النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الغُرُورُ عناصر الموضوع مفهوم الغرور ٦٦ الغرور في الاستعمال القرآني ٦٧ الألفاظ ذات الصلة ٦٨ أسباب الغرور ٧٠ مظاهر الغرور ٧٧ عاقبة الغرور ٨٣ علاج الغرور ٨٧ المُجَلَدَ الخَامِسْ وَالعشْرُونْ حرف الغين مفهوم الغرور أولًا: المعنى اللغوي: تعددت المعانى اللغوية لمادة غرر، ومن ذلك: الغرور، بفتح الغين المعجمة الذي يغر، وهو ما اغتر به من متاع الدنيا، ويأتي بمعنى الباطل (١)، والخداع، يقال: (((غره) يغره بالضم (غرورًا) خدعه))(٢)، ويأتي أيضًا بمعنى الحمق، وسمي الأحمق بذلك؛ لأنه يغرك في أول مجلسه بتعاقله، فإذا انتهى إلى آخر كلامه تبین حمقه(٣). والغرار: النقصان، ومنه: غرار النوم: قلته، ونقصان لبن الناقة (٤). ويلحظ في المعاني اللغوية أنها تشترك في معنى النقص الذي لا يظهر للوهلة الأولى، حتى الخداع أو الحمق، فإنه لا يظهر كنهه وحقيقته إلا بعد انكشافه، وهما في الحقيقة نقص بمن اتصف بهما. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الراغب الأصفهاني: ((الغرور: كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان))(٥). وعرفه الغزالي: ((سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان))(٦). وقال البيضاوي: ((إظهار النفع فيما فيه الضرر))(٧). وقال ابن عادل: («الغرور عبارة عن الحالة التي يستحسن ظاهرها، ويحصل الندم عند انکشاف الحال فیها»(٨). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢/٥ - ١٣. (٢) مختار الصحاح، الرازي ص ٢٢٥. (٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤/ ٥٤. (٤) الصحاح، الجوهري ٢/ ٧٦٨. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٠٤، وذكر هذا أيضًا الفيروزآبادي في بصائر ذوي التمييز ١٢٩/٤. (٦) إحياء علوم الدين، الغزالي ٣٧٩/٣. (٧) أنوار التنزيل، البيضاوي ٩٨/٢. (٨) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٨/٧. ٦٦ جوي القرآن الكريمِ الغروب الغرور في الاستعمال القرآني وردت مادة (غرر) في القرآن الكريم (٢٧) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٩ إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضُ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩] الفعل المضارع ٦ ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ (٣)﴾ [لقمان:٣٣] ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْفُرُورِ (١٨٥ ٢ ٢٠ [آل المصدر ٩ عمران: ١٨٥] اسم ٣ ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان: ٣٣] وجاء الغرور في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الغين، ص ٨٤٧. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ١٢٩/٤. www. modoee.com ٦٧ حرف الغين الألفاظ ذات الصلة الخداع: ١ الخداع لغة: المنع، والحيلة، فالخدع: إظهار خلاف ما تخفيه، أو ما كان ظاهره خلاف باطنه(١). الخداع اصطلاحًا: إظهار خير يتوسل به إلى إبطان شر يؤول إليه أمر ذلك الخير المظهر، أو هو إظهار ما يخالف الإضمار، والخدعة بالضم: ما يخدع به الإنسان، كاللعبة لما يلعب به(٢). الصلة بين الغرور والخداع: الغرور فيه خداع، لأنه يغر الإنسان فيخدعه ويصده عن الصواب إلى الخطأ، وعن الحق إلى الباطل، وهذه مخادعة. والغرور إيهام يحمل الإنسان على فعل ما يضره، أما الخدع فهو أن يستر عنه وجه الصواب فيوقعه في مكروه (٣). الوهم: ٢ الوهم لغة: من خطرات القلب، والجمع أوهامٌّ، وللقلب وهمٍّ، وتوهم الشيء: تخيله وتمثله، سواء أكان في الوجود أو لم يكن (٤). وكثيرًا ما يستعمل الوهم في الظن الفاسد(٥). الوهم اصطلاحًا: من الوهميات، وهي قضايا كاذبة يحكم بها الوهم في أمور غير محسوسة (٦). الصلة بين الغرور والوهم: الغرور إيهام حال السرور فيما الأمر بخلافه، وليس كل وهم غرورًا؛ لأنه قد یوهمه أمرًا (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١/ ١١١، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٣٢/١. (٢) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٥٢. (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٥٩. (٤) انظر، لسان العرب، ابن منظور ٦٤٣/١٢. (٥) الكليات، الكفوي ص ٩٤٣. (٦) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٢٥٥، مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي، ص ١٢٨. ٦٨ جَوَسُوع القرآن الكريم الغروب مخوفًا ليحذر منه، فلا يكون في هذه الحال قد غره (١). الكبر: ٣ الكبر لغة: تدل على خلاف الصغر، والكبر: معظم الأمر، والكِبر: العظمة، وكذلك الكبرياء(٢). الكبر اصطلاحًا: قال الراغب الأصفهاني: ((الكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن یری الإنسان نفسه أکبر من غيره)»(٣). الصلة بين الغرور والكبر: الغرور نتيجة المغالاة في الكبر والفخر بغير وجه حق، والجامع بينهما الاستعلاء. العجب: ٤ العجب لغةً: العُجب: الزهو والكبر، ورجلٌ معجبٌ: مزهوٌ بما يكون منه حسنًا أو قبيحًا(٤). العجب اصطلاحًا: مسرة بحصول أمر، يصحبها تطاول به على من لم يحصل له مثله، بقول أو ما في حكمه من فعل أو ترك أو اعتقاد(٥). الصلة بين الغرور والعجب: أقرب ما يكون العجب إلى الكبر، وهما معا يعدان مدخلا للغرور، غير أن الفرق بين الكبر والإعجاب یتجلى في كونهما قد يجتمعان في الذم ويفترقان في المعنى، فالإعجاب يكون في النفس وما تظنه من فضائلها، والكبر يكون بالمنزلة وما تظنه من علوها (٦). (١) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٥٩. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٥٣/٥-١٥٤. (٣) المفردات ص ٥٤٥. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١/ ٥٨٢. وانظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٤٣/٤، المصباح المنير، الفيومي ٣٩٣/٢، تاج العروس، الزبيدي ٣١٨/٣. (٥) البحر الزخار، ٦/ ٤٩٠ . (٦) انظر: درر السلوك في سياسة الملوك، الماوردي ص ٦٠. www. modoee.com ٦٩ حرف الغين أسباب الغرور للغرور أسباب متعددة، عرض إليها القرآن الكريم، وحث على الانتباه إليها والحذر منها؛ كي لا يكون المؤمن من أصحاب الغرور والغفلة، وفيما يأتي عرض لأهم الأسباب وفق النقاط الآتية: أولًا: الفهم الخاطئ للدین: حرف الكفار دينهم وأمدهم الشيطان بالأماني الكاذبة، فبدلوا وغيروا وفق أهوائهم، وافتروا على الله واختلقوا الأكاذيب، وهم بعد ذلك كله يوهمون أنفسهم أن ما اختلقوه من الباطل صواب، وأن تمنیهم على الله ينجيهم، وعن هؤلاء قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمْسَنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغََّّهُمْ فِ دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَُّونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]. والمعنى: غرهم وأطمعهم وثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم، من زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه(١). وقيل: هو قولهم: ﴿أَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾، وهي أربعون يومًا -وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل- ثم يخرجنا منها ربنا، اغترارًا منهم. وقيل: غرهم قولهم: (١) انظر: تفسير السمرقندي ٢٠٣/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨/٢. نحن على الحق وأنتم على الباطل (٢)، وأن الله قد وعد أباهم يعقوب أن لا يدخل أحدًا من ولده النار إلا تحلة القسم(٣). ونتيجة لهذا الغرور الباطل توعدهم الله تعالی بالوعيد الشديد والعذاب الأليم قائلا سبحانه: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيِّبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥]. فأکذبهم الله على ذلك كله، وفي هذا تهديد لهم واستعظام لما أعد لهم في ذلك اليوم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم فيه، وإن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل باطل وطمع فيما لا يكون ولا يحصل لهم(٤). وفي هذا تنبيه للعلماء العاملين المخلصين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن لا يشتروا بدین الله ثمنا قليلا، وأن يحفظوا على الناس دينهم، فلا يغتروا بما في أيدي الناس من متاع الدنيا فيلبسوا عليهم دينهم، وعليهم أن يتذكروا أن الله تعالى سائلهم عما ائتمنهم، ومحاسبهم على أقوالهم، ومجازيهم على أفعالهم. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٢/٦، تفسير ابن أبي حاتم، ٦٢٣/٢، لباب التأويل، الخازن ٢٣٥/١. (٣) جامع البيان، الطبري ٦/ ٢٩٢. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٢/٦، لباب التأويل، الخازن ١/ ٢٣٥ . ٧٠ القرآن الكريمِ الغرور ومن الآيات التي حذرت من التلاعب بالدين: قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِيْنَهُمْ لَهْوَا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٥١]. فهؤلاء تلاعبوا بالدين الذي شرع لهم، واتخذوه لهوًا ولعبًا، أي: أكلًا وشربًا. وقيل: هو ما زينه الشيطان لهم من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك من خصال الجاهلية (١). ثانيًا: متاع الحياة الدنيا: تشغل الدنيا قلوب الناس جميعا غير أن الناس يتفاوتون بمقدار ما تأخذ الدنيا من ألبابهم وعقولهم وأفعالهم، فمن شغلته الدنيا عن الآخرة هلك، ومن اشتغل فيها بطاعة الله واتخذها سلما للآخرة نجا، ﴿فَمَن زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازُّ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا الْمَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَحُ [الحديد: ٢٠]. الْفَرُورِ أي: وما لذات الدنيا وشهواتها وما فيها من زينتها وزخارفها إلا متعة يمتعكموها (١) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٩/ ١٦٠، زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ١٢٦. الغرور والخداع المضمحل الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار. فأنتم تلتذون بما متعکم الغرور من دنياكم ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمکاره، وفي هذا تحذیر لکم من الركون إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون(٢). فالغرور في الآية («الخدع والترجية بالباطل، والحياة الدنيا وكل ما فيها من الأموال فهي متاع قليل تخدع المرء وتمنيه الأباطيل))(٣). فشبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ویغر حتى يشتريه، وهذا لمن آثرها على الآخرة. فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ»(٤). أخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن سابط في قوله ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَحُ اٌلْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قال: «كزاد الراعي، تزوده الكف من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن))(٥). وأخرج الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إن موضع سوطٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٥٣/٧. (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ١ / ٥٥٠. (٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ٥٣. (٥) جامع البيان، الطبري ٤٥٣/٧. www. modoee.com ٧١ حرفالغين فيها، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَنِعُ الْغُرُورِ﴾﴾(١). وقد حذر القرآن الكريم من الاغترار بالحياة الدنيا فقال جل شأنه مخاطبًا الناس جميعًا: ﴿يَأَيّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَا يَجْزِى وَالِدُّ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًاْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ اٌلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]. يعني: ((لا يغرنكم ما في الدنيا من زينتها وزهوتها، فتركنوا إليها وتطمئنوا بها وتتركوا الآخرة والعمل لها))(٢). وأرشد القرآن الكريم إلى أن الوقوع في غرور الدنيا عاقبته وخيمة ونتائجه أليمة، فبينت الآيات أن جهنم عاقبة من اغتر وغوى، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ النََّذْتُمْ ءَايَتِ اللَّهِ هُوًا وَغَرَّتَكُمُ الْحَيَّةُ الدُّنْيَاْ فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَاهُمْ يُسْتَعْنَبُونَ ﴾ [الجاثية: ٣٥]. وقد يتجاوز الغرور الكفار إلى المؤمنين، فالحياة الدنيا للكافرين والمؤمنين جميعًا غرور، فيلحق الغرور المؤمنين إذا ضيعوا (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بابٌ: ومن سورة آل عمران، رقم ٢٣٢/٥،٣٠١٣. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح)). وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١١٢٧/٢، رقم ٦٦٣٥. (٢) تفسير السمر قندي ٣١/٣. أمر الله تعالى -وهي الأعمال الصالحة - وتدنسوا بالشهوات، فهم وقتئذ يشاركون الكفار في الغرور(٣). ثالثًا: أصدقاء السوء: إن الصحبة الصالحة طريق إلى الجنة، أما المبطلون والمفسدون الذين ملكت الدنیا علیهم مجامع النفوس وشغلتهم عن علام الغيوب، فما عسی أحدهم أن يرشد خليله! وإلى أين سيأخذ بيده وناصيته؟! إنه يقوده إلى الهلاك، وإلى طريق السعير وبئس المصير. قال تعالى: ﴿بَلَّ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّاغُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠]. أي: وما يعد ﴿بَعْضُهُم﴾ وهم الرؤساء من المشركين، يعد بعضهم ﴿بَعْضًا﴾ وهم الأتباع، ﴿إِلَّاغُرُورًا﴾ وهو قولهم لأتباعهم أن الأصنام تشفع لهم، وأنه لا حساب عليهم ولا عقاب (٤)، وذلك تغرير من الرؤساء للأتباع، ومن السلف إلى الخلف. أما الذين لا ينجرون وراء غرور من يعايشونهم ويخالطونهم فإنهم يسلمون من الاقتران بهم في الهاوية والعذاب الأليم يوم القيامة، وفي هذا حوار المغرورين مع المتقین یوم القيامة قبل أن یضرب الله بينهما (٣) انظر: أصناف المغرورين، الغزالي ص ٢٦. (٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣/ ٦١٧، زاد المسير، ابن الجوزي ٣ /٥١٤. ٧٢ جَوَسُولَة التَّقِينَ القرآن الكريم الغروب سورا: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ إِلى الإنسان، فهو مخادع كذاب، وكان الإغواء والغرور في مستهل جولاته مع فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ وَأَرْقَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاَللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]. أبي البشر آدم وحواء عليهما السلام، قال تعالى: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ث فَلَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَمَا سَوْهَ تُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اَلْجَنَّةِ [الأعراف: ٢١ - ٢٢]. وفي الآيات تحذير من قرناء السوء، فلا يجر قرين السوء لقرينه إلا الهلاك والثبور، ثم إنه يتبرأ منه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إذا تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ وعندها يتمنى التابع المتابع للرؤساء الظلمة لو أن له عودة للدنیا فیتبرأ منهم، ولکن حین لا تنفع الأماني ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيِهِمُ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧]. إن مجالسة أصحاب الأهواء والضلال تورث مجالسهم القسوة، وتجعله شريكا في إثم المجلس وإن لم يشاركهم الإثم، وفي هذا جاء القرآن محذرا من مجالستهم، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِنَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَقّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِةٍ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]. رابعًا: الشيطان: يعد الشيطان من أخطر مداخل الغرور فقد أقسم إبليس وحلف لهما: ﴿إنّ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ﴿ فَلَّهُمَا بِفُرُورٍ﴾ يعني: فخدعهما بغرور، يقال: ما زال فلان يدلي فلانا بغرور، يعني: ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف من القول الباطل. ومعنى الآية أن إبليس لعنه الله غر آدم باليمين الكاذبة، وكان آدم عليه الصلاة والسلام يظن أن أحدا لا یحلف بالله کاذبا، وإیلیس أول من حلف بالله كاذبا، فلما حلف إبليس ظن آدم أنه صادق فاغتر به(١). وذكر الأزهري لهذه اللفظة أصلين: أحدهما أن الرجل العطشان يتدلى في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا يجدي نفعا، والغرور إظهار النصح مع إيطان الغش، وهو أن إبليس حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية؛ لأن التدلي لا يكون إلا من علو إلى أسفل، والأصل الثاني لقوله ﴿فَدَلَّهُمَا أي: جرأهما على أكل الشجرة، بِفُرُورٍ﴾ (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٨٨/٢ -١٨٩. www. modoee.com ٧٣ حرفالغين وأصله: «للهما من الدلال والدالة وهى من الاغترار بالشيطان، فعلى الإنسان أن الجراءة(١). وقد حذرنا الله تعالى من غدر الشيطان وغروره قائلًا: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اُلْغَرُورُ ﴾ [لقمان: ٣٣]. قال أبو حيان: ((والغرور: الشيطان بإجماع»(٢)، وهو مروي عن ابن عباس ومقاتل وغيرهما، والمعنى: لا يخدعنكم بالله الشيطان، فيمنيكم الأماني، ويعدكم من الله العدات الكاذبة، ويحملكم على الإصرار علی کفركم بالله(٣). قال القرطبي: ((والغرور بفتح الغين: الشيطان، يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة. قال ابن عرفة: الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول. والشيطان غرور؛ لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء. قال: ومن هذا بیع الغرر، وهو ما کان له ظاهر بیع یغر وباطن مجهول)) (٤). والملاحظ في الآيات التحذير الشديد (١) انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن القيم ١١٤/١، لباب التأويل، الخازن ١٨٩/٢. (٢) البحر المحيط في التفسير، أبو حيان ١٠ / ١٠٧. (٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٤٤٠/٣، جامع البيان، الطبري ٤٣٩/٢٠. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٢/٤. جَوَسُوع الْقُرآن الكَرِيمِ يخذله ویکذبه فیما یغره فیه حتی لا یکون تبعا له. خامسًا: الأماني الباطلة: قال تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَمْ تَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَ وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَنَسْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ اْأَمَانِىُّ حَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاَللَّهِ اَلْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]. والأماني: هي الأطماع، مثل قولهم: سيهلك محمد هذا العام. أو طول الآمال في امتداد الأعمار ﴿حَّ جَآءَ أَمْرُاللَّهِ﴾ وهو الموت على النفاق(٥). وقال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلََّ غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]. ((معنى وعد الشيطان ما يصل مفهومه إلى قلب الإنسان، من نحو ما يجده من أنه سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعتلي على أعدائك، فإنما الدنیا دول، فستدور لك كما دارت لغيرك، وكل هذا غرور وتمنية وتطويل للأمل، وسيهجم عن قريب عليه الأجل، وقد أبطل أيام عمره في رجاء ما لم يدرك منه شيئًا، فالعاقل من لم يعرج على هذا، وجدَّ في الطاعة ما أمكنه، وعلم أنه سینقطع عن الدنیا قريبًا، وعد نفسه (٥) انظر: البحر المحيط في التفسير، أبو حيان ١٠/ ١٠٧، فتح القدير، الشوكاني ٢٠٥/٥. ٧٤ الغروب من الموتی، وصدق الله في قوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّاغُورًا ﴾ أي: إلا ما یغرهم بإيهام النفع فيما فيه الضر))(١). وقال ابن جرير: ((يعد الشيطان المريد أولياءه الذين هم نصيبه المفروض أن یکون لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء، وظهيرًا لهم عليه، يمنعهم منه ويدافع عنهم، ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفلج عليهم»(٢). و كذب، وأن أمانیه باطلة، حتى إذا حصحص الحق وصاروا إلى الحاجة إليه تنصل من وعوده إليهم، وفر من نصرتهم بعد أن وقعوا في وبال خداعه، عندها يقول لهم عدو الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْمِّ وَوَعَدَتُّكُوْ فَغْلَفْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِيِّ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلَا تَلُومُونِ وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ مَّآ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِىَ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. هذه عادة الشيطان في الإغواء والإضلال، وكذا كان حاله مع مشركي مكة قبيل معركة بدر، يُمنِّهم الأماني الكاذبة بالنصر والظفر، ويزين لهم أعمالهم قائلا لهم: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمْ أَلْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنَّ جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]. (١) التفسير البسيط، الواحدي ١٠٥/٧. (٢) جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٢٤. فلما تقابل المسلمون مع المشركين وحصحص الحق وعاين الشيطان جد الأمر ونزول عذاب الله بحزبه ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنَّ بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِّ أَرَ مَا لَا تَرَوْنَ إِّ أَخَافُ اللَّهَ وَاَللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. فصارت عداته -عدو الله- إياهم عند حاجتهم إليه غرورًا كالسراب، وأصبحت أمانيه إياهم باطلة (٣). ومن المعلوم أن عدات الشيطان غرور سادسًا: الاغترار بإمهال الله تعالى وسعة رحمته: يغتر الكفار كثيرًا بإمهال الله لهم وتأخيره العذاب عنهم. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَلَّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْفَرُورُ ﴾ [لقمان: ٣٣] قال الواحدي في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾: (( أي: بحلم الله وإمهاله)) (٤). ثم إن کثیرًا من الناس يرتكبون الذنوب ويغترون بعفو الله تعالى وصفحه، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]. قال الزجاج: «أي ما خدعك وسول لك (٣) انظر: المصدر السابق ٢٢٥/٩. (٤) التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ٤٤٧. www. modoee.com ٧٥ حرف الغين حتى أضعت ما وجب عليك))؟!(١). والمعنى: أي شيء غرك وجراك وسول لك حتى ارتكبت ما ارتكبت بحق ربك الكريم الذي تجاوز عنك في الدنيا ولم يعاقبك؟!(٢). ((وقرأ ابن جبير والأعمش: ((ما أغرك))، فاحتمل أن تكون استفهامية، وأن تكون تعجبیة، ومعنى («أغره)»: أدخله في الغرة، أو جعله غارًّا)»(٣). وإنما قال (ما غرك بربك الكريم) لطفًا بعبده، وتلقينا له حجته وعذره ليقول: غرني كرم الكريم. وقال الفضيل: لو سألني الله تعالى هذا السؤال لقلت: غرني ستورك المرخاة. وروي أن عليًّا صاح بغلام له مرَّات فلم يلبه، ثم أقبل فقال له: مالك لم تجبني؟ فقال: لثقتي بحلمك وأمني عقوبتك. فاستحسن جوابه وأعتقه (٤). ويستفاد من الآية أنه يجب على المرء أن لا يغتر بكرم الله تعالى وعفوه وسعة رحمته و تفضله بالإنعام على عباده، فیرتکب المعاصي والذنوب ركونا إلى عفوه وغفرانه، فإن ذلك كفر للنعمة وخروج عن الحكمة في مقابلة المن والعطاء بالجحود والكفران، فمن فعل فمصيره الهلاك والخسران. ومن غرور كفار أهل الكتاب طمعهم بمغفرة الله تعالى ورضوانه، وقولهم: سيغفر لنا. وادعاؤهم أنهم أحباب الله وأبناؤه، وأن الله لن يعذبهم بذنوبهم، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، ومنه: ﴿وَقَالُوْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىْ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [البقرة: ١١١]. أي: تلك أمانيهم التي تمنوها على الله باطلًا(٥). وقد يطال الاغترار بإمهال الله تعالى وسعة رحمته عصاة المؤمنين لقولهم: إن الله غفور رحيم. وإنما یرجی عفوه فاتكلوا على ذلك وأهملوا الأعمال، وذلك من قبيل الرجاء، واتكؤوا على أن رحمة الله واسعة ونعمته شاملة وكرمه عميم، وإنهم موحدون يرجوه بوسيلة الإيمان والكرم والإحسان (٦). (١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٩٥/٥. (٢) انظر: تفسير السمعاني ١٧٣/٦، زاد المسير، ابن الجوزي ٤ /٤١٠. (٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٠ / ١٩٦. (٤) انظر: أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، الرازي، ص ٥٦٢. (٥) التفسير البسيط، الواحدي ٢٤٥/٣. (٦) انظر: أصناف المغرورين، الغزالي ص ٢٩، إحياء علوم الدين، الغزالي، ٣٨٤/٣. جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٧٦ الغروب مظاهر الغرور بين القرآن الكريم مظاهر الغرور ومعظمها يندرج تحت البعد عن الدين والاغترار بالحياة الدنيا وزينتها وزخرفها، وتتجلى صفة الغرور في فتنة الدنيا كونها لذة سريعة الزوال لا دوام فيها ولا بقاء، فينخدع الإنسان بها ويفتتن ببهائها وزينتها ثم إنها سرعان ما تزول وكأنها لم تكن، ومن هذه المظاهر: ما أن يعي الإنسان على الدنيا إلا ويكبر معه هم جمع المال وإنجاب الأبناء ذكورهم قبل إناثهم، حتى إن نظرة الرجل لإنجاب الذكور هي استمرار لتعلقه في الدنيا بعد موته، باعتبار أنهم من سیحملون اسمه، غیر أن المال والولد كدمی الأطفال التي يلهون بها ساعة ثم يتركونها، وكذا المال والولد ومفاتن الدنیا يوم القيامة، فإنها إن كانت في طاعة تنفع يوم الشفاعة، وإن كان في معصية زالت لذتها وبقيت حسرتها. قال تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُّ وَلَّوٌّ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمَوَّلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ، ثُمَّ وَهِيجُ فَتََّنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَّا وَفِ اْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]. جاءت هذه الآية في أعقاب آية سابقة لها تحث على الصدقة وتحرض على الإنفاق، ومناسبتها لما قبلها دحض سبب الشح المتمثل في الحرص على استبقاء المال لإنفاقه في لذائذ الحياة الدنيا، فضرب لهم مثل الحياة الدنيا بحال محقرة على أنها زائلة تحقيرا لحاصلها وتزهيدا فيها؛ لأن التعلق بها يعوق عن الفلاح(١). والمعنى في الآية: ((اعلموا أيها الناس أولًا: التفاخر والتكاثر بالأموال إن متاع الحياة الدنيا المعجلة لكم ما هي إلا والأولاد: لعب ولهو تتفکهون به، وزينة تتزینون بها، وتفاخر بینکم، یفخر بعضكم على بعض بما أولی فیھا من ریاشها، وییاهي بعضکم بعضا بكثرة الأموال والأولاد))(٢). وقد ضرب الله تعالى للدنيا مثلًا آخر، وهو مثل مطر نزل من السماء فنبت به الزرع، ففرح الزارع بنباته، ويقال: (أعجب الكفار) يعني: الكفار بالله، لأنهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا من المؤمنين، ثم إن هذا الزرع بيبس فيتغیر فتراه مصفًا بعد خضرته ثم يكون يابسًا وحطامًا هالكًا، وكذا متاع الحياة الدنيا (٣). قال سعيد بن جبير: ((الغرة من الله أن يصرَّ العبد في معصية الله ويتمنى على الله (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٠٠/٢٧. (٢) جامع البيان، الطبري ١٩٣/٢٣. (٣) تفسير السمر قندي ٤٠٨/٣. www. modoee.com ٧٧ حرفالغين في ذلك، والغرة في الدنيا أن يغتر بها وأن تشغله عن الآخرة أن يمهد لها ویعمل لها، وأما متاع الغرور فهو ما يلهيك عن طلب الآخرة، فهو متاع الغرور، وما لم یلهك هو خيرٌ منها))(١). وعلى هذا فالحياة الدنيا غير مذمومة، بل المراد أن من صرف هذه الحياة الدنيا لا إلى طاعة الله بل إلى طاعة الشيطان ومتابعة (٢) الهوى، فذاك هو المذموم وهذا شأن النفوس المريضة، إذا أنعم الله عليها صاحبها الغرور والبطر، وإذا أبليت قابلت البلاء بالضجر. فيا عجبًا من إنسان إذا أنعم الله عليه أُعجب بنفسه، وتکبر مختالًا في زهوه، لا يشكر ربه، ولا يذكر فضله، ويتباعد عن بساط طاعته(٣)، ثم هو يغتر بما رزقه بدلاً من شكره، فيفتري على الله بقوله: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]! ثانيًا: رد النصيحة، والجدال بالباطل: ينظر المغرور إلى نفسه نظرة إعجاب، ويظن أن الحق ما قال ولا سواه، وأن (١) انظر: الزهد، نعيم بن حماد ٣٥/٢، معالم التنزيل، البغوي ٣ /٥٩٣. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٤٦٣. (٣) لطائف الإشارات، القشيري ٣٣٨/٣. الصواب ما فعل ولا يصح غيره، فلا يسمع الحق من أصحاب الحق، لأن غروره عمى قلبه وبصره، فهو يجادل في آيات الله، ولا يقبل نصيحة من أحد ﴿مَا يُجَدِلُ فِيّ ◌َايَتِ فليس بمتاع الغرور، ولكنه متاع بلاغ إلى ما اَللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَ يَغْرُرْكَ تَقَلُُّهُمْ فِي الْبِلَدِ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمٌّ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّم بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَجَدَلُواْ يَاَلْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقٌّ فَأَخَذْتُهُمّ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ [غافر: ٤- ٥]. أي: یماري في آيات الله ویخاصم بھوی نفسه وطبع جبلة عقله (٤). والملاحظ في الآيتين أن الجدل في الآيات جاء بعده عدم قبول النصيحة من الأنبياء، ومن ثم تكذيبهم، وهذا بسبب الغرور بالباطل. وكذا كان موقف الأمم التي غرها في دینها ما كانت تعبد من دون الله، فلم تقبل نصح أنبيائها، قال قوم نوح لنبيهم: ﴿يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَلَنَا فَأَنِنَا بِمَا تَعِدُنَّ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ) قَالَ إِنَّمَا يَأْنِكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنْتُمْ بِمُعْجِينَ ) وَلَا يَنفَعُكُونُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمَّ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٦)﴾ [هود: ٣٢ - ٣٤]. والنصح: ((إخلاص العمل عن الفساد. وقيل: إنه بیان موضع الغي لیجتنب، وبيان (٤) تفسير التستري ص١٩. ٧٨ فَضْو مَؤُوابَةُ النفسي القرآن الكريم الغروب موضع الرشد ليطلب))(١). وقال صاحب المنار: ((النصح تحري الصلاح والخير للمنصوح له والإخلاص فيه قولًا وعملًا، والمعنى: إن نصحي لكم لا ینفعکم بمجرد إرادتي له فیما أدعو کم إليه، وإنما يتوقف نفعه على إرادة الله تعالى، وقد مضت سنته تعالى بما عرف بالتجارب أن نفع النصح له شرطان أو طرفان، هما الفاعل للنصح والقابل له، وإنما يقبله المستعد للرشاد، ويرفضه من غلب عليه الغي والفساد بمقارفة أسبابه من الغرور بالغنى والجاه والكبر))(٢). وعلى شاكلة قوم نوح كان قوم صالح، فلم يتعظوا بنصحه لهم وقالوا لنبيهم: ﴿يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى الْمُرْسَلِينَ (س) ﴾ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ ٧٨ دَارِهِمْ جَثِمِينَ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبٍ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنلَّا تُحِبُونَ النَّصِحِينَ ﴾ [الأعراف: ٧٧-٧٩]. ثالثًا: البغي والاستكبار: البغي: التعدي، وبغى الرجل على الرجل: استطال. وبغت السماء: اشتد مطرها، وبغى الوالي: ظلم، وكل مجاوزة في الحد وإفراط على المقدار الذي هو حد (١) تفسير السمعاني ٤٢٦/٢. (٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٢/ ٥٩. الشيء فهو بغي(٣)، والبغي في عدو الفرس اختيال ومرح (٤). وأما التكبر والاستكبار فهما بمعنى (٥) التعظم (٥). ومن معاني الاستكبار: ((أن يتشبع المرء فيظهر من نفسه ما ليس له، وهو مذموم، ومنه ما ورد في القرآن نحو ﴿أَبَ وَأُسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]))(٦). والمعنيان السابقان للبغي والاستكبار يلتقيان مع الغرور في کون الغرور یشمل کل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة، وكونه سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، وما البغي والاستكبار إلا متابعة للنفس على هواها وتحقيق لنزواتها ومبتغاها فيما يستحسن ظاهره، ويحصل الندم عند انكشاف الحال فیه، وكذا هو الغرور. والملاحظ أن التضرع إلى الله يكون في حال الشدة والبلاء، أما في حال الخير والرخاء فإننا نجد عند كثير من الناس الكبر والبغي والبطر والغرور. قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى (٣) الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٢٨١. (٤) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٧٩/٨، البارع في اللغة، أبو علي القالي، ص ٤٣٧. (٥) مختار الصحاح، الرازي ص٢٦٥. (٦) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٤٩. www. modoee.com ٧٩ حرفالغين أَنْفُسِكُمْ مَّتَعَ الْحَيَوِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَنْجِعُكُمْ فَتُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣]. والبغي العمل في الأرض بالفساد وبالمعاصي، من بغى الجرح إذا فسد، وأصله الطلب، أي: يطلبون الاستعلاء بالفساد. ﴿يِغَيِّرِ آلْحَقِّ﴾ أي: بالتكذيب، ومنه بغت المرأة بغاءً إذا فجرت فطلبت غیر زوجها (١). وقيل في معنى البغي أيضا أنه: ((الكبر، وقيل: هو الظلم. وقيل: الحقد. وقيل: التعدي. وحقيقته: تجاوز الحد، فيشمل هذه المذكورة ويندرج بجمیع أقسامه تحت المنكر، وإنما خص بالذكر اهتمامًا به لشدة ضرره ووبال عاقبته، وهو من الذنوب التي ترجع علی فاعلها)»(٢). والباغي الذي اغتر بقوته و کبریائه ما یضر إلا نفسه، لأن وبال بغیه عائد إليه، فقد يمتع ببغيه متاع الحياة الدنيا ثم يعود إليه وبال بغيه في الدنيا وفي الآخرة أيضا، وفي الآية إيماء إلى أن البغي مجزي عليه في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلقوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ﴾، ولما جاء في الحديث: (ما من ذنبٍ أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة (١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٤/٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢٦/٨. (٢) فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق خان ٣٠٣/٧. مثل البغي وقطيعة الرحم)(٣)، وأما في الآخرة فكفى دلالة على ذلك ما أفادته الآية من التهديد والوعيد. والخلاصة: إن البغي -وهو أشنع أنواع الظلم- يرجع على صاحبه؛ لما يولد من العداوة والبغضاء بين الأفراد، ولما يوقد من نيران الفتن والثورات في الشعوب، فمن یبغی علی مثله تجده قد خلق له عدوًّا أو أعداء ممن يبغي عليهم(٤). ومن صور البطر والغرور بدلا من الحمد والشكر غرور قارون الذي ظن أن ما أوتيه بفضل منه لا تفضلا من المنعم، ويلحق به أيضا اغترار قوم قارون بما أوتيه قارون: قال تعالى: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْرِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّا إِنَّ مَفَائِحَهُ لَنَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [القصص: ٧٦]. ﴿فَبَغَىعَلَيْهِمْ﴾ أي: بكثرة ماله، كأنه جاوز الحد بالتكبر والتجبر عليهم، فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت أمره، أو ظلمهم(٥). (٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب النهي عن البغي، رقم ٤٩٠٢، ٢٦٣/٧، والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله علیه وسلم، ٤/ ٦٦٥. قال الترمذي: هذا حديث صحيحٌ. (٤) انظر: تفسير المراغي ١١/ ٩١. (٥) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ١٧/ ٤٤٧، أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ /١٨٥، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٣. ٨٠ جُوَسُوعَرَ النَّفِيَّ القرآن الكريم الغروب رابعًا: الاستهزاء بآيات الله تعالى: إن هؤلاء استهزؤوا بآيات الله لأنهم اغتروا في الحياة الدنيا، فهم طمعوا في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال وقوة الجاه، فاشتدت رغبتهم في هذه الأشياء، وأصبحوا محجوبين عن طلب الدين غارقين في طلب الدنيا؛ فاتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا(١). قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهُوا وَلَعِبًّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاأَ فَأَلْيَوْمَ نَنْسَهُمْ كَمَا نَسُو ◌ُلِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِشَايَلِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ [الأعراف: ٥١]. (يعني: أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم ولهوا عنه، وأصل اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه. ويقال: لهوت بكذا ولهيت عن كذا أي: اشتغلت عنه))(٢). وقد اتخذ المشركون اللهو واللعب دينًا لأنفسهم، وهو ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة وأخواتها، والمكاء والتصدية حول البيت، وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية. وخدعهم عاجل ما هم فيه من خصب العيش ولذته، وشغلهم ماهم فيه من ذلك عن الإيمان بالله (١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٣٥/٩. (٢) لباب التأويل، الخازن ٢٠٥/٢. ورسله، وعن الأخذ بنصيبهم من الآخرة حتى أتتهم المنية على ذلك. والغرة غفلة في اليقظة، وهو طمع الإنسان في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال والجاه ونيل الشهوات، فإذا حصل ذلك صار محجوبا عن الدين وطلب الخلاص؛ لأنه غريق في الدنيا بلذاته (٣). قال ابن عباس: ((وذلك أنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزؤوا به اغترارًا بالله))(٤). وعلى شاكلة آية الأعراف السابقة كانت آية الجاثية، قال تعالى: ﴿ذَلِكُم ◌ِأَنَّكُمُ الَّخَذْتُمُ ءَايَتِ اَللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتَكُ المَوَةُ الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنَّا﴾ [الأنعام: ٧٠]. والمعنى: ((ذر هؤلاء الذين اتخذوا دين الله وطاعتهم إياه لعبًا ولهوًا، فجعلوا حظوظهم من طاعتهم إياه اللعب بآياته، واللهو والاستهزاء بها إذا سمعوها وتليت عليهم، فأعرض عنهم، فإني لهم بالمرصاد، وإني لهم من وراء الانتقام منهم والعقوبة لهم على ما يفعلون، وعلى اغترارهم بزينة الحياة الدنيا ونسيانهم المعاد إلى الله تعالى (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٠٥/٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/ ١٩٤. (٤) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٤٧٥. www. modoee.com ٨١ حرفالغين ذكره والمصير إليه بعد الممات))(١). قال ابن عباس: ((يعني: الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزؤوا بها وتلاعبوا عند ذكرها»(٢). وقال مقاتل: ((اتخذوا دينهم الإسلام لعبًا، يعني: باطلًا ولهوا عنه))(٣). خامسًا: الانغماس في الشهوات والشبهات: إن الركون إلى الدنيا ومفاتنها وشهواتها يعد المدخل الرئيس للانزلاق في الشبهات والتزوير في العقائد رجاء موافقة الهوى، فالفتنة مقدمة للغرور. وقال تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ تَكُنْ تَعَكُمْ قَالُواْ بَلَ وَلَكِنَّكُمْ فَنَفْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَضْتُمْ وَأَرْقَبْتُمْ وَغَرَّتُكُمُ اْأَمَانِىُّ حَتَّى جَّةُ أَمْرُ اَللَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ اُلْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]. يعني: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء ذلك السور حين حجز بينهم وبقوا في الظلمة ﴿أَلَمْ تَكُن مَعَكُمْ﴾ أي: في الدنيا نصلي ونصوم، ﴿قَالُواْبَى وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات، وكلها فتنة، ﴿وَتَضَُمْ﴾ أي: بالإيمان والتوبة، وقيل: تربصتم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقلتم: (١) المصدر السابق ٤٤١/١١. (٢) التفسير البسيط، الواحدي ٢١٤/٨. (٣) تفسير السمر قندي ١/ ٤٥٨. ﴿وَأَرْ تَبْتُمْ يوشك أن يموت فنستريح منه، أي: شککتم في نبوته وفيما أوعدكم به ﴿وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ﴾ أي: الأباطيل، وذلك ما كنتم تتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين ﴿حَّ جَآءَ أَمْرُاللَّهِ﴾ يعني: الموت، وقيل: هو إلقاؤهم في النار، وهو قوله تعالى: ﴿وَغَزَّكُم بِاَللَّهِ الْغَرُورُ﴾ يعني الشيطان، قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار (٤). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًّا وَلَعِبًّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٥١]. «يعني أنهم تلاعبوا بدينهم الذي شرع لهم ولهوا عنه. وأصل اللهو ما يشغل الإنسان عما یعنیه ویهمه»(٥). سادسًا: التسويف والأماني الباطلة: قال ابن الجوزي: ((فمن الناس من يغره تأخير العقوبة، ومنهم من كان يقطع بالعفو، وأكثرهم متزلزل الإيمان، فنسأل الله أن يميتنا مسلمين))(٦). فالكفار كانوا يسوفون ويؤخرون في توبتهم إلى الله، ويمنون أنفسهم بعفوه وغفرانه. (٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٤٩/٤. (٥) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٩/ ١٦٠، لباب التأويل، الخازن ٢٠٥/٢. (٦) صيد الخاطر، ابن الجوزي ص ٤٠٢ . ٨٢ ◌َ البَشَيـ القرآن الكريم الغروب وقال تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ تَكُن مَّمَكُمْ قَالُواْ بَى وَلَكِنَّكُمْ فَنتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاَللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]. قال الزمخشري: ((﴿وَغَرَّتَكُمُ الْأَمَانِىُّ﴾ طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار ﴿حَّ جَّةَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، وهو الموت ﴿وَغَزَّكُمْ ◌ِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وغركم الشيطان بأن الله عفو کریم لا یعذبکم»(١). فهذا خداع من الشيطان بإمهال الله للإنسان وحلمه عليه، وأن هذا الإمهال مدعاة للرضا عنهم وعدم إنزال العذاب عليهم. قال الطبري: ((خدعكم بالله الشيطان، فأطمعكم بالنجاة من عقوبته والسلامة من عذابه))(٢). (١) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٤٧٦. (٢) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ١٨٥. عاقبة الغرور بين القرآن الكريم عاقبة الغرور، وبيانها في النقاط الآتية: أولًا: الاستدراج: الاستدراج هو الإمهال والتأخير إلى أجل، فإن الله تعالى قد يعطي الكفار من الدنيا مع جحودهم وشركهم ما لا يعطيه للمؤمنين، ومن هنا جاء الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والمراد به أمته: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ اَلْبِلَدِ ( مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمٌّ وَبِئْسَ الِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧]. والمراد تصرفهم في التجارات والمكاسب، أي: لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم في البلاد كيف شاؤوا وأنتم معاشر المؤمنين خائفون، فإن ذلك لا يبقى إلا مدة قليلة ثم ينتقلون إلى أشد العذاب، وإنما وصفه الله تعالى بالقلة؛ لأن نعیم الدنیا مشوب بالآفات والحسرات، ثم إنه بالعاقبة ينقطع وينقضي (٣). قال ابن كثير: ((لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة والسرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩ / ٤٧٢. www. modoee.com ٨٣ حرفالغين نمد لهم فيما هم فيه استدراجا))(١). وقال تعالى: ﴿مَا يُحَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُُّهُمْ فِىِ اَلْبِلَدِ ﴾ [غافر: ٤]. فلا يغررك إمهالھم وإقبالهم في دنياهم، وتقلبهم في بلاد الشام واليمن بالتجارات المربحة، والتكبر والتجبر بغير حق، فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ من قبلهم(٢). ثانيًا: الضلال: لما أن كان الغرور من عمل الشيطان وتزيينه للنفوس أصبح من انساق إليه كأنما تتبع خطوات الشيطان وسار على نهجه واكتسب بعضا من صفة الغرور عنده. قال تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ» إِلَّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا سَيْطَنَا قَرِيدًا لَعَنَّهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (٣) وَلَ مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَنِّكُنَّ ءَاذَانَ اْلْأَنْعَمِ وَلَّ مُتَهُمْ فَلَيُغَيْنَ خَلْقَ اللَّهِّ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيَا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَّنِّيِهِمَّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلََّ غُرُورًا﴾ [النساء: ١١٧ - ١٢٠]. والإضلال: الصرف عن طريق الهداية (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٩٢. (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٥١/٥. إلى طريق الغواية، أو هو الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينهم (٣). والملاحظ هنا أن الإغواء والتغرير الذي قام به إبليس عندما شعر بعلوه وتكبره قام به أيضا فرعون بعد أن زهت نفسه واختالت فاغتر بنفسه ودعا قومه إلى الضلال موهما إياهم أنه طريق الرشاد، وهو في الحقيقة ضلال مبين، قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ. وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩]. ولما أن كان الشيطان المصدر الرئيس التغرير بين الناس وكان لا يصدر عن تغريره إلا الضلال تلاه أهل الباطل في تغرير بعضهم بعضًا؛ لإضلالهم عن طريق الهداية. قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَّكَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْلَهُمْ شِرِكُ فِ السَّمَوَتِ أَمْ ءَيْنَهُمْ كِنَبَّا فَهُمْ عَلَى بَيْنَتٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًّا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠]. ثالثًا: استحقاق العقاب: إن العذاب الأليم مصير المغرور الذي بدل في دين الله وشك في عطائه، وظن في نفسه من الصفات ما لا تجوز إلا لله. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوَا وَلَعِبَّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَأَ فَالْيَوْمَ نَفْسَهُمْ كَمَا نَسُواْلِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا (٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١/ ٤٧٢، فتح القدير، الشوكاني ١ / ٥٩٦. ٨٤ ◌َ البَشَّ القرآن الكريمِ