النص المفهرس
صفحات 21-33
الغروب كَانُواْ بِشَايَلِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]. والجريمة التي اقترفها هؤلاء كما قال ابن عباس: ((أنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزؤوا به، اغترارًا بالله))(١). وكان من عقوبتهم نسيان الله لهم يوم القيامة، ومعنى الآية: عن ابن عباس قال: نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر، والمعنى: نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا. وقال مجاهد: نتركهم في النار. وقال السدي: نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا(٢). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يقول للعبد يوم القيامة: (ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك کما نسیتني. ثم یلقی الثاني فيقول: أي فل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس، وتربع؟ فيقول: بلى، أي رب. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسیتني)(٣). (١) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٤٧٥. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ /٤٧٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٤/٣. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُ أَّخَذْتُمْ ءَايَتِ اَللّهِ هُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَةُ الدُّنْيَأْ فَالْيَّوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا ٠٠ ١٠٠٢٠١ هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥]. في الآية دلالة على أنهم مأيوس من الرضا عنهم يوم الحشر بحيث يعلمون أن لا طائل في استعتابهم، فلذلك لا يشير أحد علیهم بأن يستعتبوا، وقد يكون المعنى أنهم يطردون ولا يجدون من يشير عليهم بأن يستعتبوا (٤). وقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَّأَ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلٌ كُلَّ عَدٍْ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠]. فهؤلاء لما جعلوا اللعب واللهو دينًا أو اتخذوا دينهم الذي كان ينبغي لهم لعبًا ولهوًا فقد أسلموا أنفسهم للهلاك، أو ارتهنوها للهلاك جزاء فعلهم، وقال العوفي: أسلموا إلى خزنة جهنم(٥). وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلّفٌ وَرِقُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَرْنَ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ والرقاق، رقم ٢٢٧٩/٤،٢٩٦٨. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٥/١٤. (٥) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٢١٩/٨، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٠٥/٢. www. modoee.com ٨٥ حرفالغين [الأعراف: ١٦٩]. جاءت هذه الآية في حق اليهود الذين ورثوا التوراة وتابعوا أسلافهم على المعاصي وضيعوا العمل بما فيها، ومع إقدامهم على هذا الذنب العظيم يتمنون على الله الأماني الباطلة الكاذبة بأن الله سيغفر لهم، وإن وجدوا من الغد مثله حلالا کان أو حراما أخذوه وتمنوا على الله المغفرة(١). قال مجاهد: «یعني: يأخذون ما یجدون حلالًا أو حرامًا ويتمنون المغفرة))(٢). وهذا الغرور مهلك لأنه عكس ما ينبغي للمرء أن یکون، فالمؤمن ينبغي أن يبتعد عن الذنوب وأن لا يحرص على الدنيا، ویتهم نفسه بالتقصير، ویحاسب نفسه قبل أن يحاسب بين يدي الله، قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنی علی الله). ومعنى قوله: (من دان نفسه) يقول: حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة))(٣). (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٦٥/٢. (٢) انظر: تفسير مجاهد ص ٣٤٦، جامع البيان، الطبري ٢١٢/١٣، تفسير ابن أبي حاتم ١٦٠٧/٥، تفسير ابن زمنين ١٥١/٢، تفسير السمر قندي ١ / ٥٦٢. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في صفة أواني الحوض رقم ٢٤٥٩، ٦٣٨/٤، وابن ماجه في سننه كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد وفي هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافيةٌ» (٤). ومن غرور الإنسان بالله تعالى ظنه أن مقامه في الجنة رغم فسقه وفجوره، قال تعالى في وصف هؤلاء: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَهُ رَحْمَةً مِّنَا مِنْ بَعْدٍ ضَرَآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَايِعَةٌ وَلَيْنِ رُّجِعْتُ إِلَى رَبِإِنَ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَتْنَبِتَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠] ترسم هذه الآية صورة الإنسان الذي لا یمیز بین عطاء الله وبلائه، فهو یحسب أن ما أوتي من نعيم الدنيا لأجل أن الله تعالى يحبه، وأن له حظوة سيأخذها إن رد إلى الآخرة. قال سيد قطب في وصف هذا المغرور: «انتفخ في عین نفسه فراح يتألی علی الله، ويحسب لنفسه مقاما عنده ليس له! وهو غرور، عندئذ يجيء التهديد في موضعه لهذا الغرور: ﴿فَلَتُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وهذا الإنسان له، رقم ١٤٢٣/٢،٤٢٦٠ وأحمد في مسنده ٣٥٠/٢٨. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، رقم ٤٩٩/١١،٥٣١٩. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٧/ ٩٦. ٨٦ القرآن الكريم الغروب إذا أنعم الله عليه استعظم وطغى وأعرض ونأى بجانبه، فأما إذا مسه الشر فيتخاذل ویتهاوی ویصغر ويتضاءل))(١). فهو لما ظن أن له الحسنى في الآخرة قاس أمر الآخرة على أمر الدنيا(٢). (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣١٢٩/٥. (٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٢٤٢/٣. علاج الغرور من رحمة الله تعالى بنا أن أبان لنا في كتابه الكريم الداء وأتبعه بالعلاج الذي فيه الشفاء، فآيات القرآن الكريم تزخر في المقابلات بين الخير والشر، الإيمان والكفر، والنفقة والبخل، والجنة والنار، وفي ذلك إرشاد للمرء بأن يختار ما هو أهدى سبيلاً. أولًا: الإيمان بأن الله تعالى هو المنعم: إذا علم المرء أن المنعم هو الله وأن ما به من نعمة فمن الله فإنه يخضع لله ويتواضع له، ويعلم أن المال والولد والدنیا بكل زينتها ومفاتنها وبهارجها هي من الله، وأن زوالها بيد الله، حينها لا يسع الإنسان إلا الشكر للمنعم، فبالشكر تدوم النعم، أما الكبر والغرور فعاقبته الخذلان والخسران، وقد بین الله لنا أن متاع الدنيا إلى زوال، وأن ثمار عدم الاغترار بها المغفرة من الله والرضوان. قال تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُّ وَوٌّ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَلِ وَاْأَوْلَدِ كَعَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفَّارَ نَبَانُهُ, ثُمّ ◌َيْجُ فَتَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَاً وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]. وإن من أعظم الفتن التي يتعرض لها www. modoee.com ٨٧ حرفالغين ٥﴾ [الزمر: ٤٩ المغرور أن يظن أن ما به من نعمة هي من مَاكَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ نفسه حازها بعلمه وحوله وقدرته لا بقدرة - ٥١]. المنعم سبحانه، فهذا قارون الذي أصابه الغرور بما آتاه الله، أنكر الواهب وتعلق بأوهام النفس قائلًا: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِّتُهُ عَلَى عِلْيٍ عِندِىّ﴾[القصص: ٧٨]. وصاحب الجنة الذي حدثتنا عنه سورة الكهف ظن أن أمر بقاء جنته بيده وتغافل عن الله قائلًا: ﴿مَآ أَثُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥]. بل وصل الغرور في فرعون أن يظن نفسه إلها، وأن ما تحت ملكه من خيرات وجنان هي من تدبيره ورعايته، فنسي المنعم سبحانه وقال لقومه: ﴿يَقَوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحِْىِّ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١]. وشأن الإنسان بشكل عام أنه في الخيرات والنعم يغفل عن المنعم، وعند الضيق والکربات یتوجه إلى الله تعالی مقرا بذنبه راجيًا عفوه کی یذهب عنه ما ألم به من بلاء ويكشف عنه السوء. قال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرُّدَعَانًا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ, عَلَى عِلَّمٍّ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبُصِيُهُمْ سَيِّئَاتٌ يخبر تعالى عن حالة الإنسان وطبيعته، أنه حين يمسه ضر من مرض أو شدة أو کرب یلح في الدعاء، فإذا كشف الله ضره وأزال مشقته عاد بربه کافرا ولمعروفه منكرًا قائلًا: إنما أوتيته علم من الله، إني له أهل، وإني مستحق له، لأني كريم عليه. أو على علم مني بطرق تحصيله. وقد بين الله أن هذه فتنة يبتلي بها عباده لينظر من يشكره ممن يكفره، أما أهل الغرور فيعدون الفتنة منحة، ويشتبه عليهم الخير المحض بما قد يكون سببًا للخير أو للشر، ولا یقرون بنعمة ربهم، ولا یرون له حقًّا، فلم يزل دأبهم حتى أهلكوا، فما أغنى عنهم ما كسبوا. ولما ذكر تعالى أنهم اغتروا بالمال وزعموا بجهلهم أنه يدل على حسن حال صاحبه أخبرهم تعالى أن بسط الرزق وقبضه لا يرجع لعلمهم، وأن مرجع ذلك عائد إلى الحكمة والرحمة، وأنه أعلم بحال عبيده، فقد يضيق عليهم الرزق لطفا بهم، لأنه لو بسطه لبغوا في الأرض، فيكون تعالى مراعيا في ذلك صلاح دينهم الذي هو مادة سعادتهم وفلاحهم(١). (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٢٧. ٨٨ جوبيو القرآن الكريمِ الغروب ثانيًا: التزود بالتقوى: التقوى علاج كل علة، وسلاح المؤمن على مر الأزمان، وسد منيع في وجه الشيطان، فلا ينفذ الشيطان إلى نفس التقي فيسول له الكبر والغرور، وقد أوصى الله بها عباده جميعا، وخص المؤمنين بها، فهي سبيل النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اَللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ. ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِ هِم ◌ُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَبِئَاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]. يعني: من يصبر على طاعة الله تعالى، ويصبر على المصائب، وعن المعاصي، ييسر الله عليه أمره، ويوفقه ليعمل على طاعتة، ويعصمه عن معاصيه(١). ومجمل دعوى الأنبياء تقوم على توحيد الله تعالى وتقواه، فمعظم الأنبياء أوصوا أقوامهم بالتقوى، وبينوا لهم أن ما هم فيه من النعم من مال ومصانع وبنيان وأولاد؛ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٤٦/٢٣، تفسير السمر قندي ٣/ ٤٦٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٦/٩. إنما هو بمشيئة رب السماوات والأرض. قال تعالى: ﴿إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ هُودُ أَلَا نَتَّقُونَ فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٢٥ إِنِّ لَكُ رَسُولُ أَمِينٌ ( ١٢٤ وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (٣٢) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةٌ تَعْبَغُونَ (١٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَّخْلُدُونَ ١٨٩ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٨) وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَذَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ١٣٢ أَمَتَّكُمْ بِأَنْعَمٍ وَبَنِينَ (١٦) وَحَنَّتٍ وَعُيُونٍ ( إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٢٤ - ١٣٦]. قد أعطاهم قوة وكان الله تعالى عظيمة، وكان الواجب عليهم أن يستعينوا بقوتهم على طاعة الله، ولكنهم فخروا، واستكبروا، وأصابهم الغرور فقالوا على غرار قول فرعون وقارون: (من أشد منا قوةً)، واستعملوا قوتهم في معاصي الله، وفي العبث والسفه، فلذلك نهاهم نبيهم عن ذلك، وأمرهم بالتقوى (٢). والآيات في سورة الشعراء فيها تسلسل واضح بأن الأمر بالتقوى دأب الأنبياء مع أقوامهم، فبعد ما سبق من الآيات في شأن هود مع قومه، تلتها آيات مشابهة في المضمون تعرض موقف صالح مع قومه ودعوته لتقوى الله وعدم الاغترار بأمر (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٩٥. www. modoee.com ٨٩ حرفالغين ١٥٠ المسرفين قائلا لهم: ﴿فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ وَلَا تُطِيعُواْ أَمَ اَلْمُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٠ - ١٥١]. قال السعدي: ((أي: الذين وصفهم ودأبهم الإفساد في الأرض بعمل المعاصي والدعوة إليها إفسادًا لا إصلاح فيه، وهذا أضر ما یکون لأنه شر محض و کان أناسا عندهم مستعدون لمعارضة نبيهم موضعون في الدعوة لسبيل الغي، فنهاهم صالح عن الاغترار بهم»(١). ثالثًا: عدم اتباع خطوات الشيطان: وسوسة الشيطان عبارة عن الخواطر التي يجدها الإنسان في قلبه، وفاعل هذه الخواطر هو الله تعالى، وهو المحدث لها في باطن الإنسان، وإنما الشيطان كالعرض، والله هو المقدر له على ذلك(٢). ومع أن الله تعالى مكن الشيطان من الوسوسة إلا أنه لم يجعل له سلطانًا على الإنسان، إنما هو قرین یوسوس له ویزین المنكر والباطل، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)(٣). ولما أن كان الشيطان من أهم أسباب (١) المصدر السابق ص ٥٩٦. (٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ١٠١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتكاف، باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، رقم ٣،٢٠٣٨/ ٥٠. دخول الغرور إلى نفس الإنسان، فقد نهي الإنسان من تتبع خطواته، لأن اتباعه طلب للفحشاء والمنکر: قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى اْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿٦) إِنَّمَا يَأْمُرَّكُمْ بِالسُّوْءِ وَاَلْفَحْشَآِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَأْ كُلُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [الأنعام: ١٤٢] وقال عز من قائل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ وَمَنْ يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ, يَأْمُرُ بِالْفَحْنَآِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النور: ٢١]. يعني: لا تتبعوا آثاره ومسالكه ﴿وَمَنْ يَتَّجْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِلْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِ﴾ يعني بالقبائح من الأقوال والأفعال وکل ما يكره الله عز وجل والآية عامة في حق كل أحد (٤). وإن من أسباب النجاة عدم مجالسة المغرورين الذين غرهم الشيطان فأصبحوا عونا له وجندا من جنوده، وقد نهى الله تعالى نبيه عن مجالستهم وهم يخوضون في منكرهم مبينا أن الشيطان له الدور الأكبر (٤) لباب التأويل، الخازن ٢٨٩/٣٠. ٩٠ القرآن الكريم الغروب في جر الناس إلى مجالس الباطل قال تعالی: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ أَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الظَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. يخوضون في آياتنا في الاستهزاء بها والطعن فيها، وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك فأعرض عنهم فلا تجالسهم وقم عنهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره فلا بأس أن تجالسهم حينئذ وإما ينسينك الشيطان وإن شغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم. أي: يخوضون في آيات الله بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها. ﴿فَأَعْرِضْ عَثُمْ﴾ فلا تجالسهم وقم عنهم. ﴿وَإِمَّا عنهم يُكْسِيَتَكَ الشَّيْطَانُ﴾ بأن يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي (١). وقرأ ابن عامر: (يُتَسِّيَنَّكَ) بالتشديد(٢). رابعًا: الاتعاظ بمصارع المغرورين: دعانا القرآن الكريم للسير في الأرض والنظر في مصارع الغابرين لا للتسلية والتأكد من الخبر؛ بل لأخذ المواعظ والعبر. قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِ الْأَرْضِ (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٤/٢، أنوار التنزيل، البيضاوي ١٦٧/٢. (٢) حجة القراءات، ابن زنجلة ص ٢٥٦، النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ٢٥٩/٢. فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [غافر: ٨٢، يوسف: ١٠٩]. أفلم يسيروا فيدركوا أن مصير أسلافهم من المكذبين والغاوين كمصيرهم، وأن سنة الله الواضحة الآثار في آثار الغابرين ستنالهم. فتدبروا سنن الله في الغابرين؟ أفلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير؟(٣). إن قارون لما أن اغتر بماله زاعمًا أن ما أوتیه بعلم من عنده، وخرج على قومه في زيتته متباهيًا مغرورًا اغتر قومه بزينته قائلين: ﴿يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِي قَرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ ﴾ [القصص: ٧٨ - ٧٩]. فماذا كانت العاقبة قال تعالى: ﴿قَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ. ٨١ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ («فلما انتهت بقارون حالة البغي والفخر، وازينت الدنيا عنده، وكثر بها إعجابه، بغته العذاب ﴿فَسَفْنَابِهِ، وَيِدَارِهِ اَلْأَرْضَ﴾ جزاء من جنس عمله، فکما رفع نفسه على عباد الله، أنزله الله أسفل سافلين، هو وما اغتر به، من داره وأثاثه، ومتاعه»(٤). ولما جاء العذاب لم يكن ينفع قارون جماعة أو أقارب أو أصدقاء أو جنود، لم (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٠٣٥/٤. (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٢٤. www. modoee.com ٩١ حرفالغين يكن له عاصم من أمر الله فجاءه العذاب، والأقوام فهو كثير في الأمم الغابرة، ومنه فما نفعه مال ولا جاه فکان من المهلکین. قال تعالى: ﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْ مَكَانَهُ. بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَ اَللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌّ لَوْلَا أَن ◌َّنَّ اللّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّاً وَتَكَنَّهُ لَا يُفْلِعُ الْكَفِرُونَ﴾ [القصص: ٨١ - ٨٢]. أما موقف المغرورين بزينته من قومه، فقد اتعظوا وبتفكير يسير علموا أن القليل الدائم خير من الزينة التي سرعان ما تذهب وتذهب أهلها معها، فمع سقوط قارون وهلاكه هوت معه الفتنة الطاغية التي جرفت بعض الناس وردتهم الضربة القاضية إلى الله وكشفت عن قلوبهم قناع الغفلة والضلال. وقف قوم قارون -الذين اغتروا بماله بالأمس- يحمدون الله أن لم يستجب لهم ما تمنوه بالأمس، ولم يؤتهم ما آتی قارون. وهم يرون المصير البائس الذي انتهى إليه بين يوم وليلة. وأيقنوا أن الثراء ليس آية على رضي الله. فهو يوسع الرزق على من يشاء من عباده ویضیقه لأسباب أخرى غير الرضا والغضب. ولو کان دلیل رضاه ما أخذ قارون هذا الأخذ الشديد العنيف. إنما هو الابتلاء الذي قد يعقبه البلاء. وعلموا أن الكافرين الذين يغترون بالنفس والمال لا يفلحون (١). وأما الغرور على صعيد الجماعات (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧١٣/٥. غرور قوم هود عليه السلام، فقد اغتروا بقوتهم وصدوا عن دعوة رسولهم، «فبعث الله إليهم هودًا نبيًّا وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم حسبًا، فأمرهم أن يوحدوا الله ويكفوا عن ظلم الناس لم يأمرهم بغير ذلك، فكذبوه وقالوا من أشد منا قوةً، وبنوا المصانع وبطشوا بطشة الجبارين))(٢). قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبرُوا فِى اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ اُلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُوا بِشَايَتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِيَّ أَيَّامٍ تَحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَىْ وَهُمْ لَا يُصَرُّونَ﴾ [فصلت: ١٥ - ١٦]. ((والاستكبار: المبالغة في الكبر، أي: التعاظم واحتقار الناس، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل: استجاب، والتعريف في الأرض للعهد، أي: أرضهم المعهودة. وإنما ذکر من مساويهم الاستكبار لأن تكبرهم هو الذين صرفهم عن اتباع رسولهم وعن توقع عقاب الله. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الحَقِ﴾ زيادة تشنيع لاستکبارهم، فإن الاستکبار لا یکون بحق إذ لا مبرر للکبر بوجه من الوجوه لأن جميع الأمور المغريات بالكبر من العلم والمال (٢) معالم التنزيل، البغوي ٢٠٤/٢. ٩٢ القرآن الكريم الغروب والسلطان والقوة وغير ذلك لا تبلغ الإنسان مبلغ الخلو عن النقص وليس للضعيف الناقص حق في الكبر، ولذلك كان الكبر من خصائص الله تعالى. وهم قد اغتروا بقوة أجسامهم وعزة أمتهم وادعوا أنهم لا يغلبهم أحد، وهو معنى قولهم: من أشد منا قوة، فقولهم ذلك هو سبب استكبارهم؛ لأنه أورثهم الاستخفاف بمن عداهم، فلما جاءهم هود بإنكار ما هم عليه من الشرك والطغيان عظم عليهم ذلك لأنهم اعتادوا العجب بأنفسهم وأحوالهم فكذبوا رسولهم، فلما كان اغترارهم بقوتهم هو باعثهم على الكفر وكان قولهم: من أشد منا قوة دلیلا علیه خص بالذكر)»(١). وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ هذا تفسير الصاعقة التي أرسلها علیهم، أي: ريحًا باردة شديدة البرد وشديدة الصوت والهبوب. ﴿فِي أَيَّامٍ ◌ِّسَاتٍ﴾ قیل: باردات. وقيل: متتابعات. وقيل: شداد. ﴿لَّتُذِيقَهُمْ﴾ أي: لكي نذيقهم ﴿عَذَابَ الْخِزْىِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: العذاب بالريح العقيم، ﴿وَلَعَذَابُ اْآَخِرَةِ أَخْرَى﴾ أي: أعظم وأشد، ﴿وَهُمْ لَا يُصَرُونَ﴾(٢). (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ٢٥٦. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٠٣٤٧/١٥ المغرورين قال الله تعالى عن المتقين الذين استجابوا لدعوة نبيهم، ولم تفتنهم قوة أجسامهم، ولا وفرة أموالهم، ولا کبریاء نفوسهم: ﴿وَيَّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [فصلت: ١٨]. قال الطبري: ((فأما عادٌ قوم هود ﴿فاستكبروا﴾ على ربهم وتجبروا ﴿فى الْأَرْضِ﴾ تكبرًا وعتوًّا بغير ما أذن الله لهم به»(٣). وفي تفصيل أكثر لغرور قوم هود جاء في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ عَادُ الْمُرْسَلِينَ (٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُوَُّ أَلَا نَتَّقُونَ (١٦) إِّ لَكُرَسُولُّ أَمِينٌ فَأَنَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (٦) وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ١٢٠ مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (٣) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةٌ تَعْبَتُونَ (٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿١٦ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (١) وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَتَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ، أَمَتَّكُمُ بِأَنْعَمٍ وَبنِينَ ١٣٣) وَحَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴿ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣ - ١٣٥]. ولما لم يستجيبوا لنبيهم قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَهُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩]. قال الطبري: ((فأهلكنا عادا بتكذيبهم ذکره: إن في إهلاکنا عادا بتكذيبها رسولها، ثم كانت عاقبة المتقين غير عاقبة رسولنا. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ يقول تعالى (٣) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٤٤. www. modoee.com ٩٣ حرفالغين لعبرة وموعظة لقومك يا محمد، المكذبيك فیما أتیتهم به من عند ريك))(١). وفي الآيات، السابقة من عاقبة المغرورين ما يغني عن الشرح والبيان فإن من عرف الله تعالی لا یأمن مکر الله ومن نظر إلى فرعون وهامان وثمود وماذا حل بهم علم أنه لا مجال في هذه الحياة الدنيا قريب. المغرورين. (٢) خامسًا: الزهد في الدنيا: الزهد يصرف النفس عن شهواتها، ويعافيها من أسقامها، ويصحح سلوكها واعتقادها، ويورث النفس الأدب مع الله، والتواضع مع العباد، فحين يزهد المرء في الدنيا ويعلم أن ما فيها نعيم زائل وأن الذي يدوم ما أعده الله للصابرين، فإنه لا يغتر بکل مفاتنها ويقدم مغفرة الله ورضوانه على كل المتاع الزائل. قال تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُّ وَّوٌّ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَنَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًّا وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]. ((﴿ أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ أي: مدة الحياة في هذه الدار الدنيا وإنما أراد من (١) المصدر السابق ٣٧٩/١٩. (٢) أصناف المغرورين، الغزالي ص ٢٨. صرف حياته في غير طاعة الله فحياته مذمومة، ومن صرف حياته في طاعة الله فحياته خير كلها. ثم وصفها بقوله: ﴿لَعِبُّ﴾ أي: باطل لا حاصل له کلعب الصبيان. ﴿وَلَوٌ﴾ أي: فرح ساعة ثم ينقضي عن ﴿وَزِينَةٌ﴾ أي: منظر یتزینون به. وَتَفَاخٌُ بَيْنَكُمْ﴾ يعني إنكم تشتغلون في حیاتکم بما یفتخر به بعضكم على بعض. ﴿وَتَكَاثُرُ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ أي: مباهاة بكثرة الأموال والأولاد، وقيل: بجمع ما لا يحل له فيتطاول بماله وخدمه وولده على أولياء الله تعالی وأهل طاعته. ثم ضرب لهذه الحياة مثلا فقال تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ أي: الزرَّاع، إنما سمي الزرَّاع كفارًا؛ لسترهم الأرض بالبذر. ﴿نَانُهُ﴾ أي: ما نبت بذلك الغيث. ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: بيبس ﴿فَتَرَنَهُ مُصْفَرًّا ؟ أي: بعد خضرته ﴿ثُمَّ يَكُونُ خُطَمًا﴾ أي: يتحطم ويتكسر بعد يبسه ويفنى. ﴿وَفِ اْأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: لمن كانت حياته بهذه الصفة. قال أهل المعاني: زهد الله بهذه الآية في العمل للدنيا، وهذه صفة حياة الكافرين وحياة من يشتغل باللعب واللهو، ورغب ٩٤ جَوَسُبْ القرآن الكريمِ الغروب في العمل للآخرة بقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٌ﴾ أي: لأوليائه وأهل طاعته. وقيل: عذاب شديد لأعدائه، ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه؛ لأن الآخرة إما عذاب وإما جنة. ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّ مَتَحُ اَلْغُرُورِ ﴾ أي: لمن عمل لها ولم يعمل للآخرة، فمن اشتغل في الدنيا بطلب الآخرة فهي له بلاغ إلى ما هو خير منه، وقيل: متاع الغرور لمن لم يشتغل فيها بطلب الآخرة)»(١). وجاء في سورة يونس تصوير مشابه لآية الحديد السابقة حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَطَ بِه نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِ اَ لْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيَّهَا أَتَمِهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِنَّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. أي: إنما مثل ما تباهون في الدنيا وتفاخرون به من زينتها وأموالها، مع ما قد وكل بذلك من التكدير والتنغيص وزواله بالفناء والموت كمطر أرسله الله من السماء إلى الأرض فنبت بذلك المطر أنواعٌ من النبات، مختلطٌ بعضها ثم بيبس ويفنى، فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من (١) لباب التأويل، الخازن ٢٥٠/٤. دنياكم وزخارفها، فيفنيها ويهلكها كما أهلك أمرنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجتها، حتى صارت كأن لم تغن بالأمس، كأن لم تكن قبل ذلك نباتًا على ظهرها(٢). ويعطي القرآن الكريم مثالًا حيًا لمن ملكت الدنيا قلبه، وشغلته عن الآخرة وظن أن الدنيا باقية له في قصة صاحب الجنة الذي نصحه صاحبه المؤمن غير أنه لم پرعوي، فماذا كانت النتيجة. قال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِشَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيَهَا وَهِىَ خَاوِيَّةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَفِى لَوْ أُشْرِكْ بِرَبِيٌ أَحَدًّا (٢) وَلَمْ تَكُنْ ◌َّهُ فِئَةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِيرًا ) هُنَالِكَ الْوَيَةُ لِلَّهِ الْحَقَِّ هُوَ خَيْرٌ نَّوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ حَشِيمًا نَذْرُوهُ الْرَّخُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف: ٤١ - ٤٥]. وبعد أن قص القرآن الكريم علينا قصة ذلك المغرور بين لنا مثل الحياة الدنيا على الوجه الذي سبق بيانه في الآيتين السابقتين، ووجه التناسب بين قصة صاحب الجنة وبين الكلام عن تصوير سرعة ذهاب الحياة الدنيا أن الدنيا لا متعلق فيها لأحد، وأنه لا ينبغي لعاقل أن يتشبث فيها، ومن التناسب (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥ /٥٥ - ٥٦ . www. modoee.com ٩٥ حرفالغين [آل عمران: أيضا أن الآية التي تليها تتكلم عن زينة المال والأولاد، وأنهما زينة الحياة الدنيا وترشد إلى الالتفات إلى الباقيات الصالحات، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرُّ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦ ]. ومن جمال التناسب أيضا أن ما ولي هذه الآيات کان الكلام فيه عن الحشر والعرض والحساب يوم القيامة، في لفتة تنقل الإنسان من متاع زائل إلى يوم الخلود والبقاء. سادسًا: تذكر الموت: إن تذكر الموت يثني الإنسان عن الاغترار في كل متاع زائل، فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا ذكر هادم اللذات)، يعني الموت(١). وقد اقترن ذكر الموت مع تذكير الله تعالى للناس بأن الدنيا متاع الغرور، وذلك حتی یعلم الإنسان إذا تعلقت نفسه في الدنيا أنه میت وأن أيامه في الدنیا معدودة فلا يغتر بها ويستعد للقاء الله. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ الْمُؤْثِّ وَ إِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزَجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازُ وَمَا الْحَيَوَةُ (١) أخرجه ابن ماجه في سننه، کتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، رقم ٤٢٥٨، ١٤٢٢/٢، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح رقم ٥٠٤/١،١٦٠٧. الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ ١٨٥]. لا بد من أن يستقر في النفس حقيقة أن الحياة في هذه الأرض موقوتة، محدودة بأجل ثم تأتي نهايتها حتما يموت الصالحون ويموت الطالحون. يموت المجاهدون ويموت القاعدون. يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد. يموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية، ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص. الكل يموت كل نفس تذوق هذه الجرعة، وتفارق هذه الحياة لا فارق بين نفس ونفس في تذوق هذه الجرعة من هذه الكأس الدائرة على الجميع. ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَّا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ إنها متاع، ولكنه ليس متاع الحقيقة، ولا متاع الصحو واليقظة إنها متاع الغرور. المتاع الذي يخدع الإنسان فيحسبه متاعًا. أو المتاع الذي ينشئ الغرور والخداع! فأما المتاع الحق. المتاع الذي يستحق الجهد في تحصيله فهو ذاك هو الفوز بالجنة بعد الزحزحة عن النار. وعندما تكون هذه الحقيقة قد استقرت في النفس. عندما تكون النفس قد أخرجت من حسابها حكاية الحرص على الحياة - إذ كل نفس ذائقة الموت على كل حال- وأخرجت من العضو جوبيبو القرآن الكريمِ ٩٦ الغروب حسابها حكاية متاع الغرور الزائل. عندئذ يحدث الله المؤمنين عما ينتظرهم من بلاء في الأموال والأنفس(١). وفي آية الأنبياء قرن الله تعالى تذكير الناس بالموت بمسألة الابتلاء، وأعقبه تذكير الناس بالرجوع لله رب العالمين. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرٍ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. ربما لأن الموت ابتلاء الأقارب الميت من الأحياء، والتذكير بالرجعة إليه حتى ينزع الدنيا من قلوب العباد، فهو موت ثم رجعة إلى الله، فماذا بقي من نعيم الدنيا؟. موضوعات ذات صلة: الاستكبار، الشيطان، العجب (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٣٨/١- ٥٣٩. www. modoee.com ٩٧