦٦٦. www. modoee.com ١٢٩ حرفالغين رحمه الله: ((إن القرآن الكريم يضعنا أمام سلطة ثلاثية كأنه يقول لنا: تصوروا أنفسكم في نقطة مركزية تحيط بكم ثلاث دوائر مدرجة الاتساع، و تصوروا أنه قد خرج من کل دائرة سهام أو أنصاف أوتار متجهة نحو هذا المركز، هي أشعة العين التي تراقبكم. انظروا في أنفسكم تجدوا محكمة، وانظروا من حولكم تجدوا محكمة، وانظروا فوقكم تجدوا محکمة، محکمة الضمير في قلوبکم، ومحكمة البشر من حولكم، ومحكمة السماء من فوقكم، ولكل واحدة منها أمانة في أعناقكم سنحاسبکم عليها))(١). اقرءوا - إن شئتم - قول الله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَتَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وهذا الاستعداد للحساب لا يقتصر على الحياة الفردية، بل يمتد ليشمل مستوياتٍ أوسع وأعلى، فإن إمام المسلمین، أو رئیس الدولة بالتعبير المعاصر، كذلك يكون أكثر محاسبة للنفس واستعدادًا للحساب يوم (١) انظر: دراسات إسلامية، محمد عبد الله دراز، ص٧٣-٧٨. القيامة؛ لأنه يشعر بعظم المسئولية وأهمية الولاية، فإن الولاية العامة أمانةٌ توجب المسئولية الدينية أمام الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِمَا يَعِطُّكُمْ بِّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. وهذا الذي جعل الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقف ليحاسب نفسه وليعلن أنه مسئول، في كلمات كثيرة مأثورة عنه، و في وقائع عملية شاهدة. وحسبنا ما قاله لجرير بن عبد الله البجلي: (يا جرير إني قاسمٌ مسئولٌ، ولو أن سخلةٌ بالعراق عثرت لخفت أن يسألني الله عنها: لم لم تسو لها الطريق))(٢). وغيرها من النصوص عن الخلفاء الراشدين كثيرة متوافرة، والوقائع العملية التطبيقية شاهدة ناطقة. وما ذاك إلا ثمرة من ثمرات الإيمان بالله تعالى وبالحساب والجزاء. ٤. أثره في سلوك الفرد والجماعة: القيم والغايات. (٢) أخرجه أبو يوسف في الخراج، ص١٢٧، وابن الجوزي في سيرة عمر بن الخطاب، ص ١١٣. ١٣٠ جوسبور القرآن الكريم الغيب حين يؤمن الإنسان بالغيب، فيؤمن باليوم عنده هو الاستمتاع، قبل أن تفوت الفرصة التى إن مضت لا تعود! فما معنى الحرام فى حسه؟! إنه ليس إلا قيدًا على المتاع! وهو قید - فى نظره- غير معقول ولا موجب له؛ لأنه یضیع الفرص المحدودة التی لن تعودا لذلك أيضًا فإن قيد الأخلاق وقيد الضمير وقيد المشاعر الإنسانية كلها قيود غير معقولة، كقيد الحرام سواء بسواء! ومن ثم تفسد الأخلاق فى الجاهليات، ويضعف وازع المضير وتحل المصلحة محله. أما المشاعر الإنسانية والقيم العليا فتعد سخفًا وسذاجة لا تليق بإنسان عاقل، إذا هى فوتت عليه فرصة المتاع! الآخر وهو غیب، ويؤمن بالجنة والنار، وهو إيمان بالغيب -كما تقدم- ويؤمن بالجزاء والحساب، حین یؤمن بهذا كله إيمان اليقين، نستطيع أن ندرك أهمية هذا فى سلوك الفرد وسلوك الجماعة إذا عرفنا نفسية الشخص الذى لا يؤمن بالآخرة وطبيعة تصوره للحياة الدنيا وطريقة شعوره بها. إن الحياة الدنیا فی حسه هى الأولى والأخيرة، والعمر فرصة واحدة إن لم تنتهب فسوف تضيع! وإذا کان العمر -مهما طال - محدودًا بسنوات، ولذائذ الحس كثيرة ومتنوعة، فالبدار البدار! هكذا تكون القضية فى حس الذى لا يؤمن باليوم الآخر. فرصة وحيدة محدودة ينبغى أن تنتهز ویؤخذ فيها أكبر قدر من الملذات؛ ولذلك تتكالب الجاهليات دائمًا علی متاع الأرض وتتصارع علیه، وتنحصر اهتماماتها فی حدود الدنیا. أما الأمم والجماعات، فقصتها لا تختلف كثيرًا عن قصة الفرد، فكل جماعة همها الحصول على أكبر قدر من المتاع (أو المزايا بتعبيرهم!) على حساب جماعة أخرى! وكل أمة همها أن تتغلب والجاهلية المعاصرة نموذج لما على أمة أخرى؛ لتسلبها حظها من المتاع وتأخذه لنفسها فتنشأ من ذلك الصراعات والحروب. نقول، فما الذى يشغل الأفراد فيها ویشغل الجماعات؟ أما الفرد فهو يعمل وينتج ليحصل على أکبر قدر یستطیع الحصول علیه من المال، ثم ينفق هذا المال فى الحصول على أكبر قدر من المتاع، یستوی فی حسه أن یکون من المتاع الحلال أو الحرام! بل إن فكرة الحرام لا تخطر على باله علی سبیل الجد! فالأصل وأين القيم العليا؟ وأين حقوق الإنسان؟ وأين الضمير العالمي؟ وأين العهود والمواثيق؟ وأين التعاون فى سبيل الخير؟ وأين العدل؟ وأين الإخاء والمساواة؟ إنها كلها -فى الجاهلية - ألفاظ! یلوكها الناس نفاقًا ورياء، فإذا ﴿خَلَوْا إِلَى شَيطِينِهِمْ www. modoee.com ١٣١ حرف الغين قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا غَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤ باليوم الآخر وبما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة، فإن القضية تحسم فی حسه حسمًا ]! لأنها كلها معوقات عن المتاع فى الفرصة والوحيدة المتاحة للمتاع! کاملا وتستقر الأمور، فکل نعیم فى الدنيا لا يقاس إلى نعيم الآخرة، ولا يساوي من جهة ویتقاتل الناس، ویموت منهم من يموت، ولكنهم يموتون وهم يقاتلون في سبيل هذا المتاع الأرضي، فإذا قيل لهم: تعالوا قاتلوا فى سبيل الله، أو فى سبيل الحق المجرد الذى لا مصلحة لهم فيه مباشرة، هزوا أكتافهم وأعرضوا عنك، إن لم يهبوا لمقاتلتك أنت؛ لأنك تدعوهم إلى شىء يفسد عليهم مصالح الدنيا ومتاع الأرض! أخرى غمسةً واحدة فى العذاب من أجله، وكل عذابٍ فى الدنيا -فى سبيل الله- لا يقاس إلى عذاب الآخرة ولا يوازي من جهة أخرى غمسة واحدة من أجله فى النعيم. وعندئذ يقدر الإنسان على موازنة ثقلة الأرض، ويقدر على الارتفاع إلى القيم العليا والأخلاق الفاضلة والمثل الرفيعة؛ لأن يوقن بالجزاء الذی سوف یناله علی ذلك کله: ﴿قُلْ أَوْ نَبِئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهِّرَةٌ وَرِضْوَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبََّآَ إِنَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَِّينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَنِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٥ - ١٧]. ومن ثم تهبط القيم فى الجاهليات وتنحصر الآفاق، كما يضعف الضمير وتفسد الأخلاق. إنه لا شيء يرفع الإنسان من ثقلة الأرض -بعد الإيمان بالله- إلا الإيمان باليوم الآخر. الإيمان بأن كل متاع زائد يتنازل عنه الإنسان فى الحياة الدنيا -طاعة لله والتزامًا بأمره- يعوض عنه فى الآخرة متاعًا أشف وأعلى وأخلد وأبقى. والإيمان فى ذات الوقت بأن كل خروج على أمر الله فى الحياة الدنيا -من أجل متاع الأرض الزائل - سيجازى عليه فى الآخرة عذابًا ليس فى طوق البشر احتماله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُمَا نَضِبَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]. ٥. الخلود في جنات النعيم. إن أعظم ثمرات الإيمان بالغيب، -وأركان الإيمان إنما هي في حقيقة الأمر إيمان بالغيب- هي دخول النعيم والخلود فيها أبدًا، ويرسم القرآن الكريم صورًا وضيئة وجميلة للمؤمنين يعرض فيها أما حين يؤمن الإنسان بالغيب، فيؤمن خصالهم وأحوالهم، وأثر الإيمان فى قلوبهم ١٣٢ ◌َالنَّسَبـ جوي القرآن الكريم الغيب وسلوكهم، تجعلنا نحبهم ونحب أن نكون دائمًا: لا) ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيْكَ اَلْقُّ منهم؛ لتنطبق علينا تلك الأوصاف الجميلة، ولنحظى برضا الله فى الدنيا والآخرة. وهذه الصور والأوصاف كثيرة فى القرآن؛ لأن فيها دروسًا تربوية يربينا بها الله سبحانه وتعالى حتى تستقيم فطرتنا ويستقيم سلوكنا وتصلح أحوالنا. وإليك بعض النماذج منها: قال تعالى: ﴿أَفَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ زَّيَكَ اُّْ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ إِّ يَنَذَّكَّرُ أُوْلُوا ◌ْأَلْبِ ) الَّذِينَ يُوقُّونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِشَقَ وَاُلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهَ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوْءَ الْحِسَابِ ) وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَآءَ وَجْهِ رَيْهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِنَّا رَزَقْتَهُمْ مًِّ وَعَلَئِيَةٌ وَيَدْرَهُونَ بِالْمَسَنَّةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَ الَّارِ ( جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَِّهِمْ وَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِمَّ وَالْمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم ◌ِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ١٩- ٢٤]. تبدأ الآيات بموازنة بين المؤمنين والكافرين يتبين منها لأول وهلة أنهم مفترقون بعضهم عن بعض فى صفاتهم ومقومات حياتهم وفكرهم. والقرآن يصف المؤمنین بأنهم هم الذين يعلمون أن ما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه هو الحق، بینما یصف الآخرين بأنهم عمی. ثم يسأل هذا السؤال الإنكاري (أي الذى جوابه كَمَنْ هُوَ أَعْمَ﴾ [الرعد: ١٩]؟ والجواب لابد أن یکون: لا! فمن یقول: إن الأعمی کالبصير، وإن من یعلم کمن لا يعلم؟! والتعبير القرآنى الجميل يوحي إلينا بأن من يعلم أن القرآن والوحي حق هو المبصر، الذى يسير في الطريق على نور، ولا يتخبط فى سيره؛ لأنه يرى ما حوله، بينما الذى يشك فى الوحي ولا يتبعه هو الأعمى الذى يتخبط فى الطريق؛ لأنه لا يراه. وهذه حقيقة، فإن المؤمن يعرف - من وحي إيمانه- ما هى غايته فى الحياة، وما الطريق الذى ينبغي أن يسلكه ليصل إلى غايته. فغايته هى إرضاء الله سبحانه وتعالى والتقرب إليه، ووسيلته هي الأعمال الصالحة، هي الطاعة لأوامر الله. بينما الكافر لا يعرف لماذا يعيش، إلا لإرضاء ملذاته القريبة، غافلًا عن النهاية التي تنتظره فى آخر الطريق. ثم تجيء الصفات التي يتصف بها هؤلاء المؤمنون الذين يستحقون دخول الجنة، إن الصفة الكبرى التى يتصف بها أولئك العالمون بأن القرآن حق هى أنهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، ولا تحدد الآية عهدًا معينًا ولا ميثاقًا معينًا، إنما تشمل كل عهد وكل ميثاق مع الله. والعهد الأكبر هو الذي أودعه الله في الفطرة وأشهد الفطرة عليه، وهو عبادة الله الواحد بلا شريك: www. modoee.com ١٣٣ حرف الغين ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَنْ شَهِدْنَاْ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ولا تنتهي صفة المؤمنين بأنهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، بل يستمر السياق فيصفهم بأنهم: يصلون كل ما أمر الله به أن یوصل بإطلاق وعموم وشمول، ومع القيام بهذه الصلات التى أمر الله بوصلها فهم يخشون ربهم، وهي خشية بالغيب، وهذه الخشية تجعلهم يتصرفون فى أمورهم بما يرضي الله، فيتعاملون بالصدق والأمانة والإخلاص؛ خشية أن یغضب الله عليهم، وكذلك يخافون سوء الحساب، فيتجنبون الأعمال والأقوال التى تعرضهم للحساب الشدید، مع سائر ما وصفهم الله تعالی به من صفات. ثم یرتب الله تعالی علی ذلك كله هذا الجزاء العظيم الذي يتطلع إليه المؤمنون، وياله من جزاء! ويالها من جائزة جميلة على السلوك الجميل! تتجاوزهم لتصل إلى من صلح من الآباء والأزواج و الذريات. ثم يكون التكريم والفضل الآخر العظيم والاحتفاء الكبير: ﴿أُوْلَكَ لَمْ عُقْبَ الدَّارِ ) جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَّبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ ٢٢ وَذُرِّيَّتِهِمَّ وَالْمَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَِهِم مِّنِكُلِّ بَابٍ سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبْتُمْ فِعْمَ عُقْىَ النَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢ -٢٤]. وحسبنا في هذا المقام هذه الإشارة التي تومئ إلى الآيات الكريمة التي تتضافر لتدل على هذا الأثر للإيمان في الخلود بجنات النعيم، ونسأله تعالى الجنة وما يقرب إليه من قول أو عمل أو اعتقاد. ثانيًا: نتائج إنكار الغيب: ١. إنكار الغيب إلحادٌ ونقصٌ في العلم، وعائقٌ أمام التقدم العلمي. إن التنكر للغيب وجحوده من قبل الماديين، يبدو في مفهوم العلم المادي الحديث جهلاً وضلالًا وبعدًا عن العلم والحق؛ لأن العلم المادي لا يستطيع أن يحكم على الغيب؛ لأنه خارج عن مجاله، فلا يجوز علميًا إنكار شيء لأجل أنه غير مشاهد أو غير محس، أو لأنه غير قابل للتفسير. يقول الدكتور ألكسيس كاريل: ((وإذن فقد سجن الإنسان نفسه بطريقة تحكمية في حدود حواسه الخمس منذ عصر النهضة (الأوربية). أما اليوم: فنحن نعرف الكثير من ظواهر التليبائي أو (انتقال الأفكار) التي لا تقبل النقض (١). ولا شك أن طبيعة (١) كنداء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة المنورة السارية بن زنيم في العراق عندما كان على رأس جيش الفتح لبعض البلاد. فبينما عمر يخطب جعل ينادي: ((يا ١٣٤ مُوسُو ◌َرُ النَّفْسِيْ القرآن الكريم الغيب التلييائي ورؤية الماضي والتنبؤ بالمستقبل لا تزال غیر معروفة في أيامنا هذه، کما کانت في عهد أرسطو، ولکنا نعلم أنه لا يجوز لنا بحالٍ ما أن ننكر ظاهرة لمجرد أنها غير قابلة للتفسير أو عسيرة على الملاحظة))(١). وبمقدار ما وهب الله تعالى الإنسان من القدرة على إدراك قوانين المادة، والتعرف علی طاقات الكون ومذخوراته، بمقدار ما حجب عنه من أسرار هذا الوجود وخفاياه؛ ولذلك نجد الذین یتشدقون بالعلم والمنهج العلمي اليوم، لينكروا الغيب أو ما وراء عالم الحس والمادة، نجدهم متناقضين مع العلم الذي يفرحون به؛ لأن العلم نفسه يقف أمام کثیر من الظواهر لا یستطیع لها تفسیرًا ماديًا، وإنما يخضعون فيها لقدر غيبي، جعله الله تعالی جزءًا من نواميس الكون. ويؤكد هذا ويوضح مبدأ عدم التأكد (نظرية هيزنبرغ) الذي أسهم بمشاركة مهمة في تركيب الذرة، فقد توصل من خلال أبحاثه النظرية على التركيب الذري، إلى ساري الجبل ثلاثًا! ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا، فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مناديًا: يا سارية الجبل، ثلاثًا، فأسندنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم الله. فقيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك)). انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ١٣١/٧، والسلسلة الصحيحة، الألباني ٣/ ١٠١. (١) تأملات في سلوك الإنسان، إلكسيس كاريل، ص ١٦٢. مبدأ عدم التأكد الذي ينص على ((استحالة تعیین موقع الإلكترون وسرعته معًا وبدقة)». وفي ضوء هذا المبدأ يلاحظ أن المنهج العلمي التجريبي نفسه يقوم على الاحتمال، فهو يفترض أشياء وتجارب خيالية مستحيلة ثم يبني عليها نظريات معينة(٢). وهذا كله وغيره أيضًا يؤكد أن إنكار الغيب إلحادٌ ونقصٌّ في العلم وعائق أمام التقدم العلمي، فلو كان الإيمان بالغيب والتطلع إليه عنصرًا من عناصر الفكرة الدينية أو العقيدة وحدها، لكان الإنكار للغيب وما وراء الحس إلحادًا فحسب، ولو كانت هي النتيجة الختامية لتقدم العلوم واتساع أفقها لكان هذا الإنكار نقصًا في العلم وقصرًا في النظر وكفى. ولكن تلك الفطرة للإيمان بالغيب بنت الغريزة و الجبلة، فالأمر أعظم من النقص في العلم، إنه نكسة في فطرة الإنسان ترده إلى مستوى الحيوان الأعجم (٣). ٢. اتباع الهوى والشهوات والركون للدنيا. (٢) انظر: الكيمياء العامة تفاعل المادة، الطاقة، الإنسان، تأليف فريدريك لونجو، ترجمة مروان کمال ومجموعة أساتذة جامعیین، ص ٦٦-٦٨، عالم الغيب والشهادة في التصور الإسلامي، عثمان جمعة ضميرية، ص ٥٧- ٦١. (٣) انظر: الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأدیان، محمد عبد الله دراز، ص٩٥. www. modoee.com ١٣٥ حرفالغين عندما يغيب الإيمان بالغيب، وعندما يغفل الإنسان عن الآخرة وما فيها من حساب وجزاء، عندئذ یقع الإنسان فريسة الأمراض التي تصيب الفطرة البشرية، فيغلب عليه اتباع الهوى والشهوات التي تجعل الإنسان عبدًا لها، وتسيطر عليه فلا يستطيع الخلاص منها، وهي التي تورده المهالك وتنزل فيه بالدركات. أحكامًا إلهیة یأمر الله تعالی البشر أن يلتزموا بها وينفذوها؛ لتستقيم حياتهم وتتوازن. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسُ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، وَرُسُلَهُ. بِالْغَيْبٍ إِنَّاللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. ولكن حين يغلب عليها الهوى وحب الشهوات فإنها تضيق بما أنزل الله، وتحب أن تتبع شهواتها. وفى ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَآءَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١]. ﴿فَإِنِ لَّمْ يَسْتَجِيبُوْ لَّكَ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَ هُمَّ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَّبَعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِهُدِّى مِنَ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النَِّلِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْمِ وَالْحَرْثُ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيّا وَالَهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَشَابِ﴾ [آل عمران: ١٤]. ومن أجل هذه الشهوات يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة كما يصفهم الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اُسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ ذلك أن دين الله المنزل يشمل دائمًا اٌلْكَفِرِينَ ﴿ أُوْلَبِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ وَأَوْلَتِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٧-١٠٨]. الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى اُلْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَأْ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَلٍ بَعِيدٍ﴾[ إبراهيم: ٣]. وهؤلاء يرفضون الهدى الرباني، ويرفضون أن يعترفوا بالوحي المنزل من عند الله تعالى، ولو استيقنوا في دخيلة أنفسهم أنه الحق؛ لأنهم لو اعترفوا لكان عليهم أن يلتزموا، وهم يكرهون الالتزام بما أنزل الله؛ لأن شهواتهم تغلبهم وتثقل في حسهم؛ لذلك ينكرون أن ما جاء من عند الله هو الحق، ویجادلون فیه بالباطل، ويضعون قواعد وموازين للحياة وللأعمال غير ما قرر الله، ثم يزعمون أنهم هم الذين على الحق، وأن ما يتبعونه من نظم وقواعد وموازين أحق أن يتبع مما أنزل الله، فيقعون ١٣٦ جَوَسُولَةُ النفسية لِلْقُرآن الكَرِيمِ