النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الْغَيْت
عناصر الموضوع
مفهوم الغيب
٧٨
الغيب في الاستعمال القرآني
٧٩
الألفاظ ذات الصلة
٨٠
منزلة الإيمان بالغيب
٨٢
أنواع الغيب ومفاتحه
٩٥
ادعاء علم الغيب
١١٠
١٢٧
نتائج الإيمان بالغيب أو إنكاره
المُجَلَّ السَّادِسْ وَالعشْرُونْ
حرف الغين
مفهوم الغيب
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (غيب) تدل على تستر الشيء عن العيون، فالغيب: ما غاب، مما لا يعلمه إلا
الله، ويقال: ووقعنا في غيبةٍ وغيابة، أي: هبطة من الأرض يغلب فيها، والغابة: الأجمة (١).
والغيب: خلاف الشهادة، واستعمل في كل غائب عن الحاسة، وعما يغيب عن علم
الإنسان بمعنى: الغائب، وكل مكان لا يدرى ما فيه فهو غيبٌ، وجمعه غیوب.
والغيب: المطمئن من الأرض؛ لأنه غاب عن الأبصار، و(الغيبة): الوقيعة في الناس؛
لأنها لا تقال إلا في غيبة، مأخوذة من الاغتیاب، ويقال: اغتاب فلانٌ فلانًا يغتابه اغتيابًا
وغيبة، وقال بعضهم: بدا غيبان الشجرة، وهي عروقها التي تغيبت في الأرض، فحفرت عنها
حتى ظهرت(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الواحدي: ((الغيب هو ما غاب علمه عن الحس والضرورة، مما يدرك بالدليل))(٣).
وقال الراغب الأصفهاني: «هو مالا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بدائة العقول، وإنما
يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام، ويدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد)» (٤).
وقال المناوي: «الغیب ما غاب عن الحس، ولم یکن علیه علم يهتدي به العقل، فیحصل
به العلم»(٥).
إذًا فالغيب: ما غاب عن الحواس، أو ما لا يقع تحت الحواس ولا تقتضيه بدائة العقول،
بحيث لا يدرك بواحدٍ منهما ابتداء، ونتوصل إلى معرفته بالخبر الصادق، وبالآثار التي تدل
عليه.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٠٣/٤.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ١٩٦/١، تهذيب اللغة، الأزهري ١٨٣/٢، المحكم والمحيط الأعظم،
ابن سيده ٦/ ٢٥، لسان العرب، ابن منظور ٦٥٤/١، القاموس المحيط، الفيروز آبادي ٤٣١/٣، تاج
العروس، الزبيدي ٤٩٨/٢ -٥٠٢.
(٣) التفسير البسيط، الواحدي ٢/ ٦٩.
(٤) المفردات ص ٣٦٦.
وانظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ٨، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥٣/١.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٥٤٤.
٧٨
جوبيـ
القرآن الكريم
الغيب
الغيب في الاستعمال القرآني
وردت مادة (غيب) في القرآن الكريم (٥٩) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
اسم فاعل
٤
فَلَنَقُصَنَّ عَلَيْهِمْ يِعِلٍَّ وَمَا كُنَا غَيِبِينَ
﴾ [الأعراف: ٧]
٧
﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْهِهِ»
مصدر
٥٣
[الجن:٢٦]
اسم
٢
فَعِلِينَ
﴿وَأَلْقُّوهُ فِي غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ
١٠
﴾ [يوسف: ١٠]
وذكر بعض أصحاب الوجوه والنظائر أن الغيب في القرآن على أحد عشر وجهًا (٢)، لكن
بالتأمل في هذه الوجوه نجد أن الغيب في الاستعمال القرآني يرجع إلى وجهين:
الأول: كل ما غاب عن العيون: سواء كان محصلًا في القلوب أو غير محصل، مما لا
يعلمه إلا الله(٣)، قال الله تعالى: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ اَلَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبٍ﴾ [مريم: ٦١]. أي:
هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه (٤)؛ لأنهم لم يروها ولم يعاينوها، فهي غيب لهم(٥).
الثاني: الظن: ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٥٣]. يعني: يرمون بالظن.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٥٠٧.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٣٥٠، ٣٥١، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص٤٥٧ -
٤٥٨.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٠٣/٤، لسان العرب، ابن منظور ٦٥٤/١.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٦/٥.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٧٥.
www. modoee.com
٧٩
حرف الغين
الألفاظ ذات الصلة
القضاء:
١
القضاء لغة:
قضى يقضي قضاء فهو قاضٍ إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ
منه فيكون بمعنى: الخلق، والقضاء في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه،
القضاء المقرون بالقدر، والمراد بالقدر التقدير، وبالقضاء الخلق (١).
القضاء اصطلاحًا:
(«عبارة عن الحكم الكلي الإلهي في أعيان الموجودات على ما هي عليه من الأحوال
الجارية في الأزل إلى الأبد»(٢).
وقيل: تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمه، واقتضته حكمته(٣).
الصلة بين الغيب والقضاء:
القضاء جزء من الأمور الغيبية، فالغيب أعم من القضاء.
القدر:
٢
القدر لغة:
من القدرة، فالله القادر والمقتدر والقدير، يقال: قدر الإله كذا تقديرًا، وإذا وافق الشيء
الشيء قلت: جاءه قدره، والقدر القضاء والحكم، وهو ما يقدره الله عز وجل من القضاء
ويحكم به من الأمور (٤).
القدر اصطلاحًا:
((القدر خروج الممكنات من العدم إلى الوجود، واحدًا بعد واحد، مطابقًا للقضاء،
والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال))(٥).
وقيل: هو علم الله تعالى بالأشياء وكتابته لها قبل كونها، على ما هي عليه، ووجودها على
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٨٦/١٥.
(٢) التعريفات، الجرجاني ١ / ١٧٧.
(٣) انظر: رسائل في العقيدة، ابن عثيمين ص ٣٧.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٧٤/٥.
(٥) التعريفات، الجرجاني ص ١٧٤ .
٨٠
مُوسُون
القرآن الكريمِ
الغيب
ما سبق به علمه، و کتابته بمشيئته وخلقه(١).
الصلة بين الغيب والقدر:
الغيب أعم من القدر، فالقدر جزء من الغيب.
الشهادة:
٣
الشهادة لغة:
أصل معنى الشهادة في اللغة يدل على حضور وعلم وإعلام، والشاهد هو الحاضر(٢).
الشهادة اصطلاحًا:
والمشاهدة هي الإدراك بإحدى الحواس الظاهرة أو الباطنة، والمشاهدات هي
المحسات، أي: الأمور التي نحكم عليها بإحدى الحواس، والمراد بعالم الشهادة: كل ما
هو حاضر مشاهد، نستطيع أن ندركه بحواسنا ونحكم عليه بها (٣).
الصلة بين الغيب والشهادة:
هما ضدان، فالغيب مالا يقع تحت الحواس، والمشاهد المحسوس.
(١) انظر: تعريف القضاء والقدر وحكم الإيمان به، محمد الشاوي، شبكة الألوكة.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢١/٣.
(٣) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ٢٠٨/١، التعريفات، الجرجاني ص ١٠٩، كشاف
اصطلاحات الفنون، التهانوي ١/ ١٠٤٣.
www. modoee.com
٨١
حرف الغين
منزلة الإيمان بالغيب
إن القرآن الكريم دعوةٌ للناس جميعًا
على اختلاف حظوظهم من العقل والقدرة
على التفكير؛ لذا كان منه ما يتجه للقلب
ليتفتح للموعظة، وكان منه ما يتجه للعقل
ليذعن للمنطق والدليل، وكان منه -بجانب
هذا وذاك- ما يشتمل على الحقيقة سافرةً
يفهمها الجميع، و کان منه ما يجيء في شكل
أمثالٍ: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ
وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:
٤٣].
وهذا ((لأن الأمثال والتشبيهات
هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في
الأستار))(١).
فكان لابد إذًا من أن يتجه القرآن الكريم
لتصحيح العقيدة قبل كل شيء، وبيان منزلة
الإيمان بالغيب والحث عليه، ولبيان الحق
في هذه القضية العقدية الخطيرة المؤثرة في
الحياة البشرية، بوسائل وأساليب متنوعة،
ونهج في ذلك منهجًا متكاملًا متوافقًا مع
الفطرة والعقل (٢).
ويمكن إجمال هذه الأساليب في الآتي:
أولًا: اختصاص الله تعالى وحده بعلم
الغيب:
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٩١/٣.
(٢) انظر: لعقيدة الإسلامية في القرآن الكريم،
عثمان جمعة ضميرية، ص٢٦ - ٦٢.
تضافرت الآيات القرآنية الكريمة في
بیان اختصاص الله تعالی وحده بعلم الغيب
المطلق، بما لا يدع مجالا للشك والريب،
فهو سبحانه وحده الذي يعلم ذلك ويحيط
به إحاطة شامله، وما كان لأحدٍ أن يطلع
على شيء منه إلا باطلاع الله تعالى له عليه
وفق حكمته ومشيئته. وسنجتزئ هنا ببعض
النصوص الكريمة في ذلك، وسيأتي مزيد
بيانٍ ينطوي على جملة من الأحاديث.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ اَللَّهُ لِيَذَرَ
اُلْمُؤَّمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ اَلْخَيْثَ مِنَ
اُلَّيِّبُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُظْلِمَكُمْ عَلَى الْغَيْبٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ
يَجْتَبِ مِن رُّسُلِهِ، مَن يَشَاءِ فَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَإِن
تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَهْرُ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:
١٧٩].
قال إمام المفسرين أبو جعفر الطبري
رحمه الله: ((اختلف أهل التأويل في تأويل
هذه الآية؛ فقال السدي: وما كان الله ليطلع
محمدًا على الغيب، ولكن الله اجتباه فجعله
رسولًا.
وقال ابن إسحاق: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُظْلِمَكُمْ عَلَى
الغيپ ﴾ فیما یرید أن ییتلیکم به، لتحذروا ما
يدخل عليكم فيه ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِ مِنْ رُسُلِهِ.
مَنيَشَآءُ﴾ فيصطفیه ويعلمه.
ثم قال: وأولى الأقوال في ذلك بتأويله:
﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُظْلِمَكُمْ﴾ على ضمائر قلوب
عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق
٨٢
جوب
القرآن الكريمِ
الغيب
والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء وفضله، وحكمته لخلقه))(٢).
-کما میز بينهم بالبأساء يوم أحد- وجهاد
عدوه، وما أشبه ذلك من صنوف المحن،
حتى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم،
غیر أنه -تعالی ذکره- قال: ﴿يجْتِی مِن
◌ُسُلِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ فيصطفيه، فيطلعه على
بعض ما في ضمائر بعضهم، بوحيه ذلك إليه
ورسالته))(١).
ولئن ذکر الطبري رحمه الله بعضًا مما
تصدق عليه الآية الكريمة، فإنها تبقى أبعد
مدىّ في الدلالة والشمول، قال ابن سعدي
رحمه الله: ((ما كان في حكمة الله أن يترك
المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط
وعدم التميز ﴿حَّ يَمِيزَ اَلْفِيْثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾،
والمؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب.
ولم يكن في حكمته أيضًا أن يطلع عباده
على الغيب الذي يعلمه من عباده فاقتضت
حكمته الباهرة أن يبتلي عباده، ويفتنهم
بما به يتميز الخبيث من الطيب، من أنواع
الابتلاء والامتحان، فأرسل الله رسله،
وأمر بطاعتهم، والانقياد لهم، والإيمان
بهم، ووعدهم على الإيمان والتقوى الأجر
العظيم. فانقسم الناس بحسب اتباعهم
للرسل قسمين: مطيعين وعاصين، ومؤمنين
ومنافقين، ومسلمين وكافرين؛ ليرتب
على ذلك الثواب والعقاب، وليظهر عدله
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٤٢٧.
ثم جاءت آية مفاتح الغيب تحصر
علم الغيب بالله تعالى(٣)، فقال سبحانه:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ
وَيَعْلُ مَا فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ
إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ
وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِ كِتَبِ تُِّينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وهذه الآية العظيمة من أعظم الآيات
تفصيلًا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص١٥٨.
وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير
١٧٩/٤: ((﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لَيُطْلِعَكُمْ﴾ عطف على
قوله: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ يعني: أنه أراد أن
يميز لكم الخبيث فتعرفوا أعداءكم، ولم يكن
من شأن الله إطلاعكم على الغيب، فلذلك
جعل أسبابًا من شأنها أن تستفز أعداءكم
فيظهروا لكم العداوة فتطلعوا عليهم، وإنما
قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾، لأنه
تعالى جعل نظام هذا العالم مؤسسًا على
استفادة المسببات من أسبابها، والنتائج من
مقدماتها)».
(٣) وليس في الآية الكريمة أداة حصر، كما في
حديث مفاتح الغيب خمس، ثم قرأ الآية
الكريمة كما سيأتي. ووجه الحصر في هذه
الأمور الخمسة: أن الفعل إذا كان عظيم
الخطر، وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن،
فهم منه الحصر على سبيل الكناية، لاسيما
إذا لوحظ فيه ما ذكر في أسباب النزول من
أن العرب كانوا يدعون علم نزول الغيث،
فيشعر بأن المراد من الآية نفي علمهم بذلك
واختصاصه بالله سبحانه وتعالى وحده، وفي
تقديم قوله: ﴿وَعِندَهُ﴾ ما يشعر بذلك أيضًا.
انظر: فتح الباري، ابن حجر ١٢٤/١، عمدة
القاري، العيني ٢٩٣/٢.
www. modoee.com
٨٣
حرفالغين
کلها، التي يطلع منها ما شاء من خلقه، و کثیرٌ
منها طوى علمه عن الملائكة المقربين،
والأنبياء المرسلين، فضلًا عن غيرهم من
العالمين، وأنه يعلم ما في البراري والقفار،
من الحيوانات، والأشجار، والرمال
والحصى، والتراب، وما في البحار من
حيواناتها، ومعادنها، وصیدها، وغير ذلك
مما تحتويه أرجاؤها، ویشتمل علیه ماؤها.
ولما طلب كفار قريش من النبي صلى
الله علیه وسلم آية تدل على صدقه عندما
ظنوا أنه غير مؤید من الله، أمر الله تعالی
رسوله صلی الله علیه وسلم بأن یجیب عن
اقتراحهم بما هو الحقيقة المرشدة - وإن
كانت أعلى من مدار کھم - جوابًا فيه تعریض
بالتهديد لهم.
فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَاً
أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَقُلْ إِنَّمَالْغَيْبُ لِلَّهِ
فَأَنْتَظِرُواْ إِّى مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾
[يونس: ٢٠].
أي: إن الأمور المغيبة لا يقدر عليها إلا ملك إحاطة العلم، أي: لله ما غاب عن
الله تعالى وحده.
وجاء الكلام بصيغة القصر للرد عليهم
في اعتقادهم أن في مكنة الرسول الحق أن
يأتي بما يسأله قومه من الخوارق، فجعلوا
عدم وقوع مقترحهم علامة على أنه ليس
برسول من الله، فلذلك رد عليهم بصيغة
القصر الدالة على أن الرسول ليس له تصرف
في إيقاع ما سألوه من أمور الغيب؛ ليعلموا
أنهم يرمون بسؤالهم إلى الجراءة على الله
تعالى بالإفحام(١).
ثم جاء الحصر والقصر بأسلوب آخر في
موضع آخر، فقال الله تعالى: ﴿وَللَّهِ غَيْبُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ آلْأَمْرُ كُلُُّفَاعْبُدُهُ
وَتَوَكَّلْ عَلَيْهْ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
[هود: ١٢٣].
یقول -تعالی ذکره- لنبيه محمد صلى
الله عليه وسلم: ولله ملك کل ما غاب عنك
في السموات والأرض فلم تطلع ولم تعلمه،
كل ذلك بيده وبعلمه، لا يخفى عليه منه
شيء، وهو عالم بما يعمله مشركو قومك،
وما إليه مصير أمرهم، من إقامة على الشرك،
أو إقلاع عنه وتوبة، وإلی الله معاد کل عاملٍ
وعمله، وهو مجازٍ جمیعهم بأعمالهم(٢).
ففي الآية الكريمة بيان اختصاص
الله تعالى بعلم الغيب لأن اللام في قوله
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ﴾ هي لام الملك، وهو
علم الناس في السماوات والأرض. وهذا
كلام يجمع بشارة المؤمنين بما وعدوا من
النعيم المغيب عنهم، ونذارة المشركين
بما توعدوا به من العذاب المغيب عنهم
في الدنيا والآخرة. وتقديم المجرورين في
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣١/١١.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٤٤ - ٥٤٥.
٨٤
جوديير
القرآن الكريمِ
الغيب
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ لإفادة
الاختصاص، أي: إن الله تعالى لا غيره،
يملك غيب السماوات والأرض؛ لأن ذلك
مما لا يشاركه فيه أحد(١).
ثم يخبر الله تعالى في آية أخرى بأنه
المنفرد بعلم غيب السماوات والأرض،
فيقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:
٦٥].
فالغيوب كلها -كتلك التي تقدمت
الإشارة إليها في الآيات السابقة- اختص
الله بعلمها، فلم يعلمها ملك مقرب ولا
نبي مرسل، وإذا كان هو المنفرد بعلم ذلك
المحيط علمه بالسرائر والبواطن والخفايا
فهو الذي لا تنبغي العبادة إلا له(٢).
وقد تقتضي حكمة الله تعالى أن يطلع
أحد رسله على طرف من هذا الغيب، فقال
الله سبحانه وتعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا
يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٦) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن
رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا
٢ لِيَعْلَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا
لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦-٢٨].
قال ابن الجوزي رحمه الله: «وذلك لأن
علم الغيب لله وحده، فلا يطلع على غيبه
(١) انظر: التحرير والتنوير ١٢/ ١٩٤.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٦٠٨.
الذي يعلمه أحدًا من الناس ﴿إِلََّمَنِ آَرْتَضَى
مِن رَّسُولٍ﴾؛ لأن من الدليل على صدق
الرسل إخبارهم بالغيب. والمعنى: أن من
ارتضاه للرسالة أطلعه على ما شاء من غيبه
ثم ذكر سبحانه أنه يحفظ ذلك الذي يطلع
عليه الرسول، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ
مِنْ بين يديه﴾ أي: من بين يدي الرسول،
﴿وَمِنْ خَلْفِهِ،رَصَدًا﴾ أي: يجعل له حفظةً من
الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه
الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة، فيتكلمون به
قبل أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم
الناس. وقال الزجاج: ((﴿يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ﴾
يدي الملك ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا﴾. وقيل:
يسلك من بین یدي الوحي. فـ (الرصد) من
الملائكة يدفعون الشياطين عن أن تستمع ما
ينزل من الوحي)»(٣).
ثانيًا: الإيمان بالغيب من صفات
المؤمنين:
يصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين
في مواضع كثيرة من القرآن بأنهم ﴿يُؤْمِنُونَ
يالْغَيْبٍ﴾، فيجعل هذه الصفة قاعدةً من قواعد
الإيمان الأساسية وركنا من أركانه، وهذا
منهج قرآني ونبويٌ، فكثيرًا ما يجعل الركن
صفةً للمؤمنين ملازمة لهم، كما في قوله
تعالى: ﴿الّ ٥) ذَلِكَ الْكِتَبُ لَ رَيْبُ فِيهِ هُدَى
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٦/ ٨٤.
www. modoee.com
٨٥
حرفالغين
لِلْلَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ السَّلَوَةَ وَمَّا رَنَّقْهُمْ
يُفِقُونَ ﴿ وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
وَبَِْفِرَةِ هُمْ يُفُونَ ٥ أُوْلَبِكَ عَلَى هُدَّى ◌ِنْ زَِّهِمَّ وَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥].
وهذا مشهد وديع ألیف، رضي جمیل،
ترسمه الآيات الكريمة. إنه مشهد الجنة،
تقرب من المتقين؛ حتى تتراءى لهم من
قريب، مع الترحيب والتكريم: ﴿وَأَزْلِغَتِ
الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ { هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ
أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴿ مَنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ
بِقَلْبٍ قُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٠ - ٣٣].
والتكريم في کل کلمة وفي کل حركة،
فالجنة تقرب وتزلف، فلا يكلفون مشقة
السير إليها، بل هي التي تجيء: ﴿غَيّرَ
بَعِيدٍ﴾! ونعيم الرضى يتلقاهم مع الجنة:
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ) مَّنْ خَشِىَ
الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءُ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ فيوصفون
هذه الصفة من الملأ الأعلى، ويعلمون أنهم
في ميزان الله أوابون، حفيظون، يخشون
الرحمن ولم يشهدوه، منیبون إلى ربهم
طائعون(١).
الله: ((﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ قربت وأدنیت،
﴿لِلْسُنَّقِينَ﴾ الشرك، ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ينظرون
إليها قبل أن يدخلوها. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾
قرأ ابن كثير بالياء والآخرون بالتاء، يقال
لهم: هذا الذي ترونه ما توعدون على ألسنة
الأنبياء عليهم السلام، ﴿لِكُلِّ أَوَّبٍ﴾ رجاع
إلى الطاعة عن المعاصي.
قال سعيد بن المسيب: هو الذي یذنب
ثم يتوب، ثم یذنب ثم یتوب.
وقال الشعبي ومجاهد: الذي يذكر ذنوبه
في الخلاء فيستغفر منها.
وقال الضحاك: هو التواب.
وقال ابن عباس وعطاء: المسبح.
ومعنى الآية: من خاف الرحمن وأطاعه
بالغيب ولم يره. وقال الضحاك والسدي:
يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد. قال
الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الباب.
﴿وَجَّةُ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ مخلصٍ مقبلٍ إلى طاعة
الله.
﴿أَدْخُلُوهَا﴾ أي: يقال لأهل هذه الصفة:
ادخلوها. أي: ادخلوا الجنة ﴿ِسَلَمِ﴾
بسلامة من العذاب والهموم. وقيل بسلام
من الله وملائكته عليهم. وقيل: بسلامة من
زوال النعم، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾.
ممَّايَنَآءُونَفِيهَا﴾، وذلك أنهم يسألون
قال محبي السنة الإمام البغوي رحمه الله تعالى حتى تنتهي مسألتهم فيعطون
ما شاؤوا، ثم يزيدهم الله من عنده ما لم
يسألوه، وهو قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، يعني:
الزيادة لهم في النعيم ما لم يخطر ببالهم.
وقال جابر وأنس: هو النظر إلى وجه الله
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٣٦٥/٦.
٨٦
الْقُرآن الكَرِيْمِ
الغيب
الكريم»(١).
وهو المعنى نفسه یتکرر في آیات أخرى
تجعل الإيمان بالغيب من صفات المؤمنين
والمؤمنات، وترتب على ذلك آثاره الهائلة
العظيمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا
مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ
اُلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم ◌ِنَ
السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:".
﴿أَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا
فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنَفَقُواْ مِنْ
أَمْوَلِهِمْ فَالصَّلِحَتُ قَنِثَتُّ حَفِظَتٌ
لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّـ
فَعِظُوهُنَّ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِ الْمَصَاجِعِ
وَأَضْرِ بُوهُنٌّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ
سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾
[النساء: ٣٤].
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىَّ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ
إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبُ
إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ
الصَّلَوَةٌ وَمَن تَزَّكَّ فَإِنَّمَا يَتَزََّى لِنَفْسِهِ، وَ إِلَى اللَّهِ
الْمَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٨].
ثالثًا: التلازم بين أركان الإيمان
والغيب:
والإيمان بالله سبحانه وتعالى وهو أعظم
أركان الإيمان وأصلها، هو إيمانٌ بالغيب.
(١) معالم التنزيل، البغوي ٣٦٢/٧-٤٦٣.
فذات الله سبحانه غيب بالقياس إلى البشر،
فإذا آمنوا به فإنما يؤمنون بغيب، يجدون آثار
فعله، ولا یدرکون ذاته، ولا کیفیات أفعاله.
والإيمان بالآخرة كذلك، هو إيمان
بالغيب؛ فالساعة بالقياس إلى البشر غيب،
وما يكون فيها من بعث وحساب وثواب
وعقاب كله غيب يؤمن به المؤمن، تصديقًا
لخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْتَلُكَ النَّاسُ
عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ
السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴾ [الأحزاب: ٦٣].
والإيمان بالملائكة عليهم السلام إيمان
بالغيب، لا يعرف عنهم البشر إلا ما يخبرهم
به الله تعالى، على قدر طاقتهم وحاجتهم،
وما كان البشر حاضرين شاهدين على
خلق الملائكة وإيجادهم: ﴿فَأَسْتَفْتِهِمْ
(١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا
أَكِرَبِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ
اَلْمَلَتِكَّةَ إِنَئًا وَهُمْ شَهِدُونَ ) أَلَاّ
إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴿ وَلَدَ اللّهُ وَإِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ ) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (
١٥٣ ما
لَكُرْكَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [الصافات: ١٤٩-١٥٤].
والغيب الذي يتحقق الإيمان بالتصديق
به يشمل حقائق أخرى يذكرها القرآن
الكريم في وصف واقع المؤمنين وعقيدتهم
الشاملة كما في قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ
بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَمَلَكِهِ، وَكْتُهِ- وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍمِّن
رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا
www. modoee.com
٨٧
حرفالغين
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فنجد في هذا النص أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، كلِّ آمن
بالله -وهو غيب- وآمن بما أنزل الله على
رسوله، وما أنزل الله على رسوله فیه جانب
من اطلاعه صلی الله علیه وسلم على جانب
من الغيب بالقدر الذي قدره الله سبحانه
كما قال في الآية الأخرى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ
فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيِْ أَحَدًا (٦) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن
٢٧
رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا
ـَلِيَعْلَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا
لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦-٢٨].
ويبقى من الغيب الذي لا يقوم الإيمان
إلا بالتصدیق به: قدر الله -وهو غيب لا
يعلمه الإنسان حتى يقع- كما جاء في قوله
تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا فِىّ
أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَّبْرَهَاً
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَلَّهِ يَسِيرٌ ) لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَ
مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَّنكُمُ وَاللَّهُلَا
يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ -٢٣].
وهذا التلازم بين الإيمان بالغيب وسائر
أركان الإيمان يدل عليه أيضًا ويؤكده: أن
الله تعالى جعل الكفر بشيء من الأركان،
وهو أيضًا غيب، جعله كفرًا بالله تعالى
(١)
يستحق صاحبه العذاب المهين
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٣٥٢-٣٥٣،
البحر المحيط، أبو حيان ٣/ ٣٨٥، دراسات
قرآنية، محمد قطب، ص ١٠٢، الإسلام
فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ
بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ
وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ
ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّاً
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء:
١٥٠ - ١٥١].
رابعًا: حسن عاقبة الذين يؤمنون
بالغيب:
قال سبحانه وتعالى: ﴿ جَنَّتِ عَدْنِالَّتِی
وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِلْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْيًّا )
لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَ لَغْوًا إِلَّ سَلَمَاٌ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَ بَكْرَةٌ
وَعَشِيًّا ( ٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِ نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ
تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦١ - ٦٣].
قال السمين الحلبي في (الدر المصون):
«قوله: ﴿پالغيپٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن
الباء حالیةٌ. وفي صاحب الحال احتمالان،
أحدهما: ضمير الجنة وهو عائدٌ الموصول،
أي: وعدها، وهي غائبةٌ عنهم لا يشاهدونها.
والثاني: أن یکون من ﴿عباده﴾، أي: وهم
غائبون عنها لا يرونها، إنما آمنوا بمجرد
الإخبار منه. والوجه الثاني: أن الباء سببيةٌ،
أي: بسبب تصديق الغيب، وبسبب الإيمان
به»(٢).
وعلاقته بالشرائع الأخرى، عثمان ضميرية،
ص٢٢ - ٢٥.
(٢) انظر: الدر المصون ٦١٢/٧.
٨٨
جَوَنُ
القرآن الكريمِ
الغيب
وهذا الوجه الثاني ألصق وأوضح في ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِ نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾
أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات
العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم
المطيعون لله عز وجل في السراء والضراء،
والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس.
الدلالة علة ما نريد في هذه السطور، فإن
إیمانھم بالغيب، وهو أول صفات المؤمنین
المتقين المهتدين، هو سبب دخولهم تلك
الجنة التي وعدها الله تعالى عباده المؤمنين.
ولابأس بمقتطفات من أقوال المفسرين
في تفسير هذه الآية الكريمة. قال الحافظ
ابن كثير رحمه الله: ((يقول تعالى: الجنات
التي يدخلها التائبون من ذنوبهم، هي
جَّتِ عَدْنٍ﴾ أي: إقامة ﴿الَّتِى وَعَدَ الرَّمْنُ
عِبَادَهُ بِالْغَيَّبٍ﴾ بظهر الغيب، أي: هي من
الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه؛ وذلك
لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم. وقوله: ﴿إنَّهُ.
گان وعدُهُمآنًا﴾ تأکید لحصول ذلك وثبوته
واستقراره؛ فإن الله لا يخلف الميعاد ولا
يبدله، كقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل:
١٨].
أي: کائنًا لا محالة. وقوله هاهنا: ﴿مَأيًا﴾
أي: العباد صائرون إليه، وسيأتونه))(١).
ثم يأتي البيان بأن عاقبة الإيمان بالغيب
هي دخول الجنة التي يورثها الله عباده
الصالحين المتقين. ولا نزال نذكر أن مفتتح
سورة البقرة جعلت الكتاب الكريم هدىّ
للمتقين الذين يأتي في أول صفاتهم صفة
الإيمان بالغيب. وهنا يأتي قوله تعالى:
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٢٤٧/٥-٢٤٨.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه
الله: ((قوله: ﴿بِالْغَيْبٍ﴾ يحتمل أن تكون
متعلقة بـ ﴿وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ فيكون المعنى
على هذا، أن الله وعدهم إياها وعدًا غائبًا،
لم يشاهدوه ولم يروه فآمنوا بها، وصدقوا
غيبها، وسعوا لها سعيها، مع أنهم لم يروها،
فكيف لو رأوها، لكانوا أشد لها طلبًا،
وأعظم فيها رغبة، وأکثر لها سعيًا! ويكون
في هذا مدح لهم بإيمانهم بالغيب، الذي هو
الإيمان النافع.
ويحتمل أن تكون متعلقة بـ ﴿عِبَادَهُ﴾،
أي: الذين عبدوه في حال غيبهم وعدم
رؤيتهم إياه، فهذه عبادتھم ولم يروه، فلو
رأوه لكانوا أشد له عبادة، وأعظم إنابة،
وأكثر حبًا، وأجل شوقًا! ويحتمل أيضًا أن
المعنى: هذه الجنات التي وعدها الرحمن
عباده، من الأمور التي لا تدرکھا الأوصاف،
ولا يعلمها أحد إلا الله، ففيه من التشويق
لها، والوصف المجمل ما يهيج النفوس،
ويزعج الساكن إلى طلبها، فيكون هذا مثل
قوله: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّنْ قُرَّقِ أَعْیُنٍ
جَزٌَّ بِمَا كَانُوْيَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
www. modoee.com
٨٩
حرفالغين
والمعاني كلها صحيحة ثابتة))(١).
ولا يقتصر حسن عاقبة المؤمنين على
ما تستقيم به حياتهم الأخروية فحسب،
بل إن العاقبة الحسنة تظهر وتبرز هنا في
الدنيا قبل الآخرة، فالمؤمنات الصالحات
القانتات الحافظات للغيب، تستقيم حياتهن
مع أزواجهن في بيوتهن، وهن موضع عناية
ووصية يوصي الله تعالى بها الأزواج رعيةً
لهن بما حفظن بالغيب.
قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى
النِّسَآءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَاً
أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ فَالصَّالِحَتُ قَيِنَتُ
حَفِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اَللَّهُ﴾ [النساء:
٣٤].
فإنه يعني: حافظات لأنفسهن عند غيبة
أزواجهن عنهن، في فروجهن وأموالهم،
وللواجب عليهن من حق الله في ذلك
وغيره، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (خير النساء امرأةٌ إذا
نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك،
وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك).
قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم
الآية)(٢).
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٤٩٦.
(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، ص
٣٠٦، والحاكم في المستدرك ١٦١/٢،
وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخر جاه.
قال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله:
((وهذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم يدل على صحة ما قلنا في تأويل ذلك،
وأن معناه: صالحاتٌ في أديانهن، مطيعاتٌ
لأزواجهن، حافظات لهم في أنفسهن
وأموالهم. وفي الكلام متروك استغني
بدلالة الظاهر من الكلام عليه من ذكره،
ومعناه: ﴿فَلِضَّلِحَتُ قَيِنَتُ حَفِظَتٌ
لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤].
فأحسنوا إلیھن وأصلحوا. قال ابن عباس
رضي الله عنهما قوله: ﴿فَالصََّلِحَتُ
قَدِنَتُّ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾،
يعني: إذا كن هكذا، فأصلحوا إليهن))(٣).
وقال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه
الله: ((هذا تفصيل لحال النساء في هذه
الحياة المنزلية التي تكون المرأة فيها تحت
رياسة الرجل، ذكر أنهن فيها قسمان:
صالحات وغير صالحات.
وأن من صفة الصالحات القنوت،
وهو السكون والطاعة لله تعالى، وكذا
لأزواجهن بالمعروف وحفظ الغيب. أي:
حافظات لكل ما هو خاص بأمور الزوجية
الخاصة بالزوجین، فلا يطلع أحد منهن على
شيء مما هو خاص بالزوج.
ويدخل في هذا وجوب كتمان ما يكون
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٥/٨-٢٩٨،
ومعالم التنزيل، البغوي ٢٠٧/٢-٢٠٨.
مَوَسُو ◌َرُ النَّفْسِير
القرآن الكريمِ
٩٠
الغيب
حديث الرفث، فما بالك بحفظ العرض، و
هذه العبارة هي أبلغ ما في القرآن من دقائق
كنايات النزاهة، تقرؤها خرائد العذارى
جھرًا، ویفهمن ما تومئ إليه مما یکون سرًا،
وهن على بعد من خطرات الخجل أن تمس
وجدانهن الرقیق بأطراف أناملها، فلقلوبهن
الأمان من تلك الخلجات التي تدفع الدم
إلى الوجنات.
ناهيك بوصل حفظ الغيب بما حفظ
الله، فالانتقال السريع من ذكر ذلك الغيب
الخفي إلى ذكر الله الجلي، يصرف النفس
عن التمادي في التفكر فيما يكون وراء
الأستار من تلك الخفايا والأسرار، وتشغلها
بمراقبته عز وجل.
والمعنى: حافظات للغيب بحفظ الله أي: الله تعالى وطاعته وهو التعفف والشفقة
بالحفظ الذي يؤتيهن الله إياه بصلاحهن،
فإن الصالحة يكون لها من مراقبة الله تعالى
وتقواه ما يجعلها محفوظة من الخيانة،
قوية على حفظ الأمانة، أو حافظات له
بسبب أمر الله بحفظه، فهن یطعنه ویعصین
الهوى، فعسى أن يصل معنى هذه الآية إلى
نساء عصرنا اللواتي یتفکهن بإفشاء أسرار
الزوجية، ولا يحفظن الغيب فيها)).
وقال العلامة المفسر أبو السعود
العمادي رحمه الله: ((﴿فَالضَّالِحَتُ﴾
شروع في تفصيل أحوالهن وبيان كيفية
بينهن وبين أزواجهن في الخلوة، ولا سيما القيام عليهن بحسب اختلاف أحوالهن،
أي: فالصالحات منهن ﴿قَنِلَتُ﴾ أي:
مطيعات لله تعالى قائمات بحقوق الأزواج
﴿حَفِظَتُ لِّلْغَيْبِ﴾ أي: لمواجب الغيب،
أي: لما يجب عليهن حفظه في حال غيبة
الأزواج من الفروج والأموال. وقيل:
حافظات لأسرارهم.
﴿بِمَا حَفِظَ اَللَّهُ﴾ ما مصدرية، أي:
بحفظه تعالى إياهن بالأمر بحفظ الغيب
والحث عليه بالوعد والوعيد والتوفيق له،
أو موصولة أي: بالذي حفظ الله لهن عليهم
من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذب
عنھن.
وقرىء ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهَ﴾ بالنصب على
حذف المضاف أي: بالأمر الذي حفظ حق
على الرجال»(١).
وفي هذا المعنى نفسه تتضافر الآيات
الكريمة، في بيان ما ينتظر المؤمنين بالغيب
من نعيم دائم لا ينقطع، ومن مزيد لهذا
النعيم مما ادخره الله تعالى لهم من رؤية الله
تعالى، وهي من أعلى وأعظم أنواع النعيم
بعد دخول الجنة، مع ما أكرمهم الله تعالى
به من الفوز والمغفرة والأجر الكريم، فقال
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢/ ٧٧.
وأفاض في هذا المعنى السيد رشيد رضا في
المنار ٥٥/٥-٥٨.
www. modoee.com
٩١
حرف الغين
الله تعالى: ﴿مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ يِقَلْبٍ ووراء علم الإنسان، تبقى خالصة لله لا
یعلمها غیره، إلا بإذن منه وإلا بمقدار(١).
◌ُّنِيِبٍ ( ادْ خُلُوهَا بِسَلٍَّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ، لَمُ
مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٣ - ٣٥].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم
بِالْغَيْبٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرَّكَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢].
خامسًا: طريقة القرآن في عرض علم
الله الشامل للغيب:
السياق القرآني يعرض المؤثرات العميقة
التأثير في القلب البشري، كهذه المؤثرات
الغيبية، في رقعة فسيحة هائلة، رقعة فسيحة
في الزمان والمكان، وفي الحاضر الواقع،
والمستقبل المنظور، والغيب السحيق،
وفي خواطر النفس، ووثبات الخيال: ما
بين الساعة البعيدة المدى، والغيث البعيد
المصدر، وما في الأرحام الخافي عن
العيان، والكسب في الغد، وهو قريب من
الزمان ومغيب في المجهول، وموضع
الموت والدفن، وهو مبعد في الظنون.
إنها رقعة فسيحة الآماد والأرجاء، ولكن
اللمسات التصويرية العريضة بعد أن تتناولها
من أقطارها، تدق في أطرافها، وتجمع هذه
الأطراف كلها عند نقطة الغيب المجهول،
وتقف بها جميعا أمام كوة صغيرة مغلقة،
لو انفتح منها سم الخياط لاستوى القريب
خلفها بالبعيد، ولانكشف منها القاصي
والداني، ولكنها تظل مغلقة في وجه الإنسان
«وفي مجال الغيب المکنون، کما في کل
مجال من مجالات الكون وآفاقه وآماده،
يحيط علم الله سبحانه، وهو العليم بكل
شيء، بكل ما في الوجود، كبيره وصغيره،
ظاهره وخفیه، دقه وجله، في مجال الزمان:
ماضيًا وحاضرًا مهما بلغت كثرة وعظمة،
ذاك کله يحيط الله سبحانه وتعالى به علمًا:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ اٌلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ
وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ
إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَ حَبَّةٍ فِي ◌ُظُلُّمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ
وَلَا يَابِسِ إِلَّا فِ كِتَنِ تُِّينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
إنها صورة لعلم الله الشامل المحيط،
الذي لا يند عنه شيء في الزمان والمكان،
في الأرض ولا في السماء، في البر ولا
في البحر، في جوف الأرض ولا في طباق
الجو، من حي ومیت ویابس ورطب، ولكن
أين هذا الذيّ نقوله نحن - بأسلوبنا البشري
المعهود- من ذلك النسق القرآني العجيب؟
وأين هذا التعبير الإحصائي المجرد، من
ذلك التصوير العميق الموحي؟
إن الخيال البشري لينطلق وراء النص
القصير يرتاد آفاق المعلوم والمجهول،
وعالم الغيب وعالم الشهود، وهو يتبع
ظلال علم الله في أرجاء الكون الفسيح،
(١) في ظلال القرآن ٢٧٩٩/٢١.
٩٢
جَوَسُو
القُرآن الكْرِيْمِ
الغيب
ووراء حدود هذا الكون المشهود، وإن
الوجدان ليرتعش وهو يستقبل الصور
والمشاهد من کل فچ ووادٍ، وهو يرتاد -أو
يحاول أن يرتاد- أستار الغيوب المختومة
في الماضي والحاضر والمستقبل البعيد
الآماد والآفاق والأغوار، مفاتحها كلها عند
الله، لا يعلمها إلا هو، ويجول في مجاهل
البر وفي غيابات البحر، المكشوفة كلها
لعلم الله. ويتبع الأوراق الساقطة من أشجار
الأرض، لا يحصيها عدِّ، وعين الله على
كل ورقة تسقط هنا وهناك. ويلحظ كل حبة
مخبوءة في ظلمات الأرض لا تغيب عن
عین الله، ویرقب کل رطب ویابس في هذا
الکون العریض، لا یند منه شيء عن علم
الله المحيط.
إنها جولة تدير الرؤوس، وتذهل العقول.
جولة في آماد من الزمان، وآفاق من المكان،
وأغوار من المنظور والمحجوب، والمعلوم
والمجهول، جولة بعيدة موغلة مترامية
الأطراف، يعيا بتصرف آمادها الخيال، وهي
ترسم هكذا دقيقةً كاملة شاملة في بضع
كلمات، ألا إنه الإعجاز!
وننظر في هذه الآية القصيرة من أي
جانب فنرى هذا الإعجاز الناطق بمصدر
هذا القرآن.
فليس عليه طابع البشر، إن الفكر البشري
-حيث يتحدث عن مثل هذا الموضوع:
موضوع شمول العلم وإحاطته- لا يرتاد هذه
الآفاق، إن مطارح الفكر البشري وانطلاقاته
في هذا المجال لها طابع آخر، ولها حدود،
إنه ينتزع تصوراته التي يعبر عنها من
اهتماماته، فما اهتمام الفكر البشري بتقصي
وإحصاء الورق الساقط في أنحاء الأرض،
ومن ثم لا يخطر له أن يتجه هذا الاتجاه ولا
أن يعبر هذا التعبير عن العلم الشامل! إنما
الورق الساقط شأن يحصيه الخالق، ويعبر
عنه الخالق!
وما اهتمام الفكر البشري بكل حبة مخبأة
في ظلمات الأرض؟ إن أقصى ما يحفل به
بنو البشر هو الحب الذي يخبؤونه هم في
جوف الأرض ويرتقبون إنباته، فأما تتبع
كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض، فما
لا يخطر للبشر على بال أن يهتموا به ولا أن
يلحظوا وجوده، ولا أن يعبروا به عن العلم
الشامل! إنما الحب المخبوء في ظلمات
الأرض شأن يحصيه الخالق، ويعبر عنه
الخالق!
وما اهتمام الفكر البشري بهذا الاطلاق:
﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ إن أقصى ما يتجه إليه
تفكير البشر هو الانتفاع بالرطب واليابس ما
بین أیدیھم، فأما التحدث عنه كدليل للعلم
ننظر إليها من ناحية موضوعها، فنجزم
للوهلة الأولى بأن هذا كلام لا يقوله بشر، الشامل، فهذا ليس من المعهود في اتجاه
www. modoee.com
٩٣
حرفالغين
البشر وتعبيراتهم كذلك! إنما كل رطب
وكل يابس شأنٌ يحصيه الخالق، ويعبر عنه
الخالق!
ولا يفكر البشر أن تكون كل ورقة ساقطة
و کل حبة مخبوءة، و کل رطب و کل یابس
في كتاب مبين، وفي سجل محفوظ، فما
شأنهم بهذا، وما فائدته لهم؟ وما احتفالهم
بتسجيله؟ إنما الذي يحصيه ويسجله هو
صاحب الملك، الذي لا يند عنه شيء في
ملكه الصغير كالكبير، والحقير كالجليل،
والمخبوء كالظاهر، والمجهول كالمعلوم،
والبعید کالقريب.
إن هذا المشهد الواسع العميق الرائع،
مشهد الورق الساقط من شجر الأرض
جميعًا، والحب المخبوء في أطوار الأرض
جميعًا والرطب واليابس في أرجاء الأرض
جميعًا، إن هذا المشهد كما أنه لا يتجه
إليه الفكر البشري والاهتمام البشري،
وكذلك لا تلحظه العين البشرية ولا تلم به
النظرة البشرية، إنه المشهد الذي يتكشف
هكذا بجملته لعلم الله وحده المشرف
على كل شيء المحيط بكل شيء الحافظ
لكل شيء الذي تتعلق مشيئته وقدرته بکل
شيء، الصغير كالكبير، والحقير كالجليل
والمخبوء كالظاهر والمجهول كالمعلوم،
والبعيد كالقريب.
والذين يزاولون الشعور ويزاولون التعبير
من بني البشر يدركون جيدًا حدود التصور
البشري وحدود التعبير البشري أيضًا،
ويعلمون -من تجربتهم البشرية- أن مثل
هذا المشهد لا يخطر على القلب البشري،
كما أن مثل هذا التعبير لا يتأتى له أيضًا
والذين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا
قول البشر كله؛ ليروا إن كانوا قد اتجهوا مثل
هذا الاتجاه أصلًا!))(١).
(١) في ظلال القرآن ٧/ ١١١١- ١١١٣.
٩٤
جَوَسُ
القرآن الكريمِ
الغيب
أنواع الغيب ومفاتحه
الغيب نوعان رئیسان:
نوعٌ أقام الله تعالى عليه دليلًاً عقليًا
أو سمعيًا، كالخالق وصفاته تبارك
وتعالى، واليوم الآخر وأحواله. وهو
المراد بالغيب في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾ .
ونوٌ لم يجعل عليه دليلًا، لا عقليًا ولا
سمعيًا، وهذا هو المعني بقوله تعالى:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾.
وكل منهما يندرج تحته مراتب فرعية،
من حيث إمكانية الاطلاع عليه ومعرفته،
وعدم إمكانية ذلك(١).
وفيما يلي إيجاز لهذين النوعين
الرئيسين، وما يتفرع عنهما، ثم بيان مفاتح
الغيب. وذلك فيما يأتى:
أولًا: الغيب المطلق الحقيقي:
وهو ما يغيب عن الحواس والعقول
معًا، ولا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى،
فهو محجوب عن الخلق جمیعًا، ولا يمكن
لمخلوق أن يعلمه.
وهذا هو الغيب الذي تتناوله الآية
الكريمة: ﴿قُل لََّ يَعْلَمُ مَن ◌ِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
الْغَيْبَ إِلَّا اللّهُ وَمَا يَتْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾[النمل:
(١) كشاف اصطلاحات الفنون ١٠٩٠/٣،
وأصله في أنوار التنزيل، البيضاوي، ٨/١.
٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ
لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا
تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي
◌ُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِ كِنَبِ
تُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
ثم إن الغيب من هذا النوع ينطوي على
مرتبتين اثنتين:
المرتبة الأولى: ما ورد فيه نصّ صريح
بأن الله تعالى قد كتمه عن الخلق جميعًا،
حتى الأنبياء والملائكة، کعلم قيام الساعة،
وسائر الأمور الخمسة التي هي مفاتح
الغيب.
فهذا النوع لا سبيل إلى علمه بالوحي
ولا بغير الوحي، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
اُللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا
فِى الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً
وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّ اللّهُ عَلِيمٌ﴾
[لقمان: ٣٤].
وهذه الآية الكريمة من سورة لقمان
تفسيرٌ لآية سورة الأنعام السابقة: ﴿وَعِندَهُ
مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الآية ٥٩].
وقد جاء في الحديث الصحيح عن ابن
عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (مفاتيح الغيب خمسٍ لا
يعلمها إلا الله؛ لا يعلم ما في غدٍ إلا الله،
ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم
www. modoee.com
٩٥
حرفالغين
متی یأتي المطر أحدٌ إلا الله، ولا تدري نفس
بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة
إلا الله) (٢).
وعنه أيضًا رضي الله عنهما قال: قال
النبي صلی الله عليه وسلم: (مفاتح الغيب
خمسٌ، ثم قرأ: ﴿إِنَّاللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى
نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدَّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَِ آَرْضٍ
تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾﴾(٢).
وعن بريدة رضي الله عنه مرفوعًا:
(خمسٌ لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللّهَ
عِندَهُ, عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا
فِىِ الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ
خَدَّأُ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ﴾)(٣).
ومفاتح الغيب هذه، التي جاءت في
سورة لقمان، وفي الأحاديث السالفة، لا
مطمع لأحدٍ في علم شيء منها، فمن ادعى
علم شيء منها غير مسنده إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان كاذبًا في دعواه (٤).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد
٣٦١/١٣، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، ٣٩/١-٤٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
٢٩١/٨، رقم ٥١٣-٥١٤.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣٥٣/٥،
والبزار ٢٥/١٠، ورجال أحمد رجال
الصحيح، كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد
٩٠/٧-٨٩.
(٤) فتح الباري، ابن حجر ١ / ١٢٤.
وعلى هذه المرتبة من الغيب يحمل نفي
العلم الذي جاء في سورة النمل، في قوله
سبحانه وتعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ الْغَيّبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَتْرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾
فهو محجوب حتى عن أنبياء الله تعالى
ورسله وملائكته المقربين. وسيأتي فيما بعد
إن شاء الله تعالى أن هذا العموم قد يدخله
التخصيص في بعض الحالات والمراحل.
المرتبة الثانية: ما لم يرد فيه نصٌّ صريح
في أن الله كتمه عن الخلق جميعًا، فلله
سبحانه وتعالى أن يطلع من شاء من رسله
على ما شاء منه، ولا يطلع على هذا النوع
أحدًا غير الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقد أخرج الإمام أحمد عن ابن عمر
مرفوعًا، وعن ابن مسعود موقوفًا رضي
الله عنهم قال: (أُوتی نبیکم صلی الله علیه
وسلم مفاتيح كل شيءٍ غير الخمس)(٥).
وأخرج الطيالسي في (مسنده) عن
إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم،
عن ابن عمر: (أوتي نبيكم مفاتيح الغيب إلا
الخمس) (٦).
(٥) أخرجه أحمد في المسند ٨/١. و الطيالسي،
ص٥١ و٢٤٩.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦٣/٨:
((أخرجه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال
الصحيح)).
(٦) مسند الطيالسي، ص٢٤٩ رقم ١٨٠٩.
وانظر: فتح الباري، ابن حجر ٥١٤/٨،
وذكره ابن كثير في التفسير: ٣/ ٤٥٥، وقال:
جَوَبُورَةُ التَفيمـ
القرآن الكريم
٩٦