النص المفهرس

صفحات 21-36

الخمر
﴿وَبَعْقُوا عَن كَثِيرٍ﴾، وقيل لأبي سليمان
الداراني: ما بال الفضلاء لا يلومون من أساء
إليهم؟ فقال لأنهم يعلمون أن الله تعالی هو
الذي ابتلاهم بذنوبهم. وروي عن علي بن
أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (إن الله أكرم من أن يثني على عبده
العقوبة إذا أصابته في الدنيا بما كسبت
يداه)(١).
وقال الحسن بن أبي الحسن، معنى الآية
في الحدود: أي ما أصابكم من حد من
حدود الله، وتلك مصائب تنزل بشخص
الإنسان ونفسه، فإنما هي بكسب أيديكم به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها، أو
الشوكة يشاكها) (٤).
ویعفوا عن کثیر، فستره على العبد حتى لا
يحد عليه))(٢).
ومن هذا الباب أيضًا قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ
بِأَمَانِيِّكُمْ وَلََّ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِ مَن
يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ
اُللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١)
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الضَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
[النساء: ١٢٣-١٢٤].
١٢٤
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٧٨/٢، رقم ٦٤٩،
والترمذي في سننه، أبواب الإيمان، باب ما
جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن، ١٦/٥، رقم
٢٦٢٦.
قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
ص ٧٨٣، رقم ٥٤٢٣.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٧/٥.
وظاهر الآية أن كل سوء عمله المرء
جزي به يستوي في ذلك المؤمن والكافر،
قال القرطبي: ((قال الجمهور: لفظ الآية عام،
والكافر والمؤمن مجازى بعمله السوء، فأما
مجازاة الكافر فالنار، لأن كفره أوبقه، وأما
المؤمن فبنكبات الدنيا»(٣).
ثم استدل على ذلك بما في صحيح
مسلم عن أبي هريرة، قال: (لما نزلت ﴿مَن
يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بلغت من المسلمين
مبلغا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (قاربوا، وسددوا، ففي كل ما يصاب
وفي مسند أحمد عن أبي بكر بن أبي
زهیر، قال: أخبرت أن أبا بکر قال: (یا
رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية:
﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُ
مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ په،﴾ فكل سوء عملنا
جزينا به ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (غفر الله لك يا أبا بكر، ألست
تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟
ألست تصيبك اللأواء(٥)؟) قال: بلى. قال:
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٩٦/٥.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من
مرض، أو حزن، أو نحو ذلك حتى الشوكة
يشاكها، ٤ / ١٩٩٣، رقم ٢٥٧٤.
(٥) الأذى.
www. modoee.com
٦١

حرفالغين
(فهو ما تجزون به)(١).
والآثار في هذا الباب كثيرة (٢).
وعليه فالهم والحزن ونحوها مترددة بين
كونها بلاء أو عقوبة:
فهي عقوبة عاجلة يعاقب بها الكافر في
الحياة الدنيا، وما أعد الله له يوم القيامة
من العذاب المهين أشد وأبقى.
وهي شيء من العقاب الذي يصيب
المؤمن في الحياة الدنيا فيحط عنه
العذاب في الآخرة لأن الله لا يجمع
علیه العقاب مرتین.
وهي کذلك من البلاء الذي يرفع من
درجة المؤمن عند الله ويزيد في أجره،
ولیس بین بلاء المؤمن وعقابه فارق إلا
إن تصورنا عبدا ليس له ذنب: فبالنظر
إلى أنها شيء يحط عنه عقوبة الآخرة
فالغم والحزن عقاب، وبالنظر إلى أنه
یعظم أجره ويرفع درجته فهو بلاء،
والله أعلم.
وقد أخرج الترمذي الحكيم في نوادر
الأصول عن حیان قال: صحبت ابن عمر
من مكة إلى المدينة فقال لنافع: لا تمر بي
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ١ / ٢٣٠، رقم ٦٨.
وصححه بن حبان، كما في فتح الباري، ابن
حجر ١٠/ ١٠٤.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٩٦/٥-٣٩٨، تفسير القرآن العظيم، ابن
كثير ٢/ ٤١٧-٤٢١.
علی المصلوب -يعني ابن الزبير-، قال:
فما فجئه في جوف الليل أن صك محمله
جذعه(٣)، فجلس يمسح عينيه ثم قال:
یرحمك الله أبا خبیب إن کنت وإن کنت،
ولقد سمعت أباك الزبير يقول: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (من يعمل سوء
يجز به في الدنيا أو في الآخرة)، فإن یك هذا
بذاك فهيه هيه، قال الله تعالى ﴿مَنْ يَعْمَلْ
سُوءًا يُجْزَبِهِ،﴾)»(٤).
قال الترمذي: «وهذا عام، ثم ميز رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يجز به في
الدنيا أو الآخرة) وليس يجمع الجزاء في
الموطنين)»(٥).
وقال القرطبي: ((فدخل فيه البر والفاجر
والعدو والولي والمؤمن والكافر، ثم ميز
رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا
الحديث بين الموطنين فقال: (يجز به في
الدنيا أو في الآخرة) وليس يجمع عليه
الجزاء في الموطنين»(٦).
قال: «ثم ميز رسول الله صلى الله عليه
وسلم في حديث آخر بين الفريقين عن
(٣) أي: اصطدم به، وكان لا يريد أن يمر عليه ..
ومعنى صك: ضرب، والمحمل: شقان على
البعير يحمل فيهما، والحبل الذي يعلق به
السيف.
انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٤٦/٢٨.
(٤) نوادر الأصول، الحكيم الترمذي ١٦/٢.
(٥) المصدر السابق.
(٦) الجامع لأحكام القرآن ٣٩٧/٥.
جَوْسُورَةُ الْتَقْتَّـ
القرآن الكريمِ
٦٢

الخمر
يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي
قال: (لما نزلت ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ
په.﴾ قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما
هذه بمبقية منا، قال: (يا أبا بكر إنما يجزى
المؤمن بها في الدنیا ویجزی بها الكافر يوم
القيامة))(١).
والمعنى: أن ما یصیب الكافر من بأساء
وضراء في الحياة الدنيا لا يضع عنه عقوبة
الآخرة كما توضع بذلك عن المؤمن.
قال الحكيم الترمذي تعليقًا على حدیث
ابن عمر السابق: ((فلما رأی ابن عمر فعله ثم
رآه مصلوبًا، ذکر قول رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال ذلك، وذلك لأن المؤمن
من يجزى بالسوء فى الدنيا بالنصب والتعب
ونوائب الدنيا والحزن والغم، والكافر
يصيبه ذلك وليس ذاك جزاء له بالسوء الذي
قد عمل، وادخر جزاؤه إلى يوم القيامة؛ لأن
جميع ما يصيب الكافر من المصائب لا
يصبر فيها، وإن صبر فصبره تجلد لا حسبة
وتسلیم.
والمؤمن في كل ذلك صابر محتسب
مذعن، والكافر ساخط على ربه مضمر
علی عداوته، لأن المؤمن حبب إليه الإيمان
وزين في قلبه فالتذت نفسه وطابت فلان
القلب ورق الفؤاد وراحت النفس وطابت
بلذتها فانقاد له واستسلم وألقي بیدیه سلمًا،
(١) المصدر السابق.
فإن جاءته أحوال المكاره تحملها وهو في
ذلك راض عنه طيب النفس يحمده بلسانه
ويرجوه بقلبه وطابت نفسه بما يرى من
رحمة الله تعالى عليه بأنه قد محصه وطهره،
وإذا خرج من الدنيا انقطع رجاؤه من جميع
الخلق وكان متعلق رجائه خالقه.
فإذا أعطى صحيفته يوم القيامة فأتى على
سيئاته قيل له تجاوز عن قراءتها فقد تجاوزنا
عنك بما أصابك في الدنيا)»(٢).
(٢) نوادر الأصول، الحكيم الترمذي ٢/ ١٧.
www. modoee.com
٦٣

حرف الغين
وسائل النجاة من الغم
لقد وصف القرآن الكريم للغم أدوية
ربانية تداوي آلامه وتبدل مكانها رضا
وطمأنينة وتسلیمًا، ویمکن إجمالها في ما
يأتي:
أولًا: الإيمان بالله:
وهو من أنفع الأدوية في النجاة من الغم
وعلاجه، وقد قرر القرآن الكريم أن الإيمان
بالله سبب لهوان المصائب إذا ما نزلت كما
هي سبب لكبح النفس عن الطغيان في حال
النعمة.
قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَمِن ◌ُصِيبَةٍ فِی
اُلْأَرْضِ وَلَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَپٍ مِّن
قَبْلِ أَن تَبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ )
◌ِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ
ءَاتَّنكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
﴾ [الحديد: ٢٢- ٢٣].
٢٣
وإننا - إذا تأملنا نصوص القرآن الكريم-
نلمح أن هوان هذه المصائب ينتج عن
أمرین:
أحدهما: ما ينبني على الإيمان من اعتقاد
العبد أنه ملك لله المتصرف في شؤون خلقه
بقدرته و حکمته و تدبيره، وإيمانه بأن المرجع
إليه يوم القيامة الذي يعد الفوز فيه هو الفوز
المبين، والخسران فيه هو الخسران العظيم،
ولا تعد الدنيا كلها -إذا ما قیست به- إلا
متاعًا قليلًا.
كما قال جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ
بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصِ مِّنَ الْأَمْوَلِ
وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ } الَّذِينَ
إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ
(١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٥- ١٥٦].
((ففي قول العبد إنا لله وإنا إليه راجعون
تفویض منه إلی الله وأنه راض بکل ما نزل
به من المصائب»(١).
وهذا القول إنما يصدر عن الذين تخلقوا
بالصبر واستداموه حتى صار وصفا راسخا
لهم، ولذلك ((وصف الصابرين بأنهم:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا﴾ لإفادة أن
صبرهم أكمل الصبر.
إذ هو صبر مقترن ببصيرة في أمر الله
تعالى، إذ يعلمون عند المصيبة أنهم ملك لله
تعالی یتصرف فیھم کیف یشاء، فلا يجزعون
مما يأتيهم، ويعلمون أنهم صائرون إليه
فیشیبهم على ذلك.
فالمراد من القول هنا القول المطابق
للاعتقاد، إذ الكلام إنما وضع للصدق،
وإنما يكون ذلك القول معتبرًا إذا كان
تعبيرًا عما في الضمير، فليس لمن قال هاته
الكلمات بدون اعتقاد لها فضل، وإنما هو
کالذي ینعق بما لا يسمع.
وقد علمهم الله هذه الكلمة الجامعة
(١) لباب التأويل، الخازن ١/ ٩٤.
٦٤
القرآن الكريم

العمر
لتكون شعارهم عند المصيبة، لأن الاعتقاد تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ﴾ يحتمل
أن يريد المصائب التي هي رزايا وخصها
يقوى بالتصريح لأن استحضار النفس
للمدركات المعنوية ضعيف يحتاج
إلى التقوية بشيء من الحس، ولأن في
تصريحهم بذلك إعلانا لهذا الاعتقاد
وتعليما له للناس)»(١).
بالذكر بأنها الأهم على الناس والأبين
أثرًا في أنفسهم، ويحتمل أن يريد جميع
الحوادث من خير وشر، وذلك أن الحكم
واحد في أنها ﴿بإذْنِ اللَّهِ﴾، والإذن في هذا
الموضع عبارة عن العلم والإرادة وتمكين
الوقوع)»(٣).
وهم إذا قالوا ذلك هانت المصائب في
نفوسهم وخفت ألمها، ولهم فوق ذلك
منحة أخرى: وهي أن يبدلهم الله خيرا مما
فقدوا، فقد روى مسلم في صحيحه عن
أم سلمة، أنها قالت: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم، يقول: (ما من مسلم
تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: ﴿إِنَّاللَّهِ
وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي،
وأخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا
منها)(٢).
والثاني: ما وعد الله عز وجل -ووعده
الحق - من أن يلقي في نفس المؤمن الهدى،
قال سبحانه: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّاپاذْنِ
اللَّهُ وَ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدٍ قَلْبَهُ، وَاللّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
[التغابن: ١١].
وقد تضمن مطلع الآية تذکیرا بأن کل
ما یصیب العبد من خير أو شر إنما هو بأمر
الله، ومن علم ذلك سلم أمره لله، «وقوله
(١) التحرير والتنوير ٢ /٥٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب ما يقال عند المصيبة، ٦٣١/٢، رقم
٩١٨.
وتكرر هذا في سور أخرى فأخبر
سبحانه في هذه الآية ((بما أخبر به في سورة
الحديد: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِيِّ
أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَبْرَهَا ﴾
[الحديد: ٢٢].
وهكذا قال هاهنا: ﴿مَا أَصَابَ مِن
مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ قال ابن عباس: بأمر
الله، يعني: عن قدره ومشيئته ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ
◌ِاَللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ, وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ومن
أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره،
فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، هدى
الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى
في قلبه، ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما
كان أخذ منه، أو خيرا منه» (٤).
وقال ابن عطية: ((وقوله تعالى: ﴿وَمَن
يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ يَهْدٍ قَلْبَهُ﴾ قال فيه المفسرون
المعنى: ومن آمن وعرف أن كل شيء بقضاء
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣١٩/٥.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٧/٨.
www. modoee.com
٦٥

حرفالغين
الله وقدره، وعلمه، هانت عليه مصيبته والسماء، ورب العرش العظيم، ورب
الخلق أجمعين، وعرف أن هذا من تمام
وسلم الأمر لله تعالى))(١).
أركان الإيمان ﴿إِنَّكُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ (
٤٩
[القمر: ٤٩].
فعلى هذا القول تكون الهداية هداية
الإرشاد إلى معرفة الله والإيمان بقدره
وحكمته. وقد دلت الآية على أن الله سبحانه
وتعالى هو الذي يلقي الهداية في نفس العبد
ويؤيده ما ((قرأ سعيد بن جبير وطلحة بن
مصرف: ((نهد)) بالنون))(٢).
((وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم
الجحدري، وأبو نهیك: «یهد» بیاءٍ مفتوحة.
ونصب الدال ((قلبه)) بالرفع. قال الزجاج:
هذا من هدأ يهدأ: إذا سكن. فالمعنى: إذا
سلم لأمر الله سكن قلبه)) (٣).
ومعناه حصول الطمأنينة فيه.
ومن لوازم الإيمان بالله الإيمان بالقدر وصحة ونحوها.
خيره وشره.
ثانيًا: الإيمان بالقدر:
إذا حقق المغموم الإيمان بالقضاء
والقدر، خيره وشره، وآمن أن كل شيء
بقضاء الله وقدره، ولا راد لما قدر وقضى
من أحدٍ من مخلوقاته، ووقف وقفة مع
نفسه عند حلول الهم والحزن بسبب ما نزل
به، وتذكر بأن الذي قدر هو رب الأرض
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣١٩/٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢٩٣/٤، (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب الغنى غنى النفس، ٨/ ٩٥، رقم ٦٤٤٦،
أنوار التنزيل، البيضاوي ٢١٨/٥.
٦٦
مُؤَسُولَة الَِّي
القرآن الكريمِ
(وتؤمن بالقدر خيره وشره)(٤)؛ نزل في
قلبه الطمأنينة والسكينة، وزال عنه ما حل به
الغموم والهموم والأحزان.
قال ابن القيم: (وقيل: أکثر الناس همًا
بالدنيا أكثرهم همّا في الآخرة، وأقلهم
همًا بالدنيا أقلهم همًا في الآخرة. فالإيمان
بالقدر والرضى به: يذهب عن العبد الهم
والغم والحزن»(٥).
وينتج عن الإيمان بالله وبالقدر خيره
وشره قناعة العبد بما قسم الله له من رزق
ثالثًا: القناعة:
القناعة هي قبول الحظ المقسوم للإنسان
من الرزق والمال والأولاد والقوة والصحة
والمتاع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس
الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى
النفس) (٦).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر
وعلامة الساعة، ٣٦/١، رقم ٨.
(٥) مدارج السالكين ٢/ ٢٢١.

الخمر
وأثر القناعة كسبب لدفع الهموم هام
جدًا، إذ إن كل قنوع غير متشوف لما في
أيد الناس، وغير ساخط على حاله من الفقر
أو الصحة أو غيره. لذلك وصف الله أهل
السعادة بالصبر حال البلاء والجود حال
العافية، وجعلها خلقا لهم من دون سائر
الناس.
قال تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا أَلْإِنسَنَ
مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ، لَيَتُوسَُّ
كَفُورُ ﴾ وَلَيْنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَآءَ
مَسَّتَّهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىٌّ إِنَّهُ لَفَرِحُ
فَخُورُ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
أُوْلَكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرُ ﴾
[هود: ٩-١١].
قيل لبعض الحكماء: ((فما سرور الدنيا؟
قال: الرضاء بما رزقت. قال: فما غمها؟
قال: الحرص على ما لعلك لا تناله))(٢).
وقال ابن القيم: ((وإنما تحصل الهموم
والغموم والأحزان من جهتين، أحداهما:
الرغبة في الدنيا والحرص عليها. والثاني:
التقصير في أعمال البر والطاعة))(٣).
وقال أيضًا: ((الرابع عشر (من استواء
النعمة والبلية عند المؤمن في الرضى بهما؛
لأنهما من الرضى عن الله): أن السخط
باب الهم والغم والحزن، وشتات القلب،
وكسف البال، وسوء الحال، والظن بالله
خلاف ما هو أهله، والرضى يخلصه من
ذلك كله، ويفتح له باب جنة الدنيا قبل جنة
ويروى: (الزهد في الدنيا يريح القلب الآخرة)) (٤).
والبدن، والرغبة في الدنيا تطيل الهم رابعًا: طاعة الله ورسوله:
والحزن)(١).
ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
ليس الغنى عن كثرة العرض، ٧٢٦/٢، رقم
١٠٥١.
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط،
١٧٧/٦، رقم ٦١٢٠ عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الزهد في
الدنيا يريح القلب، والجسد). ثم قال: لم يرو
هذا الحديث عن علي بن زيد إلا أشعث بن
براز، تفرد به يحيى بن بسطام.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٦/١٠:
وفيه أشعث بن نزار ولم أعرفه، وبقية رجاله
وثقوا على ضعف في بعضهم.
وفي حلية الأولياء لأبي نعيم ٢٨٨/٦ عن
عبد الله الداري قال:)) كان أهل العلم بالله
وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
فرع عن الإيمان بالله، وهو أنجح وسيلة
للنجاة من الغم والهم والحزن والشفاء
منه، وذلك بالالتزام بما أمر الله به ورسوله،
والانتهاء عما نهى الله عنه ورسوله، ففيهما
كمال السعادة، وذهاب الغموم والهموم
والقبول منه يقولون: إن الزهد في الدنيا يريح
القلب والبدن وإن الرغبة في الدنيا تكثر الهم
والحزن وإن الشبع يقسي القلب ويفتر البدن)).
(٢) انظر: سراج الملوك، الطرطوشي ص ١٥٧.
(٣) عدة الصابرين ص ٢٢٧.
(٤) مدارج السالكين ٢/ ٢٠٧.
www. modoee.com
٦٧

حرف الغين
والأحزان.
قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ
١٣٢} [آل عمران: ١٣٢].
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأَحْذَرُواْ﴾ [المائدة: ٩٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن
كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].
وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَّا
تَشَزَّعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولٌّ فَإِنِ تَوَلَوْ فَإِنَّمَا ◌َلَيْهِ مَا حِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا
حُجِلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا
الْبَلَغُ الْمُبِينُ ﴾ [النور: ٥٤].
وقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اللّهَ
وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ ﴾ [النور: ٥٢].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الله قد
ضمن السعادة لمن أطاعه وأطاع رسوله،
وتوعد بالشقاء لمن لم يفعل ذلك، فمناط
السعادة طاعة الله ورسوله، كما قال تعالى:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ
اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ
وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾
[النساء: ٦٩]))(١).
وقال ابن القيم: ((قال بعض العلماء:
فكرت في سعي العقلاء فرأيت سعيهم كلهم
في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في
تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في
دفع الهم والغم عن نفوسهم؛ فهذا في الأكل
والشرب، وهذا في التجارة والكسب، وهذا
بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات
المطربة، وهذا باللهو واللعب. فقلت: هذا
المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق
كلها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنما
يوصل إلى ضده، ولم أر في جميع هذه
الطرق طريقًا موصلاً اليه.
بل لعل أكثرها إنما يؤثر إلى الإقبال على
الله وحده، ومعالمته وحده، وإيثار مرضاته
على كل شيء، فإن سالك هذا الطريق فاته
حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي
لا فوت معه، وإن حصل للعبد حصل له کل
شيء، وإن فاته فاته كل شيء، وإن ظفر بحظه
من الدنيا ناله على أهنى الوجوه، فليس للعبد
أنفع من هذا الطريق، ولا أوصل منه إلى لذته
وبهجته وسعادته. وبالله التوفيق» (٢).
وقال أيضًا في سياق تفسير قوله تعالى:
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ
وَالَرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرَّ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: ٥٩].
((وقد اتفق السلف والخلف على أن
الرد إلى الله هو: الرد إلى كتابه، والرد إلى
الرسول هو الرد إليه في حياته، والرد إلى
(٢) الجواب الكافي ص ١٣٦.
(١) منهاج السنة ٢٤٤/٣.
جوسى
الْقُرآن الكَرِيمِ
٦٨

العمر
سنته بعد وفاته؛ سعادة الدارين. ثم قال الله عليه وسلم والخروج عنه، وهذا برهان
تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: أي هذا قاطع على أنه لا نجاة للعبد ولا سعادة إلا:
بالاجتهاد في معرفة ما جاء به الرسول صلی
الله عليه وسلم علمًا، والقيام به عملًا كمال
السعادة»(١).
الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي
وأولياء الأمر، ورد ما تنازعتم فيه إلي وإلى
رسولي، خير لكم في معاشكم ومعادكم،
وهو سعادتكم في الدارين، فهو خير لكم،
وأحسن عاقبة.
فدل هذا على أن طاعة الله ورسوله،
وتحكيم الله ورسوله، هو سبب السعادة
عاجلًا وآجلًا، ومن تدبر العالم والشرور
الواقعة فيه، علم أن كل شر في العالم سببه
مخالفة الرسول، والخروج عن طاعته، وكل
خير في العالم فإنه بسبب طاعة الرسول،
وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها،
إنما هو من موجبات مخالفة الرسول
ومقتضياتها، فعاد شر الدنيا والآخرة إلى
مخالفة الرسول وما يترتب عليه.
فلو أن الناس أطاعوا الرسول حق طاعته
لم يكن في الأرض شر قط، وهذا كما
أنه معلوم في الشرور العامة، والمصائب
الواقعة في الأرض، فكذلك هو في الشر
والألم والغم الذي يصيب العبد في نفسه،
فإنما هو بسبب مخالفة الرسول؛ ولأن
طاعته هي الحصن الذي من دخله كان من
الآمنين، والكهف الذي من لجأ إليه كان
من الناجين؛ فعلم أن شرور الدنيا والآخرة
إنما هو الجهل بما جاء به الرسول صلى
وقد خص القرآن الكريم في هذا الباب
من عموم الطاعات ثنتين: الصبر والصلاة.
خامسًا وسادسًا: الصبر والصلاة:
أمر القرآن الكريم المؤمنين من أمة
محمد صلى الله عليه وسلم كما أمر بني
إسرائيل بأن يستعينوا على ما نزل بهم
من البلاء بالصبر والصلاة، فقال سبحانه
مخاطبا بني إسرائيل: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَوَةٌ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ * الَّذِينَ
يَُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ
[البقرة: ٤٥- ٤٦].
قال ابن جرير: «يعني بقوله جل ثناؤه:
﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ﴾: استعينوا على الوفاء
بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم من
طاعتي واتباع أمري، وترك ما تهوونه من
الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من
التسليم لأمري، واتباع رسولي محمد صلى
الله عليه وسلم بالصبر عليه والصلاة))(٢).
و ((الصبر: الإمساك في ضيق، يقال:
صبرت الدابة: حبستها بلا علف، وصبرت
(١) زاد المهاجر إلى ربه ص ٤٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ١/ ١٠.
www. modoee.com
٦٩

حرفالغين
فلانًا: خلفته خلفة لا خروج له منها.
والصبر: حبس النفس على ما يقتضيه
العقل والشرع، أو عما يقتضیان حبسها عنه،
فالصبر لفظ عام، وربما خولف بين أسمائه
بحسب اختلاف مواقعه، فإن کان حبس
النفس لمصيبة سمي صبرا لا غير، ويضاده
الجزع، وإن كان في محاربة سمي شجاعة،
ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة
سمي رحب الصدر، ويضاده الضجر، وإن
کان في إمساك الكلام سمي کتمانا، ویضاده
المذل، وقد سمى الله تعالى كل ذلك
صبرً))(١).
ولما عطف الصبر على الصلاة قال
بعض المفسرين إن المقصود به الصيام،
وذلك لتضمن الصيام للصبر.
قال ابن جرير: ((وقد قيل: إن معنى
((الصبر)) في هذا الموضع: الصوم،
و((الصوم)) بعض معاني ((الصبر)). وتأويل
من تأول ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره
أمرهم بالصبر على ما كرهته نفوسهم من
طاعة الله، وترك معاصيه. وأصل الصبر:
منع النفس محابها، وكفها عن هواها؛
ولذلك قيل للصابر على المصيبة: صابر،
لكفه نفسه عن الجزع؛ وقيل لشهر رمضان
((شهر الصبر))، لصبر صائميه عن المطاعم
والمشارب نهارا، وصبره إياهم عن ذلك:
(١) المفردات ص ٤٧٤.
◌َالنَّسَيَّة
جوببيو
لِلْطَرَآن الْكْرِيْمِ
حبسه لهم، وكفه إياهم عنه، كما تصبر
الرجل المسيء للقتل فتحبسه عليه حتى
تقتله. ولذلك قيل: قتل فلان فلانًا صبرًا،
يعني به: حبسه عليه حتى قتله، فالمقتول
(مصبور))، والقاتل ((صابر)))(٢).
ويحتمل أن يكون الصبر على إطلاقه
وحينئذ «ففيما أمروا بالصبر عليه ثلاثة
أقوال: أحدها: أنه أداء الفرائض، قاله ابن
عباس ومقاتل. والثاني: أنه ترك المعاصي،
قاله قتادة. والثالث: عدم الرئاسة»(٣).
وأما الأمر الثاني الذي أمروا أن يستعينوا
به فهو الصلاة: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ * الَّذِينَ يَكُنُّونَ
أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ
[البقرة: ٤٥ - ٤٦].
و«خص الصلاة بالذكر من بين سائر
العبادات تنويها بذكرها وكان عليه السلام
إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)» (٤).
قال ابن جرير: «فإن قال لنا قائل: قد
علمنا معنى الأمر بالاستعانة بالصبر على
الوفاء بالعهد والمحافظة على الطاعة، فما
معنى الأمر بالاستعانة بالصلاة على طاعة
الله، وترك معاصيه، والتعري عن الرياسة،
وترك الدنيا؟ قيل: إن الصلاة فيها تلاوة
کتاب الله، الداعية آياته إلى رفض الدنيا
(٢) جامع البيان، الطبري ١/ ١١.
(٣) زاد المسير ١/ ٦١.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٧١/١.
٧٠

الخمر
وهجر نعيمها، المسلية النفوس عن زيتتها
وغرورها، المذكرة الآخرة وما أعد الله فيها
لأهلها. ففي الاعتبار بها المعونة لأهل طاعة
الله على الجد فيها، کما روي عن نبينا صلى
الله علیه وسلم أنه کان إذا حزبه أمر فزع إلی
الصلاة (١)))(٢).
هذا ومع أن الله عز وجل قد أمر
بالاستعانة بالصبر والصلاة، غير أنه أخبر
أنها ستثقل على كثير من الناس: ﴿وَإِنَّهَا
لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ﴾: ((﴿وَإِنَّهَا﴾: يعني
الصلاة وقيل الاستعانة ﴿لَكَبِيرَةُ ﴾ أي ثقيلة
﴿إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ﴾ يعني المؤمنين، وقيل:
الخائفين، وقيل: المطيعين المتواضعين لله،
وأصل الخشوع السكون؛ فالخاشع ساكن
إلى الطاعة، وقيل: الخشوع الضراعة، وأكثر
ما تستعمل في الجوارح.
وإنما كانت الصلاة ثقيلة على غير
الخاشعين لأن من لا يرجو لها ثوابًا ولا
يخاف علی تر کها عقابًا فهي ثقيلة عليه. وأما
الخاشع الذي يرجو لها ثوابا ويخاف على
تركها عقابا فهي سهلة عليه))(٣).
(١) عن حذيفة قال: (كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة).
أخرجه أبو داود في سننه، أبواب قيام الليل،
باب وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم
من الليل، ٣٥/٢، رقم ١٣١٩، وأحمد في
مسنده، ٣٣٠/٣٨، رقم ٢٣٢٩٩. وحسنه
الألباني.
(٢) جامع البيان، الطبري ١ / ١٢.
(٣) لباب التأويل، الخازن ٤٣/١.
فلما كان الصبر والصلاة عونا على البلاء
بأنواعه ومخففا لوقعه في النفس ((أمر الله
جل ثناؤه الذين وصف أمرهم من أحبار بني
إسرائيل أن يجعلوا مفزعهم في الوفاء بعهد
الله الذي عاهدوه إلى الاستعانة بالصبر
والصلاة كما أمر نبيه محمدًا صلى الله
علیه وسلم بذلك، فقال له: ﴿ ناصر﴾ یا
محمد ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ
◌ُلُوجِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِيِها وَمِنْ ءَانَآٍ آَلَّيْلِ فَسَبِحْ
وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
فأمره جل ثناؤه في نوائبه بالفزع إلى
الصبر والصلاة» (٤).
وكما توجه هذا الأمر لأهل الكتاب، فقد
أمر به المسلمون أيضا كما في قوله تعالى:
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ ﴾ وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ بَلْ أَحْيَّةٌ وَلَكِنْ لَّا تَشْعُرُونَ
﴾ [البقرة: ١٥٣- ١٥٤].
وهو ما يؤكد أن هذه الوصية الإلهية قد
توجهت إلى المؤمنين من أتباع جميع أنبياء
الله عليهم السلام.
سابعًا: الدعاء:
في معرض خبره سبحانه عن الذين
أمرنا أن نقتدي بهم من الأنبياء، قص القرآن
الكريم دعوة يونس عليه السلام في بطن
(٤) جامع البيان، الطبري ١/ ١٤.
www. modoee.com
٧١

حرف الغين
الحوت.
قال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا
فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ فَتَادَى فِ القُلُمَتِ أَنْ
لَّ إِلَّهَ إِلَّّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَّيْنَهُ مِنَ
اٌلْفَزَّ وَكَذَلِكَ نُجِى الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[الأنبياء: ٨٧-٨٨].
أما «النون» فهو: الحوت ولقب به یونس
لأنه التقمه ولبث في بطنه (١).
ومعنى أنه ذهب مغاضبًا: أي لقومه،
((وذلك أن يونس بن متى، عليه السلام،
بعثه الله إلى أهل قرية ((نينوى))، وهي قرية
من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا
عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين
أظهرهم مغاضبا لهم»(٢).
قال السعدي: ((والظاهر أن عجلته
ومغاضبته لقومه وخروجه من بين أظهرهم
قبل أن يأمره الله بذلك، ظن أن الله لا يقدر
عليه، أي: يضيق عليه في بطن الحوت
فركب في السفينة مع أناس، فاقترعوا، من
يلقون منهم في البحر؟ لما خافوا الغرق إن
بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه
الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحار،
فنادى في تلك الظلمات: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ
سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِينَ﴾
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٦/٥.
(٢) المصدر السابق.
فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن
كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه
وجنايته. قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ
الْمُسَبِّحِينَ ﴿ لََّبِثَ فِى بَعْنِهِ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
(١٤٤*[ الصافات: ١٤٣-١٤٤].
ولهذا قال هنا: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ
وَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي الشدة التي وقع فيها
﴿وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا وعد
وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله
تعالى سينجيه منها ويكشف عنه ويخفف
لإيمانه كما فعل بـ ((يونس)) عليه السلام)» (٣).
وقد تضمنت الآية أن يونس عليه السلام
قد أصابه من البلاء الذي نزل به غم فكشفه
عز وجل عنه بکشف أسبابه حین توجه إليه
داعيا مخلصا، كما تضمنت أن هذا الدعاء
مستجاب من جميع المؤمنين كما استجيب
منه عليه السلام.
وقد وقع النص على ذلك صراحة في ما
روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن
الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت
من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في
شيء قط إلا استجاب الله له)(٤).
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٢٩.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
٥٢٩/٥، والحاكم في المستدرك، كتاب
الدعاء، والتكبير، والتهليل، والتسبيح
٧٢
القُرآن الكَرِيْمِ

الغمر
وفي رواية للحاكم: سمعت رسول الله
صلی الله عليه وسلم يقول: (هل أدلكم على
اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب،
وإذا سئل به أعطى؟ الدعوة التي دعا بها
يونس حيث ناداه في الظلمات الثلاث، لا إله
إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).
فقال رجل: یا رسول الله، هل کانت لیونس
خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (ألا تسمع قول الله
عز وجل: ﴿وَغَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ
نُشُچِى الْمُؤْمِنِينَ﴾)(١).
وعليه فالدعاء من أعظم أسباب علاج
الغم وتفريج الكربة لمن توجه إلى الله
مخلصًا متضرعًا. وقد تضمنت السنة -في
هذا الباب- أدعية نبوية مأثورة كثيرة جدًا
مبثوثة في كتب الأدعية والأذكار، منها:
١. ما روى الشيخان عن عبد الله بن عباس
رضي الله عنهما أن رسول الله صلى
الله علیه وسلم كان يقول عند الكرب:
(لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا
الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله
رب السموات السبع، ورب الأرض
والذكر، ٦٨٤/١، رقم ١٨٦٢. وقال: هذا
حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ولم
يتعقبه الذهبي. وصححه الألباني.
(١) المستدرك على الصحيحين، ٦٨٥/١، رقم
١٨٦٥.
رب العرش الكريم) (٢).
٢. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال
کان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن،
والعجز والكسل، والجبن والبخل،
وضلع الدين، وغلبة الرجال)(٣).
٣. وعنه كذلك رضي الله عنه، أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه
أمرٌ قال: (يا حى يا قيوم برحمتك
أستغیٹ)(٤).
٤. وعن أبي بكر الصديق رضي الله
عنه، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (دعوات المكروب: اللهم
رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي
طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله
إلا أنت)(٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب الدعاء عند الكرب، ٨/ ٧٥،
رقم ٦٣٤٥، ومسلم في صحيحه، كتاب
الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب
الدعاء عند الكرب، ٢٠٩٢/٤، رقم ٢٧٣٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب من غزا بصبي للخدمة، ٣٦/٤،
رقم ٢٨٩٣.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
باب جامع الدعوات عن النبي صلى الله عليه
وسلم، ٥٢٠/٥، رقم ٣٤٨٤.
وحسنه الألباني في الكلم الطيب ص ١١٦.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب النوم، باب ما
يقول إذا أصبح، ٣٢٤/٤، رقم ٥٠٩٠.
وحسنه الألباني في الكلم الطيب ص ١١٧.
www. modoee.com
٧٣

حرفالغين
٥. وعن أسماء بنت عميس رضي الله
عنها، قالت: قال لي رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (ألا أعلمك كلماتٍ
تقوليهن عند الكرب أو في الكرب:
الله الله ربى لا أشرك به شيئًا)(١). وفى
رواية أنها تقال سبع مرات.
٦. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (ما قال عبدٌ قط إذا أصابه همّ
وحزنٌ: اللهم إني عبدك، ابن عبدك،
ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في
حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل
اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته
في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك،
أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن
تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور
صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي،
إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدله مكانه
فرحًا)(٢).
٧. وعن سعد بن أبى وقاص رضي الله
عنه، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (دعوة ذي النون إذ دعا ربه
(١) أخرجه أبو داود في سننه، باب في الاستغفار،
٨٧/٢، رقم ١٥٢٥.
وصححه الألباني في الكلم الطيب ص ١١٧.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٤٦/٦، رقم
٣٧١٢.
وصححه الألباني في الكلم الطيب ص ١١٨.
وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت
سبحانك إني كنت من الظالمين. فإنه
لم يدع بها مسلمٌ ربه في شيءٍ قط إلا
استجاب له)(٣).
٨. وعن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال
کان رسول الله صلی الله علیه وسلم إذا
ذهب ثلثا الليل قام فقال: (يا أيها الناس
اذكروا الله اذكروا الله، جاءت الراجفة
تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء
الموت بما فیه). قال أبىّ: قلت يا رسول
الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل
لك من صلاتي؟ فقال: (ما شئت). قال:
قلت الربع؟ قال: (ما شئت، فإن زدت
فھو خيرٌ لك). قلت: النصف؟ قال: (ما
شئت، فإن زدت فهو خيرٌ لك). قال:
قلت فالثلثین؟ قال: (ما شئت فإن زدت
فهو خيرٌ لك). قلت: أجعل لك صلاتي
کلها. قال: (إذا تکفی همك ويغفر لك
ذنبك)(٤).
ثامنًا: الذكر والاستغفار والتوبة:
من أسباب النجاة من الغم: المداومة
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٦٥/٣، رقم
١٤٦٢.
وصححه الألباني في الصحيحة رقم ١٩٩.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة
والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ٤ / ٦٣٦، رقم ٢٤٥٧.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم
٩٥٤.
مَنُوالَرُ النَّفْسِيْ
القرآن الكريمِ
٧٤

الخمر
على الذكر الشرعي: كقراءة القرآن الكريم
مع التدبر والتفكر، والإكثار من التسبيح
والتحميد والتهليل والتكبير والتوبة
والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله
عليه وسلم، مصحوبًا كل ذلك بالتذلل
والخضوع لمالك الملك، ومفرج الكروب،
وكاشف الهم والغم، الرب العظيم الذي
خلق كل شيء فقدره تقديرًا، وذلك في
كل حال من الأحوال، وفي كل وقت من
الأوقات، ليلا ونهارًا؛ فیزيل بذلك الهم
والغم عن القلب، ویجلب له الفرح والسرور
والبسط.
ويشهد لذلك قوله سبحانه عن يونس:
﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ
عَلَيْهِ فَنَادَى فِ اُلُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ
٨٧
سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ النَّالِمِينَ
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ
تُحِى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٧-٨٨].
أي: ((واذكر قصة صاحب الحوت، وهو
يونس بن متى عليه السلام، أرسله الله إلى
قومه فدعاهم فلم یؤمنوا، فتوعدهم بالعذاب
فلم ینیبوا، ولم يصبر عليهم كما أمره الله،
وخرج من بینھم غاضبًا علیھم، ضائقًا صدره
بعصيانهم، وظن أن الله لن يضيق عليه
ويؤاخذه بهذه المخالفة، فابتلاه الله بشدة
الضيق والحبس، والتقمه الحوت في البحر،
فنادى ربه في ظلمات الليل والبحر وبطن
الحوت تائبًا معترفًا بظلمه؛ لتركه الصبر
على قومه، قائلا: لا إله إلا أنت سبحانك،
إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له دعاءه،
وخلصناه من غم هذه الشدة، وكذلك ننجي
المصدقين العاملين بشرعنا))(١).
وقد روى ابن جرير بسنده عن سعد بن
مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: (اسم الله الذي إذا دعي
به أجاب وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن
متی، قال: فقلت: يا رسول الله، هي ليونس
بن متى خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال:
هي ليونس بن متى خاصةً، وللمؤمنين
عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله تبارك
وتعالى (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت
سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له
ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)
فهو شرط الله لمن دعاه بها)(٢).
هذا ومع تضمن كلام يونس عليه السلام
لمعنی الدعاء فإنه لم یکن صريحًا.
كما نص على ذلك القرطبي في تفسير
الآية، قال: ((وليس هاهنا صريح دعاء
وإنما هو مضمون قوله: ﴿إِنِّ كُنتُ
مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فاعترف بالظلم فكان
تلويحا)»(٣).
وقد نص القرآن الكريم على أنه تسبيح
(١) التفسير الميسر ص ٣٢٩.
(٢) جامع البيان، الطبري ٥١٩/١٨.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ٣٣٤.
www. modoee.com
٧٥

حرف الغين
في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ, كَانَ مِنَ الْمُسَبِحِينَ
١٤٤
لَلِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
HEY
[الصافات: ١٤٣- ١٤٤].
وتضمنت كلام يونس عليه السلام
السالف إشارة إلى التوبة والاعتراف
بالتقصير أيضا فإنها سبب في زوال الغموم.
وهو نص على أن الذكر والاستغفار
سبب لرفع الکروب ورفع أسبابها.
وذكر ابن القيم رحمه الله خمسة عشر
نوعًا من الدواء يذهب الله بها الهم والحزن
وهي(١):
الأول: توحيد الربوبية.
الثاني: توحيد الإلهية.
الثالث: التوحيد العلمي الاعتقادي.
الرابع: تنزيه الرب تعالى عن أن يظلم
عبده، أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب
ذلك.
الخامس: اعتراف العبد بأنه هو الظالم.
السادس: التوسل إلى الرب تعالى بأحب
الأشياء، وهو أسمائه وصفاته، ومن أجمعها
لمعاني الأسماء والصفات: الحي القيوم.
السابع: الاستعانة به وحده.
الثامن: إقرار العبد له بالرجاء.
التاسع: تحقيق التوكل عليه والتفويض
إليه، والاعتراف له بأن ناصيته في يده،
يصرفه کیف یشاء، وأنه ماض فيه حکمه،
عدل فيه قضاؤه.
العاشر: أن يرتع قلبه في رياض القرآن،
ويجعله لقلبه كالربيع للحيوان، وأن
يستضيء به في ظلمات الشبهات واللهوات،
وأن یتسلی به عن کل فائت، ویتعزی به عن
كل مصيبة، ويستشفي به من أدواء صدره،
فیکون جلاء حزنه، وشفاء همه وغمه.
الحادي عشر: الاستغفار.
الثاني عشر: التوبة.
الثالث عشر: الجهاد.
الرابع عشر: الصلاة. الخامس عشر:
البراءة من الحول والقوة، وتفويضهما إلى
من هما بيده.
موضوعات ذات صلة:
البشرى، البكاء، الحزن، الرضا، السعادة،
الفرح، اليأس
(١) انظر: زاد المعاد ١٨٠/٤.
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
٧٦