النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الغَضَبُ عناصر الموضوع مفهوم الغضب ٣١٤ الغضب في الاستعمال القرآني ٣١٥ الألفاظ ذات الصلة ٣١٦ أقسام الغضب ٣١٨ الأسباب الموجبة لغضب الله تعالى ٣٢٤ ٣٢٩ المغضوب عليهم ٣٣٥ أثر الغضب في الدنيا والآخرة المُجَلَدَ الخَامِسْ وَالعشْرُونْ حرف الغين مفهوم الغضب أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: ((الغين، والضاد، والباء، أصل صحيح يدل على شدة وقوة. يقال: إن الغضبة: الصخرة الصلبة. قالوا: ومنه اشتق الغضب، لأنه اشتداد السخط))(١). وعرف ابن منظور الغضب: بأنه ((نقيض الرضا))(٢). يقال: رجل غضوب: شديد الغضب. والغضوب: الحية الخبيثة. والغضوب: الناقة العبوس. والمغضوب: الذي ركبه الجدري، فإذا غطى الجدري جلد المجدور، قيل: أصبح جلده غضبة واحدة. والغضابي: الكدر في معاشرته، مأخوذ من الغضاب، وهو: القذى في العينين (٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي اختلفت عبارات العلماء في تعريف الغضب، لكنها جميعًا تدور حول فكرة واحدة ومعنى واحد، وهي تتقارب كثيرًا مع معنى هذه اللفظة في معاجم اللغة. فقد عرفه الغزالي بأنه: ((غليان دم القلب بطلب الانتقام)) (٤). وعرفه الثعالبي بأنه: ((غليان القلب بسبب ما يؤلم))(٥). وقال الجرجاني: ((الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفي للصدر))(٦). وقد عرف الطبري رحمه الله غضب الله بأنه: ((إحلال عقوبته بمن غضب عليه، إما في دنياه وإما في آخرته»(٧) . (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٤٢٨ (٢) لسان العرب، ابن منظور ٦٤٨/١ (٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤٨/٣، الصحاح، الجوهري ٢١٤/١. (٤) إحياء علوم الدين للغزالي ٣ / ٢٢٤. (٥) الجواهر الحسان، الثعالبي ص٥٤ . (٦) التعريفات، الجرجاني ص٢٠٩ . (٧) جامع البيان، الطبري ١ / ٨٠ . جَوَُّور القرآن الكريمِ ٣١٤ الغضب الغضب في الاستعمال القرآني وردت مادة (غضب) في القرآن الكريم (٢٤) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَوْ قَوْمًا غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ١٨ [الممتحنة: ١٣] ﴿فَبَآءُ و بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ المصدر ١٤ ﴾ [البقرة: ٩٠] ٩٠ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِيًّا فَظَنَّ أَن ◌َّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ. اسم الفاعل ١ [الأنبياء: ٨٧] صِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا المَآلِينَ اسم المفعول ١ [الفاتحة: ٧] الصفة المشبهة ٢ ﴿فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ [طه: ٨٦] وجاء الغضب في القرآن الكريم بمعناه اللغوي الدال على ثوران دم القلب وإرادة الانتقام، وإذا أضيف إلى الخالق سبحانه فهو صفة له لائقة بذاته سبحانه، ومن لوازمها الانتقام والعقاب(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٩٩، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الغين ص٨٤٩. (٢) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ١٦٥/٣، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ١٣٥/٤-١٣٦. www. modoee.com ٣١٥ المثال الفعل الماضي حرف الغين الألفاظ ذات الصلة ١ السخط: السخط لغة: الكراهية للشيء، وعدم الرضا به (١). السخط اصطلاحًا: الغضب الشديد المقتضي للعقوبة (٢). الصلة بين السخط والغضب: الغضب يكون من الصغير على الكبير ومن الكبير على الصغير، والسخط لا يكون إلا من الكبير على الصغير (٣). الانتقام: ٢ الانتقام لغة: أصل هذه المادة يدل على إنكار شيءٍ وعيبه، يقال: لم أرض منه حتى نقمت وانتقمت، إذا كافأه عقوبةً بما صنع. والنقمة العقوبة، وانتقم الله منه أي: عاقبه (٤). الانتقام اصطلاحًا: هو إنزال العقوبة مصحوبًا بكراهية تصل إلى حد السخط (٥). والمنتقم ((هو المبالغ في العقوبة لمن يشاء. وهو مفتعل من نقم ينقم إذا بلغت به الكراهة حد السخط))(٦). الصلة بين الانتقام والغضب: الانتقام له صلة بالغضب؛ لأن الغضبان يتوق إلى الانتقام ممن يغضب منه غالبًا. (١) لسان العرب، ابن منظور ٣١٣/٧ . (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ٤٠٢ . (٣) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص٢٤٦. (٤) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٠٤٥/٥، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٦٤/٥، لسان العرب، ابن منظور ٥٩٠/١٢. (٥) نضرة النعيم ٩/ ٤٠٠٧. (٦) النهاية في غريب الأثر، ابن الأثير ٢٣١/٥. ٣١٦ جوسين لِلْقُرآن الكَرِيمِ الغضب الغيظ: ٣ الغيظ لغةً: الغيظ: الغضب، وقيل: هو أشد من الغضب، وقيل: هو سورته وأوله (١). الغيظ اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي، قال الأصفهاني: الغيظ: أشد الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه(٢). الصلة بين الغيظ والغضب: قال ابن دريد: ((الغيظ فوق الغضب؛ وقد فصل قومٌ من أهل اللغة بين الغيظ والغضب فقالوا: الغيظ أشد من الغضب؛ وقال قوم: الغيظ سورة الغضب وأوله))(٣). وقال أبو هلال العسكري في التفريق بين الغيظ والغضب: ((الإنسان يجوز أن يغتاظ من نفسه ولا يجوز أن يغضب عليها، وذلك أن الغضب إرادة الضرر للمغضوب عليه ولا يجوز أن يريد الانسان الضرر لنفسه، والغيظ يقرب من باب الغم)» (٤). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٧/ ٤٥٠. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٦١٩. (٣) جمهرة اللغة، ابن دريد ٢٣/٢. (٤) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص٢٦٩. www. modoee.com ٣١٧ حرف الغين أقسام الغضب أولًا: غضب الله سبحانه وتعالى: الغضب صفة من صفات الفعل الثابتة لله عز وجل على الوجه اللائق به (١). يقول الشنقيطي: ((اعلم أن الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، تظهر آثارها في المغضوب عليهم. نعوذ بالله من غضبه جل وعلا. ونحن معاشر المسلمین نمرها كما جاءت؛ فنصدق ربنا في كل ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء من ذلك مع تنزيهنا التام له جل وعلا عن مشابهة المخلوقین سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا))(٢). وهذه الصفة ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿أَلَّمَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّاهُمْ مِنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَعْلِفُونَ عَلَ اُلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَانَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ اْلَخِرَةِ كُمَا بَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣]. وثبت في حديث الشفاعة الطويل عندما يفزع الناس إلى الأنبياء، يطلبون منهم الشفاعة، فكل نبي يأتونه يقول لهم: (إن ربي (١) شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين ص ١٨٧. (٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٤/ ٧٦. جوب القرآن الكريم قد غضب الیوم غضبًا لم یغضب قبله مثله، ولن یغضب بعده مثله)(٣). وما رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: (اشتد غضب الله على من قتله النبي صلی الله عليه وسلم في سبيل الله اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبي الله صلى الله عليه وسلم) (٤). وذكر شيخ المفسرين أقوال العلماء في إسناد الغضب إلى الله تعالى، فقال: ((واختلف في صفة الغضب من الله جل ذكره. فقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من خلقه، إحلال عقوبته بمن غضب عليه، إما في دنياه وإما في آخرته، کما وصف به نفسه جل ذكره في کتابه فقال: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أَنَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَبْعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥]. وكما قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَّيِّئُكُمْ بِشَّرِ مِّن ذَلِكَ مَثُوَةٌ عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيَ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من عباده، ذمّ منه لهم ولأفعالهم، وشتمٌّ لهم منه بالقول. وقال (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قول الله عز وجل: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه)، ١٣٥/٢، رقم ٣٣٢٠. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح يوم أحدٍ، ٥ / ٧١، رقم ٤٠٧٤. ٣١٨ الغضب بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم كالذي وهو بعيد. وأصل البواء بالفتح والضم، يعرف من معاني الغضب، غير أنه وإن كان مساواة الأجزاء ثم استعمل في كل مساواة فيقال: هو باء فلان أي كفؤه، ومنه بؤ لشسع نعل كليب وفي وصف الغضب بكونه من الله تعالى تعظيم لشأنه بعد تعظيم وتفخيم بعد تفخیم»(٢). کذلك من جهة الإثبات، فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين یزعجهم ویحر کھم ویشق علیھم ویؤذیھم. لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ثانيًا: غضب الإنسان: ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن «الغضب من شیم بني آدم، فلا يذم، ولا يمدح إلا من جهة آثاره ومقاصده))(٣). خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي هي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها))(١). ومعظم الآيات القرآنية التي تحدثت عن الغضب أسندت الغضب إلى الله عز وجل كما بينا سابقًا، كما في قوله تعالى: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]. قال الآلوسي: ((وباؤا بغضب من الله؛ أي نزلوا وتمكنوا بما حل بهم من البلاء والنقم في الدنيا، أو بما تحقق لهم من العذاب في العقبى، أو بما كتب عليهم من المكاره فيهما، أو رجعوا بغضب أي: صار علیھم، ولذا لم يحتج إلى اعتبار المرجوع إليه أو صاروا أحقاء به أو استحقوا العذاب بسببه (١) جامع البيان، الطبري ١٨٨/١-١٨٩. ومعنى ذلك: أن الغضب ظاهرة انفعالية وعاطفة شعورية طبیعیة لدى الإنسان، وهو صحي إذا تم توجيهه بالطريقة الصحيحة، ولم يحصل فيه خروج عن ضوابط الشرع والعقل. ولكن عند فقدان السيطرة والقدرة على التحكم، يصبح الغضب مدمرًا ومؤديًا إلى مشاكل جمة في العلاقات الإنسانية. قال ابن منظور: ((قال ابن عرفة: الغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم ومنه محمود ومذموم، فالمذموم ما كان في غير الحق، والمحمود ما كان في جانب الدين والحق، وأما غضب الله فهو إنكاره على من عصاه فيعاقبه)) (٤). ومن هنا فإن الغضب المتعلق بالإنسان (٢) روح المعاني، الألوسي ١/ ٢٧٦. (٣) قواعد وفوائد من الأربعين النووية، ناظم سلطان، ص ١٤٨. (٤) لسان العرب، ابن منظور ٦٤٩/١. www. modoee.com ٣١٩ حرفالغين ينقسم إلى قسمين(١): الأول: الغضب المذموم. وهو الغضب الدنيوي، الذي يكون في غير الحق. وإنما يكون لهوى النفوس، يتجاوز فيه العبد بقوله، فيشتم ویقذف، ويجرح الآخرين بكلمات مؤذية، ويتجاوز فيه بفعله، فيضرب ويتلف أموال الآخرين وأملاكهم. وإذا أطلق الغضب فإنما يطلق على هذا النوع في الأغلب الأعم، لهذا حذر منه الإسلام أيما تحذير، واعتبره أساس كل مصيبة وبليه، وسببًا لجلب الدمار والخراب، والقتل والأعمال العدوانية. فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: (إن رجلا قال للنبي صلی الله عليه وسلم: أوصني: قال: (لا تغضب)، فردد مرارًا قال: (لا تغضب)(٢). وروى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما (أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يباعدني من غضب الله عز وجل؟ قال: (لا تغضب)(٣). (١) انظر لمزيد من التفصيلات حول أقسام الغضب: الغضب، سناء سليمان، ص٣٤- ٣٧. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، ١٦١/٣، رقم ٦١١٦. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٢ / ١٧٥. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب وقد أشارت الآيات القرآنية إلى هذا النوع من الغضب، في سياق الحديث عن صفات المؤمنين، الذين يتصفون بالعفو والمسامحة، ولا يجعلهم الغضب يظلمون الآخرين ويتجاوزون في العقوبة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَيَرَ اُلْإِئْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]. ((يعني: إذا غضبوا على أحد يتجاوزون ويكظمون الغيظ» (٤). ففي هذه الآية يمدح الله عز وجل عباده المؤمنين الذين ((من شيمتهم المغفرة عند الغضب؛ أي: إمساك أنفسهم عن الاندفاع مع داعية الغضب فلا يغول الغضب أحلامهم» (٥). وقريب من هذا المعنى ما جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السََّّاءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ اَلْفَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. الثاني: الغضب المحمود. وهو الذي یکون لله، ومن أجل الله، وإذا انتهكت محارم الله. ويكون للحق إذا اعتدي على الإنسان بدون وجه حق على ماله، أو نفسه، أو عرضه، أو ولده. فهذا الغضب يكون مستساغًا شرعًا، وقد يكون رقم ٢٧٤٧. (٤) تفسير السمر قندي ٢٣٣/٣. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ١١١. ٣٢٠ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الغضب واجبًا، لکن یجب أن یتصرف أثناء غضبه هذا بحدود دينه، وبما يوافق الحق والعدالة. قال ابن حبان: ((والخلق مجبولون على الغضب والحلم معا فمن غضب وحلم في نفس الغضب فإن ذلك ليس بمذموم ما لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل))(١). ويقول صاحب الظلال: ((الغضب انفعال بشري ينبع من فطرته. وهو لیس شرا کله. فالغضب لله ولدينه وللحق والعدل غضب مطلوب وفيه الخير. ومن ثم لا يحرم الغضب في ذاته ولا يجعله خطيئة. بل يعترف بوجوده في الفطرة والطبيعة، فيعفي الإنسان من الحيرة والتمزق بين فطرته وأمر دينه. ولكنه في الوقت ذاته يقوده إلى أن یغلب غضبه، وأن يغفر ویعفو، ويحسب له هذا صفة مثلى من صفات الإيمان المحببة. هذا مع أنه عرف عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أنه لم يغضب لنفسه قط، إنما كان يغضب لله، فإذا غضب لله لم يقم لغضبه شيء. ولکن هذه درجة تلك النفس المحمدية العظيمة لا يكلف الله نفوس المؤمنين إياها. وإن كان يحببهم فيها. إنما یکتفي منهم بالمغفرة عند الغضب، والعفو عند القدرة، والاستعلاء على شعور الانتقام، ما دام الأمر في حدود الدائرة الشخصية (١) روضة العقلاء ابن حبان البستي ١ / ١٤١. المتعلقة بالأفراد))(٢). وغضب الأنبياء عليهم السلام من هذا القسم المحمود، فقد كانوا لا ينتقمون لحظوظ أنفسهم، وإنما يغضبون حين تنتهك محارم الله، وهذا ما تدل عليه الآيات القرآنية التي أسندت الغضب لموسى ويونس عليهما السلام. وفيما يلي بيان ذلك: ١. غضب موسى عليه السلام. ذكر القرآن الكريم انفعال موسى عليه السلام وغضبه الناتج عن عبادة قومه للعجل في موضعين اثنين: قال تعالى: ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَقَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ يِنْسَمَا خَلَفْتُونِي مِنْ بَعْدِىّ أَعَجِلْتُمْ أَقَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجْزُُّ إِلَيْهٍ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اُسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ بِى اَلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِ مَعَ اَلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. ﴿فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، وقال تعالى: غَضْبَنَ أَسِفَأَ قَالَ يَقَوْرِ أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَّا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُ مَّوْعِدِى [طه: ٨٦]. ففي هذين الموضعين بين الحق سبحانه وتعالى أن السبب الذي أدى إلى انفعال الغضب عند موسى عليه السلام، هو اتخاذ (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣١٦٤/٥. www. modoee.com ٣٢١ حرفالغين قومه عجلًا يعبدونه ويعكفون عليه، وهذا وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكًا، الغضب من القسم المحمود الذي يؤجر نحو قولك: عاقبت اللص، وسافرت، وشارفت الأمر. وكأنه استعمل هنا للمبالغة. وغضبه كان على قومه «لشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم مع طول دعوته إياهم)) (٣). وهذا الذي رجحه ابن الجوزي (٤)، والآلوسي (٥). عليه فاعله، ولا يلام عليه، وليس مخطئًا فيه ((فغضب موسى عليه السلام إنما هو لله، وغيرة على دين الله، ورفضًا للباطل والمنكر، والكفر والضلال، وهو ماجور على هذا الغضب»(١). ٢. غضب يونس عليه السلام. ذكر القرآن الكريم غضب يونس عليه السلام في سورة الأنبياء في قوله تعالى: ﴿ وَذَا اُلُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَرَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. فقد غضب يونس عليه السلام من قومه، فحين دعاهم إلى الله تعالى وحذرهم من غضبه وعقابه، أبوا الاستجابة لدعوته، وأصروا على كفرهم وعنادهم، وتمردهم وطغيانهم، فتوعدهم بالعذاب، فخرج من بین أظهرهم مغاضبًا لهم(٢). وقوله تعالى: ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا﴾ اختلف أهل التفسير فيها على أقوال ثلاثة هي: القول الأول: مغاضبًا بمعنى: غضبان، (١) مواقف الأنبياء في القرآن، صلاح الخالدي ص٢٣١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٥٨٦. القول الثاني: مغاضبًا بمعنی: مغاضبًا لقومه، أغضبهم بمفارقته وتخوفهم حلول العذاب، وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه، فأوعدهم بالعذاب. وهي من المفاعلة التي تقتضي اشتراكًا. وهذا الذي رجحه الزمخشري (٢)، والقاسمي(٧). ومن المعاصرين الشعراوي (٨)، والدكتور فضل عباس(٩). القول الثالث: مغاضبًا بمعنی: مغاضبًا لربه، أي: مغاضبًا من أجل ربه. کما تقول غضبت لك، أي: من أجلك. والمؤمن يغضب لله عز وجل إذا عصي. وهذا قول ابن مسعود من الصحابة، وقول الحسن وابن جبير من التابعين، وهو القول الذي رجحه (٣) روح المعاني، الألوسي ٨٣/١٧ . (٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٥ / ٢٦٣ . (٥) روح المعاني، الألوسي ١٧/ ٨٤. (٦) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٥٨١ . (٧) محاسن التأويل، القاسمي ١١/ ٤٣٠٠. (٨) تفسير الشعراوي ١٥ / ٩٦٢٢. (٩) القصص القرآني، فضل عباس ٣٤٨. ٣٢٢ جَوَسُولَةُ الْمَشِيَة القرآن الكريم الغضب الطبري (١)، والقرطبي(٢). بأطفالهم، وأنعامهم، ومواشيهم، وفرقوا بين ويمكن الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة الأمهات وأولادها. ثم تضرعوا إلى الله عز وجل وجأروا إليه))(٣). على النحو التالي: إن يونس عليه السلام غضب من عدم استجابة قومه لدعوة الله. فكان غضبه لله، ومن أجل الله، وحصل بينه وبين قومه مغاضبة بسبب توعده لهم بالعذاب، وخرج من عند قومه وهو غضبان. ففسر كل فريق كلمة مغاضبا من خلال غضب يونس عليه السلام في مراحله الثلاث. عند مناظرة قومه، وعند خروجه من عندهم، وعند عدم أخذه الإذن من الله في الخروج. وهذا الموضع بين أن غضب يونس عليه السلام كان لله، وكرهًا وبغضًا لعبادة الأصنام التي أصر عليها قومه. كما بين خطأ يونس عليه السلام في سرعة خروجه من عند قومه دون إذن من ربه. ولذا طلب المغفرة من ربه قائلا: ﴿لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وهذا الخروج السريع ليونس عليه السلام عجل من توبة قومه، ورجوعهم إلى الله سبحانه. فما إن خرج يونس عليه السلام مغضبًا من عند قومه، وتحققوا أن العذاب واقع بهم لا محالة، ((خرجوا إلى الصحراء (١) جامع البيان، الطبري ٧٥٠/٧-٧٥١. لأحكام (٢) الجامع القرطبي ٣٢٩/١١. القرآن، (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٥٨٦. www. modoee.com ٣٢٣ حرف الغين الأسباب الموجبة لغضب الله تعالى بالنظر في الآيات القرآنية التي أسندت الغضب إلى الله تعالى، فإنه يتبين أن أسباب غضب الله عز وجل، هي: الكفر والنفاق، وارتكاب كبائر الذنوب. وهذا ما سنقف عليه في النقاط الآتية: أولًا: الكفر والنفاق: بينت الآيات القرآنية التي تحدثت عن غضب الله عز وجل، أن أهم أسباب هذا الغضب هو الكفر بالله تعالى وبآياته، وبالنظر في الآيات القرآنية التي تحدثت عن هذا السبب، نجدها جميعًا تتعلق باليهود. وجاء ذلك في مواضع ثلاثة: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَاءٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَارَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِنَّا تُلْبِتُ اْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِشَّآَبِهَا وَقُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَشْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَبِّْ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَهُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآَهُو بِنَضَرٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ الْحَقُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. تبين هذه الآية أن غضب الله تعالى الذي حل باليهود، كان بسبب عصيانهم وكفرهم بآيات الله. يقول القاسمي: ((﴿رَبَاءُو یِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: رجعوا به أو صاروا أحقاء به. من قولهم: باء فلان بفلان، أي: صار حقيقًا أن يقتل بمقابلته. والبوء بالغضب العظيم بسبب أنهم كانوا يكفرون بآيات الله الباهرة التي ظهرت علی یدی عیسی ومحمد علیھما الصلاة والسلام، ويقتلون النبيين بغير الحق كزكريا ويحيى عليهما السلام. وقتل الأنبياء في بني إسرائيل كان ظاهرًا))(١). وقال تعالى: ﴿بِئْسَمَا أَشْتَّرَوْاْ بِهِةْ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًّا أَنْ يُنَزِّلَ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِيَّةٌ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة قوله: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ أي: أن غضب الله تعالى عليهم كان بسبب كفرهم بالأنبياء السابقين أولًا، ثم بسبب كفرهم بمحمد صلی الله عليه وسلم(٢). يقول سيد قطب: «لكأن هذا الكفر هو الثمن المقابل لأنفسهم! والإنسان يعادل نفسه بثمن ما، يكثر أو يقل. أما أن يعادلها بالكفر فتلك أبأس الصفقات وأخسرها ولكن هذا هو الواقع. وإن بدا تمثيلًا وتصویرًا. لقد خسروا أنفسهم في الدنيا فلم ينضموا إلى الموكب الكريم العزيز، ولقد خسروا أنفسهم في الآخرة بما ينتظرهم (١) محاسن التأويل، القاسمي ٣١٥/١. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ١/ ١٧٣. ٣٢٤ جَوَسُو لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الغضب من العذاب المهين. وبماذا خرجوا في وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النحل: ١٠٦]. النهاية؟ خرجوا بالكفر، هو وحده الذي کسبوه وأخذوه! وکان الذي حملهم على فمن اختار الكفر على الإيمان بعد أن عرف الإيمان وعرف ما فيه من خير هذا كله هو حسدهم لرسول الله -صلى له وللبشرية جمعاء، فقد استحق غضب المولى عز وجل؛ لأن ((القلب الذي يذوق الإسلام ویعرفه، لا يمكن أن يرتد ارتدادًا حقيقيًّا أبدًا))(٢). الله عليه وسلم - أن يختاره الله للرسالة التي انتظروها فیهم، وحقدهم لأن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. وكان هذا بغیًا منهم وظلمًا فعادوا من هذا الظلم بغضب على غضب وهناك ينتظرهم عذاب مهين، جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم)»(١). وقال تعالى: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْ إِلَّا بِحِبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُوِ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ يِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]. وهذه الآية تؤكد أيضًا أن وقوع غضب الله تعالى على اليهود، إنما كان بسبب کفرهم وعصیانهم. ومما يتصل بالكفر بالله تعالى، الردة عن دین الله، وقد بينت آيات القرآن الكريم أن الردة عن الإسلام جريمة عظيمة تستوجب غضب الله تعالى، ويظهر ذلك جليًا في قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِهِ* إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ (١) في ظلال القرآن ١/ ٩٠. ويتعلق غضب الله تعالى كذلك بالمنافقين الذين ارتدوا سرًّا من بعد ما تبين لهم الهدى، وما ذلك إلا لأن الشيطان قد زين لهم الكفر. قال تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَى أَدْبَرِ هِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىّ الشَّيَطْنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥]. وهذه الآية نزلت في شأن المنافقين(٣). ((أي: إن الذين فارقوا الإيمان ورجعوا إلی الکفر، من بعد ما ظھر لهم الهدى بما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزات الظاهرة والدلائل الواضحة، زين لهم الشيطان خطاياهم، وسهل لهم الوقوع فيها، وحسن لهم الكفر، وخدعهم وغرهم بالأماني والآمال، ووعدهم بطول العمر ومد الأجل»(٤). (٢) في ظلال القرآن ٢٢٨/١. (٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٤ /١٤٩، أنوار التنزيل، البيضاوي ١١٢/٢، التفسير المنير، الزحيلي ١٢٣/٢٦. (٤) التفسير المنير، الزحيلي ١٢٣/٢٦. www. modoee.com ٣٢٥ حرفالغين ثانيًا: كبائر الذنوب: من أسباب غضب الله على العبد ارتكاب المعاصي العظيمة والوقوع في الكبائر. ولا شك أن غضب الله عز وجل شيء عظيم وليس هينًا، لذا نجد أنه جاء متعلقًا بكبائر الذنوب، وكل المعاصي التي اقترنت بغضب الله تعالى هي من الكبائر التي ينبغي على المسلم أن يحذر من الوقوع فيها. وأهم المعاصي التي جاءت مقترنة بغضب الله تعالى: ١. الشرك بالله. («الشرك هو اتخاذ ند من دون الله، يدعوه كما يدعو الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويخافه كما يخاف الله، ويحبه كما يحب الله))(١). ويترتب على ذلك التوجه لغير الله تعالى بالعبادة، ولا شك أن هذا من أعظم الذنوب ومن أكبر الكبائر، لأن الله تعالى هو خالق الخلق، وهو وحده الحقيق بهذه العبادة، فمن عبد غيره فقد انحرف عن الطريق القويم، وضل السبيل. ومن هنا فقد استحق من يشرك بالله تعالى غضبه ومقته، كما تدل على ذلك الآيات القرآنية. قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبٌّ أَتُجَدِ لُونَنِى فِى (١) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم، أحمد بن عيسى ٢٦٦/٢. أَسْمَاءٍ سَمَّيْثُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ فَأَنْتَظِرُواْ إِنَِّ مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧١] فهذه الآية تدل على نزول غضب الله تعالى على قوم هود عليه السلام، بسبب إشراكهم بالله وعبادتهم الأصنام، مع أنها أصنام لا تضر ولا تنفع، وهم الذين اخترعوها وجعلوها آلهة من دون الله. وممن استحق غضب الله تعالى بسبب الشرك بالله اليهود، الذين عبدوا العجل بعد أن صنعه لهم السامري بيديه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْمِجْلَ سَيِّنَالهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَّاً وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُقْتَّرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]. والمقصود بغضب الله على بني إسرائيل الذي أصابهم بسبب عبادتهم للعجل، كما يقول الزمخشري: ((الغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم. والذلة: خروجهم من ديارهم لأن ذل الغربة مثل مضروب. وقيل: هو ما نال أبناءهم وهم بنو قريظة والنضير، من غضب الله تعالى بالقتل والجلاء، ومن الذلة بضرب الجزية المفترين المتكذبين على الله، ولا فرية أعظم من قول السامري: هذا إلهكم وإله موسى. ويجوز أن يتعلق في الحياة الدنيا بالذلة وحدها ويراد: سينالهم غضب في الآخرة، وذلة في الحياة الدنيا، وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا ٣٢٦ جَوْنُواحَرَ النَّفْسِير القرآن الكريم الغضب بغضب من الله»(١). والخسار. فعياذًا بالله من كل سبب يبعد عن ويرى الشوكاني أن الغضب يشمل الدنيا رحمته))(٣). والآخرة، فهو يتضمن ((ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم، وما سينزل بهم في الآخرة من العذاب)) (٢). ٢. القتل. مما لا شك فيه أن قتل النفس بغير حق جريمة بشعة يندى لها الجبين، وهي من الكبائر التي يستحق فاعلها غضب الله تعالی والطرد من رحمته. قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. ويلاحظ أن الله تعالى رتب على كبيرة القتل وعيدًا عظيمًا وعذابًا شديدًا. يقول السعدي: ((وذكر هنا وعيد القاتل عمدًا، وعيدًا ترجف له القلوب وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول. فلم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، أي: فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة (١) الكشاف ٢/ ١٦٢. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٢٥٠. ٣. التولي يوم الزحف. جعل الإسلام الفرار من المعركة من الكبائر، والذي يترتب عليه غضب الله تعالی. وقد أشار النبي صلی الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في الحديث الذي يرويه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأکل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)(٤). فهذا الحديث يدل على أن التولي يوم الزحف من الكبائر، لذلك ترتب عليه غضب الله، كما يقول تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ نَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ٥ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِدٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًّا إِلَى فِئَةِ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥-١٦]. ففي هذه الآية ((نهى الله المؤمنين عن التولي يوم الزحف، وتوعدهم عليه، والنهي (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٩٣. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٧٦٦، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى)، ٤ / ١٠. www. modoee.com ٣٢٧ حرفالغين والتوعد يدلان على أن الثبات واجب))(١). الله تعالى أنه يعاقب الفارين بأشد أنواع العذاب. وأنه يكرم الشهداء في سبيله أعظم أنواع الإكرام والعزة»(٢). ((فالتولي يوم الزحف من أكبر الكبائر، وأفحش الأمور، لأنه يدل على الجبن، والضعف والخور، والإسلام يربي المسلم على الشجاعة والثبات والعزة، ولأن الفرار أمام الأعداء عند اللقاء يسلب الأمة عزتها وكرامتها وشرفها، ويجعل السلطة لأعداء الإسلام والدين، وذلك موت أدبي للأمة فإما أن نعيش كرامًا أعزاء، وإما أن نموت أحرارًا شهداء، والاستشهاد في سبيل الله والوطن حياة كريمة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. ١٦٩ لهذا أمرنا الله تعالى بالثبات أمام الأعداء مهما كانت عدتهم، وقدرتهم، ونهانا عن الفرار من الزحف وعده من أعظم الكبائر التي تجلب غضب الله تعالى، وتحبط الأعمال، وتودي بصاحبها في نار جهنم وبئس القرار فأمر الله المجاهدين بالصبر والثبات أمام الأعداء، لأن التولي فيه إضعاف لصفوف المسلمين، وتثبيط لعزائم المقاتلين، وإحداث فرقة بين صفوفهم، وفي ذلك صد عن سبيل الله عز وجل وتقوية للعدو، وكفى بذلك إثمًا وعارًا في الدنيا والآخرة، لذلك أمرنا بالصبر وذكر (١) الجواهر الحسان، الثعالبي ١/ ٤٣٤. (٢) الفقه على المذاهب الأربعة، ابن الجزيري ٣٩٠/٥. ٣٢٨ مُؤَسُولَةُ النفسية جوية الْقُرْآن الكَرِيمِ الغضب المغضوب عليهم يتناول هذا المبحث أصناف الناس الذين غضب الله عليهم كما ورد في آيات القرآن الکریم. أولًا: عبدة الأوثان: لا شك أن عبادة الأوثان معصية ممقوتة، وموجبة لغضب الله تعالى، لأنه لا بد من ((العلم والاعتراف بأن الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها وإخلاص الدين لله وحده)»(١). والأنبياء جميعًا كانوا يدعون أقوامهم لعبادة الله وحده وعدم الإشراك به، وكانوا يخاطبوهم قائلين: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. ولكن هناك من لم يستجب لهذه الدعوة وانحرف عن المنهج القويم فعبد الأوثان بدلًا من أن يعبد الله سبحانه وتعالى. ومن هؤلاء قوم هود عليه السلام، الذين قال الله عنهم: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا فَأَيْنَا أَ قَالَ ٧٠ بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ( قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبُّ أَتُجَدِلُونَنِ فِي أَسْمَلِ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَّانَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ فَأَنَظِرُوّاً (١) القول السديد شرح كتاب التوحيد، السعدي ص١٧ . إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠ -٧١]. فهؤلاء قد استحقوا غضب الله تعالى لأنهم عبدو الأوثان وأصروا على عبادتها وتجاهلوا آيات الله عز وجل. يقول البيضاوي: ((﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ قد وجب وحق علیکم، أو نزل علیکم على أن المتوقع كالواقع، ﴿مِن رَّبِّكُمْ رِجْسُ﴾ عذاب من الارتجاس وهو الاضطراب. ﴿وَغَضَبُ ﴾ إرادة انتقام. ﴿أَتُجَدِلُونَنِ فِي أَسْمَاءِ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانِ: أي: في أشياء سميتموها آلهة وليس فيها معنى الإلهية، لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل، وأنها لو استحقت كان استحقاقها بجعله تعالى إما بإنزال آية أو بنصب حجة، بين أن منتهى حجتهم وسندهم أن الأصنام تسمى آلهة من غير دليل يدل على تحقق المسمى. وإسناد الاطلاق إلى من لا يؤبه بقوله إظهارا لغاية جهالتهم وفرط غباوتهم. واستدل به على أن الاسم هو المسمى وأن اللغات توقیفیة إذ لو لم یکن کذلك لم يتوجه الذم والإبطال بأنها أسماء مخترعة لم ينزل الله بها سلطانا وضعفهما ظاهر)) (٢). (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٩/٣. www. modoee.com ٣٢٩ حرف الغين ثانيًا: اليهود: صدر عن اليهود الكثير من الأعمال والمعاصي الشنيعة، التي جعلت أنبياءهم يتبرؤون منهم ويلعنونهم، كما قال تعالى: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَّدِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمُ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْنَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]. ولا شك أن هذه الأعمال التي فعلوها هي التي جلبت غضب الله عليهم. قال تعالى: ﴿أَهْدِنَا الْضِرَّطَ الْمُسْتَقِيمَ )) صِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا اَلْمَالِّينَ ﴾ [الفاتحة: ٦-٧]. والمغضوب عليهم هم اليهود کما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم(١). وإنما وصف اليهود بهذا الوصف لأن ((المغضوب عليهم هم الذين خرجوا عن الحق بعد علمهم به، والذين بلغهم شرع الله ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه، انصرافًا عن الدليل، ورضاء بما ورثوه من القيل، ووقوفا عند التقلید، وعکوفا علی هوی غیر رشید»(٢). فقد خص الله تعالى اليهود بالغضب، لأنهم قاصدون للمعصية، فقد عرفوا الحق (١) أخرجه أحمد في مسنده رقم ١٩٣٨١، ١٢٣/٢٣. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٧٨١/٧. (٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١ / ٥٧. الذي أمرهم الله به، ولكنهم تركوا العمل به واتبعوا الباطل(٣). ومن الممارسات التي فعلها اليهود واستحقوا عليها غضب الله تعالى: ١. الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُّ مِنْ بَقْلِهَا وَقِئَّآْبِهَا وَقُومِهَا وَعَدَسِهَا وَيَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَبُِّّ أَهْرِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمُّ وَتُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ الْحَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. ﴿وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أحيطت بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه، أو ألصقت بهم، من ضرب الطين على الحائط، مجازاة لهم على كفران النعمة. واليهود في غالب الأمر أذلاء مساکین، إما على الحقيقة أو على التكلف مخافة أن تضاعف جزيتهم. ﴿وَبَاءُوَ يِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ رجعوا به، أو صاروا أحقاء بغضبه، من باء فلان بفلان إذا كان حقيقا بأن يقتل به، وأصل البوء المساواة. ذلك إشارة إلى ما سبق من ضرب (٣) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم، ١/ ١١. ٣٣٠ جَوْسُور القرآن الكريمِ الغضب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب. بأنهم كانوا منهم إلى العرب، ((والظاهر أن المراد ﴿يَغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ الغضب الشديد، على حد قوله تعالى: ﴿نُورُّ عَلَى ثُورِ﴾ [النور: ٣٥].أي: نور عظيم))(٢). يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق بسبب كفرهم بالمعجزات، التي من جملتها ما عد علیهم من فلق البحر، وإظلال الغمام، وإنزال المن والسلوى، وانفجار العيون من الحجر. أو بالكتب المنزلة: كالإنجيل، والفرقان وقتلهم الأنبياء فإنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق عندهم، إذ لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم، وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى وحب الدنيا كما أشار إليه بقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَمْتَدُونَ﴾ أي: جرهم العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات (١). ٢. الكفر بما أنزل علی سیدنا محمد صلی الله علیه وسلم. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ هُمْ كِنَبٌّ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْمِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَقُواْ كَفَرُواْ بِئِّه فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى اَلْكَفِينَ ﴾ ◌ِئْسَمَا أَشْتَّرَوْاْ بِهِة أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أَنَزَّلَ اللّهُ بَغْيًّا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِهُ فَبَآءُ و بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِيرٌ﴾ [البقرة: ٨٩ -٩٠]. فاليهود كفروا حسدًا على خروج النبوءة (١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٨٣/١. ((إن الحسد ليأكل صدورهم، وإن الشره لیعمي أبصارهم، حتى إنهم ليهلكون أنفسهم، ويحرمونها موارد الخير، لأن غیرهم قد سبقهم إلى هذا الخير ونال منه. وهو خير لا ينفد أبدًا، يسع الناس جميعًا، ومع هذا فهم یریدونہ خالصًا لهم من دون الناس، لا ینال أحد شيئًا منه وقد غضب الله علیھم غضبًا بعد غضب، غضب عليهم أولًا، لأنهم عرفوا الحق ولم ينصروه، بل خذلوه ومكروا به وحاربوه وغضب عليهم ثانيًا، لأنهم نقضوا الميثاق الذي أخذه الله عليهم فی الکتاب الذي بین أیدیھم، ثم حرفوا فى کتابھم هذا وبدلوا، واستباحوا حرمته، وهذا کفر بکتابھم بعد کفرهم بمحمد وبما نزل عليه. وهذا ما جعلهم بمعرض من غضب الله، حالًّا بعد حال، ومرة بعد مرة))(٣). ٣. عبادة العجل. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُمَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالَهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَِلَةٌ فِى الْحَوَةِ الدُّنّ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٠٦/١. (٣) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ١٩/١-٠١١٠ www. modoee.com ٣٣١ حرف الغين وتقرر هذه الآية أن اليهود الذين عبدوا العجل من دون الله، قد استحقوا غضب الله تعالى، وستنالهم الذلة في الحياة الدنيا. إن الذين اتخذوا العجل من بني إسرائيل إلها ومعبودا بعد غيبة رسولهم موسى عليه السلام، وبقوا على تأليهه واستمروا على عبادته کالسامري وأتباعه، سیصیبهم عذاب شدید من ربهم، وهو المذكور في سورة البقرة، وهو أن الله تعالى لن يقبل توبتهم حتى يقتتلوا، ويقتل بعضهم بعضا: ﴿فَتُوبُواْ إلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَرِيكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمّْ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤]. وسينالهم أيضًا ذلة وصغار في الحياة الدنيا، بخروجهم من ديارهم وتشردهم، وهوانهم على الناس واحتقارهم لهم، وتهالكهم على حب الدنيا، فهم الماديون المنبوذون المكروهون في كل أمة، وتلك هي ذلة عظيمة المعنى وأما قيام دولتهم في فلسطين فهي محنة للمسلمين، فربما أناس سلط عليهم من هو شر لهم، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن بقاء دولة الصهاينة في فلسطين شيء مستحيل، ولا تؤيده الظروف والقرائن المشاهدة، وقد بشرت الأحاديث النبوية بقتلهم وطردهم منها، ولكل أجل کتاب(١). (١) التفسير المنير، الزحيلي، ١٠٦/٩. ٤. الطغيان. قال تعالى: ﴿يَبَنِيّ إِسْرَِّيَلَ قَدْ أَفْتَّتَكُمْ مِنْ حَدُوِّكُمْ وَوَ عَدْنَكُمْ جَانِبَ الُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ اَلْمَنَّ وَالسَّلْوَى ل كُلُواْ مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ وَمَن يَعْلِلّ عَلَيْهِ غَضَِ فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨٠ - ٨١]. والطغيان هو تجاوز الحد في العصيان(٢). ولا شك أن اليهود قد بلغوا أبعد مدى في الظلم والمعصية، وتجاوزوا في ذلك کل الحدود. قال ابن عاشور: ((والطغيان: أشد الكبر. ومعنى النهي عن الطغيان في الرزق: النهي عن ترك الشكر عليه وقلة الاكتراث بعبادة المنعم. وحرف (في) الظرفية استعارة تبعية شبه ملابسة الطغيان للنعمة بحلول الطغيان فيها تشبيها للنعمة الكثيرة بالوعاء المحيط بالمنعم عليه، والحلول: النزول والإقامة بالمكان شبهت إصابة آثار الغضب إياهم بحلول الجیش ونحوه بدیار قوم، وهوی: سقط من علو، وقد استعير هنا للهلاك الذي لا نهوض بعده وهو الھوي من جبل أو سطح بقرينة التهديد))(٣). ثالثًا: المرتدون: الردة: «هي قطع الإسلام، ويحصل ذلك (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٢٠. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٦/١٦. ٣٣٢ جَوَبُو حَر النفسي الوضوي القرآن الكريمِ