النص المفهرس

صفحات 21-28

العين
﴿جَّتٍ وَعُيُونٍ﴾، مما يدل على أن العيون
وإكرام.
الثاني: ظاهر هذه الآيات يدل على للماء وليست للذهب، فالعيون شيء،
أن الغالب على قوم هود هو اللذات
المعنوية، وهي طلب الاستعلاء والبقاء
والتفرد والتجبر، والغالب على قوم صالح
هو اللذات الحسية، وهي طلب المأكول
والمشروب والمساكن الطيبة الحصينة (١).
٣. بنو إسرائيل.
امتن الله تعالی علی بني إسرائيل بمنن
عظيمة، وأنعم عليهم بنعم كثيرة متنوعة،
ومن ذلك هذه العيون التي رزقهم الله تعالى
إياها، والمشار إليها في موضعين من كتابه
هما قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَهُم مِّنِ جَنَّتٍ وَعُونِ
وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِّ
ON
إِسْرَيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩].
وقوله تعالى: ﴿ كَمْتَرَكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
وَزُرُوعِ وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ ﴾ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا
٢٥
فَكِهِينَ ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾
[الدخان: ٢٥ - ٢٨].
وفي تفسير العيون قولان:
أحدهما: عيون الماء، وهو قول
الجمهور.
والثاني: عيون الذهب، قاله ابن جبير (٢).
والظاهر ما رجحه الجمهور؛ لأن الله
تعالى قال: ﴿وَكُنٍُ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ بعد قوله:
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥٢٥/٢٤.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٥١/٥.
والكنوز شيء آخر، فضلًا عن أن الذهب
أول ما يكتنز من المعادن، فلفظ الكنوز يدل
علیه ويشمله، ولا ثمة داع أن يشار إليه ثانية،
فلغة القرآن منزهة عن العبث، والتكرار غير
المفيد، والله أعلم.
والموضعان يتحدثان عن إرث بني
إسرائيل للجنات والعيون والكنوز والمقام
الكريم، التي كانت لقوم فرعون بعد هلاكهم
«والمعنى: أخرجناهم من بساتينهم التي
فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة،
والمواضع التي كانوا يتنعمون فيها؛ لنسلمها
إلى بني إسرائيل، وسمى الله الكنوز بهذا
الاسم؛ لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله
تعالى، والمقام الكريم هو المنازل الحسنة
والمجالس البهية)»(٣).
وهذا يقتضي رجوع بني إسرائيل إلى
مصر؛ لأن هذه الجنات والعيون والكنوز
كانت لفرعون وقومه بمصر، ثم آت لبني
إسرائيل بعد غرق فرعون، فتمتعوا بها فترة
معينة، ثم خرجوا إلى الأرض المقدسة التي
دعاهم موسى عليه السلام لدخولها كما
جاء في قوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ
الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا نَرْئِدُواْ عَلَ
أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١].
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤ / ٥٠٦.
www. modoee.com
٥٧

حرفالعین
ويلاحظ على هذه الآيات الكريمة وجريانًا (١).
أمران:
الأول: أن آيات سورة الشعراء بمثابة
التفسير لآيات سورة الدخان، حيث فسرت
القوم الآخرين بأنهم بنو إسرائيل، وهذا يعد
من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، وهو مقدم
علی کل تفسیر.
الثاني: أن العبد بحسن طاعته وإقباله
على ربه، يمنحه النعم الكثيرة والهبات
الجزيلة، فبنو إسرائيل بإيمانهم أورثهم الله
تعالى ما كان لفرعون، ولما طغى فرعون
وتأله أهلکه، وأراح منه البلاد والعباد، والله
أعلم.
رابعًا: عيون الجنة وحورها:
الناظر في کتاب الله تعالی یجد عددًا غیر
قليل من الآيات الكريمة، ورد فيه أوصاف
لعيون الجنة و حورها مما يثير الاهتمام بها،
ويؤهلها لدراسة مستقلة، لذا كانت هذه
المسألة، وستكون الأوصاف مرتبة تبعًا
لورودها بالمصحف في مسألتين:
١. عيون الجنة.
١. الجارية.
هي: العين التي يجري فيها ومنها الماء
جریانًا سريعًا كثيرًا، غير بطيء ولا قليل.
والجري: المر السريع، وأصله كمر
الماء، يقال: جرى الماء يجري جريًا
وقد ورد هذا الوصف للعين في القرآن
في موضعین:
قال تعالى: ﴿فِهِمَا عَيْنَانِتَّْرِيَانِ﴾ [ الرحمن:
٥٠].
وقال تعالى: ﴿فِيَهَا عَيْنُّ جَارِيَةَ﴾ [الغاشية:
١٢].
وكلا الموضعين ورد وصفًا لعيون الجنة،
وجاء الأول بلفظ التثنية موافقة للسياق، وأن
من خاف ربه- على خلاف بين المفسرين
في المراد - له جنتان من صفتهما أنه
عَيْنَانِ تَجْرِهَانِ﴾﴾ [الرحمن: ٥٠].
وهاتان الجنتان تجريان بالزيادة والكرامة
على أهل الجنة.
وقيل: تجريان بالماء الزلال، إحداهما
التسنيم، والأخرى السلسبيل. وقيل:
إحداهما من ماء، والأخرى من خمر. وقيل:
تجريان في الأعالي والأسافل من جبل من
مسك(٢).
فإن كان الجنتان اثنتين لكل من خاف
مقام ربه، فلكل جنة منهما عین، فهما عينان
لكل من خاف مقام ربه، وإن كان الجنتان
جنسين فالتثنية مستعملة في إرادة الجمع،
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
١٩٤.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٣٤٠، زاد
المسير، ابن الجوزي ٢١٣/٤، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ١٧٨.
٥٨
جَوَسُولَة النفسية
الْقُرآن الكَرِيْمِ

العين
أي: عیون على عدد الجنات، وكذلك إذا
كان المراد من تثنية (جنتان) الكثرة كما أن
تثنية (عينان) للكثرة.
وفصل بین الأفنان وبین ذکر الفاکھة بذکر
العينين مع أن الفاكهة بالأفنان أنسب؛ لأنه
لما جرى ذكر الأفنان، وهي من جمال منظر
الجنة، أعقب بما هو من محاسن الجنات،
وهو عيون الماء؛ جمعا للنظيرين، ثم أعقب
ذلك بما هو من جمال المنظر، أعني: الفواكه
في أفنانها وملذات أذواقها (١).
أما الإفراد في قوله: ﴿فِهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِمَنِ﴾
فلعله؛ لأن عین اسم جنس، أي: عيون،
أو عين مخصوصة ذكرت تشريفًا لها(٢)،
وقيل: في الجنة العالية عين جارية في غير
أخدود(٣).
وسواء أكانت عينًا أم عينين أم عيونًا فهذا
مما يدل على كرامة أهل الجنة عند المليك
المقتدر سبحانه وتعالى، وأنه عز وجل
یکرمهم بتعدد ألوان النعيم لهم، وذلك
لتعدد أنواع الطاعات منهم، فنسأل الله
تعالی أن یجعلنا جمیعًا من أهل منه و کرمه،
اللهم آمين.
٢. النضاخة.
العين النضاخة هي: الفوراة شديدة
الفوران، كثيرة الماء مع حسنه وجماله.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٦/٢٧.
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٠/ ٤٦٣.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٣٨٧.
وفي ذلك يقول صاحب اللسان:
والنضخ شدة فور الماء في جيشانه وانفجاره
من ینبوعه.
وقال أبو علي: ما كان من سفل إلى علو
فهو نضخ، وعين نضاخة تجيش بالماء(٤).
ولم يرد هذا الوصف للعين إلا في موضع
واحد من التنزيل، وهو قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا
عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ [ الرحمن: ٦٦].
وعليه فـ﴿نَضَّاخَتَانِ ﴾ بمعنى: فوارتان،
وجل المفسرين على ذلك، وقال الضحاك:
﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ أي: ممتلئتان لا تنقطعان(٥).
وسواء أكان فورانها بالماء أم المسك
والعنبر أم الخير والبركة ونحو ذلك مما
ذكره المفسرون (٦)، فهذا مما يدل على
غاية إكرام الله تعالى لهم أيضًا، مع تعدده
وتنوعه، ولا حرج علی فضل الله تعالی.
والملحوظ هنا أن الله تعالى وصف
العين بالنضخ وهو أدون، وفي الآيات
السابقة بالجري، وهو أعظم؛ لأن الجري
أقوى من النضخ، والجنات الموصوفة
بالنضخ أدون وأقل درجة من السابقة؛ لأنه
تعالى قال في هذين دون الأوليين: ﴿وَمِنْ
دُونِهِمَا جَنَّنَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢].
وفي ذلك يقول صاحب (باهر البرهان):
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦١/٣، تاج
العروس، الزبيدي ٣٥٧/٧.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ٥٠٧
(٦) انظر: الكشف والبيان، الثعلبى ٩/ ١٩٣.
www. modoee.com
٥٩

حرف العين
((﴿فَضَّاخَتَانِ﴾ أي: فوارتان، والنضخ دون لهم بالمسك، وقيل: تخلق فيها رائحة
الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت
بالكافور (٤).
الجري، فلذلك كانتا دون الأوليين))(١).
والله أعلم.
٣. الكافور.
الكافور: شجر من الفصيلة الغارية
يتخذ منه مادة شفافة بلورية الشكل، يميل
لونها إلى البياض، رائحتها عطرية وطعمها
مر، وهو الذي يجعل في الطيب، وأصنافه
كثيرة (٢).
وقوله: ﴿مِزَاجُهَا ﴾ أي: يمازجه ماء هذه
العين التي تسمى كافورًا، وقال عكرمة:
مزاجها طعمها.
وقيل: إنما الكافور في ريحها لا في
طعمها، وقيل: أراد كالكافور في بياضه
وطيب رائحته وبرده؛ لأن الكافور لا
يشرب(٥)، وعليه فشراب أهل الجنة هنا من
وقيل: هو زيت يستخرج من شجرة تنبت
في بلاد الصين، يغلى حطبها ويستخرج منه عين ماؤها كالكافور بياضًا ورائحة وبرودة
وفضلًا.
زیت یسمی الکافور، وهو ثخن قد يتصلب
فيصير كالزبد، وإذا وقع حطب شجرة
الکافور في الماء صار نبيذًا یتخمر فيصير
مسكرًا، ولونه أبيض ذكي الرائحة منعش (٣).
وهذا الوصف ورد في موضع واحد
أيضًا هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ
مِن كَأْسِ كَانَ مِزَّاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنَا يَشْرَبُ
بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْسِيرًا﴾ [ الإنسان: ٥ - ٦].
والكافور في الآية قيل: هو اسم عين
في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته
وبرده.
(١) انظر: باهر البرهان في معانى مشكلات
القرآن، أبو القاسم النيسابورى.
(٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
٧٩٢/٢.
(٣) انظر: التحریر والتنوير، ابن عاشور ٣٥٣/٢٩.
(٦) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي ابن أبي
مَوَسُولَةُ التَّقِ
الْعُرْآن الكَرِيمِ
(٤) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٤٢٠/٦.
(٥) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١٠ / ٩٥،
معالم التنزيل، البغوي ٢٩٣/٨.
٦٠
والملوحظ هنا أن الله تعالى عبر بقوله:
﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ولم يقل: (يشرب منها)
-مع أنه المتبادر من الكلام- لأمرين:
الأول: أن الفعل (يشرب) عدي بالباء؛
لتضمينه معنى التلذذ أو الارتواء، والمعنى:
يتلذذ بها أو يروى بها عباد الله؛ لأن الشرب
قد يكون أقل من الارتواء، يؤتى الشخص
بإناء يشرب منه، فيشرب، لكن ليس إلى
درجة الارتواء، فقد يرتوي وقد لايرتوي،
وإذا أتي بشيء یشرب به فلابد أن يرتوي،
وعن قتادة: تمزج لهم بالكافور وتختم وعليه (فشرب به) بمعنى ارتوى لغة (٦).

العين
في المكان نفسه، يقال: شربت بالعين،
وسکنت بالبلد أي: أقمت فيها؛ لأن الباء قد
تكون للظرفية، إذن: شرب بالعين معناها:
أنه كان قطعًا موجودًا ومقيمًا فيها أو حولها
وشرب، أما شرب من العين ليس بالضرورة
أن یکون في العین، إذن اللذة تکون بشیئین:
بالمنظر وبالارتواء.
وفي ذلك يقول الراغب رادًا على من
ذهب إلى زيادة الباء أو بعضيتها في الآية:
((وقال بعضهم: الباء بمعنى (من) في قوله:
﴿عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:
٢٨].
وقوله: ﴿عَيْنَا ◌ِشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:
٦].
والوجه ألا يصرف ذلك عما علیه، وأن
العين هاهنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه
الماء لا إلى الماء بعينه، نحو: نزلت بعين،
فصار کقولك: مکانًا یشرب به))(١).
يَسْرَبُ بِهَا ﴾﴾ يدل
وعلى هذا فقوله:
لغة على الارتواء والوجود في المكان
حين الشرب، فتجتمع لهم لذة الشرب
مع الارتواء، ولذة المقام والوجود وعدم
المفارقة، فلاهم يفارقون هذا النعيم وهذه
طالب ١٢ / ٧٩١٢.
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
١٦١، لمسات بيانية، فاضل السامرائي
ص ١٠٠.
الثاني: أن (شرب به) يفيد معنى الوجود العيون، ولا هي تفارقهم إلى غيرهم،
وهذا أبعد للتنغيص والتكدير، ثم ختمت
الآية بقوله تعالى: ﴿يُفَجِرُونَهَا تَفْسِيرًا﴾ أي:
يتصرفون فيها حیث شاؤوا وأین شاؤوا، من
قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم،
نسأل الله تعالی أن نكون منهم أجمعين.
٤. السلسبيل.
الماء السلسبيل: هو الماء السهل اللذيذ،
سلس الجري (٢) والمساغ.
وقيل: هو عين في الجنة يوجد منها
طعم الزنجبيل، لا يشبه زنجبيل الدنيا،
يشربها المقربون صرفًا، ويمزج لسائر أهل
الجنة(٣).
وورد هذا الوصف أيضًا في موضع واحد
من التنزيل، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَفِهَا
كَأَسَّا كَانَ مِنَ اجُّهَا زَعْجِيلًا (٣) عَنَافِيهَا تُسَتَّى سَلْسِيلًا﴾
[ الإنسان: ١٧ - ١٨ ].
والسلسبيل صفة لعين ماء في الجنة
-على الراجح- ووصفت بذلك؛ لسلاسة
انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، يقال:
شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، وهو ما
كان من الشراب غاية في السلاسة، وجاءت
الباء مبالغة في هذا المعنى، والمراد: أنها في
طعم الزنجبيل، وليس فيها لذعة بل هي على
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٤١٨.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٣٠٠، معالم
التنزيل، البغوي ٢٩٦/٨.
www. modoee.com
٦١

حرف العين
نقيض اللذع وهو السلاسة(١).
والزنجبيل: مما كانت العرب تستطيبه
جدًا، فوعدهم الله تعالی أنهم يسقون في
الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة (٢).
وقال قتادة: سميت بذلك؛ لأنها سلسة
منقاد ماؤها حيث شاؤوا(٣)
وحکی ابن جرير عن بعضهم أنها سميت
بذلك؛ لسلاستها في الحلق، ورجح الطبري
أنها تعم ذلك كله، والأمر كما قال (٤)، والله
أعلم.
وفي ترجيح كون ﴿سَلْسَيلًا﴾ صفة للعين
لا اسمًا لھا یقول الطبري، بعد ذکره الأقوال
الأخرى: ((الصواب من القول في ذلك
عندي أن قوله: ﴿ُسَتَّى سَلْسِيلًا﴾ صفة للعين،
وصفت بالسلاسة في الحلق وإنما قلت
ذلك أولى بالصواب لإجماع أهل التأويل
على أن قوله: ﴿سَلْسِيلًا﴾ صفة لا اسم)(٥).
والله عز وجل جمع لأهل الجنة ألوانًا
من النعيم والعيون، فجعل شرابهم جامعًا
بين برد الكافور وطعم الزنجبيل من غير
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٤٢٣/٦، السراج المنير، الشربيني ٤ / ٤٥٦.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٢٩٦/٨.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٣٨/٢،
والطبري في تفسيره ٢٩/ ٢١٨.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٩/٢٤ - ١١٠،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٢/٨.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٩/٢٤ -
٠١١٠
لذع وريح المسك، وهؤلاء يمزج لهم من
هذا تارة ومن ذاك تارة، أما المقربون فإنهم
یشربون من کل صرفًا، كما قاله قتادة وغير
واحد (٦)، والله اعلم.
٥. التسليم.
عين (التسنيم): هي عين يمزج بها
الرحيق لأصحاب اليمين في الجنة، وأما
المقربون فيشربونها صرفًا، وهي المذكورة
في قوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن زَّحِيقٍ تَخْتُومٍ
اخِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ
٢٥
﴿ وَمِنَ اجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا
الْمُقَرَّبُونَ﴾ [ المطففين: ٢٥ - ٢٨].
وجل المفسرين على هذا القول.
واللفظ مأخوذ من (سنم) أي: ارتفع،
ومنه سنام البعير (٧).
والتسنيم: تفعيل من قول القائل: سنمتهم
العين تسنيمًا، إذا أجريتها عليهم من فوقهم،
فكان معناه في هذا الموضع: ومزاجه من ماء
ينزل عليهم من فوقهم فینحدر عليهم(٨).
وسميت بذلك؛ لأنها عين في الجنة
رفيعة القدر، أو أنها تجري فوق الغرف
والقصور، أو لأنها أرفع شراب في الجنة
أو أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في
أوانيهم، أو لأن ماءها عند الجري يرى فيه
ارتفاع وانخفاض، فهو التسنيم أيضًا، وذلك
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٢/٨.
(٧) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص٣٢٦.
(٨) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤ / ٣٠٠.
جوُو ◌َرَ النَّفِيـ
القرآن الكريمِ
٦٢

العين
لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع(١).
ولا مانع من الجمع بين هذه الأسباب
كلها، ولا حرج على فضل الله تعالى أن
تجتمع هذه الصفات لعين التسنيم، وبخاصة
أن الجنة فضلت بما لا عين رأت ولا أذن
سمعت ولا خطر على قلب بشر.
والناظر في سياقات الآيات الواردة في
عیون الجنة يلحظ أمرين:
الأول: أن بعض هذه العيون ورد في
وصفها قوله تعالى: ﴿وَمِنَاسُهُ,﴾ وقوله:
﴿كَانَ مِنَاجُهَا﴾ والبعض الآخر ليس كذلك،
ومن خلال استقراء كتب التفسير وجدت
أن العلة في ذلك المغايرة بين جزاء الأبرار
والمقربين، وتفاوت درجة كل منهم، فإذا
كان الحديث عن الأبرار جاءت الآيات
بالشراب الممزوج بغيره لنزول رتبتهم
عن رتبة المقربين، وإذا كان الحديث عن
المقربين كان شرابهم خالصًا صرفًا لعلو
مکانتهم.
الثاني: ورد في التعبير عن بعضها قوله:
﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ وذلك حين يكون الحديث
عن المقربين؛ للدلالة علي شربهم حتى
الري، مع الاستقرار والإقامة في المكان،
علي ما سبقت الإشارة إليه، والله أعلم.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤ / ٣٠٠،
المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٢٩.
٢. الحور العين.
من مشتقات مادة (عين) مجيئها في
القرآن الكريم بكسر العين (عين) وصفًا
للحور العين، والعين في الأصل جمع
(عيناء) وهي المرأة واسعة العين، وهو
وصف كذلك للبقر الوحشي.
وورد هذا الوصف في القرآن للحور
العین في أربع آیات هي:
قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَصِرَّتُ الطَّرْفِ
عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨].
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُودٍ
عِينٍ ﴾ [الدخان: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾
[الطور: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَحُرُ عِينٌ كَأَمْثَالِ
اُلُُّلُوِ الْمَكْتُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣].
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يلحظ
أمورًا:
الأول: أن الله تعالى وصف الحور فيها
بأنهن (عين) وهذا الوصف فسره العلماء
بتفسيرين:
* اتساع العين وكبرها مع حسنها
وجمالها، ومن ذلك قولهم: امرأة
عيناء، وهي الواسعة العين ويقال ذلك
لبقر الوحش، ومنه أيضًا: رجل أعين،
إذا كان ضخم العين واسعها (٢).
(٢) انظر: العين، الفراهيدي ٢٥٥/٢، تهذيب
www. modoee.com
٦٣

حرفالعین
شدة سواد الحدقة، مع شدة بياض ما في بقية الآيات بالبيض أو اللؤلؤ المكنون،
وهذا فيه من كمال الجمال ما فيه.
حولها، وهذا يضفي علي العين حسنًا
وبهاءً، ومنه قولهم: شاة عیناء، إذا اسود
عينتها، وابيض سائرها (١)، ولا مانع أن
الثالث: الاقتصار في وصف الحور على
هذه الصفة ﴿عِينٌ﴾ في الآيات المذكورة
يجمع الله تعالى للحور العين هذين مما يدل على أنها أصل لما سواها وغنية
عنه، وليس سواها كذلك، حتى صارت
الوصفين وأكثر، بل وأعظم من ذلك؛
إكرامًا لأهل النعيم، فاللهم اجعلنا منهم
أجمعين.
هذه الصفة بمثابة العلم عليهن، فإذا ذكرت
(العين) انصرف الذهن إليهن مباشرة.
الثاني: أنه تعالى وصفهن في بعض
الآيات بأنهن ﴿قَصِرَاتُ الطّرْفِ﴾ ثم وصفهن
ثانية بأنهن ﴿عِينٌ﴾ وكأن الوصف الأخير
وارد هنا على سبيل (الاحتراس)(٢)، حيث
إنه سبحانه لما وصفهن بأنهن قاصرات
الطرف؛ لشدة عفتهن وحيائهن -لا من
ضعف في العيون أو لعيب فيها- فلما
وصفهن بالوصف الأول احترس بالوصف
الثاني، حتي لا يظن بهن أي نوع من أنواع
العيب يسبب لهن قصر النظر (٣)، مع تشبيهن
وهذا غيض من فيض، وقليل من كثير،
مما لم تره عین، أو تسمع به أذن، أو يخطر
علي قلب بشر، فاللهم اجعلنا أجمعين من
أهل فضلك ورضوانك في الدنيا والآخرة
اللهم آمين اللهم آمين.
موضوعات ذات صلة:
الآيات الكونية، البصر، التفكر، الرؤية
اللغة، الأزهري ١٣١/٣، لسان العرب، ابن
منظور ٣٠٢/١٣ .
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٣١/٣،
المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٩٩.
(٢) الاحتراس هو: أن يؤتي في كلام يوهم خلاف
المقصود بما يدفع ذلك الوهم، وسمى بذلك
لأن فيه التوقي والاحتراز عن توهم خلاف
المقصود، ويسمى بـ ((التكميل)) أيضًا.
انظر: الإيضاح في علوم البلاغة، القزويني
٢٠٨/٣، الكليات، الكفوي ص ٥٥.
(٣) انظر: القاموس القويم، عبد الفتاح إبراهيم
٤٦/٢.
جَوْنُوبَةُ التَّقيمة
القرآن الكريمِ
٦٤