النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الْخَرُ
عناصر الموضوع
مفهوم العم
٤٢
الغم في الاستعمال القرآني
٤٣
الألفاظ ذات الصلة بالغم
٤٤
الغم طبيعة بشرية
٤٦
أسباب الغم
٥٣
الغم بين التطهير والعقاب
٥٦
٦٤
وسائل النجاة من الغم
المُجَلَّ السَّادِسْ وَالعشْرُونْ
حرف الغين
مفهوم الغم
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: («الغين والميم أصلٌ واحد صحيح يدل على تغطية وإطباق. تقول: غممت
الشيء أغمه، أي غطيته وغم الهلال، إذا لم ير. وفي الحديث: (فإن غم عليكم فاقدروا له)(١).
أي: غطي الهلال. ويقال: يومٌّ غمٍّ وليلة غمة، إذا كانا مظلمين. وغمه الأمر يغمه غمًا، وهو
شيء يغشى القلب))(٢).
يقال: أمرٌ غمة، أي مبهمٌّ ملتبسٌ(٣).
و((الغم: ضد الفرج، والغمة: الضيقة))(٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه أبو هلال العسكري بقوله: «الغم معنیّ ینقبض القلب معه، ویکون لوقوع ضرر قد
كان، أو توقع ضرر يكون، أو يتوهمه. وقيل: الغم: ما لا يقدر الإنسان على إزالته كموت
المحبوب»(٥).
وقال ابن حجر: ((هو ما يضيق على القلب)) (٦).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله
واسعا، ٢٥/٣، رقم ١٩٠٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية
الهلال، ٧٥٩/٢، رقم ١٠٨٠.
(٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٣٧٧.
(٣) الصحاح، الجوهري ١٩٩٨/٥.
(٤) جمهرة اللغة، ابن دريد ١ / ١٦٠.
(٥) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص ٥٦٠.
(٦) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٢٥٤.
٤٢
جوببيو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الخمر
الغم في الاستعمال القرآني
وردت مادة (غمم) في القرآن الكريم (٧) مرات (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ﴾ [آل
المصدر
٦
عمران : ١٥٣]
الاسم
١
﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُرْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١]
وجاء الغم في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: الكرب أو الحزن يحصل للقلب بسببٍ ما،
ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١]. وذلك من الغم؛ لأن الصدر
يضيق به (٢)
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٥٠٥، المعجم المفهرس
الشامل، عبد الله جلغوم، باب العين ص٨٥٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣٣/١٢.
www. modoee.com
٤٣
حرف الغين
الألفاظ ذات الصلة بالغم
١
الهم:
الهم: لغة:
ما هممت به في نفسك. تقول: أهمني هذا الأمر. والهم: الحزن. والهمة: ما هممت به
من أمرٍ لتفعله. ويقال: أهمني الشيء، أي: أحزنني. والمهمات من الأمور: الشدائد(١).
الهم اصطلاحًا:
الهم الحزن الذي يذيب الإنسان. يقال: هممت الشحم فانهم، والهم: ما هممت به في
نفسك، وهو الأصل(٢).
الصلة بين الهم والغم:
قال المناوي: ((وقيل: الهم والغم والحزن من واد واحد؛ وهي ما يصيب القلب من الألم
من فوات محبوب، إلا أن الغم أشدهما، والحزن أسهلهما))(٣).
الحزن:
٢
الحزن لغة:
أصل مادة (حزن) تدل على خشونة الشيء وشدةٌ فيه (٤).
والحُزْن والحَزَن: خلاف السرور (٥).
الحزن اصطلاحًا:
((عبارة عما يحصل لوقوع مكروه، أو فوات محبوب في الماضي))(٦).
الصلة بين الحزن والغم:
قال المناوي: ((وقيل: الهم والغم والحزن من واد واحد؛ وهي ما يصيب القلب من الألم
من فوات محبوب، إلا أن الغم أشدهما، والحزن أسهلهما))(٧).
(١) العين، الفراهيدي ٣٥٧/٣.
(٢) المفردات، الراغب الأصبهاني ص ٨٤٥.
(٣) انظر فيض القدير، المناوي ١٤٨/٥.
(٤) انظر: مقاييس اللغة ٢/ ٥٤.
(٥) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٠٩٨/٥.
(٦) التعريفات، الجرجاني ص ١١٧.
(٧) فيض القدير ١٤٨/٥.
٤٤
جوية
القرآن الكريم
الغمر
الكرب:
٣
الكرب لغة:
في الصحاح: ((الكربة بالضم: الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الكرب. تقول منه: كربه
الغم، إذا اشتد عليه. والكرائب: الشدائد، الواحدة كريبة»(١).
الکرب اصطلاحًا:
قال الراغب: ((الكرب: الغم الشديد. قال تعالى: ﴿فَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ
الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦].
والكربة كالغمة، وأصل ذلك من: کرب الأرض، وهو قلبها بالحفر، فالغم يثير النفس
إثارة ذلك»(٢).
الصلة بين الغم والكرب:
أن الکرب تكاثف الغم مع ضيق الصدر ولهذا يقال لليوم الحار يوم کرب أي کرب من فيه
وقد کرب الرجل وهو مكروب وقد كربه إذا غمه وضيق صدره)»(٣
السرور:
٤
السرور لغة:
يقال: سررت برؤية فلانٍ وسرني لقاؤه، وقد سررته أسره أي فرحته، السرور خلاف
الحزن؛ تقول: سرني فلانٌ مسرةً، والسرور: ما ينكتم من الفرح (٤).
السرور اصطلاحًا:
((حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد وعلم أو ظن لحصول شيء لذيذ))(٥).
وقيل: هو انشراح الصدر بلذة فيها طمأنينة الصدر عاجلًا وآجلاً(٦).
الصلة بين السرور والغم:
بينهما تضاد، فالسرور خلاف الحزن، والغم انقباض القلب مع الحزن.
(١) الصحاح، الجوهري ٢١١/١.
(٢) المفردات ص ٧٠٦.
(٣) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص ١٨٥.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٦١/٤.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٩٣.
(٦) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٢٨.
www. modoee.com
٤٥
حرف الغين
الغم طبيعة بشرية
نص القرآن الكريم على أن أنبياء
الله عليهم السلام أصابهم الغم كما قال
عن يونس: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ، وَنَّيْنَهُ مِنَ
٨٨
اٌلْفَرَّ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ
[الأنبياء: ٨٨].
فهو عليه السلام لم ينج من الغم إلا لأنه
کان قد أصيب به من جراء ما حل به من
البلاء.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
يحزن لإصرار المشركين على عنادهم
وكفرهم الذي فيه هلاكهم، فينزل عليه نحو
قوله تعالى: ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتْ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].
وقوله سبحانه: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ أَلَّا
٢﴾ [الشعراء: ٣]: أي: لعلك
يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
(مهلك ﴿نَفْسَكَ﴾ أي: مما تحرص عليهم
وتحزن عليهم ﴿أَلَّيَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾، وهذه
تسلية من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه
عليه، في عدم إيمان من لم يؤمن به من
الكفار، كما قال تعالى: ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ
عَلَيْهِمْ حَسَرَةٍ﴾ [فاطر: ٨].
قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة،
وعطية، والضحاك: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ﴾ أي:
قاتل نفسك)»(١)
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٣٥.
وبيانه كذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَكَ
يَجِعُ نَّفْسَكَ عَى ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا
الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: ٦].
فقد دلت الآية على أن سبب حزنه
صلى الله عليه وسلم عدم إيمان هؤلاء
المشركين، ((وقوله ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ تقرير
وتوفيق بمعنى الإنكار عليه أي لا تكن
كذلك، و «الباخع نفسه» هو مهلکها وجدا
وحزنا على أمر ما وقوله ﴿عَلَىْ ءَاتَرِهِمْ﴾:
استعارة فصیحة، من حیث لهم إدبار وتباعد
عن الإيمان، وإعراض عن الشرع فكأنهم
من فرط إدبارهم قد بعدوا فهو في آثارهم
يحزن عليهم، وقوله ﴿بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: أي
بالقرآن الذي يحدثك به، ﴿أَسَنًا ﴾ نصب
على المصدر، قال الزجاج: و ((الأسف»
المبالغة في حزن أو غضب»(٢).
واختار ابن عطية أن ((الأسف)) في الآية
بمعنی الحزن لا الغضب لأنه بسبب شيء لا
يملكه ولا تصرف له فيه، قال: ((و((الأسف)»
في هذا الموضع الحزن، لأنه على من لا
یملکه ولا هو تحت ید الأسف، ولو كان
الأسف من مقتدر على من هو في قبضته
وملكه لكان غضبا، كقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّآ
مَاسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥]: أي أغضبونا وإذا
تأملت هذا في كلام العرب اطرد، وذكره
أسـ
منذر بن سعيد. وقال قتادة: هنا
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٠/ ٤٩٦.
فَضْو
جَوَسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
٤٦
الغمر
غضبًا، قال مجاهد ﴿أَسَفًا﴾: جزعا، وقال القلب من الحزن الشديد، ﴿وَقَالَ يَأَسَفَى
قتادة أيضا: حزنا))(١).
ودلت الآيات على أن أنبياء الله عليهم
السلام ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم قد أصابهم الغم، وما ذلك إلا لأنهم
بشر یصیبهم ما يصيب البشر.
ومما هو صورة جلية للحزن ما قصه
القرآن الكريم من خبر نبي الله يعقوب عليه
السلام الذي أصابه من فراق ابنه يوسف ثم
أخیه بنیامین حزن عظیم بلغ به حدا فقد معه
بصره، كما قال سبحانه وتعالى مخبرًا عن
حاله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ
وَأَيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
قَالُواْ تَاَللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَّ
٨٤
تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْنِيِّ إِلَى اللَّهِ
٨٥
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١) يَبَنِىّ
أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا
تَأْتَسُوا مِن زَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأَيْئَسُ مِنْ زَّوْجِ اللَّهِ
إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ (٣)﴾ [يوسف: ٨٤-٨٧].
والمعنى: ((وتولى يعقوب عليه الصلاة
والسلام عن أولاده بعد ما أخبروه هذا
الخبر، واشتد به الأسف والأسى، وابيضت
عيناه من الحزن الذي في قلبه، والكمد
الذي أوجب له کثرة البكاء، حیث ابيضت
عيناه من ذلك. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: ممتلئ
(١) المصدر السابق.
عَلَى يُوسُفَ﴾ أي: ظهر منه ما كمن من الهم
القديم والشوق المقيم، وذكرته هذه المصيبة
الخفيفة بالنسبة للأولى، المصيبة الأولى.
فقال له أولاده متعجبين من حاله: ﴿تَاَللَّهِ
تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ أي: لا تزال تذكر
يوسف في جميع أحوالك. ﴿حَتَّى تَكُونَ
حَرَضًا﴾ أي: فانيا لا حراك فيك ولا قدرة على
الكلام. ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ﴾
أي: لا تترك ذكره مع قدرتك على ذكره أبدا.
﴿قَالَ﴾ يعقوب ﴿إنّما أشكُوا بنى﴾ أي: ما
أبث من الكلام ﴿وَحُزْنِ﴾ الذي في قلبي
﴿إِلَى اَللَّهِ﴾ وحده، لا إليكم ولا إلى غيركم
من الخلق، فقولوا ما شئتم ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ
اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أنه سيردهم علي
ویقر عیني بالاجتماع بهم»(٢).
وتضمنت الآيات أن يعقوب عليه
السلام أصابه من فراق ابنه يوسف حزن
عظیم -کما تقدم- ودل على ذلك قوله:
﴿يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: ((والأسف أشد
الحزن، أسف کحزن. ونداء الأسف مجاز.
نزل الأسف منزلة من يعقل فيقول له: أحضر
فهذا أوان حضورك، وأضاف الأسف إلى
ضمير نفسه لأن هذا الأسف جزئي مختص
به من بين جزئيات جنس الأسف. والألف
عوض عن ياء المتكلم فإنها في النداء تبدل
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٤.
www. modoee.com
٤٧
حرف الغين
سببية. والحزن سبب
اَلْحُزْنِ
ألفا))(١).
وصور القرآن الکریم آثار هذا الحزن في
فعله عليه السلام وقوله: فأما فعله فهو أنه
أعرض عن أبنائه، وأما قوله فقد تقدم.
قال الرازي: ((واعلم أن يعقوب عليه
السلام لما سمع كلام أبنائه ضاق قلبه جدًا
وأعرض عنهم وفارقهم ثم بالآخرة طلبهم
وعاد إليهم. أما المقام الأول: وهو أنه
أعرض عنهم، وفر منهم فهو قوله: ﴿ وَتَوَلَى
عَنْهُمْ وَقَالَ يَاسَفَى على بُوسُفَ﴾. واعلم أنه لما
ضاق صدره بسبب الكلام الذي سمعه من
أبنائه في حق بنيامين عظم أسفه على يوسف
عليه السلام: وقال يا أسفى على يوسف))(٢).
كما أن هذا الحزن قد أثر عليه تأثيرًا
بينا بدا عليه ومن ذلك ابيضاض عينيه،
((﴿وَأَيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾: قيل:
لم يبصر بهما ست سنين، وأنه عمي، قاله
مقاتل. وقيل: قد تبيض العين ويبقى شيء
من الرؤية، والله أعلم بحال يعقوب))(٣).
وقد يؤيد أن بصره قد ذهب قوله تعالى
على لسان يوسف: ﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى
هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِىِ يَأْتِ بَصِيرًا وَأَتُونِي
بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [يوسف: ٩٣].
وتضمنت الآية أن سبب ابيضاض عينيه
حزنه، قال ابن عاشور: ((ومن في قوله:
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٢/١٣.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/ ٤٩٦.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٢٤٨.
البكاء الكثير الذي هو سبب ابيضاض
العينين. وعندي أن ابيضاض العينين كناية
عن عدم الإبصار وأن الحزن هو السبب
لعدم الإبصار كما هو الظاهر. فإن توالي
إحساس الحزن على الدماغ قد أفضى إلى
تعطيل عمل عصب الإبصار)) (٤).
ودل ابيضاض عينيه على أنه ما زال يشعر
بهذا الحزن منذ أمد طويل، ثم إن بعض
الحوادث قد تؤدي إلى تجدد هذا الحزن
وتجدد الشعور بألمه کما حدث له من فقد
ولده الثاني ((بنيامين)) الذي ذكره ما أصابه
من الحزن بفقد يوسف فكان الحزن على
الثاني مجددا للحزن على الأول مع ما انضم
إليه من مكوث الثالث أيضا بأرض مصر:
((وإنما ذكر القرآن تحسره على يوسف عليه
السلام ولم يذكر تحسره على ابنيه الآخرين
لأن ذلك التحسر هو الذي يتعلق بهذه القصة
فلا يقتضي ذكره أن يعقوب عليه السلام لم
يتحسر قط إلا على يوسف، مع أن الواو لا
تفيد ترتيب الجمل المعطوفة بها)»(٥).
وأفاض الرازي في ذكر علة الاقتصار
على النص على الحزن على يوسف وحده
فقال: وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف
عند هذه الواقعة لوجوه:
(٤) التحرير والتنوير ٤٣/١٣.
(٥) المصدر السابق ٤٢/١٣.
٤٨
جوبيبو
القرآن الكريم
الخمر
الحزن القديم الكامن والقدح إذا وقع على
القدح کان أوجع.
والوجه الثاني: أن بنیامین ویوسف کانا
من أم واحدة وكانت المشابهة بينهما في
الصورة والصفة أكمل، فكان يعقوب عليه
السلام يتسلى برؤيته عن رؤية يوسف عليه
السلام، فلما وقع ما وقع زال ما يوجب
السلوة فعظم الألم والوجد.
الوجه الثالث: أن المصيبة في يوسف
کانت أصل مصائبه التي علیھا ترتب سائر
المصائب والرزايا، وكان الأسف عليه أسفا
على الكل.
الوجه الرابع: أن هذه المصائب الجدیدة
كانت أسبابها جارية مجرى الأمور التي
يمكن معرفتها والبحث عنها. وأما واقعة
یوسف فهو علیه السلام کان یعلم کذبهم في
السبب الذي ذكروه، وأما السبب الحقيقي
فما كان معلوما له، وأيضا أنه عليه السلام
كان يعلم أن هؤلاء في الحياة وأما يوسف
فما كان يعلم أنه حي أو ميت، فلهذه
الأسباب عظم وجده على مفارقته وقويت
مصيبته على الجهل بحاله(١).
والخلاصة أن يعقوب عليه السلام أصابه
غم وحزن عظیم لشدة ما نزل به من البلاء
حتى بدا ذلك على بدنه وفعله وقوله وهو
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/ ٤٩٦، باختصار.
الوجه الأول: أن الحزن الجديد يقوي ما قصه القرآن الكريم، قال الرازي: ((واعلم
أن أشرف أعضاء الإنسان هذه الثلاثة، فبين
تعالى أنها كانت غريقة في الغم فاللسان
كان مشغولا بقوله: يا أسفى والعين بالبكاء
والبياض والقلب بالغم الشديد الذي يشبه
الوعاء المملوء الذي شد ولا يمكن خروج
الماء منه وهذا مبالغة في وصف ذلك
الغم)»(٢).
وهذا الذي بدا منه عليه السلام غير
مستغرب لأنه جار على الطبيعة التي فطر
عليها البشر كلهم، وما كان الأنبياء إلا بشرا
كما قال سبحانه: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا
رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْتَلُواْأَهْلَ الذِّكْرِ إِنِ كُمْلَا
تَعْلَمُونَ ، وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدَّالَّا يَأْكُلُونَ
﴾ [الأنبياء: ٧-٨].
٨
اُلْطَّعَامَ وَمَا كَانُوأُ خَلِينَ
وقال جل وعلا: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ
مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الَّعَامَ
وَيَسْشُونَ فِي الْأَسْوَاقُ وَحَعَلْنَا بَعْضَكُمْ
لِبَعْضِ فِئْنَةً أَتَصْبِرُونٌَ وَكَانَ رَبُّكَ
بَصِيرًا ﴾ [الفرقان: ٢٠].
قال القرطبي: ((فإن سأل قوم عن معنى
شدة حزن يعقوب صلى الله عليه وسلم
وعلى نبينا فللعلماء في هذا ثلاثة أجوبة:
منها: أن يعقوب صلی الله عليه وسلم
لما علم أن يوسف صلى الله عليه وسلم
حي خاف علی دینه، فاشتد حزنه لذلك.
(٢) المصدر السابق ٤٩٩/١٨.
www. modoee.com
٤٩
حرفالغين
وقيل: إنما حزن لأنه سلمه إليهم صغيرا،
فندم على ذلك.
والجواب الثالث: وهو أبينها، هو أن
الحزن ليس بمحظور، وإنما المحظور
الولولة وشق الثياب، والكلام بما لا ينبغي
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تدمع
العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط
الرب)(١))(٢).
فكان حزنه جاريًا على ما فطر الله عليه
البشر، ومثل ذلك لا يتعلق به حكم شرعي
وإلا كان تكلیفًا بما لا يطاق.
قال الشاطبي: ((الأوصاف التي طبع
عليها الإنسان كالشهوة إلى الطعام والشراب
لا يطلب برفعها، ولا بإزالة ما غرز في الجبلة
منها، فإنه من تكلیف ما لا يطاق، كما لا
یطلب بتحسین ما قبح من خلقة جسمه، ولا
تكميل ما نقص منها فإن ذلك غير مقدور
للإنسان، ومثل هذا لا يقصد الشارع طلبًا
له ولا نهيًا عنه، ولكن يطلب قهر النفس
عن الجنوح إلا ما لا يحل، وإرسالها بمقدار
من الأفعال من جهة تلك الأوصاف مما هو
داخل تحت الاكتساب»(٣).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب رحمته صلّى الله عليه وسلم الصبيان
والعيال وتواضعه، ٤ /١٨٠٧، رقم ٢٣١٥.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٨/٩.
(٣) الموافقات الشاطبي ٢/ ١٧٥ .
وقال: ((إن ثبت بالدليل أن ثم أوصافا
تماثل ما تقدم في كونها مطبوعا عليها
الإنسان، فحكمها حكمها لأن الأوصاف
المطبوع عليها ضربان:
منها: ما يكون ذلك فيه مشاهدا
ومحسوسا كالذي تقدم.
ومنها: ما یکون خفیا حتی یثبت بالبرهان
فيه ذلك، ومثاله العجلة، فإن ظاهر القرآن
أنها مما طبع الإنسان عليه، لقوله تعالى:
﴿ خُلِقَ الْإِنسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧].
وإذا ثبت هذا، فالذي تعلق به الطلب
ظاهرا من الإنسان على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لم يكن داخلا تحت كسبه
قطعا، وهذا قليل، كقوله: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾﴾ [البقرة: ١٣٢].
وحكمه أن الطلب به مصروف إلى ما
تعلق به.
والثاني: ما کان داخلا تحت کسبه قطعا،
وذلك جمهور الأفعال المكلف بها التي هي
داخلة تحت كسبه، والطلب المتعلق بها
الاعتدال فيما يحل، وذلك راجع إلى ما ينشأ على حقيقته في صحة التكليف بها سواء
علينا أكانت مطلوبة لنفسها أم لغيرها.
والثالث: ما قد يشتبه أمره، كالحب
والبغض وما في معناهما، فحق الناظر فيها
أن ينظر في حقائقها، فحيث ثبتت له من
القسمین حکم علیه بحکمه، والذي يظهر
من أمر الحب والبغض والجبن والشجاعة
٥
جوب
القرآن الكريم
الخمر
والغضب والخوف ونحوها أنها داخلة التصبر في المصيبة كمال بلغت إليه الشريعة
الإسلامية))(٣).
على الإنسان اضطرارا، إما لأنها من أصل
الخلقة، فلا يطلب إلا بتوابعها، فإن ما في
فطرة الإنسان من الأوصاف يتبعها بلا بد
أفعال اكتسابية، فالطلب وارد على تلك
الأفعال لا على ما نشأت عنه، کما لا تدخل
القدرة ولا العجز تحت الطلب، وإما لأن له
باعثا من غيره فتثور فيه فيقتضي لذلك أفعالا
أخر، فإن کان المثير لها هو السابق و کان مما
يدخل تحت کسبه، فالطلب يرد عليه کقوله:
(تهادوا تحابوا)(١))(٢).
وعليه فيكون النهي في ﴿فَلَا نَذْهَبْ
نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَةٍ﴾ [فاطر: ٨].
و﴿وَلَّا تَهِنُواْ وَلَا شَخْزَنُواْ﴾ [آل عمران:
١٣٩]. متوجهًا لا إلی الحزن نفسه، بل إلى
ما يعقبه وینتج عنه من أقوال وأفعال.
قال في التحرير: ((على أن البكاء من
الحزن أمر جبلي فلا یستغرب صدوره من
نبيء، أو أن التصبر عند المصائب لم یکن
من سنة الشريعة الإسرائيلية بل كان من
سننهم إظهار الحزن والجزع عند المصائب.
وقد حكت التوراة بكاء بني إسرائيل على
موسی علیه السلام أربعين يوما، وحکت
تمزيق بعض الأنبياء ثيابهم من الجزع. وإنما
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٤١/١٥، رقم
٩٢٥٠.
وحسنه الألباني في إرواء الغليل ٦/ ٤٤.
(٢) الموافقات، الشاطبى ١٧٦/٢.
وما ذكره ابن عاشور من أن سنة بني
إسرائيل كانت إظهار الحزن والجزع وما
نقل من تمزيق الأنبياء ثيابهم غير مسلم،
وإذا لم نعده شيئا مفترى لا يليق بأنبياء الله
فأكبر شأنه أن يكون من الإسرائيليات التي
أمرنا ألا نصدقها ولا نكذبها وأن نکل علمها
إلی الله لئلا نکذب بحق أو نصدق بباطل.
بل إن رائحة الافتراء تفوح من مثل هذا لأن
مثله لا يليق بأنبياء الله عليهم السلام. وقد
نقل بعض المفسرين ذلك في معرض الرد
على من ظن أن يعقوب عليه السلام جاء بما
لا يليق من الجزع والشكوى.
قال الرازي: ((من الجهال من عاب
يعقوب عليه السلام على قوله: ﴿يَأَسَفَى
عَلَى يُوسُفَ﴾ قال: لأن هذا إظهار للجزع
وجار مجرى الشكاية من الله وأنه لا يجوز،
والعلماء بينوا أنه ليس الأمر كما ظنه هذا
الجاهل)) (٤).
وربما كان وراء هذا الزعم بعض
الإسرائيليات والروايات المنكرة ومنها
ما روى ابن أبي حاتم بسنده عن أنس بن
مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (كان ليعقوب النبي
(٣) التحرير والتنوير ٤٣/١٣.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/ ٤٩٧
www. modoee.com
حرفالغين
علیه السلام، أخ مؤاخ له، فقال له ذات يوم:
ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك؟ قال:
الذي أذهب بصري البكاء على یوسف، وأما
الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين، فأتاه
جبريل، عليه السلام، فقال: یا يعقوب، إن
الله يقرئك السلام ويقول لك: أما تستحيي
أن تشكوني إلى غيري؟ فقال يعقوب: إنما
أشكو بثي وحزني إلى الله. فقال جبريل،
عليه السلام: الله أعلم بما تشكو) (١).
ثم رد الرازي علی ذلك فقال: «وتقريره
أنه علیہ السلام لم یذکر هذه الكلمة ثم عظم
بكاؤه، وهو المراد من قوله: ﴿وَأَيَضَّتْ
عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ ثم أمسك لسانه عن
النياحة، وذكر مالا ينبغي، وهو المراد من
قوله: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ثم إنه ما أظهر الشكاية
مع أحد من الخلق بدليل قوله: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ
بَنِیوَهُزْنِ إِلَى اللّهِ ﴾ و کل ذلك يدل على أنه
لما عظمت مصيبته و قویت محنته فإنه صبر
وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية فلا جرم
استوجب به المدح العظيم والثناء العظيم.
روي أن یوسف علیه السلام سأل جبريل
هل لك علم بيعقوب؟ قال نعم قال: وكيف
حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى وهي التي لها
ولد واحد ثم يموت. قال: فهل له فيه أجر؟
(١) عزاه ابن كثير في تفسره ٤ /٤٠٦ إلى ابن أبي
حاتم ، وقال: وهذا حديث غريب، فيه نكارة.
قال: نعم أجر مائة شهيد (٢))(٣).
وقال أيضًا: ((وأما البكاء فليس من
المعاصي. وروي أن النبي عليه الصلاة
والسلام: بكى على ولده إبراهيم عليه
السلام وقال: (إن القلب ليحزن والعين
تدمع، ولا نقول: ما يسخط الرب وإنا عليك
يا إبراهيم لمحزونون) (٤).
وأيضًا فاستيلاء الحزن على الإنسان
لیس باختياره، فلا یکون ذلك داخلا تحت
التكليف وأما التأوه وإرسال البكاء فقد
يصير بحيث لا يقدر على دفعه، وأما ما
ورد في الروايات التي ذکرتم فالمعاتبة فيها
إنما كانت لأجل أن حسنات الأبرار سيئات
المقربين. وأيضا ففيه دقيقة أخرى وهي أن
الإنسان إذا كان في موضع التحیر والتردد لا
بد وأن يرجع إلى الله تعالى، فيعقوب عليه
السلام ما كان يعلم أن يوسف بقي حيا أم
صار ميتا، فكان متوقفا فيه وبسبب توقفه
كان يكثر الرجوع إلى الله تعالى وينقطع قلبه
عن الالتفات عن كل ما سوى الله تعالى إلا
في هذه الواقعة)) (٥).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٧/١٦-٢٢٩.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/ ٤٩٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا بك
لمحزونون)، ٨٣/٢، رقم ١٣٠٣، ومسلم في
صحيحه، كتاب الفضائل، باب رحمته صلى
الله عليه وسلم، ٤ /١٨٠٧، رقم ٢٣١٥.
(٥) المصدر السابق ٤٩٨/١٨.
٥٢
جوببيو
القرآن الكريمِ
الخمر
أسباب الغم
إن من أسباب الغم إما فوات المحبوب
أو توقع فواته، وإما حصول مكروه أو توقع
حصوله. والقلوب تتفاوت في الهم والغم
كثرة واستمرارًا بحسب ما فيها من الإيمان
أو الفسوق والعصيان ((فهي على قلبين:
قلب هو عرش الرحمن، ففيه النور والحياة
والفرح والسرور والبهجة وذخائر الخير،
وقلب هو عرش الشيطان، فهناك الضيق
والظلمة والموت والحزن والغم والهم. فهو
حزين علي ما مضى، مهموم بما يستقبل،
مغموم في الحال))(١).
ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه:
إِذَا مَسَّهُ
إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا !
الشَّرُّ جَزُوعًا ، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (١)﴾
[المعارج: ١٩- ٢١].
أي: أنه ((يحب ما يسره ويهرب مما
یکره))(٢)؛ فإذا فات ما يحبه أو توقع فواته،
أو حصل ما یکره أو توقع حصوله حزن.
والناس يتفاوتون في الغموم بتفاوت
بواعثهم وأحوالهم وما يحمله كل واحد
منهم من المسئوليات.
فمن الغموم التي تدخل في فوات
المحبوب أو توقع فواته، غموم سامية، ذات
دلالات طيبة؛ كالحزن الذي أشار القرآن
(١) الفوائد، ابن القيم ص ٢٧.
(٢) لباب التأويل، الخازن ٣٤١/٤.
الكريم إلى نزوله بالأنبياء بسبب إعراض
من يدعونهم إلى الحق وإهلاكهم أنفسهم
بالصد والتكذيب كالذي دل عليه قوله عز
وجل: ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَرَتٍ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].
﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى
وقوله:
ءَاتَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا
﴾ [الكهف: ٦].
ويلحق بذلك غموم العالم في حل
المعضلات التي يحتاج المسلمون فيها إلى
جواب، وخصوصًا إذا استعصت المسألة
واستغلقت، وكذلك غم إمام المسلمين
بمشكلات رعيته. «قال مولى لعمر بن عبد
العزيز له حين رجع من جنازة سليمان: مالي
أراك مغتمًا؟ فقال عمر: لمثل ما أنا فيه يغتم؛
ليس أحد من أمة محمد صلى الله عليه
وسلم في شرق ولا غرب، إلا وأنا أريد أن
أؤدي إلیه حقه، غیر کاتب إلي فيه، ولا طالبه
مني)»(٣).
ومن الغموم الشريفة غم الداعية في نشر
الدين وحمل الرسالة، والأخذ بيد المدعو
إلى طريق الهداية، وغموم العابد في تصحيح
عبادته في القصد والأداء، وغم المسلم بما
يصيب إخوانه في أقطار الأرض.
ومن الغموم التي تدخل في حصول
مکروه أو توقع حصوله، ما یکون ناشئًا عن
(٣) انظر: الهم والحزن، ابن أبي الدنيا ص ٤٩.
www. modoee.com
٥٣
حرفالغين
المعاصي، كالغموم التي تصيب المذنب بذريته من بعده، وخاصة إذا كانوا ضعفاء
وليس لديه ما يخلفه لهم. وهكذا تتنوع
الغموم والهموم(٢).
بعد ذنبه، مثل الذي يحدث في غم من
أصاب دمًا حرامًا، أو غم الزانية بحملها،
وهو داخل ضمن عموم المصائب التي
وَمَآ
هي أثر للمعاصي، قال جل وعلا:
أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ
وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: ٣٠].
ومن الغموم ما یکون بسبب ظلم الآخرین
خاصة الأقرباء، كما قال الشاعر(١):
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند
قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم
بِبَعْضِ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ
بَيْنِنَا أَلَيْسَ اَللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ
[الأنعام: ٥٣].
ومن ذلك الغموم الحاصلة بسبب
مصائب الدنيا، كالأمراض المزمنة
والخطيرة، وعقوق الأبناء وتسلط الزوجة،
واعوجاج الزوج.
ومن الغموم ما يكون بسبب الخوف من
المستقبل وما يخبئه الزمان، كغموم الأب
(١) هو طرفة بن العبد، انظر ديوانه ص ١٨.
ولقد أشار ابن القيم في بعض کتبه إلى
هذه الأسباب، فقال: ((والفرح لذة تقع في
القلب بإدراك المحبوب، ونيل المشتهى،
فيتولد من إدراكه حالة تسمى الفرح
والسرور، كما أن الحزن والغم من فقد
المحبوب، فإذا فقده تولد من فقده حالة
تسمی الحزن والغم»(٣).
ويقول كذلك: ((فالحزن يتولد من مفارقة
المحبوب ليس له سبب سواه، وإن تولد من
ولهذا كان الظالمون فتنة وامتحانا
للمستضعفين بما ينالهم منهم من أذى نفسي
وبدني، كما كانوا هم فتنة للظالمين بأن
والنأي عنه.
حصول مكروه، فذلك المكروه إنما كان
كذلك لما فات به من المحبوب، فلا كان
حملهم كبرهم وظلمهم عن النهي عن الحق حزن إذا ولا هم ولا غم ولا أذى ولا کرب
إلا في مفارقة المحبوب؛ ولهذا كان حزن
الفقر والمرض والألم والجهل والخمول
والضيق وسوء الحال ونحو ذلك على
فراق المحبوب، من المال والوجد والعافية
والعلم والسعة وحسن الحال؛ ولهذا جعل
الله سبحانه وتعالى مفارقة المشتهيات من
أعظم العقوبات، فقال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ
وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كُمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَهُمْ
كَانُواْ فِ شَكِّ تُرِيبٍ ﴾ [سبأ: ٥٤].
فالفرح والسرور بالظفر بالمحبوب،
(٢) انظر: علاج الهموم، محمد المنجد ص ١.
(٣) مدارج السالكين ٣/ ١٥٧.
٥٤
جَوَسُولَةُ التَّقِين
القرآن الكريمِ
الخمر
والهم والغم والحزن والأسف بفوات إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار
يتلاعنون فيها)(٢).
المحبوب، فأطيب العيش عيش المحب
الواصل إلى محبوبه، وأمر العيش عيش من
حیل بینه وبین محبوبه»(١).
وفي هذا المعنى يقول أبو حامد الغزالي:
((الغم لا يخلو من أربعة أوجه: إما لشهوة
بطنه وفرجه، وإما على ما يخلفه من ماله،
وإما على جهله بحاله بعد الموت ومآله،
وإما لخوفه على ما قدمه من عصيانه. فإن
کان ذلك لشهوة بطنه و فرجه، فهو کمشتھي
داء ليقابله بداء مثله، فإن معنى لذة الطعام
إزالة ألم الجوع، ولذلك إذا زال الجوع
وامتلأت المعدة، كره عين ما اشتهاه، كمن
يشتهي القعود في الشمس ليناله الحر، حتى
يتلذذ بالرجوع إلى الظل، وكمن يشتهي
الحبس في حمام حار، ليدرك لذة ماء
الثلج، إذا شربه، وهو عين الرقاعة والخرق.
وإن کان ذلك علی ما یخلفه من ماله، فهو
بجهله بخساسة الدنيا وحقارتها، بالإضافة
إلى الملك الكبير والنعيم المقيم الموعود
للمتقين.
وإن كان ذلك لجهله بعاقبة أمره بعد
الموت، فعليه أن يطلب العلم الحقيقي،
الذي يكشف له حال الإنسان بعد موته،
كما قال حارثة للنبي صلى الله عليه وسلم:
(كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر
(١) المصدر السابق ١٨٨/٣.
وهذا العلم إنما يحصل بالبحث عن
حقيقة النفس وماهيتها، ووجه علاقتها
بالبدن، ووجه خاصيتها التي خلقت لها،
ووجه التذاذه بخاصيته وكماله، مع معرفة
الرذائل المانعة له من كماله، وقد نبه
الشرع عليه في مواضع كثيرة، وأمر بالتفكر
في النفس، كما أمر بالتفكر في ملكوت
السموات والأرض. وإن كان ذلك لما سبق
من عصيانه، فلا ينفع الغم فيه، بل المداواة،
وهو المبادرة إلى التوبة وإصلاح ما فرط من
أمره)»(٣)
وتلك المعاني التي ذكرها ابن القيم
والغزالي دل عليها عموم قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَظْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهُ
أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِّنُّ الْقُلُوبُ
[الرعد: ٢٨].
ويلزم من ذلك أن العبد إذا أعرض عن
ذكر الله أحاطت الغموم بقلبه من كل جانب.
قال ابن الجوزي: «لا یجتمع حب الدنيا
وحب الآخرة. رأيت سبب الهموم والغموم
الإعراض عن الله عز وجل والإقبال على
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير،
٢٦٧/٣، رقم ٣٣٦٧، وعبد بن حميد في
مسنده، ١/ ١٦٥، رقم ٤٤٥.
(٣) انظر: ميزان العمل، أبو حامد الغزالي ص
١٢٧.
www. modoee.com
حرفالغين
الدنيا، وكلما فات منها شيء وقع الغم
لفواته)) (١).
وجاء في بحر الفوائد للكلاباذي: ((إن
الإنسان إذا أصابه غم، فأحب أن يتسلى
بشيء، أو ضاق صدره من أمر، فأراد أن
يفرح، أو أصابته وحشة، فأحب إزالتها عنه،
ربما يغني، وهو أن ينغم ويرجع صوته لشيء
من الشعر والزجل والمنظوم من الكلام،
يطلب بذلك راحة وفرحة، مما هو فيه من
الوحشة أو الكرب والغم. والأنبياء والرسل
وأفاضل الأولياء والصديقون همومهم هم
المعاد، وكربهم كرب الدين، ووحشتهم
مما دون الله، وضيق صدورهم عما يشغلهم
عن الله، فهم لا يتفرحون من كربهم إلا
بذكر ربهم، ولا ينسلون عن غمومهم
وهمومهم إلا بمولاهم، فيرجعون أصواتهم
بقراءة القرآن، الذي من محبوبهم بدأ وإليه
يعود، وبخشيته من قلوبهم، ورقة من أفواه
أفئدتهم، ویزان محبته بین ضلوعهم، وماء
الاشتياق يجري على خدودهم، فتحسن
لذلك أصواتهم؛ لأن حسن الصوت بالقرآن
هو قراءته على خشية من الله))(٢).
الغم بين التطهير والعقاب
خلق الله العباد وجعلهم يبتلون
ويمتحنون ليميز الخبيث من الطيب، وليعلم
المجاهدين والصابرين ومن يخافه بالغيب،
وليختبرهم أيهم أحسن عملا؛ فالخير والشر
يصيب الناس جميعًا في هذه الحياة الدنيا
لیس یسلم منه أحد.
حانه وتعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآَيِقَةٌ
اَلْمَوْتُ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَاَلْخَيْرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا
تُرْجَعُونَ (٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
فقوله جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةٌ
اٌلْمَوْتِ﴾: ((يشمل سائر نفوس الخلائق، وإن
هذا كأس لا بد من شربه وإن طال بالعبد
المدى، وعمر سنين، ولكن الله تعالى أوجد
عباده في الدنيا، وأمرهم، ونهاهم، وابتلاهم
بالخير والشر، بالغنى والفقر، والعز والذل
والحياة والموت، فتنة منه تعالى ليبلوهم
أيهم أحسن عملًا، ومن يفتتن عند مواقع
الفتن ومن ینجو.
﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ فنجازیکم بأعمالكم،
إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر ﴿وَمَا رَبُّكَ
بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾[فصلت: ٤٦]))(٣).
وهذا كقوله سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
بِشَىْءٍ مِّنَ الْقَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ
وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ ( الَّذِينَ
(١) صيد الخاطر ص ١١٠.
(٢) بحر الفوائد ص ٢١٠.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٢٣.
٥٦
جوبيبو
القرآن الكريمِ
الخمر
إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنََّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ محال لأن الله تعالى عالم بحقائق الأشياء
كلها قبل أن يخلقها فعلى هذا يكون معنى
[البقرة: ١٥٥- ١٥٦].
١٥٦
الاختبار في وصف الله تعالى أنه يعامل
((أي: لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من
ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن
على قدر دينه، إن كان في دينه صلابة زيد في
البلاء))(١).
العبد معاملة المختبر ﴿فِى أَمْوَلِكُمْ﴾
يعني بالابتلاء في الأموال بالنقصان منها
وقيل بأداء ما فرض فيها من الحقوق،
﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾: يعني بالمصائب
والأمراض والقتل وفقد الأقارب والعشائر
خوطب بهذه الآية المسلمون ليوطنوا
أنفسهم على احتمال الأذى وما سيلقون من
الشدائد والمصائب ليصبروا على ذلك حتى
إذ لقوها لقوها وهم مستعدون بالصبر لها لا
يرهقهم ما يرهق غيرهم ممن تصيبه الشدة
بغتة فينكرها ويشمئز منها)) (٣).
ومن الابتلاء بالشر ما يصيب المؤمنين
من غم بسبب ما ينالهم من أذى على
ألسنة المشركين كما قال سبحانه:
لَتُبْلَوُنَ فِىَّ أَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ
وَلَتَسْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن
قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى
كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ
عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
و((هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه
وسلم وأمته والمعنى: لتختبرن ولتمتحنن
في أموالكم بالمصائب والأرزاء بالإنفاق
في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع.
والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض
وفقد الأحباب. وبدأ بذكر الأموال لكثرة
المصائب بها)»(٢).
و«اللام لام القسم تقديره والله لتبلون آي
لتختبرن فتوقع عليكم المحن ليعلم المؤمن
من غيره. والاختبار طلب المعرفة ليعرف
الجيد من الرديء وذلك في وصف الله
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٩/٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٣/٤.
وأما الأذى المنصوص عليه في الآية
فهو ما يصيب المؤمنين من الغم والحزن
بسبب ما ینالهم من استهزاء وسب وتشکیك
واستخفاف بهم وبدينهم على ألسنة
المشركين، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ
الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ
أَتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ ﴾ [البقرة: ٢١٢].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ
مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ
٣٠
وَإِذَا أَنْقَلَبُوْ إِلَى أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ
يَثَغَامَرُونَ
فَكِهِينَ ﴿ وَإِذَا رَأَوَهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَصَالُونَ
(٣) لباب التأويل، الخازن ٣٢٩/١.
www. modoee.com
٥٧
حرفالغين
[المطففين: ٢٩-٣٢].
((وهو الضر بالقول كقوله تعالى: ﴿لَنْ
يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَى﴾ [آل عمران: ١١١].
ولذلك وصفه هنا بالكثير، أي الخارج
عن الحد الذي تحتمله النفوس غالبا، و کل
ذلك مما يفضي إلى الفشل، فأمرهم الله
بالصبر على ذلك حتى يحصل لهم النصر،
وأمرهم بالتقوى أي الدوام على أمور
الإيمان والإقبال على بته وتأییده»(١).
وعطف ((الأذى الكثير)) في الآية على
البلاء في الأموال والأنفس يدل على أنه
جزء من البلاء الذي يقصد منه التمحيص
ورفع منزلة العبد عند الله وتطهيره من
الذنوب والآثام، وقد وقع ذلك صريحا في
ما روى البخاري بسنده من طريق عطاء بن
يسار، عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي
هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا
هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة
يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)(٢).
و((أصل المصيبة الرمية بالسهم ثم
(١) التحرير والتنوير ٤ /١٩٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض،
٧/ ١١٤، رقم ٥٦٤١، ومسلم في صحيحه،
كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب
المؤمن فيما يصيبه من مرض، أو حزن، أو
نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ٤/ ١٩٩٢،
رقم ٢٥٧٢.
استعملت في كل نازلة.
وقال الراغب: أصاب يستعمل في الخير
والشر قال الله تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ
حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾
[التوبة: ٥٠] الآية.
قال: وقيل الإصابة في الخير مأخوذة
من الصوب: وهو المطر الذي ينزل بقدر
الحاجة من غير ضرر، وفي الشر مأخوذة من
إصابة السهم(٣).
وقال الكرماني: المصيبة في اللغة: ما
ينزل بالإنسان مطلقا، وفي العرف: ما نزل به
من مكروه خاصة وهو المراد هنا)» (٤)
.
و((الوصب: الوجع اللازم ومنه قوله
تعالى: ﴿وَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩].
أي: لازم ثابت. والنصب: التعب وقد
نصب ینصب نصبا -کفرح یفرح فرحا-،
ونصبه غيره وأنصبه لغتان))(٥).
والمعنى: (((ما يصيب المسلم من
نصب) تعب (ولا وصب) مرض أو مرض
دائم ملازم (ولا هم) بفتح الهاء وتشديد
الميم (ولا حَزَن) بفتحتين، ولغير أبي ذر
(ولا حُزْن) بضم فسكون، هما من أمراض
الباطن، ولذلك ساغ عطفهما على الوصب.
وقيل الهم يختص بما هو آت والحزن
بما مضى (ولا أذى) يلحقه من تعدي الغير
(٣) المفردات ص ٤٩٥ .
(٤) انظر: فتح الباري، ابن حجر ١٠٤/١٠.
(٥) شرح صحيح مسلم، النووي ١٣٠/١٦)
٥٨
جونيو
القرآن الكريم
الخمر
عليه (ولا غم) -بالغين المعجمة- وهو فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك
ما يضيق على القلب، وقيل: إن الهم ينشأ من الثواب بما يوازيه. وزعم القرافي أنه لا
عن الفکر فیما یتوقع حصوله مما یتأذی به
والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء
فقده والغم کرب یحدث للقلب بسبب ما
حصل. وقال المظهري: الغم الحزن الذي
يغم الرجل، أي: يصيره بحيث يقرب أن
يغمى عليه والحزن أسهل منه))(١).
وظاهر الحديث أن الله سبحانه وتعالى
يحط عن المؤمن ذنوبه بسبب ما یصیبه من
هم وتعب وأذى ومصائب وهو ما رجحه
ابن حجر فقال: ((وفي هذا الحديث تعقب
على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث
قال: ظن بعض الجهلة أن المصاب ماجور،
وهو خطأ صريح فإن الثواب والعقاب إنما
هو على الكسب، والمصائب ليست منها،
بل الأجر على الصبر والرضا.
ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة
صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول
المصيبة، وأما الصبر والرضا فقدر زائد
يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب
المصيبة. قال القرافى المصائب كفارات
جزما سواء اقترن بها الرضا أم لا لكن إن
اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل،
-كذا قال- والتحقيق أن المصيبة كفارة
لذنب يوازيها وبالرضا يؤجر على ذلك،
(١) إرشاد الساري، القسطلاني ٨/ ٣٤٠.
يجوز لأحد أن يقول للمصاب جعل الله
هذه المصيبة كفارة لذنبك لأن الشارع قد
جعلها كفارة فسؤال التكفير طلب لتحصيل
الحاصل وهو إساءة أدب على الشارع - كذا
قال-، وتعقب بما ورد من جواز الدعاء
بما هو واقع كالصلاة على النبي صلى الله
عليه وسلم وسؤال الوسيلة له، وأجيب عنه
بأن الكلام فيما لم يرد فيه شيء وأما ما ورد
فهو مشروع ليثاب من امتثل الأمر فيه على
ذلك))(٢).
وقال في إرشاد الساري: ((وفيه رد على
قول القائل إن الثواب والعقاب إنما هو على
الكسب، والمصائب ليست منه بل الأجر
على الصبر عليها والرضا بها، فإن الأحاديث
الصحيحة صريحة في ثبوت الثواب بمجرد
حصولها، وأما الصبر والرضا فقدر زائد لكن
الثواب عليه زيادة على ثواب المصيبة))(٣).
فهذه النصوص القرآنية وما يسندها من
الأحاديث النبوية تدل على أن الغم قد يكون
بلاء يبتلى به المؤمن ترفع به درجاته وتحط
عنه بها سيئاته ویعظم به أجره.
غير أن النصوص القرآنية قد دلت
أيضا على أن كل شر يصيب العبد سببه
(٢) فتح الباري، ابن حجر ١٠٥/١٠.
(٣) إرشاد الساري، القسطلاني ٣٤١/٨.
www. modoee.com
٥٩
حرفالغين
وَمَآ
شيء كسبته يداه، قال جل وعلا:
أَصَبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ
وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: ٣٠].
ففي هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: وما
يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في
أنفسكم وأهليكم وأموالكم ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ
أَيْدِيكُمْ﴾ يقول: فإنما يصيبكم ذلك عقوبة
من الله لكم بما اجترمتم من الآثام فيما
بینکم وبین ریکم ویعفو لکم رہکم عن کثیر
من إجرامکم، فلا یعاقبکم بها)»(١).
ولا ريب في أن الهم من هذه المصائب،
وهو أثر لها أيضًا؛ فإن الإنسان يصيبه الهم
والحزن لما يحل به من بلاء ومصائب.
وعن أبي قلابة، قال: نزلت: ﴿فَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ: { وَمَن
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّاً بَرُهُ (٥)﴾
[الزلزلة:٧-٨].
وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك
فقال: (یا رسول الله إني لراء ما عملت من
خير أو شر؟ فقال: (أرأيت ما رأيت مما
تكره فهو من مثاقيل ذر الشر، وتدخر مثاقيل
الخير حتى تعطاه يوم القيامة)، قال: قال أبو
إدريس: فاری مصداقها في کتاب الله، قال:
وَمَآ أَضَبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾))(٢).
(١) جامع البيان، الطبري ٥٣٨/٢١.
(٢) المصدر السابق ٢١/ ٥٣٩.
وعن ابن عباس قوله: ﴿ وَمَا أَصَبَكُم
مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾. الآية،
قال: ((يعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم
ولا يؤاخذون بها في الآخرة» (٣).
وظاهر هذه النصوص أن المصائب
عقوبات على الذنوب والمعاصي والآثام.
قال ابن عطية: ((وأما معنى الآية فاختلف
الناس فيه، فقالت فرقة: هي إخبار من الله
تعالى بأن الرزايا والمصائب في الدنيا إنما
هي مجازاة من الله تعالى على ذنوب المرء
وخطایاه، وأن الله تعالی یعفو عن کثیر فلا
يعاقب عليه بمصيبة، وقال النبي صلى الله
علیه وسلم: ((لا یصیب ابن آدم خدش عود
أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما
يعفو عنه أكثر)) (٤).
وقال عمران بن حصین -وقد سئل عن
مرضه -: إن أحبه إلي أحبه إلي الله، وهذا
بما کسبت یداي، وعفو ربي کثیر. وقال مرة
الهمداني: رأيت على ظهر كف شريح قرحة
فقلت: ما هذا؟ قال هذا بما كسبت يدي
(٣) المصدر السابق.
(٤) قال ابن جرير: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال:
ثنا سعيد، عن قتادة وما أصابكم من مصيبةٍ
فبما كسبت أيديكم .... الآية) ذكر لنا أن نبي
الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:)) لا
يصيب ابن آدم خدش عودٍ، ولا عثرة قدم، ولا
اختلاج عرقٍ إلا بذنب، وما يعفو عنه أكثر))
جامع البيان، الطبري ٥٣٩/٢١.وهو مرسل
كما هو واضح.
٦٠
جوبيـ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ