النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
عيسىُ عَلَيْهِ السَّلام
عناصر الموضوع
التعريف بعيسى عليه السلام
٨
صفات عيسى عليه السلام
١٠
ذكر عيسى عليه السلام في القرآن الكريم
١٣
١٤
التعريف بمريم عليها السلام
١٨
حمل مريم بعيسى عليهما السلام
٢٢
حوارات عيسى عليه السلام
٢٧
معجزات عيسى عليه السلام
٣١
رفع عيسى عليه السلام ونزوله
المُجَلَدَ الخَامِسْ وَالعشْرُونْ
حرف العين
التعريف بعيسى عليه السلام
أولا: اسمه ونسبه:
ذکر الله تعالی اسمه ونسبه في کتابه العزیز، فسماه المسیح عیسی، ونسبه إلى أمه مريم،
ولم يزد على ذلك: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ
[آل عمران: ٤٥].
مريم
فهو إذًا: المسيح عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله.
وعيسى: اسم علم، وهو اسم أعجمي غير منصرف، وهو عبراني أو سرياني(١).
ثانيًا: لقبه:
تسميته بالمسيح: التسمية بـ (المسيح) في حق عيسى عليه السلام على سبيل المدح،
قالوا: وهو لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.
أما سبب تسميته بالمسيح:
قيل: أصله مشيحا بالعبرانية، ومعناه: المبارك.
وقيل: سمي عيسى عليه السلام مسيحًا؛ لأنه ما كان يمسح بيده ذا عاهة إلا برىء من
مرضه.
وقيل: سمي مسيحًا؛ لأنه كان يمسح الأرض، أي: يقطعها.
وقيل: کان مسیحًا؛ لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله تعالى.
وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.
وقيل: سمي مسيحًا؛ لأنه لم يكن في قدمه خمص (٢)، فكان ممسوح القدمين.
وقيل: سمي مسيحًا؛ لأنه كان ممسوحًا بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به
غيرهم، ثم قالوا وهذا الدهن يجوز أن يكون الله تعالى جعله علامة حتى تعرف الملائكة أن
کل من مسح به وقت الولادة فإنه یکون نبيًا.
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ٣٥٣/١، المصباح المنير، الفيومي ٢/ ٤٤٠، لسان العرب، ابن
منظور ٦/ ١٥٢، تاج العروس ٢٩٧/١٦، الكليات، الكفوي ١/ ٦٦٢.
(٢) الأخمص باطن القدم وما رق من أسفلها وتجافى عن الأرض وقيل الأخمص خصر القدم، والأخمص
ما دخل من باطن القدم فلم يصب الأرض، فالأخمص من القدم الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها
عند الوطء.
انظر: النهاية، ابن الأثير ٢/ ٨٠، لسان العرب، ابن منظور ٣٠/٧.
٨
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
عيسى عليه السلام
وقيل: سمي مسیحًا؛ لأنه مسحه جبريل عليه السلام بجناحه وقت ولادته؛ ليكون ذلك
صونًا له عن مس الشيطان (١).
ولما كانت العادة أن ينسب الأولاد إلى آبائهم، نسب عيسى عليه السلام إلى أمه ليكون
ذلك دليلًا على براءتها، وأنه لا أب له في الحقيقة.
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٩٠/١، تفسير السمعاني ٣١٥/١، مفاتيح الغيب، الرازي ٨/ ٤٤،
البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٤٨٠.
www. modoee.com
٩
حرف العين
صفات عيسى عليه السلام
عيسى عليه السلام نبي الله ورسوله، فهو إذًا متصف بكل الصفات التي تؤهله لهذه
المكانة العالية والمقام الرفيع.
أولًا: صفاته الخُلُقية:
: أنه معاذٌّ من الشيطان الرجيم: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍّ إِنِّ وَضَعْتُهَا أُنْتَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَّعَتْ
وَلَيْسَ الذَّكَوِ كَالْأُنْثَىّ وَ إِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ
آل عمران: ٣٦، وقد مر بنا قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من بني آدم مولود إلا يمسه
الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان، غير مريم وابنها) ثم يقول أبو
هريرة: ﴿وَإِنَّ أُعِيدُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦](١).
الوجاهة: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ [آل عمران: ٤٥]. والوجيه: ذو الوجاهة، وهى:
القوة والمنعة، ووجاهته في الدنيا النبوة، وفي الآخرة الشفاعة وعلى الدرجة (٢).
القرب من الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ [آل عمران: ٤٥].
أنه من الصالحين: ﴿وَمِنَ الصَّلِحِينَ ﴾ [آل عمران: ٤٦].
كلمة الله وروح منه: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا
اٌلْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾
[النساء: ١٧١]. قال الشيخ المراغي رحمه الله: ((وقد خص المسيح لإطلاق الكلمة عليه
وإن كان كل شيء قد خلق بكلمة التكوين؛ لأنه لما فقد في تكوينه وعلوق أمه به ما
جعله الله سببًا للعلوق في العادة، وهو تلقيح ماء الرجل لما في الرحم من البويضات
التي يتكون منها الجنين أضيف إلى الله، وأطلقت الكلمة على هذا المكون إيذانا بذلك،
بخلاف الأشياء الأخرى، فإنها تنسب في العرف إلى الأسباب العادية))(٣).
حكيمٌ: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَّةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلُ﴾ [المائدة: ١١٠]، ﴿ وَلَمَّا
جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمُ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيَّةٍ فَاتَّقُوا اللَّهَ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان
الرجيم)، رقم ٤٥٤٦، ٦/ ٣٤.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٣٩١/١.
(٣) تفسير المراغي ٣/ ١٥٠.
١٠
جَوُور
لِلْظُرْآن الْكَرِيْمِ
عيسى عليه السلام
وَأَطِيعُونِ ﴾ [الزخرف: ٦٣].
عنده علم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَالتَّوْرَةَ وَاَلْإِنجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠]. ﴿ وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى ◌ِالْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ
وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ [الزخرف: ٦٣].
موحد مخلص لله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَّخِذُونِ وَأَقِيَ
إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِّمْتَهُ.
لّن
[المائدة: ١١٦].
١١٦
تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ اٌلْغُيُوبِ
يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ
﴾ [النساء: ١٧٢]. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
(١٧٢)
عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا
قَالُواْإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِيّ إِسْرَّهِيلَ أُعْبُدُوا اللَّهَ رَنِى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ.
مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلََّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ ﴾
[المائدة: ٧٢].
مجاب الدعوة: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيَدَةً مِنَ السَّمَاِتَكُونُ لَنَا عِيدًا
لِأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا وَءَايَةً مِّنْكَ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ (١٦) قَالَ اَللَّهُ إِِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ
مِنْكُمْ فَإٍِ أَعَذِّبُ عَذَابًا لََّ أُعَذِّبُ: أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ (١٥)﴾ [المائدة: ١١٤-١١٥].
اللين والرحمة: يدل عليه قوله: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبُزُ
اَلْكِيمُ ﴾[المائدة: ١١٨].
مبارك: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَفِى ◌ِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَادُمْتُ حَيًّا﴾﴾ [مريم:
٣١].
بار بوالدته: ﴿وَبَرَّا بِوَالِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ [مريم: ٣٢].
ثانيًا: صفاته الخَلْقية:
كان عيسى عليه السلام مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير (١)، أحمر اللون، آدم،
جعد، سبط الرأس.
فعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ورأيت عيسى رجلًا
مربوعًا، مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس) (٢).
(١) انظر: أشراط الساعة ص١٥١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين، ١١٦/٤، رقم ٣٢٣٩.
www. modoee.com
حرفالعین
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت عيسى
وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر، جعد، عريض الصدر)(١).
وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأراني الليلة عند الكعبة في المنام، فإذا رجل
آدم، كأحسن ما یری من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء،
واضعًا يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح ابن
مریم)(٢).
أما قوله: (أحمر)، و(آدم) على الروايتين: الأحمر عند العرب: الشديد البياض مع
الحمرة، والآدم: الأسمر، ويمكن الجمع بين الوصفين بأنه أحمر لونه بسبب كالتعب وهو
في الأصل أسمر(٣).
وقوله: (جعد)، (سبط الرأس): فصفة الجعودة هنا في الجسم لا في الشعر؛ لأنه وصف
الشعر بالسبط، والسبط من الشعر المنبسط المسترسل، وهو ضد الجعد(٤)، وأما الجعد في
الجسم فهو المجتمع الشديد(٥).
وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عروة بن مسعود رضي الله عنه، فعن جابر
رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عرض علي الأنبياء، فإذا موسى
ضرب من الرجال، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام، فإذا أقرب من
رأيت به شبهًا عروة بن مسعود)(٦).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب (واذكر في الكتاب مريم)، ١٦٦/٤، رقم ٣٤٣٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (واذكر في الكتاب مريم)، ٤ / ١٦٦، رقم
٣٤٤٠.
(٣) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٤٨٦/٦.
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٣٣٤/٢.
(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ٢٧٥/١، لسان العرب، ابن منظور ١٢٢/٣.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
السماوات، ١٥١/١، رقم ١٦٥.
جَوَنُور
الْقُرآن الكَرِيْمِ
١٢
عيسى عليه السلام
ذكر عيسى عليه السلام في القرآن الكريم
ورد ذكر عيسى عليه السلام في القرآن الكريم (٢٥) مرة، في (١١) سورة.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت فى السور الآتية:
السورة
الآيات
آل عمران
٤٥-٦٢
النساء
١٥٧-١٧١،١٥٩-١٧٣
المائدة
١١٠،٤٦-١١٨
مريم
٢٢-٣٤
الزخرف
٦٣-٦٥
الصف
١٤،٦
www. modoee.com
١٣
حرف العين
التعريف بمريم عليها السلام
أولًا: اسمها ونسبها:
ورد في القرآن انتساب مريم والدة عيسى إلى عمران عليهم السلام: ﴿وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ﴾
[التحريم: ١٢].
أبوها: هو عمران الرجل العابد الطاهر وهو من رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم(١)، يصل
نسبه إلى النبي الكريم داود عليه السلام.
وأمها: هي حنة العابدة الطاهرة التي كرمها الله فأجاب دعوتها ورزقها بمريم.
وزوج أختها أو زوج خالتها ((أشياع)) هو زكريا النبي الكريم عليهم السلام جميعًا.
فلا ريب حينئذ أن يكون هذا البيت المبارك بيت آل عمران من البيوت القليلة المباركة
﴿ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَىْ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ
التي حظيت بتشريف الله تعالى لها بقوله: ﴿
عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ ) ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضُِّ وَالَهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤].
ثانيًا: الحمل بمريم عليها السلام:
أشار الله تعالى لقصة حمل أم مريم بها ووضعها في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِ
نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَعْنِ مُحَرَّاً فَتَقَبَّلْ مِيَ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِّ وَضَعْتُهَا أُنْفَ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَوِ كَالْأُنْثَّ وَإِنْ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَ إِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَيِ
الرَّحِيمِ ﴾ [آل عمران: ٣٥ - ٣٦].
ثالثًا: الوضع والوفاء بالنذر:
لما حملت أم مريم عليهما السلام حررت ما في بطنها، وكانت لم تعلم بعد ما هو ذكر
أم أنثى، والمحرر عندهم لا يعمل للدنيا ولا يتزوج ويتفرغ لعمل الآخرة ويعبد الله، فيجعل
للمعبد يقوم بخدمته ولا يخرج منه (٢)، ولم يكن يحرر إلا الغلمان.
ثم مات عمران وحنة حامل بمريم، فلما وضعت إذ هي أنثى، فقالت عند ذلك: ﴿رَبِّ إِنِی
(١) انظر: الكامل في التاريخ، ابن الأثير ٢٢٨/١.
(٢) وقيل: لا يبرح منه حتى يبلغ الحلم، فإذا بلغ خير، فإن أحب أن يقيم فيه أقام، وإن أحب أن يذهب ذهب
حیث شاء.
انظر: الكامل في التاريخ، ابن الأثير ٢٢٨/١.
جوسين
القرآن الكريم
١٤
عيسى عليه السلام
وَضَعْتُّهَا أُنْقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الَّكَوِ كَالْأُنْقِّ وَ إِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَ إِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا
مِنَ الشَّيْطَيِنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [آل عمران: ٣٦].
و(مريم) معناه: العابدة (١).
وقد استجاب الله دعاء أم مريم هذا كما أجابها حين اشتهت الحمل، فأعاذها مریم وابنها
من الشیطان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلی الله علیه وسلم
يقول: (ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان،
غير مريم وابنها) ثم يقول أبو هريرة: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل
عمران: ٣٦](٢) .
رابعًا: مكانة مريم عليها السلام وفضلها:
لمريم عليها السلام مكانة كبيرة تمتاز بها عن سائر نساء العالمين، فقد وضع الله مريم
بين أهل الصلاح والنقاء، فترعرعت ونشأت في جو إيماني طاهر عفيف، وقد بين الله تعالى
فضلها ومكانتها في مواطن من کتابه، کما جاء ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم،
ومن دلائله:
قبول الله تعالى لها، وإنباتها نباتًا حسنًا. قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُوٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا
نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧].
إعاذتها وذريتها من الشيطان الرجيم. قال تعالى: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ
[آل عمران: ٣٦].
الرَّحِيمِ ﴾
كفالة نبي الله زكريا عليه السلام لها بعد أن تنازع الأحبار العباد في حق رعايتها والقيام
بشؤونها. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران: ٤٤]، فقد وضعتها أمها عند المسجد، فتنازعوا فیھا،
كل يريد أن يكفلها، فهي بنت (عمران) إمام من كبار أئمتهم، فقال زكريا عليه السلام:
أنا أحق بها، وأراد أن يؤثرها لنفسه دونهم من أجل أن زوجته أخت أمها أو خالتها على
القولين، فشاحوه في ذلك، وطلبوا أن يقترع معهم، فوقع الاقتراع على زكريا عليه
(١) انظر: تاريخ ابن الوردي ٣٠/١، المختصر في أخبار البشر، عماد الدين أبو الفداء ١٩/١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان
الرجيم)، رقم ٣٤/٦،٤٥٤٦.
وانظر: الكامل في التاريخ، ابن الأثير ١/ ٢٢٨، البداية والنهاية، ابن كثير ٢/ ٥٧.
www. modoee.com
١٥
حرف العين
﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكِيَّاً
السلام، فأخذها وكفلها:
[آل عمران: ٣٧]. وضمها إلى زوجه أم يحيى، واسترضع لها حتى كبرت(١).
عناية الله بها: فقد كان زكريا يدخل على مريم عليهما السلام فيجد عندها رزقًا لم يأتها
به، فيسألها من أين لك هذا؟! فتقول: هو من عند الله، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا
زَّكِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّه لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِاللهِ إِنَّاللَّهَ يَزْزُقُ مَن يَشَآءُ
بِغَيْرِ حِسَابٍ لـ
[آل عمران: ٣٧]. وقد عد عدد من العلماء ذلك من باب الكرامات
وخوارق العادات (٢)
اصطفاؤها وتطهيرها: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَصَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتِكِ عَلَى
[آل عمران: ٤٢].
نِسَلِّ الْعَلَمِينَ ﴾
إعانتها على طاعة الله، وإحصائها، وتشريفها بذلك: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُّتِى لِرَبَّكِ وَأَسْجُدِى وَاَرَّكَعِى
مَعَ الزَّكِينَ ﴾ [آل عمران: ٤٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَافِيهَا
مِن رُّوحِنَا وَحَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَاَءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٩١] وقال تعالى: ﴿وَمْيَمَ
أَبْنَتَ عِمْرَنَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ زُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ،
وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ (٣)﴾ [التحريم: ١٢].
حملها بعيسى عليه السلام وهو النبي الكريم المتصف بمعالي الصفات. قال تعالى:
﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى
الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ ﴾ [آل عمران: ٤٥].
انتساب ولدها إليها: فمريم هي الأنثى الوحيدة في الوجود كله التي اختصها الله من
بين النساء، فنسب إليها ولدها وذلك في مواطن كثيرة من القرآن، منها قوله تعالى:
﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَِّّنَتِ وَأَيَّذْنَهُ بِرُوجِ الْقُّدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]، ﴿أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ
[آل عمران: ٤٥]. ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى
مَرِّيَمَ﴾
مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء:
جعلها وابنها عليهما السلام آية من آيات الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآ ءَايَةٌ
﴾ [الأنبياء: ٩١]. ﴿وَجَعَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَمَّهُوْءَايَةٌ﴾ [المؤمنون: ٥٠].
لِلْعَلَمِينَ
(١) وذهب بعض العلماء إلى كونها لم ترضع ثديا قط.
انظر: تفسير السمعاني ١/ ٣١٤، الكشاف، الزمخشري ٣٨٦/١، البحر المحيط، أبو حيان ٢ / ٤٦١.
(٢) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ٨٠٥، الكشاف، الزمخشري ٣٦٨/١، المحرر الوجيز،
ابن عطية ١/ ٤٢٦.
وَضو
جَوَسُو
القرآن الكريم
١٦
عيسى عليه السلام
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (کمل من الرجال كثيرٌ، ولم یکمل من النساء إلا
آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على
سائر الطعام) (١).
وعن علي رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خير نسائها مريم
ابنة عمران وخير نسائها خديجة)(٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وإذا قالت الملائكة يا مريم إن الله
يبشرك بكلمة منه)، رقم ٣٤٣٣، ٤ /١٦٤، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل
خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، رقم ٢٤٣١، ١٨٨٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا
مريم إن الله اصطفاك)، ١٦٤/٤، رقم ٣٤٣٢.
www. modoee.com
١٧
حرف العين
حمل مريم بعيسى عليهما السلام
كان حمل مريم عليها السلام معجزة لم
يكتب لها التكرار، فقد أراد الله تعالى لمريم
البتول الطاهرة أن تحمل بابنها عيسى عليه
السلام، هذا الحمل الذي هو معجزة كبرى
وآية عظمى على قدرته جل جلاله، وهو بيان
لمكانة هذه الطاهرة القانتة.
بين الله تعالى هذه القصة الغريبة،
والمعجزة الباهرة في كتابه تعالى فقال:
إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا
فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ { وَيُكَلِّمُ
النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ قَالَ
كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَقَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ
لَهُوَكُنْ فَيَكُونُ
[آل عمران: ٤٥ - ٤٧].
٤٧
وقال: ﴿وَأَذَكُرْ فِي الْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ أَنتَبَذَتْ
مِنْ أَهْلِهَا مَكَنَا شَرْقِيًّا ﴾ فَأَتَّخَذَتْ مِن
دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا
بَشَرَا سَوِيًّا قَالَتْ إِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ
تَقِيَّا (٥) قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
غُلَمَا زَكِيًّا ؟ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ
يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَلْكِ بَغِيًّا ، قَالَ كَذَلِكٍ
قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُ: ءَايَةً لِّلنَّاسِ
وَرَحْمَةٌ مِّنَا وَكَانَ أَمْرًّا مَقْضِيًّا
فَحَمَلَتْهُ فَأَنتَبَذَتْ بِهِ، مَكَانَا قَصِيًّا )﴾
[مريم: ١٦-٢٢].
إذًا فمریم قد حملت، وكان حملها بغير
زواج وهي التقية النقية، بل كان من غير أن
يمسها بشر أيًا كان، فقد أرسل الله تعالى
إليها ملائكة تبشرها بهذه البشارة: الحمل
بولد هو كلمة الله تعالى، واسمه: عيسى
ابن مريم، وهذا الولد له الكثير من الميزات
والخصائص التي انفرد بها عمن سواه،
فكانت ردة فعلها وهي الطاهرة النقية البتول
العذراء أن تساءلت كيف لها أن تحمل ولم
يمسسها بشر، فأخبرت بأن هذه هي إرادة
الله تعالى، وأن هذا الأمر هين على الله
تعالی، وهو أمر قد قضاه وتكفل به، فما كان
للطائعة القانتة إلا الاستسلام.
والملك المرسل إلى مريم هو جبريل
-عند أكثر المفسرين- وقد تمثل لها على
هيئة بشر سوي، فخافت مريم واستعادت
بالله منه ظانة به ظن سوء، لكنه أخبرها
بأنه رسول من الله، كلف ببشارتها بأن الله
سیھب لها غلامًا ذكر اسمه وصفته، فوصفه
بأجمل الصفات وأثنى عليه عظيم الثناء (١).
أما عن كيفية الحمل فقد نفخ فيها نفخة
فحملت بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَالَِّىّ
أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُوحِنَا
وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَا ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣٨٧/٣-
٣٩١.
حَرُ النَّهِية
جوبيع
القرآن الكريمِ
١٨
عيسى عليه السلام
[الأنبياء: ٩١].
﴿وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ أَلَِّيَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا
فَنَفَخْنَافِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ
رَيِّهَا وَّكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
قال الرازي رحمه الله: ذكر الله تعالى
أمر النفخ في آيات فقال: ﴿فَنَفَخْنَافِيهِ
مِن رُّوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢].
أي: في عيسى عليه السلام، كما قال
لآدم عليه السلام: ﴿وَنَفَخْتُ فِهِ مِنژُوحِ﴾
[الحجر: ٢٩].
وقال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾
[الأنبياء: ٩١] لأن عیسی علیه السلام كان في
بطنها.
النفخ من الله تعالى لقوله: ﴿فَنَفَخْنَافِيهِ
﴾ [التحريم: ١٢].
رُوحِنَا
وظاهره يفيد أن النافخ هو الله تعالى؛
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ
ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
• [آل عمران: ٥٩].
ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا
فيما أخرجه الدليل، وفي حق آدم النافخ
هو الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِیهِ مِن
رُّوحِى﴾ [الحجر: ٢٩] فكذا هاهنا.
وقال آخرون: النافخ هو جبريل عليه
السلام؛ لأن الظاهر من قول جبريل عليه
السلام: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا (
[مريم: ١٩] أنه أمر أن يكون من قبله حتى
یحصل الحمل لمريم عليها السلام، فلا بد
من إحالة النفخ إليه(١).
واختلفوا في كيفية النفخ، هل نفخ الله
في درعها؟ هل نفث الله في جيبها؟
وقد كفانا الله مؤونة البحث بقوله:
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنَّ
وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّاً وَكَانَ أَمْرًا
مَقْضِيًّا ﴾ [مريم: ٢١].
قال الشيخ محمد عبده رحمه الله: ((أعلم
أن الكافرين بآيات الله ينكرون الحمل
بعيسى من غير أب جمودًا على العادات،
وذهولًا عن كيفية ابتداء خلق جميع
واختلفوا في النافخ فقال بعضهم: كان المخلوقات، ولو كان لهم دليل عقلي على
استحالة ذلك لكانوا معذورين، ولكن لا
دلیل لهم إلا أن هذا غير معتاد، وهم في كل
یوم یرون من شؤون الکون ما لم يكن معتادًا
من قبل، فمنه ما يعرفون به سببًا ويعبرون عنه
بالاكتشاف والاختراع، ومنه ما لا يعرفون له
سببًا ويعبرون عنه بفلتات الطبيعة.
ونحن نرى علماء الغرب وفلاسفته
متفقين على إمكان التولد الذاتي، أي: تولد
الحيوان من غير حيوان، أو من الجماد،
وهم يبحثون ويحاولون أن يصلوا إلى ذلك
(١) مفاتيح الغيب ٥٢٤/٢١.
وانظر: جامع البيان، الطبري ١٦٦/١٨،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٣٥/٥، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٣/٨.
www. modoee.com
١٩
حرف العین
بتجاربهم، وإذا کان تولد الحیوان من الجماد
جائزًا فتولد الحيوان من حيوان واحد أولى
بالجواز وأقرب إلى الحصول.
نعم إنه خلاف الأصل، وأن کونه جائزا
لا يقتضي وقوعه بالفعل، ونحن نستدل على
وقوعه بالفعل بخبر الوحي الذي قام الدليل
على صدقه.
إذا تمهد هذا فنقول: إن الله المسخر
للأرواح المنبثة في الكائنات، وقد أرسل
روحًا من عنده إلى مريم، فتمثل لها بشرًا،
ونفخ فيها، فأحدثت نفخته التلقيح في
(١)
رحمها، فحملت بعيسى عليه السلام))(
وصدق الشيخ رحمه الله، فالاستنساخ
المعروف الیوم دلیل إلی ما ذهب إليه من
إمكان حصول الشيء المخالف للعادة،
والبعيد عن التصور.
قال الله جل جلاله: ﴿ فَأَجَاءَهَا
اَلْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا
وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنْسِيًّا فَنَادَنَهَا مِن تَحْنِهَاَ
أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِبًا وَهُزِىّ
إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا )
فَكُلِى وَأَشْرِ وَقَرِى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِّنَّ مِنَ الْبَشَرِأَحَدًا
فَقُولِإِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَّوْمَ
إِنسِيًّا ﴾ [مريم: ٢٣ - ٢٦].
﴿وَحَمَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَمَّهُ مَايَةً وَءَاوَبْنَهُمَا إِلَى
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٢٥٤/٣.
رَبْوَقِذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ [المؤمنون: ٥٠].
لما انتهت مدة الحمل أحست مريم
عليها السلام ألم الوضع، فاحتضنت جذع
النخلة لشدة ما تجد من الألم، وتمنت
الموت حينئذ لما توقعته من أذی قومها،
(وأنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي
لا یحمل الناس أمرها فیه علی السداد، ولا
يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم
عابدة ناسكة، تصبح عندهم - فيما يظنون-
عاهرة زانیة)(٢)، فجاءها صوت من تحتها
يطمئنها، ويطلب منها ألا تحزن، وأمرت بهز
جذع النخلة والأكل مما فيها من الرطب،
والشرب من جدول الماء، وعلمت طريقة
التصرف إن رآها بشر أو تعرض لها أحد،
فقد أمرت بالصوم عن الكلام.
والذي نادى مريم من تحتها: قيل: هو
جبريل عليه السلام. وقيل: بل عيسى عليه
السلام أنطقه لها حين وضعته تطييبًا لقلبها،
وإزالة للوحشة عنها؛ حتى تشاهد في أول
الأمر ما بشرها به جبريل عليه السلام من
علو شأن ذلك الولد(٣)، وأيّا كان فالقصد
منه طمأنتها وإیناسها.
ومكان الربوة مكان ولادة عيسى عليه
السلام قيل: الغوطة بدمشق. وهذا أشهر
(٢) دعوة عيسى في الكتاب والسنة ص٧.
(٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٤/٣،
مفاتيح الغيب ١٧٤/٢١، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ١١٨/٣.
٢٠
القرآن الكريمِ
عيسى عليه السلام
الأقوال؛ لأن صفة الغوطة أنها ذات قرار مواجهتها لقومها التي أخبر الله سبحانه
وتعالى عنها بقوله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلٌُّ.
قَالُواْ يَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ( يَأْخْتَ
هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّاً
٥)﴾ [مريم: ٢٧ - ٢٨].
ومعين على الكمال، وقيل: هي الرملة من
فلسطين. وقيل: بأرض مصر. وقيل: الربوة
بيت المقدس. ويترجح أن الربوة بيت لحم
وهي قرية قريبة من بيت المقدس؛ لأن ولادة
عيسى هنالك كانت، وحينئذ كان الإيواء(١).
أما الصوم: فالمقصود به الصمت، صيانةً
لها عن الكلام مع المتهمین لها؛ ولأن عیسی
عليه السلام تكلم عنها (٢).
وأما حكمة خلق عيسى عليه السلام بلا
أب فقد قال الشنقيطي رحمه الله: ((من حكم
خلقه عيسى من امرأة بغير زوج؛ ليجعل ذلك
آية للناس، أي: علامة دالة على كمال قدرته،
وأنه تعالى يخلق ما يشاء كيف يشاء، إن شاء
خلقه من أنثی بدون ذکر کما فعل بعیسی،
وإن شاء خلقه من ذکر بدون أنثی كما فعل
بحواء، وإن شاء خلقه بدون الذكر والأنثى
معًا كما فعل بآدم، وإن شاء خلقه من ذکر
وأنثی کما فعل بسائر بني آدم، فسبحان الله
العظيم القادر على كل شيء))(٣).
وقصة الحمل بعيسى عليه السلام وقصة
ولادته دليل على بشريته عليه السلام.
مواجهتها لقومها: بعد ذلك كله جاءت
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٤٥/٢،
المختصر في تاريخ البشر، عماد الدين أبو
الفداء ١ / ١٩.
(٢) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣/ ٤،
(٣) أضواء البيان ٣٨٩/٣.
جاءت مريم إلى قومها وهي تعلم براءة
نفسها ونزاهتها، وهي واثقة من تبرئة الله
سبحانه وتعالى لها، قال لها قومها تلك
المقولة، وعجبوا من ذلك وهي من أهل
بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والزهد
والعبادة، فلم تتول هي الإجابة لنفي التهمة
عنها، ولكنها أشارت إلى وليدها، وهي
تعلم أنه ليس من أهل الكلام حتى يتولى
الرد عنها ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَنْ
كَانَ فِ الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].
ولكن من إيمانها بربها وثقتها به فعلت
ذلك، فأنطق الله صاحب المهد ببراءتها
ونزاهتها، فنطق عيسى عليه السلام بعد
هذه الإشارة: ﴿قَالَ إِنّى عَبْدُ اللَّهِءَاتَنِىَ الْكِنَبَ
وَجَعَلَنِى فِيًّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ
وَأَوْصَغِي بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيًّا )
وَبَرَّ بِوَلِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا (٢)
وَالسَّلَمُ عَلَىّيَوْمَ وُلِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أَبْعَثُ
حَيَّاتٍ﴾ [مريم: ٣٠-٣٣].
ومن الملاحظ أن عيسى عليه السلام لم
يرد مباشرة على التهمة الموجهة لأمه، بل
إن مضمون كلامه فيه ردٌّ قويٌ عليهم بما
www. modoee.com
٢١
حرف العين
زعموا، فإن الله سبحانه وتعالى لا يعطي
الكتاب والنبوة لولد من زنى، إضافة إلى ما
وهبه الله من الأوصاف الجميلة التي توحي
ببركته ونزاهة أمه وطهارتها (١).
حوارات عيسى عليه السلام
أولًا: حوار عيسى عليه السلام مع ربه
عز وجل:
عيسى عليه السلام نبي الله تعالى
ورسوله، فهو واحد من الأنبياء الذين
أرسلهم الله لهداية البشر، ورسول تعتبر
تعاليمه ورسالته تكملة وامتدادًا لتعاليم
الرسل الذين جاؤوا من قبله، وتهيئة
للتعاليم التي سيأتي بها النبي صلى الله عليه
وسلم(٢).
ودعوة كل الرسل هي الدعوة إلى التوحيد
وإخلاص العبادة لله تعالى وحده، قال جل
جلاله: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا
أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَ فَمِنْهُمٍ
مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الصَّلَلَةُ
فَسِيرُوا فِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [النحل: ٣٦].
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا
نُوجِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ
٢٥
[الأنبياء: ٢٥].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أولی
الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة،
والأنبياء إخوةٌ لعلاتٍ أمهاتهم شتى ودينهم
(١) انظر: دعوة عيسى عليه السلام في الكتاب
والسنة ص٨- ٩.
(٢) انظر: عيسى المسيح والتوحيد ص٢٢١.
٢٢
القرآن الكريم
عيسى عليه السلام
واحدٌ)(١).
وعن قتادة رحمه الله: أرسلت الرسل
بالإخلاص والتوحيد، لا يقبل منهم عمل
حتى يقولوه ويقروا به، والشرائع مختلفة،
في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة،
وفي القرآن شريعة، حلال وحرام، وهذا كله
في الإخلاص لله والتوحيد له(٢).
فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلى الله تعالى، وأنه اجتهد وأخلص في
هم أصحاب الدعوة إلى التوحید، وأهم أكثر
البشر التزامًا بهذه الدعوة وتحقيقًا لها، ومنهم
عيسى ابن مريم عليهما السلام الذي وصفه
ربه عز وجل بأنه من الصالحين: ﴿وَيُكَلِّمُ
النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ )
[آل عمران: ٤٦].
ومن اتصف بالصلاح كان قدوة حسنة
لمتبعیه.
وقد ظهر إجلاله علیه السلام لربه تعالى،
وإخلاصه له، وعبوديته، فها هو يدعو قومه
إلى التوحيد، ويبين لهم عاقبة الشرك:
﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّ
وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ, مَن يُشْرِكِ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ
عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
أَنْصَارِ ﴾ [المائدة: ٧٢].
﴿وَلَمَّاجَآءُ عِيسَى پِالْبَیِنَتِ قَالَ قَدْ چِقْتُكُمُ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء،
باب قوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم)،
١٦٧/٤، رقم ٣٤٤٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ١٥.
بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيْنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ
فِيّةٌ فَتَّقُواْ اللّهَ وَطِيعُونِ (٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ
فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [الزخرف:
٦٣ - ٦٤].
وقد حكى الله تعالى حوارًا يكون بينه
عز وجل وبين عيسى عليه السلام، يقر
فيه عيسى عليه السلام بعبوديته، وافتقاره
دعوة قومه إلى التوحيد، وإفراد العبادة لله
سبحانه، رغم ما حصل من انحراف بعضهم،
وتأليههم لعيسى عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَحِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ
ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ
اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِيَّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ
◌ِ بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ, تَعْلَمُ مَا فِى
نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ اٌلْغُيُوبِ
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَا أَمْتَفِ يِّ أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ
١١٦
رَبِّ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمَّ فَلَمَّا
تَوَفَيْتَنِ كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ شَهِيدٌ ) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادُكَ وَ إِن تَغْفِرْ
﴾ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ
١٩٨
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَبِزُ لْكِيُ لا
يَنْفَعُ الصَّْدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّتُ تَجٍِ مِن شَمْتِهَا
اُلْأَنْهَرُ خَالِينَ فِهَا أَبَدًا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ
اٌلْفَوْزُ الْعَظِيمُ { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
[المائدة: ١١٦-
فِهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيّا )﴾
١٢٠ ].
قال جمهور المفسرين: هذا القول يكون
www. modoee.com
٢٣
حرف العين
من الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق؛ لأن
عبادة النصارى لعیسی علیه السلام حدثت
بعد رفعه، والمراد به توبيخ النصارى، وتبرئة
عيسى عليه السلام مما نسبوه إليه، فيقول
الله هذا الكلام لعيسى عليه السلام، فيتبرأ
عيسى عليه السلام ويقول: سبحانك عن
هذا الكلام القبيح، وعما لا يليق بك.
وقد تقدم في هذه السورة ما يثبت براءة
عيسى عليه السلام من مثل هذه المقالة،
وذلك قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ
يَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَنِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ, مَن
يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اَللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ
النَّارِ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾
[المائدة: ٧٢](١) .
ثانيًا: حوار عيسى عليه السلام مع بني
إسرائيل:
بدأ عيسى عليه السلام حواره مع قومه
وهو في المهد، فقد رد عن أمه بقوله:
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِمُ مَن كَانَ فِ
اَلْمَهْدِ صَبِيًّا ؟ قَالَ إِ عَبْدُ اللَّهِءَاتَنَنِىَ الْكِتَبَ
وَجَعَلَنِى فِيًّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ
وَأَوْصَغِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيًّا )
(١) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
٢٥١/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٢٣٢/٣، البحر المحيط في التفسير، أبو
حيان ٤ / ٤١٦، التحرير والتنوير ١١٢/٧.
وَبَرَّا بِوَالِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا
٣٢
وَالسَّلَمُ عَلَىَ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ
حَيَّا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣٣].
وكان عيسى عليه السلام قد بعث لدعوة
بني إسرائيل خاصة.
قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِيّ إِسْرَاهِيلَ أَنِّ قَدْ
جِثْتُكُمْ بِكَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩].
فدعاهم عليه السلام إلى التوحيد، وإلى
إخلاص العبادة لله تعالى وحده: ﴿إِنَّ اللّهَ
رَّ وَرَبُّكُمْ فَلْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ
﴾ [آل عمران: ٥١].
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَّ
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَنَبَنِىّ إِسْرَّوِيلَ
أُعْبُدُواْ اللَّهَ رَِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ, مَن يُشْرِكِ بِاللّهِ
فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارٌ وَمَا
﴾ [المائدة: ٧٢].
٧٢
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارِ
﴿وَإِنَّ اللّهَ رَبِي وَرَبَّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ
مُسْتَقِيمٌ ﴾ [مريم: ٣٦].
﴿إِنَّاللَّهَ هُوَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ
مُسْتَقِيمٌ ﴾ [الزخرف: ٦٤].
وکان عیسی علیه السلام قد أرسل مقررًا
لشريعة موسى عليه السلام في التوراة، مع ما
جاء به في الإنجيل، قال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا
لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَّةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ
بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم ◌ِئَايَةٍ مِّن
رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥)﴾ [آل عمران:
٥٠].
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
٢٤
عيسى عليه السلام
قال ابن کثیر رحمه الله: «فیه دلالة علی
أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة
التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن
العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما
أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه خطأ،
وكشف لهم عن الغطاء في ذلك، كما قال
في الآية الأخرى: ﴿وَلِأَبَيْنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى
(٣)﴾ [الزخرف:
تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
٦٣] والله أعلم))(١).
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى
ءَاثَِّهِم بِعِيسَى أَيْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
التَّوْرَنَّةِ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِيلَ فِيهِ هُدِّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا
لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَكَةِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
٥﴾ [المائدة: ٤٦].
كما تضمنت دعوة عيسى عليه السلام
البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمْ يَبَفِىّ إِسْرَّهِ يلَ إِنِّ رَسُولُ اللّهِ
إِلَيْكُ مُّصَدِّقًالِّمَا بَيْنَ يَدَقَّ مِنَ الثَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولِ يَآتِى
مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَحَدٌ﴾ [الصف: ٦].
واتخذ عيسى عليه السلام من قومه
﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى
أنصارًا، قال تعالى:
مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللّهِ قَالَ
الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ مَامَنَّا بِاللّهِ وَأَشْهَدْ
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ٥٢].
(١) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
١/ ٢٥١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٢٣٢/٣، البحر المحيط في التفسير، أبو
حيان ٤ / ٤١٦، التحرير والتنوير ١١٢/٧.
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اَللَّهِ كُمَا قَالَ
عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمٌ لِلْحَوَارِِّنَ مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللَّهِ قَالَ
اْوَارِبُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ فَشَامَنَت ◌ََّيِفَةٌ مِنْ بَنِى
إِسْرََّيلَ وَكَفَرَت ◌َِّنَةٌ فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوْهِمْ
فَأَصْبَحُواْظَهِينَ﴾ [الصف: ١٤].
فطلب النصرة ليحتمي بها من قومه،
ويظهر الدعوة. وهذه سنة الله في أنبيائه
وأوليائه، وقد قال لوط عليه السلام: ﴿قَالَ
لَوْ أَنَّلی پِكُمْ قُوّةً أَوْ ءَاوِى إِلَى رُگِ شَدِید
٨٠
[هود: ٨٠].
أي: عشيرة وأصحاب ينصرونني(٢).
وكان من أساليبه عليه السلام أن دعاهم
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَبَ
بالحكمة، قال تعالى:
وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَةَ وَالْإِنجِيلَ
[آل
٤٨
عمران: ٤٨].
﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَالتَّوْرَكَةَ وَاَلْإِنجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠].
وبالموعظة: قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ
اُلْحَوَارِيُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ
رَبُّكَ أَنْيُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآَيِدَةً مِّنَ السَّمَدِ قَالَ أَتَّقُواْ
اُللَّهَ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ (١)﴾ [المائدة: ١١٢].
قال الإمام الطبري رحمه الله: ((وأما
قوله: ﴿قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾
فإنه يعني: قال عيسى للحواربين القائلين
له: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآيِدَةً
مِنَ السَّمَآءِ﴾: راقبوا الله أيها القوم، وخافوا
(٢) تفسير القرآن العظيم ١/ ٣٦٦.
www. modoee.com
٢٥
حرف العين
أن ینزل بکم من الله عقوبة علی قولكم هذا،
فإن الله لا يعجزه شيء أراده، وفي شككم
في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء
كفر به، فاتقوا الله أن ينزل بكم نقمته ﴿إن
كُنْتُمُؤْمِنِينَ﴾))(١).
واستعمل معهم الترغيب والترهيب: قال
تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يََبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ, مَن يُشْرِك ◌ِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ
اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ أَنْصَارِ ﴾ [المائدة: ٧٢].
فكان من قوم عيسى عليه السلام فئة
معتدلة، آمنت به واتبعت دعوته، قال تعالى:
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ
أَنْصَارِىّ إِلَى اَللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ
اللَّهِ مَامَنَا بِاللَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
رََّآ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴾
[آل
عمران: ٥٢ - ٥٣].
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اَللَّهِكُمَا قَالَ
عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِنَ مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللّهِ قَالَ
اُلْتَوَارِبُونَ فَحْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ فَشَامَنَت ◌َطَايِفَةٌ مِّنْ يَفِى
إِسْرَيلَ وَكَفَرَت ◌َِّفَةٌ فَأَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوّهِمْ
فَأَصْبَحُواْظَهِرِينَ ﴾ [الصف: ١٤].
ومنهم فئة مفرطة كفرت ولم تؤمن:
﴿فَمَنْت ◌َآَيِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَةِيَلَ وَكَفَرَتَ طَآئِنَةٌ﴾.
[الصف: ١٤].
(١) جامع البيان ٧/ ١٣١.
جَوْبُو ◌َرَ النَّفَتَّ
القرآن الكريمِ
وتجاوزوا ذلك إلى التآمر عليه -عليه
السلام- ومحاولة قتله، قال تعالى:
﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ
إِلَىَّ وَمُطَهِرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ
أَبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُوَّ
إِلَّ مَرْجِعُكُمْ نَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْفِيهِ
تَخْتَلِفُونَ ﴾ [آل عمران: ٥٤-٥٥].
وثالثة أفرطت في حقه عليه السلام،
وخالفت دعوته، فقالوا مرة: بأنه هو الله،
وقالت أخرى: بأنه ابن الله، وثالثة: بأنه ثالث
ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوا کبیرًا.
وقد رد الله تعالى في كتابه كل هذه
الادعاءات؛ سعيًا إلى بيان الحقيقة
وتصحيحًا للعقيدة، فاستنكر كون المسيح
إلهًا، وشنع على من قال بأنه ابن الله، كما
رفض عقيدة التثليث (٢)
وأخبر سبحانه أن غلو النصارى في
المسیح، واعتقادهم أنه إله أو ابن لله کفر
بالله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَّ قُلْ فَمَن
يَمْلِكُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ
اَلْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ, وَمَن فِ
اُلْأَرْضِ جَمِيعًاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ )
[المائدة : ١٧].
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٩٧.
٢٦