النص المفهرس

صفحات 21-40

الغيب
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: (أوتيت عليه السلام: ﴿قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَائِ.
إِلَّا نَبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَّكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا
عَلَّمَنِ رَبِيُّ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ
وَهُم بِالْأَخِرَوَ هُمْ كَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧].
مفاتيح كل شيءٍ إلا الخمس: ﴿إِنَّ اللّهَ
عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية)(١).
وهذا النوع من الغيب هو الذي يشير إليه
قول الله تبارك وتعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا
يُظْهِرُ عَلَى غَيْمِهِ: أَحَدًّا (٦) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن
رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦-٢٧].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
◌ِيُعْلِمَّكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِ مِن رُسُلِهِ، مَنْ
يَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
والمراد بالاطلاع على الغيب -في الآية
الكريمة- علم ما سيقع قبل أن يقع على
تفصيله، فلا يدخل في هذا ما يكشف لهم
عن الأمور المغيبة عنهم (٢).
فالمدعى في هذا النوع شيئان:
أنه لا سبیل إلی علمه من غیر إخبار الله
تعالی.
أنه لا يصل إلى علمه عن الله تعالی
أحدٌ غير الأنبياء.
وعلى هذا الفهم لهذا النوع من الغيب
بحصر معرفته بإعلام الله تعالى لمن ارتضى
من أنبيائه ورسله ينزل قوله تعالى عن يوسف
«هذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن
ولم يخرجوه)).
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٨٥، وأبو يعلى
في المسند رقم ٥١٥٣. ويشهد له ما في
الصحیحین كما تقدم.
(٢) انظر: فتح الباري ٣٦٤/١٣.
وقوله تعالى عن عيسى عليه السلام فيما
أعطاه الله من المعجزات: ﴿وَرَسُولًا إِلَى يَقِيّ
إِسْرَِّيلَ أَنِّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِكَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمُّ أَنَّ
أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ اَلِّينِ كَهَّئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ
فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا ◌ِذْنِ اللّهِ وَأَبِىُّ الْأَكْمَةَ
وَاُلْأَبْرَصَ وَأَخِيِ اَلْمَوْقَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أَنَبِّئُكُمْ بِمَا
تَأْكُونَ وَمَا تَتَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَةٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩].
وكذلك إخباره عليه السلام عن أشياء
كثيرة مما أطلعه الله تعالى عليه من فتوحاتٍ
إسلامية وقعت کما أخبر بها نبينا محمد صلى
الله عليه وسلم، واستشهاد بعض الصحابة،
والشهادة لبعضهم وبشارتهم بالجنة، وما
يكون من علامات بين يدي الساعة، في أمور
كثيرة جدًا واردة في الصحاح وغيرها(٣).
ثانيًا: الغيب النسبي أو الإضافي:
وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين
دون بعض، أو غاب عنهم في حال دون
حال، بحيث يمكن التعريف به في الدنیا، إما
(٣) انظر: المختار من كنوز السنة، محمد عبد الله
دراز ص ٢٩٨ - ٣٠٠، تفسير المنار، محمد
رشيد رضا ٧/ ٤٢٢-٤٢٦ وما بعدها، الوحي
المحمدي، محمد رشيد رضا، ص ٢٠٨.
www. modoee.com
٩٧

حرفالغين
مطلقًا، أو بشروط واستعدادات لذلك. وهو
ينطوي على أربع مراتب.
حواسك، ولكن يتناوله غيرك بالمشاهدة،
كالعلم بالأقطار النائية، والطبقات الأرضية،
والأجهزة الداخلية للإنسان والحيوان.
فهذا غيب بالنسبة لبعض الخلق دون
بعض، وقد یعلمه الغائب عنه بسماع أخباره
المتواترة عمن شاهده و علمه، فيمكن معرفة
هذا النوع مطلقًا، وعندئذ لا یکون غيبًا، أي:
بعد هذه المعرفة (١).
المرتبة الثانية: أن يغيب الشيء عن
الحواس، ولا يمكن التعريف به في الدنيا
بحال من الأحوال؛ إذ تختلف طبيعته
عما عرفناه نحن فى حياتنا الدنيا، كالحياة
البرزخية وما فيها.
فهذا غيبٌ عنا، ولا نستطيع أن نتعرف
عليه حاليًا، بل نعقل وجوده بالخبر الصادق،
ولم نمر بتجربة أو حال تعرفنا على هذا
النوع من عالم الغيب، فهذا يعرفه من یعیش
في العالم البرزخي، وكذلك كل ما يعلمه
الملائكة عليهم الصلاة والسلام من أمر
عالمهم، لا يعلمه البشر مثلًا.
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية
٧٣/٥، والمنار، محمد رشيد رضا ٤٢٢/٧،
وفتح الباري، ابن حجر ٣٦٥/١٣، و المختار
من كنوز السنة، محمد عبد الله دراز، ص
٢٩٨.
المرتبة الثالثة: أن يغيب الشيء عن
حواسنا، ولا يمكننا التعرف عليه في الدنيا
المرتبة الأولى: أن يغيب الشيء عن إلا على وجه مجمل، فقد أخبر الله سبحانه
وتعالى في القرآن الكريم: أن في الجنة لحمًا
ولبنا وعسلًا وخمرًا، ونحو ذلك. وهذا
يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكنه ليس
مثله ولا هو حقيقته. والإخبار عن الغائب
لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة
معانيها في عالم الشهادة، و هذه یعلم بها ما
في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع
العلم بالفارق المميز بينهما، وأن ما أخبر
الله به من الغيب أعظم مما يعلم في عالمنا
المشاهد. وفي الغائب ما لا عينٌ رأت، ولا
أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر(٢).
وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة
رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، قال: (يقول الله: أعددت لعبادي
الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت،
ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم:
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَّ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَآً
بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾﴾(٣).
فما لا يخطر بالقلوب، إذا عرفت به لم
تعرفه إلا إذا كان له نظير، وإلا لم يمكن
(٢) الرسالة التدمرية، ابن تيمية، ص٦١ - ٦٢،
وهي في مجموع الفتاوى أيضًا ١/٣-١٢٨.
(٣) أخرجه البخاري في بدء الخلق ٣١٨/٦، وفي
التفسير ٥١٥/٨، ومسلم في الجنة وصفة
نعيمها ٤ / ٢١٧٤.
٩٨
جوبيه
القرآن الكريم

الغيب
التعريف به على وجهه(١).
المرتبة الرابعة: أن يغيب الشيء عن
حس الناس جميعًا، ولکنه یکون في متناول
عقولهم، يعرفونه بشروط واستعدادٍ لذلك؛
فإن لبعض الغيوب أسبابًا قد يستدل بها
عليها.
ومن هذه الشروط والأسباب:
١. التجربة والمقايسة.
كعلم ما سيقع في العام أو الأعوام
المقبلة من الكسوف والخسوف، والشروق
والغروب، ومنازل الشمس والقمر، ونحو
ذلك، استنباطًا من التجارب الكونية، التي
أجرى الله تعالى بها سنته في سير الكواكب،
وقال في شأنها: ﴿فَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اَلَّيْلَ
سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانً ذَلِكَ تَقْدِيرُ
اَلْعَهِزِ اَلْعَلِيمِ ﴾ [الأنعام: ٩٦].
﴿وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ أَلْسِنِينَ
وقال:
وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢].
٢. الاستدلالات العقلية.
كما نعلم حياة الجنين بتجربته، وكما
نستدل على عقل الرجل بمنطقه، أو بالخلق
على خالقه.
فهذا کله من الغيب الذي يتناوله العلم،
بل يتناوله الإيمان الذي هو أخص من
العلم؛ فإنه علمٌ يطمئن إليه القلب ويرتاح له
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية
٧٣/٥.
الوجدان(٢).
مفاتح الغيب:
إن مفاتح الغيب التي سبقت الإشارة
إليها، هي الطرق والوسائل التي يتوصل بها
للغيب أو على خزائن الغيب؛ لأن علمها
كلها خاصٌّ به تعالى، وأما الأمور التي لها
أمارات، مثل: أمارات الأنواء، وعلامات
الأمراض عند الطبيب، فتلك ليست من
الغيب، بل من أمور الشهادة الغامضة،
وغموضها متفاوت، والناس في التوصل
إليها متفاوتون، ومعرفتهم بها من قبيل الظن
لا من قبیل الیقین، فلا تسمی علمًا.
وقيل: المفاتح جمع مفتح -بفتح الميم-
وهو البيت أو المخزن الذي من شأنه أن
یغلق علی ما فیه ثم يفتح عند الحاجة إلى ما
فيه. ونقل هذا عن السدي، فيكون استعارة
مصرحة، والمشبه هو العلم بالغيب، شبه في
إحاطته وحجبه المغيبات ببيت الخزن تشبيه
(٢) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٧٣/٥،
ويقول أيضًا في مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٥٦:
«أما العلم بالعادة في الكسوف والخسوف،
فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما،
وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم
الغيب ولا من باب ما يخبر به من الأحكام
التي يكون كذبه فيها أعظم من صدقه، فإن
ذلك قول بلا علم ثابت وبناء على غير أصل
صحيح)). وانظر: فتح الباري، ابن حجر
٣٦٥/١٣، المختار من كنوز السنة، د.محمد
عبد الله دراز ص ٢٩٨، مرقاة المفاتيح شرح
مشكاة المصابيح لملا علي القاري ١/ ٦٢.
www. modoee.com
٩٩

حرفالغين
معقولٍ بمحسوس(١).
وقد جاء النص صريحًا أن هذه المفاتح
لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، يقف
الإنسان - مهما أوتي من العلم - عاجزًا عن
إدراك شيء منها، بل إن أحدًا من الأنبياء
والمرسلين والملائكة المقربين عليهم
الصلاة والسلام لا يعرف عنها شيئًا (٢).
فقد روى الإمام أحمد رحمه الله عن
رجل من بني عامر أنه قال للنبي صلى
الله عليه وسلم: (فهل بقي من العلم شيء
لا تعلمه؟ قال: (قد علمني الله عز وجل
خیرًا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله عز
وجل: الخمس ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
الآية)(٣).
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: (جاء
رجل من أهل البادية إلى النبي صلى الله
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور: ١٣٦/٦.
(٢) ولا يفهم من هذا أن الغيب محصور في تلك
الخمس التي ذكرها الله تعالى من سورة
لقمان وفسر بها النبي عليه الصلاة والسلام
مفاتح الغيب، فقد صرح الله تعالى في القرآن
الكريم بغيرهن في مواطن كثيرة من ذلك:
حقيقة الروح، وتفصيل بدء الخلق وتفصيل
النشأة ... إلى غير ذلك. وإنما اقتصرت الآية
على تلك الخمس؛ لأن النفوس كلها تتطلع
وتتشوق إلى معرفتها، ولأنها وردت مجموعة
في سؤال الناس للنبي كما سيأتي في السياق.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣٠٧/٣٨،
والنسائي في عمل اليوم والليلة، رقم ٣١٦.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٤٧٧/٦، رقم ٢٧١٢.
عليه وسلم فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني
متی تلد؟ وبلادنا مجدبةٌ فأخبرني متی ینزل
الغیث؟ وقد علمت متی ولدت فأخبرني متی
أموت؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ.
عِمُ السَّاعَةِ﴾)(٤).
وفيما يلي إلماعة موجزة إلى كل هذه
المفاتح، وبالله التوفيق.
٣. علم الساعة.
كانت قضية البعث وقيام الساعة وما
فيها أمرًا من أشد الأمور غرابة على حس
المشركين الذين واجههم النبي صلى الله
علیه وسلم بعد أن ابتعدوا عن دين إبراهيم
الخليل عليه السلام دين التوحيد، وكانوا
يستبعدون وقوعها، ويعجبون لذلك أشد
العجب، ويستنكرون ذلك أشد الاستنكار،
وقد حكى الله سبحانه وتعالى عنهم ذلك
فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَذُلُكُمْ عَلَى
رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقِ
جَدِيدٍ ﴾ [سبأ: ٧-٨].
ولقد أنفق الرسول صلى الله عليه وسلم
جهدًا كبيرًا في تقرير حقيقة البعث والقيامة
في نفوس الناس؛ إذ لا تستقيم حياة أمة من
الأمم ما لم يستقم أمر الآخرة، عقيدة راسخةً
في ضميرها.
وفي هذا يقول الأستاذ سيد قطب رحمه
الله: ((إن العقيدة في الآخرة فسحة التصور،
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٨٨/٢١.
١٠٠
جَوَبُور
لِلْعُرآن الكَرِيْمِ

الغيب
وسعة النفس، وامتداد في الحياة ضروريٍّ وتعالى: ﴿يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا
عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ
قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣].
في تكوين النفس البشرية ذاتها لتصلح أن
تناط بها وظيفة القيادة للبشرية والشهادة
عليها.
كذلك هي ضرورية لضبط النفس عن
شهواتها الصغيرة ومطامعها المحدودة،
ولفسحة مجال الحركة حتى لا تيئسها
النتائج القريبة، ولا تقعدها التضحيات
الأليمة عن المضي في التبشير بالخير وفعل
الخير، والقيادة إلى الخير على الرغم من
النتائج القريبة والتضحيات الأليمة، وهي
صفات ومشاعر ضرورية كذلك للنهوض
بتلك الوظيفة الكبيرة.
والاعتقاد في الآخرة مفرق الطريق بين
فسحة الرؤية والتصور في نفس الإنسان،
وضيق الرؤية واحتباسها في حدود الحس
في إدراك الحيوان، وما يصلح إدراك
الحيوان في قيادة البشرية والقيام بأمانة الله
في الخلافة الراشدة)»(١).
والساعة غيبٌ اختص الله تعالى به
واستأثر بعلمه، فلم يطلع عليه أحدًا من
خلقه جميعًا، بما فيهم الأنبياء المرسلون
والملائكة المقربون، رغم ما كان من
إكثار المشركين من السؤال عنها، استبعادًا
لوقوعها وتعنتًا منهم وجحودًا، فقال سبحانه
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٠٦٨/٧ -
١٤٠٨/٩،١٠٧٣.
وقال: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن
ثَمَرَتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ
إِلَّا بِعِلْمِهٍ، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَذِى قَالُواْ
ءَذَنَّكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧].
وقال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا
لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥].
وقال: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُرْسَهَا )
فِيَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَهَ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَنَهَا إِنَّمَا أَنْتَ
مُنْذِرُ مَن يَخْشَهَا﴾ [النازعات: ٤٢-٤٥].
وعندما سأل جبريل عليه السلام النبي
صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ قال: (ما
المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك
عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها، وإذا
تطاول رعاة الإبل البهم، في البنيان في
خمسٍ لا يعلمهن إلا الله. ثم تلا النبي عليه
السلام: ﴿إِنَّاللَّهَ عِندَهُ عِلِمُ السَّاعَةِ﴾﴾(٢).
وإذا استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمٍ
الساعة، فلا فائدة تتحقق من وراء البحث
عن زمن وقوعها؛ لأن هذا خارج عن طوق
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم
عن الإيمان والإسلام والإحسان، ١/ ١٩،
رقم ٥٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان،
٤٠/١، رقم ١٠.
www. modoee.com
١٠١

حرفالغين
العلم البشري، فحريٌ بالعاقل أن یکون علی
استعداد لها وتھیؤ، فما كان إخفاؤها إلا
لحكمة كبرى، فلا يتشاغل الناس عنها إذا
کانت بعيدة عنهم، ولا ينصرفون عن العمل
للحياة الدنيا إذا كانت قريبة لهم. ولذلك
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لمن
يسأله عن الساعة: (ويحك! إن الساعة آتيةٌ،
فما أعددت لها؟)(١).
ولئن حجب الله تعالى علم الساعة عن
الخلق، فإن حكمته جل شأنه اقتضت أن
يكون بين يدي الساعة أمارات وأشراط،
تأتي مقدمة لها بين يديها؛ إيقاظًا للغافلين
وحثًا لهم على التوبة والاستعداد، فقد قال
الله سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ
رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ
٢ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّاً
أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ حمّلَهَا
وَتَرَى النَّاسَ سُكََّرَى وَمَا هُم بِسُكَرَىْ وَلَيْكِنَّ
عَذَابَ اَلَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١- ٢].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةٌ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَالُهَا فَأَنَّ لَهُمْ
إِذَا جَآءَ تُهُمْ ذِكْرَنَهُمْ﴾ [محمد: ١٨].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَشَلُونَكَ عَنِ السَّامَةِ
أَيَانَ مُرْسَهَا فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَتَهَا﴾ [النازعات:
٤٢-٤٣].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
الصحابة، باب مناقب عمر رضي الله عنه،
١٢/٥، رقم ٣٦٨٨.
فبعثة الرسول محمدٍ صلى الله عليه
وسلم من علامات الساعة و أشراطها؛ لأنه
خاتم الرسل الذي أکمل الله تعالی به الدین
وأقام به الحجة على العالمين، وقد أخبر عن
علامات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك
وأوضحه، بما لم يؤته نبيٌّ قبله؛ ولهذا جاء
في أسمائه عليه السلام: نبي التوبة ونبي
الملحمة، والحاشر الذي يحشر الناس على
قدمیه، و العاقب الذي ليس بعده نبيِّ.
وهذه العلامات إما أن تكون علاماتٍ
على قرب الساعة ووقوعها، وإما على
حصولها.
فمن النوع الأول: الدجال، ونزول عيسى
عليه السلام، ويأجوج ومأجوج، والخسف
ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من
مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر
الناس(٢).
وهذه العلامات والعلم بها لا ينافي ما
سبق من اختصاص الله سبحانه وتعالى بعلم
الساعة؛ لأن علم قربها لا يستلزم علم وقت
مجيئها معینًا.
وكذلك فإن معرفة هذه العلامات لا
تعطي الإنسان علمًا بوقت وقوعها متى
يكون؟ فهي تأتي بغتة تفجأ الناس وتبغتهم،
وهم عنها غافلون.
(٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٣٥٢/١١-
٣٥٣.
١٠٢
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الغيب
قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَِّ
اُللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَعْتَةً قَالُواْ يَحَسْرَكَنَا عَلَى
مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمَّ أَلَا
سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ
غَشِيَةٌ مِنْ عَذَابٍ اُلَّهِأَوَ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ
لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٧].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (ولتقومن الساعة
وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه
ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف
الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن
الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه،
ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا
يطعمها)(١).
وروى سهل وأنس وأبو هريرة رضي الله
عنھم أن الرسول علیه السلام قال: (بعثت أنا
والساعة كهاتين) يشير بإصبعيه)(٢).
وعن المستورد بن شداد رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب طلوع الشمس من مغربها، ١٠٦/٨، رقم
٦٥٠٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن،
باب قرب الساعة، ٢٢٧٠/٤، رقم ٢٩٥٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب قول النبي: (بعثت أنا والساعة كهاتين)،
٨/ ١٠٥، رقم ٦٥٠٤، ومسلم في صحيحه،
كتاب الفتن، باب قرب الساعة، ٢٢٦٨/٤،
رقم ٢٩٥١.
(بعثت في نفس الساعة فسبقتها، كما سبقت
هذه لهذه) لأصبعيه السبابة والوسطى)(٣).
وعن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا
عتبة بن غزوان، فحمد الله وأثنى عليه ثم
قال: ((أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم
وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابةٌ كصبابةً
الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون
منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما
بحضرتكم)» (٤).
٤. إنزال الغيث.
والمفتاح الثاني من مفاتح الغيب بعد
علم الساعة هو إنزال الغيث، وهو آية الله في
خلقه على إمكانية قيام الساعة حيث يحيي به
الأرض بعد موتها.
والله سبحانه وتعالى وحده الذي ينزل
الغيث ويختص بالقدرة على إنزاله، ويختص
بعلمه علمًا کاملاً شاملاً. فهو ینزله في إبانه
من غير تقديم ولا تأخير في بلد لا يتجاوزه
به، وبالقدر الذي يريده وتقتضیه حكمته،
فهو اختصاص قدرة واختصاص علم.
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَّهَ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب القدر،
باب ما جاء في قول النبي: (بعث أنا والساعة
کهاتین)، ٤ / ٢٢١٣،٤٩٦.
قال الترمذي: «هذا حدیث غریب).
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ص
٣٤٥، رقم ٢٣٣٩.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد،
٢٢٧٨/٤، رقم ٢٩٦٧.
www. modoee.com
١٠٣

حرف الغين
ءَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ تَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾
٦٨
[الواقعة: ٦٨-٦٩].
وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءٌ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ
تُِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠].
وقد تجري بعض المحاولات البشرية،
فيما أسموه (المطر الصناعي)، والمقصود
منه حتى الآن هو: عصر السحب الممطرة
أو القابلة للإمطار، وذلك بتوليد حالات من
فوق التشبع داخلها بطرق صناعية، کقذف
بلورات من الثلج الجاف مباشرة بواسطة
الطائرات أعلى السحب الركامية، لا تلبث
أن تسقط إلى المناطق الوسطى من تلك
السحب لتبدأ قصة سقوط المطر الصناعي.
أو بقذف مسحوق بدلًا من بلورات الثلج،
أو حرقہ بحیث یکون سحبًا کثیفة، أو برش
نقاط من الماء أسفل السحب وأعلاها.
ولكلٍ من هذه الطرق ظروفها الخاصة (١).
وهذا لا يعني أن البشر يستطيعون إنزال
الغیث، أو أن ذلك بمقدورهم، فالله تعالى
وحده هو الذي خلق الأسباب الكونية
لإنزال المطر، وجعل تلك الخصائص
للسحب وتركيبها بعامة، والسحب الركامية
خاصة، التي خصها الله تعالى بنزول
البرد ونشوء الرعد والبرق، وكذلك توفير
(١) انظر: الله والكون، محمد جمال الدين
الفندي، ص١٧٩.
الظروف المناخية لنزول الغيث، والهواء
الصاعد المحمل ببخار الماء، كل هذا خلقه
الله تعالی ولیس یإمکان البشر ذلك.
فكان إنزال الغيث مختصًا بالله تعالى
وحده. وليس هنالك عاقل يزعم أن ذلك
بمقدوره، وحتى الكفار قديمًا حكى الله
تعالى إقرارهم بذلك فقال: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُم
مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ
مِنْ بَعْدٍ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦٣].
ولئن حاول بعض الناس التعرف
بالتجارب والمقاييس والعادات قرب نزول
المطر، ظنًا لا علمًا يقينيًا، إنهم لا يقدرون
على علم ذلك يقينًا؛ إذ إن التنبؤات الجوية
كثيرًا ما تخيب، والتجارب كثيرًا ما تختلف،
والعادة قد تخرق، والظنون تخطئ.
فلا يستطيع البشر أن يجزموا بشيء في
موعد نزول المطر وكميته أو عمومه على
الأرض، أو خصوصه لبقعة معينة، أو غير
ذلك من الصفات في إنزال المطر. ويبقى
العلم اليقيني لله وحده. وشتان بين علم
الله المحيط الشامل اليقيني وأوهام البشر
وظنونهم!
ولكن إن حجب الله تعالى هذا العلم عن
الخلق قبل إعلام الملائكة الموكلة بالمطر،
فإنه إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون
بذلك ومن يشاء الله تعالى من خلقه، فلا
١٠٤
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

الغيب
يكون عندئذ بعد هذا الإعلام غيبًا بالنسبة
لمن أعلمه الله تعالی به.
ويلاحظ أن الآية الكريمة عن مفاتح
وَيُنْزِكُ
الغيب قال الله تعالى فيها:
اَلْغَيْثَ﴾ فصيغة الآية لا تنفي أن أحدًا غير
الله تعالى يعلم إنزاله، بخلاف أول الآية في
قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ، عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
الذي يفيد الاختصاص. ولكن جاء الحديث
الصحیح وفسر ذلك، حیث أخبر النبي صلى
الله عليه وسلم عن هذه الخمس في سورة
لقمان بأنها هي مفاتح الغيب التي لا يعلمها
إلا هو. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومن هنا جاء التشديد عن النبي صلى
الله عليه وسلم على من يزعم معرفة شيء
من ذلك لمعرفته بالأنواء، فینسبه إلى منازل
القمر مثلًا، ففي حديث زيد بن خالد أنه قال:
(صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماءٍ كانت
من الليلة، فلما انصرف النبي صلى الله عليه
وسلم أقبل على الناس فقال: (هل تدرون
ماذا قال ربکم؟). قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: (قال أصبح من عبادي مؤمنٌ بي و کافٌ،
فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك
مؤمن بي وكافرٌ بالکو کب، وأما من قال
مطرنا بنوء كذا وكذا. فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ
بالکو کب)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب
والخلاصة: أن علم البشر متى يكون
نزول المطر هو أمرٌ مستحيل. ولا يرد على
ذلك أن بعض الناس يدرك نزول المطر متى
انعقدت أسبابه، بحيث يغلب على الظن
ذلك، إذا نشأ السحاب الممطر عادة، وهبت
الرياح التي يصاحب هبوبها نزول المطر،
وتهيأ الجو المشبع بالرطوبة، والذي تعتمد
عليه -وعلى غيره من الأسباب الأخرى-
الأرصاد الجوية في حدسها وظنونها، وما
لم تتعقد هذه الأسباب فلا أحد يعلم متى
ينزل المطر.
٥. ما في الأرحام.
والمفتاح الثالث من مفاتح الغيب هو
علم الأجنة. فالله سبحانه وتعالى وحده هو
الذي يعلم علمًا يقينيًا محيطًا شاملًا بما في
الأرحام، في كل لحظة وفي كل طور، فيعلم
قبل تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، يعلم
نوع الجنين الذي يقدر الله تعالى خلقه:
هل هو ذكر أو أنثى؟ وهل هو تام الخلقة أم
ناقص الخلقة؟ وهل هو سليم من التشوهات
أو غير سليم؟ هل هو واحد أو أكثر؟ وما
هي طبائع هذا الجنين بعد الولادة؟ إلى ما
هنالك من اختلاف في المقادير والصفات
والطبائع والأخلاق والشمائل والكسب
الاستسقاء، باب قول الله: (وتجعلون رزقكم
أنكم تكذبون)، ٢/ ٣٣، رقم ١٠٣٨، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من
قال: مطرنا بالنوء، ٨٣/١، رقم ٧١.
www. modoee.com
١٠٥

حرفالغين
والصنائع، والتقلبات في مقدار العمر ولكنه لن يستطيع أن يعود من ذلك بشيء -
والرزق والأوقات والأماكن، وغير ذلك إلا أن يكون ذلك الشيء جملة من الأوهام
من الأحوال التي لا يحصيها إلا بارئ النسم
ومحيي الرمم سبحانه.
ولما كانت للخلق في ذلك -لكثرة
الملابسات والمعالجات- ظنون في وجود
الحمل أولا، ثم في کونه ذکرًا أو أنثى ثانیًا،
ونحو ذلك بسبب ما أقام الله تعالى من
الأمارات الناشئة عن طول التجارب وكثرة
الممارسة عبر بالعلم فقال: ﴿وَيَعْلَهُ مَافِ
الأَزحامِ﴾ أي: من ذكر أو أنثى، حي أو میت
وغير ذلك، وبصيغة المضارع التي تدل على
التجدد وحدوث الفعل شيئًا فشيئًا، ووقتًا
بعد وقت(١).
٦. الکسب بالمستقبل.
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾،
هذا هو المفتاح الرابع، الكسب فيما يستقبل
من الزمن، من خير، أو شرٍ، من شقاء أو
سعادة، ومن کسپٍ مادي أو معنويٍ، ومن
صداقة أو عداوة، ومن صحة أو مرض،
ومن أحوال الناس وتقلباتهم في معاملته
لهم ومعاملتهم له، وغير ذلك من الأحوال
والكسب بعامة، لا يعلمه إلا الله سبحانه
وتعالى.
وقد جعل الله كل ذلك غيبًا مغلقًا أمام
الإنسان، يتطلع المرء لمعرفة شيء منه،
والظنون، مهما حاول بكل وسيلة، ومهما
أوسع الحيلة ليتعرف على ما يتشوق إليه من
ذلك الغيب المجهول الذي يحيط به.
يقول الإمام البقاعي رحمه الله: ((ولكون
الإنسان -مع أنه ألصق الأشياء وألزمه له-
لا یعلمه مع إیساعه الحيلة في معرفته، عبر
فيه بالدراية؛ لأنها تدل على الحيلة بتصريف
الفكر وإجالة الرأي - كما تقدم في سورة
يوسف عليه السلام أن مادة (دری) تدور
على الدوران، ومن لوازمه إعمال الحيلة
وإمعان النظر، فهي أخص من مطلق العلم
فقال: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ﴾ أي: من الأنفس
البشرية وغيرها ﴿ما﴾ وأكد المعنى بـ ﴿ذاء
وتجريد الفعل فقال: ﴿مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾
أي: في المستقبل من خير أو شرٍ بوجه من
الوجوه، وفي نفي علم ذلك من العبد - مع
كونه ألصق الأشياء به- دليلٌ ظاهر على نفي
علم ما قبله عنه؛ لأنه أخفى منه، وقد تقدم
إثبات علمه له سبحانه وتعالى، فصار على
طريق الحصر، وعلم أيضًا أنه لا يسند إلى
العبد إلا على طريق الكسب؛ لأنه لو كان
مخلوقًا له لعلمه قطعًا، فثبت أنه سبحانه
وتعالى خالقه، فعلم اختصاصه بعلمه من
هذا الوجه أيضًا))(٢).
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢١٧/١٥.
(٢) المصدر السابق ٢١٨/١٥-٢١٩.
مَوَسُولَة التقنية
القرآن الكريم
١٠٦

الغيب
٧. مكان الموت.
وهذا هو المفتاح الخامس من مفاتح
الغيب: مكان الموت و نهاية المرحلة في
هذه الحياة الدنيا، وهي المصير المحتوم
لکل مخلوق، ومع ذلك لا يستطيع الإنسان
ولا تستطيع أي نفس کانت أن تدري مكان
موتها، هل هو في الأرض التي ولدت فيها
أم في غيرها؟ في هذا البلد أو ذاك من بلاد
الله الواسعة المترامية الأطراف، وفي أي
بقعة أو مكان من هذا البلد أو ذاك؟ وهل
یکون ذلك في بر أو بحر أو سهل أو جبل.،
إلی غیر ذلك مما يقف الإنسان أمامه عاجزًا،
إذ لا يعلم ذلك كله إلا الخالق سبحانه الذي
أحاط بكل شيء علمًا.
وقد جاء في الحديث: (إذا أراد الله قبض
روح عبد في أرضٍ جعل له فيها -أو قال
بها- حاجةٌ)(١).
ولما كان علم مكان الموت، لا يعلمه
أحد من الناس بنوع حيلة، مع شدة حذره
منه وحبه - لو أنفق جميع ما يملكه لكي
يعلمه- عبر عنه بما عبر عن الذي قبله،
فقال مؤكدًا بإعادة النافي والمسند:
وانظر فتح الباري، ابن حجر ١٢٤/١، روح
المعاني، الألوسي ٢١/ ١١.
(١) أخرجه أحمد في المسند، ٤٢٩/٣،
والبخاري في الأدب المفرد ص ٣٧٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١١٨/١، رقم ٣١١.
تَدْرِى﴾ وأظهر؛ لأنه أظهر وأليق بالتعميم
فقال:
أي: من البشر وغيره
﴿نفس.
﴿بِأَِّ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ﴾، ولم يقل:
بأي وقت؛ لعدم القدرة على الانفكاك
عن الوقت، مع القدرة على الانفكاك عن
مكان معين، وإحاطة العلم بكراهة كل أحد
للموت، فكان ذلك أدل دليل على جهله
بموضع موته؛ إذ لو علم به لبعد عنه ولم
یقرب منه (٢)
.
الحكمة في أن للغيب مفاتح:
وقد تلمس بعض العلماء الحكمة فيما
جاء في الآية الكريمة وفي الحديث الشريف
من التعبير عن هذه الغيوب وأصولها بـ
(المفاتح)، فذكر الشيخ ابن أبي جمرة
الأندلسي (٣) أن الحكمة في أن للغيب مفاتح
تظهر في أمور، منها:
* تقريب الأمر على المخاطب؛ لأن أمور
الغيب لا يحصيها أحدٌ إلا عالمها،
وكل شيء حيل بينك وبينه فهو غيب.
وأقرب الأشياء في ذلك هي الأبواب،
والأبواب أقل ما يحبسها عن الفتح
وأيسرها المفاتيح، فإذا كان أيسر
الأشياء التي يعرف بها الغيب لا يعرف
لها أحدٌ موضعًا، فکیف یقدر أن یعرف
ما هو أکبر ومن ذلك؟ هذا محال. وهذا
(٢) نظم الدرر، البقاعي ٢١٩/١٥.
(٣) في كتابه: بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها
وما عليها ٤ /٢٧١.
www. modoee.com
١٠٧

حرفالغين
من أبلغ البيان وأخصره.
أنه أراد بالغيب: الغيب الذي لا يعلمه
أحدٌ حقيقة؛ لأن الغيوب على ما هي
عليه، وإن كانت لبعض الغيوب أسبابًا
قد يستدل في بعض المراد بها عليه
أن بذلك ليس حقيقيًا في علم تلك
الغيوب، وأما حقيقتها فلا يعلمها
إلا الله سبحانه وتعالى. ویشهد لهذا
التوجيه: قوله صلى الله عليه وسلم
کنایه عن الله سبحانه: (أُصبح من
عبادي مؤمنٌ بي و کافرُ، فأما من قال:
مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ
بي وكافرٌ بالكوكب، وأما من قال:
مطرنا بنوء كذا و كذا. فذلك كافرٌ بي
مؤمنٌ بالكوكب)(١).
حكمة حصر الغيب بهذه المفاتح:
وأمور الغيب ليست محصورة في هذه
الخمس التي جاءت في سورة لقمان وفي
حدیث مفاتيح الغيب -الذي سبق- فهي
لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى الذي
يعلمها کلها، بکلیاتها و جزئیاتها، وظواهرها
وبواطنها. فهي ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، لا على
معنی أن الغیب محصور فیھن -كما زعمه
بعضهم - فقد صرح القرآن الكريم بغيرهن
في مواطن كثيرة؛ من ذلك: معرفة حقيقة
الروح، و تفصيل بدء الخلق، و تفاصيل
(١) سبق تخريجه قريبًا.
مَوَسُو ◌َ الْبَشِير
الْقُرآن الكَرِيْمِ
النشأة الآخرة، و جنود الله، إلى غير ذلك.
وإنما اقتصر في الحديث على الأمور
المجموعة في آية لقمان المذكورة؛ لأن
النفوس كلها تتشوق لمعرفتها، ولأنها
وردت مجموعة في سؤال الناس للنبي
صلی الله عليه وسلم على ما روي في سبب
النزول، وقد تقرر أن العدد لا مفهوم مخالفة
له، بل يثبت مضمونه ولا ينفي ما زاد عنه (٢).
ولتقريب هذا إلى الأذهان جاء التعبير
بـ ﴿مَفَاتِعُ الْغَيْبِ﴾؛ إذ أن أقرب الأشياء
إلى الاطلاع على ما غاب عن الإنسان
هو الأبواب، والمفاتح أيسر الأشياء لفتح
الباب، فإذا كان أيسر الأشياء لا يعرف مكانها
فما فوقها أحرى أن لا يعرف ولا يعلم علمًا
حقيقيًا. وإن كان لبعض الغيوب أسبابًا قد
يستدل بها عليها، لكن ليس ذلك حقيقيًا،
ولما كان جميع ما في الوجود محصورًا
في علمه شبهه بالمخازن، واستعار المفتاح
لأبواب تلك المخازن.
وتلمس العلامة ابن أبي جمرة الأندلسي
رحمه الله الحكمة في حصر أمور الغيب
في هذه الخمسة، فوجدها في الإشارة إلى
حصر العوالم في هذه الخمس من المفاتح:
فالمفتاح الأول: ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ فيه
إشارة إلى علوم الآخرة كلها، ويوم القيامة
(٢) انظر: المختار من كنوز السنة، محمد عبدالله
دراز، ص ٢٩٧.
١٠٨

الغيب
أولها، وهو مفتاح علومها. وإذا انتفى علم
الأقرب انتفی ما بعده من باب أولى.
والمفتاح الثاني: (إنزال الغيث) إشارة
إلى علوم العالم العلوي، وخص منه المطر
مع أن له أسبابًا قد تدل بمجرى العادة وسنة
الله الكونية على وقوعه وإنزاله، لكنه من
غير تحقيق وعلم يقيني.
والمفتاح الثالث: (علم ما في الأرحام)
إشارة إلى ما يزيد فى النفس وينقص، وخص
الرحم بالذكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة،
ومع ذلك نفى أن يعرف أحد حقيقتها،
فغيرها منفي بطريق أولى.
والمفتاح الرابع: (علم ما في غد) إشارة
إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث
والكسب، وعبر بلفظ: (غد) لتكون حقيقته
أقرب الأزمنة، وإذا كان - مع قربه- لا يعلم
حقيقته وحقيقة ما يقع فيه - مع إمكان الأمارة
والعلامة الدالة علیه-، فما بعده أولی أنه لا
یعرف.
والمفتاح الخامس: (علم مكان الموت)
إشارة إلى أمور العالم السفلي، مع أن عادة
أكثر الناس أن يموت ببلده، ولكن ليس ذلك
حقيقة، بل لو مات في بلده، لا يعلم في أي
بقعة يدفن فيها، ولو كان هناك مقبرة لأسلافه
الماضين، بل ولو كان له قبر أعده لنفسه (١).
(١) بهجة النفوس شرح مختصر البخاري، ابن
أبي جمرة ٢٧١/٤.
وقال السيد محمد رشيد رضا: «العوالم
ثلاثة:
الأول: القريب الداني الذي نقيم فيه قبل
الموت.
الثاني: الذي نقیم فیه بعد الموت أبدًا إلى
غير نهاية.
الثالث: الوسط بينهما، وهو ما نقيم فيه
بین العالمین حتی یتم جمعنا بانتهاء الدنيا،
ونفد على الله جميعًا.
فالثاني والثالث: من الغيب الذي ليس
مشهودًا لنا، ولا يحصل فيه زيادة يبرزها
الله تعالى من العدم، كالأحجار والمعادن
ونحوها من الموجودات، التي وجدت في
الکون تدریجیًا، أو دفعة واحدة، ومنه ما هو
غيب، وهو ما يتجدد بصورة مخصوصة لم
تکن مشهودة، وهو النبات ومفتحة الغيث،
والحيوان ومفتحة الأرحام غالبًا، أو عبر
بها عنه، وكسب الحيوان وعمله وهو مفتح
وخزانة من خزائن الغيب)»(٢).
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤٦٨/٧-
٤٦٩.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الغين
ادعاء علم الغيب
استأثر الله سبحانه وتعالى بعلم الغيب،
واختص به نفسه، فليس لأحد من الخلق
أن يزعم أنه قادر على معرفة ما استأثر الله
تعالى به، فقد قال الله عز وجل: ﴿وَعِندَهُ
مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّ هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبِرِ
وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا
حَبَّةٍفِى ◌ُلُمَتِ الْآَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِ إِلَّا فِی
كِتَِتُِّينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُمَن فِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
ومفاتح الغيب هذه هي التي أشار الله
تعالى إليها وفصلها في سورة لقمان: ﴿إِنَّ
اللَّهَ عِندَهُ, عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ
مَا فِ آلْأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ
خَدَّا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
ولم يطلع الله تعالى أحدًا على الغيب
إلا من اختاره من رسله لإطلاعه على بعض
أنواع الغيوب، مما شاءت حكمة الله تعالى
أن يعلمه لهم في مرحلة من مراحل الغيب
-على ما سبق بيانه في أنواع الغيب- فقال
سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى
الْغَيْبٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَحْتَبِ مِن رُّسُلِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ [آل
عمران: ١٧٩].
وقال أيضًا: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى
غَيْبِهِ: أَحَدًا (٦) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ.
يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا﴾ [الجن:
٢٧].
وما استأثر الله تعالى بعلمه، فلا يعلمه
أحد من الخلق حتى الرسل عليهم الصلاة
والسلام؛ ولذلك قالت عائشة رضي الله
عنها: من زعم أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على
الله الفرية؛ والله تعالى يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ
مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهَ﴾(١).
ولذلك ينبغي أن نتعرف على حكم من
يدعي شيئًا من علم الغيب الذي استأثر الله
تعالی به، أو لم يستأثر به، ولکن لم یھئ
للخلق أسباب المعرفة له. ويدخل في ذلك
حكم التنجيم والكهانة والعرافة.
أولًا: حكم ادعاء علم الغيب
والاستسقاء بالنجوم والكواكب:
وفيما يلي إشارة إلى حكم ذلك كله،
كما ذكره علماء الإسلام في كتب التفسير،
وكتب التوحيد، وكتب الفقه، ونجتزئ
ببعض النصوص الدالة على ذلك من
المذاهب الفقهية المختلفة. وبالله التوفيق:
يقول ابن أبي العز الحنفي: ((ومن ادعى
علم الغيب كان من الكافرين. قال الله
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة
أخرى)، ١٥٩/١، رقم ١٧٧.
١١٠
جَوَي
القرآن الكريمِ

الغيب
تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَ غَيْمِهِ»
أَحَدًا ( ٦) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ,
عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَامِ
وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدّاً وَمَا تَدْرِى
نَفْسُ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيٌِّ ﴾
[لقمان: ٣٤].
ولا يلزم من خفاء حكمة الله علينا
عدمها، ولا من جهلنا انتفاء حكمته. ألا ترى
أن خفاء حكمة الله علينا في خلق الحيات
والعقارب والفأر والحشرات، التي لا يعلم
منها إلا المضرة - لم ينف أن يكون الله
تعالی خالقًا لها-، ولا يلزم أن لا یکون فيها
حكمة خفیت علينا؛ لأن عدم العلم لا يكون
علمًا بالمعدوم))(١).
ويقول ابن عابدين الحنفي: ((إن دعوى
علم الغيب معارضةٌ لنص القرآن الكريم،
فيكفر بها، إلا إذا أسند ذلك صراحةً أو
دلالةٌ إلى سببٍ من الله تعالى، كوحي
أو إلهام، وكذا لو أسنده إلى أمارة عادية
بجعل الله تعالى. وقال أيضًا: وأما ما وقع
لبعض الخواص كالأنبياء والأولياء بالوحي
والإلهام فهو بإعلام من الله تعالى، فليس
مما نحن فيه»(٢).
(١) شرح العقيدة الطحاوية ٣٤٣/١.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٤٢-٢٤٣.
ويقول القرطبي المالكي: «قال علماؤنا:
أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غیر
ما آيةٍ من كتابه إلا من اصطفى من عباده،
فمن قال: إنه ينزل الغيث غدًا وجزم فهو
کافر، أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا. وكذلك
من قال: إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر، فإن
لم يجزم وقال: إن النوء ينزل الله به الماء
عادة، وأنه سبب الماء عادة، وأنه سبب الماء
على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر، إلا
أنه يستحب له ألا یتکلم به، فإن فيه تشبيها
بكلمة أهل الكفر، وجهلًا بلطيف حكمته؛
لأنه ينزل متى شاء، مرةً بنوء كذا، ومرةً دون
النوء. قال الله تعالى في الحديث القدسي:
(أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ))(٣).
وقال أيضًا: ((فلا مطمع لأحدٍ في علم
شيء من الأمور الخمس، ولا طريق لعلم
شيء من ذلك إلا أن يعلم الله تعالى بذلك
-أو بشيء منه- أحدًا ممن شاءه، فمن ادعى
علم شيء من هذه الأمور، كان في دعواه
كاذبًا، إلا أن يسند ذلك إلى رسولٍ بطريقةٍ
تفيد العلم القطعي، ووجود ذلك متعذر بل
ممتنعٌ. وأما ظن الغيب: فلم يتعرض شيء
من الشرع لنفيه ولا إثباته؛ فقد يجوز أن
يظن المنجم - أو صاحب خط الرمل، أو
نحو هذا- شيئًا مما يقع في المستقبل، فيقع
علی ما ظنه، فیکون ذلك ظنًا صادقًا، إذا كان
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢.
www. modoee.com
١١١

حرفالغين
عن موجب عادي يقتضي ذلك الظن، ولیس
بعلم، فتفهم هذا؛ فإنه موضعٌ غلط بسببه
رجال، وأكلت به أموال»(١).
وقال أبو بكرٍ ابن العربي المالكي:
((مقامات الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا
الله لا أمارة علیها، ولا علامة عليها، إلا ما
أخبر به الصادق المجتبى لاطلاع الغيب من
أمارات الساعة، والأربعة سواها لا أمارة
علیها، فکل من قال: إنه ينزل الغیث غدًا فهو
کافرٌ، أخبر عنه بأماراتٍ ادعاها، أو بقولٍ
مطلق.
ومن قال: إنه يعلم ما في الرحم فهو
كافر، فأما الأمارة على هذا فتختلف، فمنها
كفرٌ، ومنها تجربةٌ. والتجربة منها أن يقول
الطبيب: إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة
الأيسر
فهو ذكر، وإن كان ذلك في الثدي
فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب
الأیمن أثقل فهو ذکرٌ، وإن وجدت الجنب
الأشأم (الأيسر) أثقل فالولد أنثى، وادعى
ذلك عادة لا واجبًا في الخلقة لم نكفره، ولم
نفسقه.
فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر،
فقد قال علماؤنا: يؤدب ویسجن ولا یکفر.
أما عدم تكفيره: فلأن جماعة قالوا: إنه أمر
يدرك بالحساب، وتقدير المنازل، حسبما
أخبر الله سبحانه في قوله جل وعلا:
﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩].
فلحسابهم له، وإخبارهم عنه، وصدقهم
فیه، توقفت علماؤنا عن الحكم بتكفيرهم.
وأما أدبهم فلأنهم يدخلون الشك على
العامة في تعليق العلم بالغيب المستأنف،
ولا يدرون قدر الفرق بين هذا وغيره،
فتشوش عقائدهم في الدين، وتتزلزل
قواعدهم في الیقین فأدبوا حتى يسروا ذلك
إذا عرفوه ولا يعلنوا به))(٢).
وقال الوزير عون الدين بن هبيرة: ((ما
يدعیه المنجمون من أنهم يعرفون الكسوف
قبل کونه من طریق، فلا يختص بهم دون
غیرهم ممن يعرف الحساب، بل هو مما إذا
حسبه الحاسب عرفه، ولیس مما يدل على
أنهم يتخصصون فيه، مما يجعلونه حجة في
دعواهم علم الغيب مما تفرد الله سبحانه
بعلمه، فإنه لا دلالة لهم علی ذلك، ولا فيما
تعلقوا به من هذا الاحتجاج على ما أرهجوا
فأما من ادعى علم الكسب في مستقبل
العمر فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن
الجملية أو المفصلة فيما يكون قبل أن به)) (٣).
یکون، فلا ريبة في کفره أيضًا.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل
(١) نقله عنه ابن حجر العسقلاني في فتح الباري
١٢٣/١-١٢٤.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٧٣٨/٢-٧٣٩.
(٣) الفروع، ابن مفلح ٢٢٤/٣.
١١٢
جوسين
الْعُرآن الكَرِيمِ

الغيب
الشيخ: ((الاستسقاء بالنجوم نوعان:
أحدهما: أن يعتقد أن المنزل للمطر هو
النجم، فهذا کفرٌ ظاهر؛ إذ لا خالق إلا الله،
وما كان المشرکون ھکذا، بل کانوا یعلمون
أن الله هو المنزل للمطر، كما قال تعالى:
﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءُ
فَأَحْيَا بِهِ اَلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
[العنكبوت: ٦٣].
الثاني: أن ينسب إنزال المطر إلى النجم،
مع اعتقاده أن الله تعالى هو الفاعل لذلك
المنزل له، إلا أنه سبحانه وتعالى أجرى
العادة بوجود المطر عند ظهور النجم،
فحكى ابن مفلح خلافًا في مذهب أحمد
في تحريمه وكراهته، وصرح أصحاب
الشافعي بجوازه.
والصحيح أنه محرم؛ لأنه من الشرك
الخفي، وهو الذي أراده النبي صلى الله عليه
وسلم وأخبر أنه من أمر الجاهلية، ونفاه،
وأبطله بقوله صلى الله عليه وسلم: (أربعٌ
في أمتى من أمر الجاهلية لا يتركونهن:
الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب،
والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)(١).
وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم
يزل موجودًا في هذه الأمة إلى اليوم))(٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب التشديد في النياحة، ٢ / ٦٤٤، رقم
٠٩٣٤
(٢) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد،
وعندما ينسب المطر إلى الأنواء ومنازل
القمر وغير ذلك، يدعى بهذا علما للغيب؛
إذ إنه عندما يرى هذه المظاهر والأسباب
يدعي نزول المطر، وقد سبق أن هذا مما
اختص الله تعالى به، وإن كان قد يعلمه
الإنسان ظنًا في مرحلة انعقاد أسبابه، كما
سبق بيانه في مفاتح علم الغيب، والله
سبحانه أعلم.
ثانيًا: الكهانة وصور ادعاء علم الغيب:
ومما يدخل في باب ادعاء علم الغيب:
العرافة، والتنجيم، والكهانة، والطرق
بالحصى، وقد يطلق عليها جميعها اسم
الكهانة(٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤): ((وممن
يدخل في ذم السحرة: الكهان والعرافون
والمنجمون والذين يخطون في الرمل،
سليمان بن عبد الله آل الشيخ، ص ٤٥٤ -
٤٥٥.
(٣) قال المناوي: «العراف الكاهن، لكن العراف
يختص بالأحوال المستقبلية، والكاهن يخبر
بالماضي)). وقيل غير ذلك. والمنجم الذي
يترصد النجوم ثم استعمل بمعنى الذي
يحسب سير النجوم وعلاقتها بالأفعال
البشرية. وفي الفرق بين هذه الألفاظ انظر:
الكليات، الكفوي: ١٢٩/٤، التوقيف على
مهمات التعاريف، المناوي، ص ٥٠٩،
المفردات، الراغب، ص ٧٢٨، عمدة الحفاظ
للسمين الحلبي، ص ٥٠٤، بصائر ذوي
التمييز، الفيروز آبادي: ٣٩٨/٤.
(٤) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان،
ص ٤٢.
www. modoee.com
١١٣

حرفالغين
وكل هؤلاء يدعون علم الغيب، وهم كفرة
خارجون عن الإسلام بادعائهم الغيب. قال
الله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُونَ آَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:
٦٥].
ومن صدقهم في دعواهم فهو كافرٌ بالله
مشركٌ. عن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي
صلی الله عليه وسلم قال: (من أتی حائضًا،
أو امرأةً في دبرها، أو کاهنا فصدقه بما يقول،
فقد كفر بما أنزل الله على محمدٍ)(١).
وسنفرد أهم هذه الصور بكلمة موجزة،
نبين من خلالها حكم من يدعي شيئًا من
ذلك أو یفعله أو يصدقه.
الكهانة:
قال ابن سیده: «کھن یکھن ویکھن،
وتکھن یتکھن تکھنّا و تکهينًا: قضی له
بالغيب. ورجلٌ كاهنٌ من قوم کھنةٍ و کهاٍ.
وكهن كهانةً صار كاهنًا، وحرفته الكهانة)»(٢).
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ، ٤٢٩/٢،
٤٧٦، وأبو داود في سننه، كتاب الطب،
باب الكاهن، ٣٧٠/٥، والترمذي في سننه،
أبواب الطهارة، باب ما جاء في كراهية اتيان
الحائض، ٤١٨/١-٤١٩.
قال الترمذي: ((لا نعرف هذا حديث حكيم
الأثرم عن ابن تميمة الهجمي عن أبي هريرة
وضعف محمدٌ، البخاري، هذا الحديث قبل
إسناده)).
وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٦٨/٧،
رقم ٢٠٠٦.
(٢) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن
سيده ٤/ ١٤٣، لسان العرب، ابن منظور
والمراد من علم الكهانة مناسبة الأرواح
البشرية مع الأرواح المجردة من الجن
والشياطين، والاستعلام بهم عن الأحوال
الجزئية الحادثة في عالم الكون المخصوصة
بالمستقبل. فالكهانة هي: ادعاء علم الغيب
أو القضاء به، كالإخبار بما سيقع في الأرض
مع الاستناد إلى سبب. والأصل فيه: استراق
الجني السمع من كلام الملائكة، فیلقیه في
أذن الكاهن.
والكاهن لفظ يطلق على العراف،
والذي يضرب بالحصى، والمنجم، ويطلق
على من يقوم بأمر آخرٍ، ويسعى في قضاء
حوائجه. والعرب تسمي كل من آذن بشيء
قبل وقوعه كاهنًا. فهو يخبر عما يكون في
المستقبل ويدعي معرفة الأسرار ومطالعة
علم الغيب(٣).
قال الخطابي (٤): ((الكهنة قوم لهم أذهان
حادة ونفوس شريرة وطباع نارية، فألفتهم
الشياطين؛ لما بينهم من التناسب في هذه
الأمور، وساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم
إليه. فالكاهن هو الذي يدعي مطالعة علم
الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن)).
وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية،
٣٦٢/١٣-٣٦٣.
(٣) انظر: أبجد العلوم، محمد صديق خان
٢/ ٤٥٣، مفتاح السعادة، طاش كبرى زاده
٣٤٠/١-٣٤١.
(٤) كما نقله ابن حجر في الفتح ٢١٧/١٠.
١١٤
القرآن الكريمِ

الغيب
خصوصًا في العرب؛ لانقطاع النبوة فيهم،
وهي على أربعة أصناف:
الأول: ما يتلقونه من الجن، فإن الجن
كانوا يصعدون إلى جهة السماء، فيركب
بعضهم بعضاً إلی أن یدنو الأعلى بحیث
يسمع الكلام، فیلقیہ إلی الذي یلیه، إلى أن
يتلقاه من یلقیه في أذن الكاهن فیزید فیه، فلما
جاء الإسلام، ونزل القرآن، حرست السماء
من الشياطين وأرسلت عليهم الشّهب، فبقي
من استراقهم ما يتخطفه الأعلى، فيلقيه إلى
الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك
الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِلَّ مَنّ خَطِفَ اَلْقَطْفَةَ
فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠].
وكانت إصابة الكهان قبل الإسلام
كثيرة جدًا، كما جاء في أخبار شق وسطيح
ونحوهما، وأما في الإسلام فقد ندر ذلك
جدًا حتی کاد یضمحل، ولله الحمد.
والثاني: ما يخبر الجني به من یواليه بما
غاب عن غيره، مما لا يطلع عليه الإنسان
غالبًا، أو يطلع عليه من قرب منه لا من
بعد عنه.
والثالث: ما يستند إلى ظنٍ وتخمين
وحدس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض
الناس قوة، مع كثرة الكذب فیه. وإذا كان
كذلك فسؤالهم عن غيب ليخبروا عنه
حرامٌ، وما يأخذون على ذلك حرامٌ، ولا
خلاف فيه؛ لأنه حلوان الكاهن المنهي عنه.
والرابع: ما يستند إلى التجربة والعادة،
فیستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك.
ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر،
وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر والطرق
والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعً(١).
ونقل القرطبي عن علماء المالكية
أنه «يجب على من ولي الحسبة أن يقيم
هؤلاء الكهنة من الأسواق، وينكر عليهم
أشد النكير، ولا يدع أحدًا يأتيهم لذلك،
وإن ظهر صدق بعضهم في بعض الأمور،
فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة، فإن
تلك الكلمة إما خطفة جني، أو موافقة قدر
ليغتر به بعض الجهال، ولقد انخدع كثير من
المنتسبين للفقه والدين، فجاءوا إلى هؤلاء
الكهنة والعرافين فبهرجوا علیھم بالمحال،
واستخرجوا منهم الأموال، فحصلوا من
أقوالهم على السراب والآل، ومن أديانهم
على الفساد، والضلال))(٢).
وورد في ذم الكهانة ما أخرجه أصحاب
السنن وصححه الحاكم من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (من أتى حائضًا، أو
امرأةً في دبرها، أو کاهنا فصدقه بما يقول،
فقد كفر بما أنزل الله على محمدٍ)(٣).
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم،
القرطبي ١٨/ ١٠٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/٧- ٤.
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
www. modoee.com
١١٥

حرفالغين
وله شاهد من حديث جابر وعمران بن
حصین، أخرجهما البزار بسندین جیدین،
ولفظهما: (من أتى كاهناً فصدقه)(١).
وأخرجه مسلم من حديث امرأةٍ من
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم -ومن
الرواة من سماها حفصة- بلفظ: (من أتى
عراقًا)(٢).
وأخرجه أبو یعلی من حديث ابن مسعود
بسند جید، لکن لم یصرح برفعه، ومثله لا
يقال بالرأي، ولفظه: (من أتى عرافاً أو
ساحرًا أو كاهنًا)(٣).
حديث أبي هريرة، إلا حديث مسلم فقال
فيه: (لم يقبل لهما صلاة أربعين ليلة).
ووقع عند الطبراني من حديث أنس بسند
لين مرفوعًا بلفظ: (من أتى كاهنا فصدقه
بما يقول، فقد برئ مما نزل على محمدٍ،
ومن أتاه غير مصدقٍ له لم تقبل صلاته
أربعين يوماً)(٤).
(١) أخرجه البزار في مسنده، ٢٥٦/٥ و٣١٥،
و ١٦/ ٢٩٤.
قال الهيثمي في المجمع ١١٧/٥: ((رجاله
رجال الصحيح خلا عقبة ابن سنان، وهو
ضعیف)).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب
تحريم الكهانة وإتيان الكهان، ٤ /١٧٥١،
رقم ٢٢٣٠.
(٣) أخرجه أبو يعلى في المسند، رقم ٥٤٠٨.
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط،
٣٤٧/٧، رقم ٦٦٦٦، والبزار في مسنده،
والأحاديث الأول مع صحتها و کثرتها،
أولى من هذا. والوعيد جاء تارة بعدم قبول
الصلاة وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين
من الآتي(٥).
فما أعظم ضلال أولئك الذين يدعون
معرفة الغيب بالكهانة! وما أشدّ عقوبة
أولئك الذين يأتونهم ويصدقونهم فيما
يزعمون، حتى إن الشكوى ارتفعت على
ألسنة كثير من العلماء في قرون سلفت، عم
فيها ذلك الضلال.
فقال القرطبى رحمه الله : ((وقد انقلبت
واتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ الأحوال في هذه الأزمان -زمان القرطبي-
بإتيان المنجمين والكهان لاسيما بالديار
المصرية، فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم
وأمرائهم اتخاذ المنجمين، بل ولقد انخدع
كثير من المنتسبين للفقه والدین فجاءوا إلى
هؤلاء الكهنة والعرافين، فبهرجوا عليهم
بالمحال، واستخرجوا منهم الأموال
فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل،
ومن أديانهم على الفساد والضلال. وكل
ذلك من الكبائر؛ لقوله صلى الله عليه
وسلم: (لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)
٢٥٦/٥.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٨/٥:
رجال الكبير والبزار ثقات.
(٥) فتح الباري، ابن حجر ١٠/ ٢١٧.
وانظر: مرقاة المفاتيح، ملا علي القاري
١٦/٩-٠١٧
١١٦
جوبين
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ