النص المفهرس

صفحات 1-20

جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الْغُلَقْ
عناصر الموضوع
مفهوم الغلو
٨
الغلو في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
أضرار الغلو
١٢
أنواع الغلو
١٦
أسباب الغلو
٢٠
مظاهر الغلو
٢٥
٣٢
علاج الغلو
المُجَلَّ السَّادِسْ وَالعشْرُونْ

حرف الغين
مفهوم الغلو
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (غلو) تدل على ارتفاع ومجاوزة قدرٍ. يقال: غلا السعر يغلو غلاءً، وذلك
ارتفاعه. وغلا الرجل في الأمر غلوًا، إذا جاوز حده (١).
ويقال: ((غلا في الأمر والقول والدين غلوًا: جاوز القدر))(٢).
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو في الدين)(٣)، أي: التشدد فيه ومجاوزة
الحد، والحديث الآخر: (إن هذا الدين متین فأوغل فيه برفق)(٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه بعض العلماء بأنه: ((مجاوزة الحد، بأن يزاد في الشيء، في حمده أو ذمه على ما
يستحق»(٥).
وعرفه الحافظ ابن حجر بأنه: ((المبالغة في الشيء، والتشديد فيه بتجاوز الحد))(٦).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق باب أي الرقاب أفضل، ١٤٤/١، رقم ٢٤١٨، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان باب كون الإيمان بالله أفضل الأعمال، ٨٩/١، رقم ٨٤.
(٢) كتاب الأفعال، ابن القطاع ٢/ ٤٤٤.
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، رقم ٢٩٣٠، ١٠٠٨/٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٥٢٢، رقم ٢٦٨٠.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٤٦/٢٠، رقم ١٣٠٥٢.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٤٤٧/١، رقم ٢٢٤٦.
(٥) اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية ١ / ٢٨٩.
(٦) فتح الباري، ابن حجر ١٣/ ٢٧٨.
٨
الْقُرآن الكَرِيمِ

الغلو
الغلو في الاستعمال القرآني
وردت مادة (غلو) في القرآن الكريم مرتين فقط (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
٢
﴿بَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ
[النساء: ١٧١]
وجاء الغلو في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو الإفراط ومجاوزة الحد(٢).
ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]
أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق(٣).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٥٠٤.
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي (٢/ ٢٦٠)، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٦٤.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (١٥٩/٣).
www. modoee.com
٩

حرف الغين
الألفاظ ذات الصلة
١
الطغيان:
الطغيان لغة:
كل شيء يجاوز القدر فقد طغى، مثل ما طغى الماء على قوم نوح، وكما طغت الصيحة
على ثمود. والطاغية: الجبار العنيد(١).
الطغيان اصطلاحًا:
تجاوز الحد في العصيان (٢).
الصلة بين الطغيان والغلو:
ومن خلال النصوص السابقة نتبين أن الطغيان هو مجاوزة القدر والحد الواجب؛ وهو
بهذا لا يكاد يفترق عن الغلو إلا بما يصاحبه - غالبًا - من الاستعلاء والتكبر والتجبر كتكبر
وطغيان فرعون. أما الغلو فلا يلزم معه تكبر أو استعلاء، فكثيرًا ما يغالي في دين الله تعالى
قوم ضعاف من الفقراء أو العامة ونحوهم.
البغي:
٢
البغي لغة:
هو الظلم وقصد الفساد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
((أي غير باغ على المسلمين، مفارق لجماعتهم، ولا عاد عليهم بسيفه. ويقال: غير عاد
في الأكل حتى يشبع ويتزود))(٣).
البغي اصطلاحًا:
البغي: طلب الاستعلاء بغير حق (٤).
الصلة بين البغي والغلو:
البغي هو قصد الفساد بإجماع أهل اللغة كما ذكر الزجاج، وكأن الذي يفرقه عن الاعتداء
أن الاعتداء فيه قصد المجاوزة وإن لم يبغ فسادا، أما البغي فهو قصد الفساد ابتداء.
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٤٣٥/٤.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٢٠.
(٣) غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٦٥.
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٨١.
١٠
جوبي
القرآن الكريمِ

الغلو
الوسطية:
٣
الوسطية لغة:
ما بين طرفي الشيء أو هو النصف، يقال: جلس فلان وسط القوم، أي صار في وسطهم.
وشيء بين الجيد والرديء، والشجاعة وسط بين التهور والجبن، والاعتدال فى النفقة: وسط
بين الإسراف والتقتير أو البخل، والتوسط بين الناس: الوساطة (١).
الوسطية اصطلاحا:
الوسطية تعني الاعتدال والتوازن، ويعنى بها التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين
بدون إفراط أو تفريط بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا
يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه، وهذه الوسطية هي العدل
والطريق الأوسط الذي تجتمع عنده الفضيلة (٢).
الصلة بين الوسطية والغلو:
الوسطية تعني الاعتدال بين الغلو والتساهل، والغلو تمسك بالطرف المتشدد.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٣/ ١١٦٧، المصباح المنير، الفيومي ٢/ ٦٥٨، لسان العرب، ابن منظور
٧ / ٤٢٦.
(٢) انظر: مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، عثمان ضميرية، ص ١٥٦.
www. modoee.com

حرف الغين
أضرار الغلو
للغلو في الدين أضرار كثيرة بينها القرآن
الكريم وهذه الأضرار يعود أثرها على
الخلق، كما تعود على الدين نفسه بالتشويه
والنقص، وهي على نوعين:
أولًا: أضرار دينية:
الغلو ضلال عن الحق، وقول على
الله بغير علم، وابتداع في الدين، وتشويه
لصورته، وتنفير للناس منه.
قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ اَلْكِتَبِ لَا
تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا
الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُـ
اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَبِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾
[النساء: ١٧١].
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ
لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا
أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ
كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ
٧٧
[المائدة: ٧٧].
فبين سبحانه في هذه الآية أن هذا الغلو
من أهل الكتاب إنما هو ضلال وقول بغير
الحق وابتداع لا ينطلق من شرع الله؛ وإنما
ينطلق من اتباع الهوى والتقليد بغير بينة،
وتكرار مادة الضلال فيه ثلاث مرات يؤكد
أن الغلو إمعان في الضلال.
الطبري:
قال
دِينِكُمْ﴾، يقول: لا تفرطوا في القول
فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا
فيه الحق إلى الباطل))(١).
فتبين بذلك أن الغلو تجاوز الحق إلى
الباطل، وصدق الله تعالى حيث قال:
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلََّ الصَّلَلُّ فَأَنَّ تُصْرَفُونَ﴾
[يونس: ٣٢].
فالمغالي متزيد على الله تعالى، وعلى
رسوله صلی الله عليه وسلم لأنه يستحسن
شرعا لم يأت به الله تعالی ولا رسوله صلى
الله عليه وسلم فكأنه يعتقد نقصان الشرع
فراح يستدرك عليه، أو يعتقد تمامه وكماله
فيلزمه اعتقاد تقصير محمد صلى الله عليه
وسلم في التبليغ أو كتمانه ما أمر بتبليغه؛
ومن ثم «قال ابن الماجشون سمعت مالكًا
يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها
حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة،
لأن الله يقول: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾
[المائدة: ٣].
فما لم یکن یومئذٍ دينا لا يكون اليوم
دينا. وقال الشافعي رحمه الله: من استحسن
-يعني: بدعة- فقد شرع. وقال أحمد
بن حنبل رحمه الله: أصول السنة عندنا
التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بهم وترك
١٢
القرآن الكريمِ
((﴿لَا تَغْلُواْ فِى (١) جامع البيان .

الغلى
البدع، وكل بدعة فهي ضلالة)) (١).
((وتدلنا هذه الآية أيضًا أن ضلالهم هذا ضروب الفساد التي نهى الله تعالى عنها في
کان آتيًا من غلوهم في الدین. وها نحن نری
بعد ذلك كيف يفصل القرآن هذا الإجمال:
وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللّهِ
وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللّهِ﴾
[التوبة: ٣٠].
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ
الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَِّيّ إِسْرَِّيلَ
اُعْبُدُواْاللَّهَ رَنٍ وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢].
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهُ
ثَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾
﴿وَإِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ
لِلنَّاسِ اُّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ
سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِیبِحَيِّ ﴾
[المائدة: ٧٣- ١١٦].
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِّيَّهُ اَللَّهُ الْكِتَبَ
وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُنُواْ
عِبَادًا لِى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّنِيْتِنَ بِمَا
كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الْكَتِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابًاً
أَيَأْ مُؤْكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ ﴾ [آل
عمران: ٧٩ - ٨٠]» (٢).
ثانيًا: أضرار على الخلق:
(١) السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار
والصلوات، الشقيري ص ٦.
(٢) المصطلحات الأربعة في القرآن، محمد
عاصم الحداد ص ٤٨.
للغلو أضرار كثيرة على العباد؛ وهو من
كتابه الكريم.
قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
[البقرة: ٢٠٥].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَبْغِ اَلْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧].
وهذه الأضرار؛ منها أضرار مجتمعية
تعود على المجتمع بالخراب والدمار
ويصطلي الناس بنارها، ومنها أضرار عالمية
تعود على الناس كافة بصدهم عن سبيل
الله تعالى، ومنعم من الدخول في رحمة
الله وفضله بصدهم عن رسالة محمد صلى
الله عليه وسلم الذي جعله الله تعالى رحمة
للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا
رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن ثم يمكننا أن نقسم هذه الأضرار
التي تعود على البشر من جراء الغلو إلى:
١. أضرار مجتمعية محلية.
فمن هذه الأضرار المجتمعية المحلية:
تفریق الأمة، وإضعاف قوتها.
ذم القرآن التفرق ونهى عنه وبين سوء
عاقبته؛ قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا
تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيِحُكْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهُ
مَعَ الصَّبِرِينَ ﴾ [الأنفال: ٤٦].
ومما لا شك فيه أن اعتقاد طائفة من
الناس أنهم قد اختصوا بفهم زائد في الدين
www. modoee.com
١٣

حرفالغين
فوق ما عليه السواد الأعظم من أهل العلم يلبس فيه الحق بالباطل لموافقة الأهواء
المريضة؛ فحينئذ قد يشعر غير القادرين
على متابعة هؤلاء الغلاة - وهم جمهور
الأمة وسوادها الأعظم - بالحرج ظنا منهم
أنهم واقعون في التقصير، والحق أن الغلاة
هم الخارجون على الشرع، وهم أولى
بالحرج وأحق به ولا حرج على من سلك
سبيل القصد والتوسط والاعتدال.
وأولي الأمر منهم ممن تجب طاعتهم على
عامة الأمة فإن ذلك سيؤدي بلا شك إلى
تفريق الأمة وتمزيقها بين من يتبع هؤلاء
الخارجين على أهل العلم وأولي الأمر،
وبين من يتمسك بما عليه سواد الأمة، وهذا
التفرق والتشرذم مما يضعف قوة الأمة
ويذهب قوتها؛ کما هو واضح من نص الآية
السابقة.
فبين الله تعالى أن عاقبة التفرق والتنازع
الفشل وذهاب الريح وضعف القوى؛ ((فأمر
تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر
على مبارزتهم،، وأن يطيعوا الله ورسوله
في حالهم ذلك. فما أمرهم الله تعالى
به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا
يتنازعوا فيما بينهم أيضًا فيختلفوا فيكون
سببًا لتخاذلهم وفشلهم.
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم وحدتكم
وما كنتم فيه من الإقبال))(١).
إيقاع الناس في الحرج.
یحدث هذا عندما یدعي طائفة من الناس
- هم المغالون في الدين - أن ما هم عليه
من الغلو هو الدين الحق، وهو - بلا شك -
ليس في استطاعة كل واحد من الناس - هذا
على فرض كونه في أصله من الحق - فما
بالكم إذا كان ذلك فهما مغلوطا في أغلبه
وهؤلاء المغالون يزعمون أنهم على
الحق ويدعون الناس لاتباع ما هم عليه من
الغلو والابتداع، كما حكى الله تعالى عن
اليهود والنصارى؛ حيث لم يكتفوا بتحريف
ملة إبراهيم بل يزعمون أنهم هم وحدهم
على الهدى ويدعون الناس للدخول في
ملتهم حتی یحصلوا الهدی علی زعمهم.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ
نَصَرَى تَبْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إَِّهِمَ حَنِيفًّا وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَّ
أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى
وَمَآ أُوتِيَ النَّبِتُّونَ مِنْ زَّيِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِنْهُمْ وَتَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ
ءَامَنْتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ وَإِ نَولَوْا فَإَِّاهُمْ فِي شِقَاقٍ
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ()
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَنَحْنُ
لَهُعَبِدُونَ ﴿ قُلْ أَتُحَاجُونَنَا فِ اَللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا
وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٢/٤.
جوبين
القرآن الكريمِ
١٤

الغلو
مُخْلِّصُونَ ﴿ أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا
أَوْ نَصَرَنَّ قُلْ ءَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّن
كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ ()﴾ [البقرة: ١٣٥ - ١٤٠].
استحلال الدماء والأموال، وإشاعة
الفوضى وعدم الاستقرار:
يترتب على الغلو آثار عديدة منها
استحلال دماء الناس وأموالهم بناء على
اعتقاد كفرهم ممن يغالي بتكفير المسلمين
بالمعاصي كما هي عقيدة فرق الخوارج
والمكفرة قديمًا وحديثًا.
وإذا كان الخوارج المعاصرون يغالون
فيعتقدون أنهم أفضل وأعلم وأفهم من أهل
العلم في زمانهم - فيسارعون بتخطئتهم
بل وتكفيرهم في إنكارهم عليهم اعتقادهم
الباطل بتكفير عصاة المسلمين مما ينتج
عنه استحلال دمائهم وأموالهم - فلقد سبق
أسلافهم فخطئوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم واتهموه بالعصيان وأمروه بتقوى الله.
فعن أبي سعيدٍ رضي الله عنه، قال:
(بعث عليّ رضي الله عنه، إلى النبي صلى
الله عليه وسلم بذهيبةٍ فقسمها بين الأربعة
الأقرع بن حابسٍ الحنظلي، ثم المجاشعي،
وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد
بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم
أحد بني كلابٍ، فغضبت قريشٌ، والأنصار،
قالوا: یعطي صنادید أهل نجدٍ ويدعنا، قال:
(إنما أتألفهم). فأقبل رجلٌ غائر العينين،
مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، کث اللحية
محلوقٌ، فقال: اتق الله يا محمد، فقال: (من
يطع الله إذا عصيت؟ أياًمنني الله على أهل
الأرض فلا تأمنوني) فسأله رجلٌ قتله، -
أحسبه خالد بن الوليد - فمنعه، فلما ولى
قال: (إن من ضئضئ هذا، أو: في عقب هذا
قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم،
يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية،
يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان،
لئن أنا أدر كتهم لأقتلنهم قتل عادٍ)(١).
عدم التوفير والطاعة لمن تلزم طاعتهم.
فأمثال هؤلاء الغلاة الذين لا يوقرون
كبيرا، ولا يطيعون إماما هم الذين (يقتلون
أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، كما
أخبر رسول الله صلی الله علیه وسلم وهم
الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم
ويشيعون الفوضى والفساد في الأرض، لا
يرجعون إلى إمام عدل، ولا يوقرون عالمًا
ولا أحدًا من أولي الأمر.
وماذا يرجا من انصياعهم لإمام أو توقير
لعالم وقد انتقصوا رسول الله صلى الله
علیه وسلم وجابهوه بما يؤذيه وما لا يليق
﴿وَأَلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وإلى عادٍ
أخاهم هودًا)، ١٣٧/٤، رقم ٣٣٤٤.
www. modoee.com
١٥

حرفالغين
[التوبة: ٦١].
٢. أضرار إنسانية عالمية.
تتخطى أضرار الغلو وآفاته الصعيد
المحلي إلى الصعيد العالمي؛ فصاحب
الغلو لا يقتصر غلوه على بني وطنه؛ بل
يتعداه بالفساد إلى الناس جميعا؛ لأجل
ذلك تراه يعيث في الأرض فسادًا، ﴿وَإِذَا
تَوَّلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ
اُلْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (﴾
[البقرة: ٢٠٥].
حيث الكراهية الشديدة للآخر المخالف
في العقيدة كراهية تخرج عن حد الكراهية
لأجل الكفر؛ بل تتعدى ذلك إلى كراهية
الخلق والرغبة في التعجيل بهم إلى النار
عن طريق القتل وإزهاق الأرواح، دون تأن
بهم لهدايتهم أو لإتاحة الفرصة لهم لرؤية
سماحة الإسلام وصورته الغراء التي تغري
باعتناقه والدخول فیه أو حسن الظن بأهله.
كل ذلك يشوه صورة الإسلام عند من لا
يعرفه من الآخرين، ويصدهم عن الإيمان
به، ويحرمهم من الدخول في رحمة الله:
الرحمة المهداة للعالمين؛ وذلك بسبب ما
يقوم به ذلك المغالي في بلاد غير المسلمين
من تخريب أو تدمير بسبب كفرهم ظنا منه
أن الحرب إنما شرعت لأجل قتل الناس لا
لأجل دعوتهم وهدايتهم بصد صنادید الکفر
الذين يصدون الناس عن دين الله تعالى،
ويمنعون وصول الدعوة والهداية إليهم.
أنواع الغلو
الغلو في الدين يأخذ أشكالا متعددة
فهناك الغلو فى الاعتقاد، والغلو فى العبادة،
والغلو في السلوك، والاعتقادي منه الكلي
والجزئي.
أولًا: الغلو الاعتقادي:
فالمراد بالغلو الاعتقادي الكلي ما
يتعلق بكليات الشريعة وأصولها كالغلو
في الأولياء الصالحين بما يصل إلى الكفر
کاعتقاد معرفتهم الغیب، أو قدرتهم على ما
لا يقدر عليه غير الله كإغاثة المضطر وقضاء
الحوائج، ونحو ذلك مما يعتقده الجهلة
والمبتدعة، والغلو في عقيدة الولاء والبراء
بالبراءة من العاصين، والغلو بتكفير العصاة،
و وهذا النوع هو أشد أنواع الغلو.
وقد ذكر الله ما كان من المشركين في
زمان النبي صلى الله عليه وسلم من غلو في
الأولياء والأنبياء والصالحين - شابههم فيه
بعض أهل الغلو في زماننا؛ فقال سبحانه:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِمَا لَا يَضُرُّهُمْ
وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَتُنَا
عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَُّونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي
السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ (٥﴾ [يونس: ١٨].
فقول هؤلاء المشركين كقول غيرهم من
غلاة أهل زماننا ((فيمن يتخذونهم وسطاء
جَوَسُو ◌َ النَّهِ
القرآن الكريم
١٦

الغلى
بينهم وبين الخالق: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَوُنَا عِندَ كما تصير القاعدة الكلية معارضةً أيضًا))(٣).
اللَّهِ﴾))(١).
أما الاعتقادي فهو ما يخشى فيه من فساد
الاعتقاد كالغلو في الأولياء الصالحين بما لا
يصل إلى الكفر كاعتقاد وجوب شد الرحال
لزيارتهم مما نهى عنه النبي صلى الله عليه
وسلم(٢)، ونحو ذلك.
ومن الغلو العقدي: ما حكاه القرآن
الكريم من غلو اليهود والنصارى، وسبقت
الإشارة إليه في شواهد الغلو في مواضع
عديدة.
ثانيًا: الغلو التعبدي:
وهو الغلو بأحكام الشريعة العملية
مثل العبادات بمختلف أشكالها القولية
والفعلية، ولا شك أن هذا النوع أقل خطرًا،
لكنه مدخلٌ بعد ذلك للنوع الأول «ويجري
مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن
المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة
عاد ذلك على كثيرٍ من الشريعة بالمعارضة،
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢/ ٢٨٠.
(٢) أخرج البخاري في صحيحه، كتاب فضل
الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل
الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ٦٠/٢،
١١٨٩: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد
الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه
وسلم، ومسجد الأقصى).
فمن ذلك ما كان يفعله أهل الجاهلية
من طوافهم بالبيت عراة، وإدخال الصفير
والتصفيق في طوافهم بالبيت، ونحو ذلك.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اَلْفَوَحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
[الأعراف: ٣٣].
وفي تفسيرها يقول الطبري: ((يقول
تعالی ذکره لنبيه محمد: قل، یا محمد،
لهؤلاء المشركين الذين يتجردون من ثيابهم
للطواف بالبيت، ويحرمون أکل طيبات ما
أحل الله لهم من رزقه: أيها القوم، إن الله
لم يحرم ما تحرمونه، بل أحل ذلك لعباده
المؤمنين وطيبه لهم، وإنما حرم ربي القبائح
من الأشياء وهي ﴿اَلْفَوَحِشَ﴾ ﴿مَا ظَهَرَ
مِنْهَا﴾، فكان علانية ﴿وَمَابَطْنَ﴾، منها فكان
سرًا في خفاء)» (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ
عِندَ أَلْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءُ وَتَصْدِيَةً﴾
[الأنفال: ٣٥].
قال ابن عباسٍ والحسن: المكاء:
الصفير، والتصدية: التصفيق. قال ابن
عباسٍ: كانت قريشٌ تطوف بالبيت وهم
عراة يصفرون ويصفقون)»(٥).
(٣) الاعتصام، الشاطبي ٧١٢/٢.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٤٠٢.
(٥) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٩١/٢.
www. modoee.com
١٧

حرفالغين
ثالثًا: الغلو السلوكي:
فمن ذلك الغلو بالتشدد في معاملة الناس؛
بحيث لا يصبر على أخطائهم وزلاتهم،
ولا يقبل أعذارهم، ولا يقيل عثراتهم، ولا
يرضى منهم إلا بمثالية واستقامة تامة لا
تكون إلا في النبيين والصديقين.
والناظر في كتاب الله تعالى يجد أن الله
تعالى قد أمر بالتوسط والاعتدال في كل
شيء؛ وهذا هو المفهوم من إطلاق الوصف
بالوسطية في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وأمر تعالى بالاعتدال في معاملة الناس
فقال: ﴿خُذِ اَلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
اْجَهِلِينَ ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
((قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال
بالصواب قول من قال: معناه: خذ العفو من
أخلاق الناس، واترك الغلظة عليهم، وقال:
أمر بذلك نبي الله صلی الله عليه وسلم في
المشركين)) (١).
وأمر بالاعتدال فى الإنفاق فقال:
وَلَا
تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ
الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا ، إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ
الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خِيرًا
بَصِيرًا
﴾ [الإسراء: ٢٩ -٣٠].
٣٠
وقال في صفات عباد الرحمن: ﴿ وَأَلَّذِينَ
إِذَا أَنْفَقُوْلَمْ يُسْرِقُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ
(١) جامع البيان، الطبري ٣٢٩/١٣.
ذَلِكَ قَوَامًا
[الفرقان: ٦٧].
٦٧
فالاعتدال والتوسط والقيام بالحق
والقسط - إن لم يكن العفو والصفح
والإحسان - مطلوب في كل شيء لا سيما
في معاملة المرء لإخوانه.
قال تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ
قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ
أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا
فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن
تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
١٣٥)
[النساء: ١٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيْرٌ مِّنْ أَهْلِ
اَلْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَنِكُمْ
كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا
◌َّيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّ يَأْتِىَ
اللّهُ بِأَمْيِمُهُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
١٠٠
[البقرة: ١٠٩].
وادعاء النسخ في مثل هذه الآيات لا
ينافي العمل بها في سياقات مشابهة لما
نزلت فيه من حيث حال الداعين والمدعوين
والظروف المحيطة بالدعوة.
وقال تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيِّئَّةٍ سَيِنَّةٌ مِثْلُهَاً
فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الفَِّلِينَ ﴾ وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ كُلِّ فَأُوْلَكَ مَا
عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ
النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ
١٨
الْقُرآن الكَرِيمِ

الغلو
[الشورى: ٤٠- ٤٣].
عَزْمِ الْأُرِ ®
وليس ثمة أفضل من طريقة القرآن في
بيان العدل والتوسط والإحسان في معاملة
الناس؛ فقد ذكر الله في هذه الآية، مراتب
العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل
وفضل وظلم.
فمرتبة العدل، جزاء السيئة بسيئة مثلها،
لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل
جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال
یضمن بمثله.
ومرتبة الفضل: تقتضي الإصلاح والعفو
عن المسيء، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ يجزيه أجرا عظيما، وثوابا
کثیرا، وشرط الله في العفو الإصلاح فیه،
ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق
العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية
تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون
مأمورا به.
وفي جعل أجر العافي على الله ما
يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق
بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن
يعفو الله عنه، فليعف عنهم، وكما يحب أن
يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من
جنس العمل.
وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: ﴿إنّهُ.
لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ الذين يجنون على غيرهم
ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، والبصائر.
فالزيادة ظلم.
﴿ وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ كُلِهِ﴾ أي: انتصر
ممن ظلمه بعد وقوع الظلم عليه ﴿فَأُوْلَكَ
مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ أي: لا حرج عليهم في
ذلك.
ودل قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ﴾ وقوله:
﴿ وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ تُللْمِهِ﴾ أنه لا بد من إصابة
البغي والظلم ووقوعه.
وأما إرادة البغي على الغير، وإرادة ظلمه
من غير أن يقع منه شيء، فهذا لا يجازى
بمثله، وإنما يؤدب تأدیپا پردعه عن قول أو
فعل صدر منه.
﴿إِنََّا السَّبِيلُ﴾ أي: إنما تتوجه الحجة
بالعقوبة الشرعية ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِّمُونَ النَّاسَ
وَيَبْغُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ﴾ وهذا شامل
للظلم والبغي على الناس، في دمائهم
وأموالهم وأعراضهم. ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ أي: موجع للقلوب والأبدان، بحسب
ظلمهم ویغیھم.
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ على ما يناله من أذى
الخلق ﴿وَغَفَرَ﴾ لهم، بأن سمح لهم عما
يصدر منهم، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ﴾ أي:
لمن الأمور التي حث الله عليها وأكدها،
وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ
العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها
إلا أولو العزائم والهمم، وذوو الألباب
www. modoee.com
١٩

حرفالغين
فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو
الفعل، من أشق شيء عليها، والصبر على
الأذى، والصفح عنه، ومغفرته، ومقابلته
بالإحسان، أشق وأشق، ولکنه یسیر علی من
يسره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف
به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد
حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه برحب الصدر،
وسعة الخلق، والتلذذ فیه»(١).
وهذا كما بينا مع جميع الناس فقد
قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوْلِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
[البقرة: ٨٣].
وإذا كان المرء مأمورًا بالعفو والصفح
والإحسان مع جميع الخلق فمع إخوانه من
باب أولى.
أسباب الغلو
أولًا: أسباب ذاتية:
للغلو أسباب ذاتية ترجع إلى الغالي
نفسه منها:
١. اتباع الھوي.
قال سبحانه في آية المائدة: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ
اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ غَيْرَ أُلْحَقِّ
وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْءٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ
وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ
﴾ [المائدة: ٧٧].
((والغلو نقيض التقصير. ومعناه الخروج
عن الحد، وذلك لأن الحق بين طرفي
الإفراط والتفريط، ودين الله بين الغلو
والتقصير. وقوله غير الحق صفة المصدر،
أي لا تغلوا في دينكم غلوًا غير الحق، أي
غلوًا باطلًا، لأن الغلو في الدين نوعان: غلو
حقٍ، وهو أن يبالغ في تقريره وتأكيده، وغلو
باطلٍ وهو أن يتكلف في تقرير الشبه وإخفاء
الدلائل، وذلك الغلو هو أن اليهود لعنهم
الله نسبوه -أي: عيسى عليه السلام- إلى
الزنا. وإلى أنه كذابٌ، والنصارى ادعوا فيه
الإلهية.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ
قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا
وَضَلُّواْ عَنِ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾. الأهواء
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٦٠.
مَشَارَةُ الْبَِّدُ
جوسين
القرآن الكريم
٢٠

الغلو
هاهنا: المذاهب التي تدعو إليها الشهوة
دون الحجة. قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ
الهوى في القرآن إلا ذمه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى﴾
[ طه: ١٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَى
[النجم : ٣].
وقال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ﴾
[الجاثية: ٢٣].
قال أبو عبيدة: لم نجد الھوی یوضع إلا
في موضع الشر. لا يقال: فلانٌ يهوى الخير،
إنما يقال: يريد الخير ويحبه. وقال بعضهم:
الهوی إلهٌ یعبد من دون الله. وقيل: سمي
الهوى هوّى لأنه یهوي بصاحبه في النار،
وقال رجل لا بن عباسٍ: الحمد لله الذي
جعل هواي على هواك، فقال ابن عباسٍ:
کل هوّی ضلالةٌ (١).
فنلاحظ أن الله تعالى ربط بين الغلو
واتباع الهوى فقال: ﴿لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ
غَيْرَ أَلْحَقِّ وَلَا تَتَِّعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ
ضَلُواْ﴾ فكأن الجملة الثانية: ﴿وَلَا تَتَِّمُواْ
أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ﴾ قد وقعت بمثابة
عطف البيان من الجملة الأولى ﴿لَا تَغْلُواْ
فِىِ دِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ﴾ ((جملة ﴿وَلَّا
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٤١١.
تَتَِّعُواْ﴾: لا محل لها معطوفة على جملة
جواب النداء)) (٢)؛ ذلك أن الغلو اتباع
للهوى.
٢. اتباع خطوات الشيطان.
لا شك أن أهم أسباب الغلو بجميع
أنواعه هو اتباع الشيطان؛ فهو الذي يزين
الباطل لأتباعه، وهو الذي يأمر الناس
بالسوء والفحشاء والضلال في العقيدة بأن
يقولوا على الله ما لا يعلمون.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى
اَلْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنَّ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿ إِنَّمَا يَأْمُؤَّكُم بِالسُّوءِ
وَاَلْفَحْسَآءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
174
﴾ [البقرة: ١٦٨- ١٦٩].
فقد أخبر ربنا سبحانه أن من أهم أسباب
الغلو اتباع الشيطان فهو الذي يتدرج بالمرء
خطوة خطوة نحو الضلال حتى يوقعه في
الكفر بأن يتقول على الله ما لا يعلم؛ فينسب
له سبحانه الولد والشريك ويصفه بما لا يليق
به مما تنزه عنه ربنا سبحانه وتعالی جده.
قال الرازي: ((احذر أن تتعداه إلى ما
يدعوك إليه الشيطان، وزجر المكلف بهذا
الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه كما
زجره عن تخطيه إلى الحرام لأن الشيطان
إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة
(٢) الجدول في إعراب القرآن، محمود صافي
٦/ ٤٢٥.
www. modoee.com
٢١

حرفالغين
فيزين بذلك ما لا يحل له فزجر الله تعالى وكأنه أقبح أنواع الفحشاء، لأنه وصف الله
تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر،
عن ذلك، ثم بين العلة في هذا: التحذير،
وهو کونه عدوا مبنيا أي متظاهرٌ بالعداوة،
وذلك لأن الشيطان التزم أمورًا سبعةً في
العداوة.
فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَتَِّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ﴾ فيدخل في
الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر
والكفر والجهل بالله))(١)
أربعةٌ منها في قوله تعالى: ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ وَلََّ مُرَنَّهُمْ فَلَيْبَتْكُنَّ ءَاذَانَ
الْأَنْعَمِ وَلَمُهُنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَ خَلْقَ اَللَّهِ﴾
[النساء: ١١٩].
وثلاثةٌ منها في قوله تعالى: ﴿لَأَقْدَنَّلَهُمْ
ثُمَّ ◌َ تِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ
صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١)
وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمٌّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
شَكِينَ ﴾ [الأعراف: ١٦ -١٧].
فلما التزم الشيطان هذه الأمور کان عدوًا
مظاهرًا بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى
بذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُؤَّكُمْ بِالسُّوْءِ
وَاَلْفَحْشَآءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾
فهذا كالتفصيل لجملة عداوته، وهو مشتملٌ
على أمورٍ ثلاثةٍ:
أولها: ﴿پالشُوءٍ﴾، وهو متناول جميع
المعاصي سواءٌ كانت تلك المعاصي من
أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب.
وثانيها: ﴿وَاَلْفَحْشَآَ﴾ وهي نوعٌ من الأمم السابقة، وفيما وقعو فيه من شرك
من السوء، لأنها أقبح أنواعه، وهو الذي
يستعظم ويستفحش من المعاصي.
وثالثها: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾
٣. الجهل.
هو سبب كل بلاء وسبب الغلو بصفة
خاصة مع رکوب الهوى، وهو سبب كل
مظاهر الغلو في حياتنا.
فالخروج على المسلمين بتكفيرهم
وتقتيلهم ونحو ذلك إنما هو راجع إلى
الجهل بالضبط الشرعي للأمر، وتشديد
النصوص في أمر تكفير المسلم، واستحلال
ماله و دمه.
وكذلك الغلو في الأولياء والصالحين
بعبادتهم من دون الله إنما يرجع للجهل
بما يجب نحوهم من المحبة والاقتداء دون
اعتقاد قدرتهم على التصرف في الأمور،
وغيره من العقائد الفاسدة التي أورثها
الجهل بالعقيدة الصحيحة.
وقد بين القرآن الكريم أن هذا الجهل
کان هو السبب الأعظم في ضلال من ضل
بالله تعالی.
قال تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨٦/٥.
مَهْشَوَالَرُ النَفسِير
القرآن الكريم
٢٢

الغلو
يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ
قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٨) إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبَّرْقَاهُمْ فِيهِ وَنَطِلٌ مَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٣٨ -١٣٩].
قال ابن جريج: و کانوا یعبدون أصنامًا
على صور البقر، فلهذا أثار ذلك شبهةً
لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك، فقالوا:
﴿يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ أي: تجهلون عظمة الله
وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك
والمثيل.
﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبِرٌ مَّا هُمْ فِهِ﴾ أي: هالكٌ
﴿وَتَطِلُ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾))(١).
فظهر من الآية أن سبب غلو بني إسرائيل
في عبادة تلك الأصنام إنما كان بسبب
جهلهم عظمة الله وجلاله، وما يجب أن
ينزه عنه من الشريك والمثيل.
٤. التقلید.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ, مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءَأَ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٦٧/٣.
فَأَتَوَاْ عَلَى قَوْمٍ يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ إِنَّ الْإِنسَنَ لَكَفُورٌ مُّبِينُ ( أَمِ أَتَّخَذَ مِنَّا
يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَّكُمْ بِالْبَنِينَ (١) وَإِذَا بُشْرَ
أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلَّحْمَنِ مَثَلَا ظَلَّ وَجْهُهُ.
مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿ أَوَمَن يُنَشَّوْا فِى
اَلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ ( وَجَعَلُواْ
(يخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل
لموسى، عليه السلام، حين جاوزوا البحر،
وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه
ما رأوا، ﴿فَأَتَواْ﴾ أي: فمروا ﴿عَلَى قَوْمٍ
يَمَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ﴾ قال بعض
المفسرين: كانوا من الكنعانيين. وقيل: كانوا
من لخم.
الْمَلَتِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَتَأْ أَشَهِدُوا
خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ
وَقَالُواْ لَوْ شَآءُ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ مَّا لَهُم بِذَلِكَ
أَمْ مَانَيْنَةٌ
مِنْ عِلِيمٌ إِنْ هُمْ إِلَّ يَخْرُصُونَ (
كِتَبًا مِن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ )
بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآَنَا عَلَى أَمَةٍ وَإِنَّا عَلَّ
ءَاتَزِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَآءَنَا
٢٣
عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاتَِّهِم مُقْتَدُونَ
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ مَابَاءَكَرّ
فَأَنْشَقَمْنَا
٢٤
قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْ سِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ (
مِنْهُمَّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
٢٥
[الزخرف: ١٥- ٢٥].
((ذكر الله تعالى احتجاج الكفار لمذهبهم
ليبين فساد منزعهم، وذلك أنهم جعلوا
إمهال الله لهم وإنعامه عليهم وهم يعبدون
الأصنام، دليلا على أنه يرضى عبادة الأصنام
دينا، وأن ذلك كالأمر به، فنفى الله عن
الکفرة أن یکون لھم علم بهذا وليس عندهم
كتاب منزل يقتضي ذلك، وإنما هم يظنون
ويخرصون ويخمنون، وهذا هو الخرص
والتخرص.
www. modoee.com
٢٣

حرفالغين
وقرأ جمهور الناس: ((على أمةٍ)) بضم المجتمعية والعالمية مثل: محاربة الدين،
المحن والابتلاء، انتشار المعاصي والفتن،
ترك الحكم بما أنزل الله.
الهمزة، وهي بمعنى الملة والديانة، والآية
على هذا تعيب عليهم التقليد))(١).
فالجهل وتقليد الآباء هو ما أوقعهم فيما
هم فيه من الغلو في نسبة الولد إلى الله،
وادعائهم أن الملائكة بنات الله وغير ذلك
من صنوف الشرك.
٥. الخوض في المتشابهات.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ
مِنْهُ مَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأَخَرٌ مُتَشَبِهَتٌ
فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيٌْ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ
أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ:
إِلَّا اللَّهُ وَالرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَا بِهِ، كُلٌّ مِنْ
عِنْدٍ رَيْنَا وَمَا يَذَكَرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ رَبَّنَالًا
تُرَعَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ
أَنْتَ الْوَقَّابُ ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍلَّا
رَيْبَ فِيَةٍ إِنَّ اللّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ ()﴾ [آل
عمران: ٧ -٩].
فبین ربنا سبحانه أن سبب ضلال هؤلاء
إنما جاء من قبل خوضهم في المتشابه: إما
ابتغاء الفتنة، وإما ابتغاء تأويله، وهذا غالب
حال أهل الغلو.
ثانيًا: أسباب مجتمعية وعالمية:
لعل من الإنصاف أن نقول أيضا: إن من
أسباب الغلو كذلك: العوامل والظروف
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٠/٥.
فَضْو
القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَتَّى
يَرُدُّكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَمُواْ وَمَنْ
يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرُ
فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
وَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾
[البقرة: ٢١٧].
وقال تعالى ﴿ وَدَّ كَثِيْرٌ مِّنْ أَهْلِ
اَلْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَنْكُمْ
كُفَارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا
بَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَقَّ يَأْتِىَ
اللَّهُ بِأَمْيِيَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ )﴾
[البقرة: ١٠٩].
وهذا یکشف لنا مقدار ما يضمر أعداؤنا
لنا من الحسد والحقد والبغض والعداوة؛
ولا شك أن ذلك كله مما يهيج مشاعر
الغلاة؛ فيشتطون غضبا ويزدادون في تعنتهم
وغلوهم، ويتخذون من تلك العداوة التي
تظهر بين الحين والحين في صور شتى
أيسرها ما يبدو من أفواههم من البغضاء من
فلتات الألسن، وأكثرها ضررا ما يلحقون
بيلاد المسلمين من غدر وتخريب وتدمير
وقتل وإزهاق لنفوس الأبریاء، ولكن هذا كله
لا ينبغي أن يواجه بأفعال الطيش والحماقة
والتهور، وإنما يواجه بالإعداد الجيد دون
٢٤

الغلو
استفزاز أو استنفار للعدو في وقت لا يكون
للمسلمين طاقة بمواجهة أولئك الأعداء.
لکن أهل الغلو لا ينطلقون إلا من تلك
المحاذير - لا يحركهم غيرها: الطيش
والحماقة والتهور.
مظاهر الغلو
للغلو مظاهر عديدة كلها تدل على
التشدد والمغالاة والتطرف والانحراف
عن وسطية الإسلام السمحة؛ فمن ذلك:
التكفير، الابتداع في الدين، الاعتداء على
الناس وأموالهم، ادعاء العلم والتدين والغلو
في المحبة أو الكراهية.
قال سبحانه في آية المائدة: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ
اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ
وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ
وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ
﴾ [المائدة: ٧٧].
VV
قال ابن العربي في هذه الآية ((نهى الله
سبحانه أهل الكتاب عن الغلو في الدين من
طريقيه: في التوحيد، وفي العمل؛ فغلوهم
في التوحيد نسبتهم له الولد سبحانه،
وغلوهم في العمل ما ابتدعوه من الرهبانية
في التحليل والتحريم والعبادة والتكليف.
وقال صلى الله عليه وسلم: (لتركبن سنن
من كان قبلكم شیرًا بشبر وذراعًا بذراع،
حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه))(١).
وهذا صحيحٌ لا کلام فيه.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام
بالكتاب والسنة، باب قول النبي (لتتبعن سنن
من كان قبلكم)، ١٠٣/٩، رقم ٧٣٢٠،
ومسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب اتباع
سنن اليهود والنصارى، رقم ٢٦٦٩.
www. modoee.com
٢٥

حرف الغين
الله عليه وسلم سمع امرأةً من الليل تصلي،
فقال: من هذه؟ قيل: الحولاء بنت تویتٍ لا
تنام اللیل کله. فكره ذلك رسول الله صلى
الله عليه وسلم حتى عرفت الكراهية في
وجهه، وقال: إن الله لا يمل حتى تملوا،
.
اكلفوا من العمل ما تطيقون)(١)(٢).
فدل ذلك على شمول الغلو للاعتقاد
والعمل؛ فغلوهم في الاعتقاد نسبتهم
له الولد سبحانه، وغلوهم في العمل ما
ابتدعوه من الرهبانية في التحليل والتحريم
والعبادة والتكليف.
أولًا: التكفير:
﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ
قال تعالى:
النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ اَلْيَهُودُ
عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبُّ كَذَلِكَ قَالَ
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
[البقرة: ١١٣].
فأخبر سبحانه أن كل واحد من الفريقين
يكفر الآخر، وينكر ما معه من الحق، وهذا
من الغلو الذي شابههم فيه أصحاب الفرق
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب من أحب الدين إلى الله أدومه، ١٧/١،
رقم ٤٣، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين، باب أمر من نعس في صلاته،
٥٤٢/١، رقم ٧٨٥.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٢/ ١٤١.
وقد ثبت في الصحاح (أن النبي صلى المبتدعة من المسلمين؛ حيث يتبرأ كل
فريق من مخالفيه؛ وإن كانوا من أهل الملة
یشارکونھم في أصول الدين وقواعده، وهذا
من الظلم الواضح البين.
ويتدرج ذلك إلى الغلو في التكفير كما هو
حال الخوارج وغيرهم من جماعات التكفير
في تكفير عصاة المسلمين وإخراجهم من
دائرة الإسلام إلى الكفر.
ثانيًا: الابتداع في الدين:
لما كان أهل الغلو هم الذين غالوا
فانحرفوا عن سواء السبيل وقصده، وعن
الصراط المستقيم الذي أمروا بلزومه لزمهم
بذلك أن یکونوا من أهل البدع في الدین.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَأَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِلِ، ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
[الأنعام: ١٥٣].
((فالصراط المستقيم هو سبيل الله
الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي
سبل الاختلاف الحائدين عن الصراط
المستقيم، وهم أهل البدع، وليس المراد
سبل المعاصي؛ لأن المعاصي من حيث هي
معاصٍ لم يضعها أحدٌ طريقًا تسلك دائمًا
على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف
خاصّ بالبدع المحدثات.
ويدل على هذا ما روى إسماعيل عن
مُوسُوراً
القرآن الكريم
٢٦