النص المفهرس
صفحات 41-46
غزوات الرسول مع اليهود سيدًا من سادات بني النضير، انتقل إلى خيبر لما أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة وكان من ذرية هارون بن عمران (١) (٢). وكان لزواجه صلى الله عليه وسلم منها حكمة بالغة، فقد كانت رضي الله عنها بنت سيد يهود خيبر، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم إعزازها وتكريمها وصيانتها من أن تفترش لرجل لا يعرف لها شرفها ونسبها في قومها، كما أن فيه رباط المصاهرة بين النبي واليهود عسى أن يكون هذا ما يخفف من عدائهم للإسلام، والانضواء تحت لوائه، (١) انظر: حاشيه الشهاب علي أنوار التنزيل، البيضاوي ٨/ ٧٩، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، أبو شهبة ٣٨٣/٢. (٢) حديث زواجه صلى الله عليه وسلم بصفية، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ١٣٥/٥، رقم ٤٢١١، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدمنا خیبر فلما فتح الله علیه الحصن، ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها، وكانت عروسًا، فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سد الصهباء حلت، فبني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صنع حيسًا في نطع صغير، ثم قال لي: (آذن من حولك) فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلي المدينة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءه بعباءةٍ، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب . والحد من مکرهم وسعيهم بالفساد، فدل ذلك على حسن أدبه وحنكته السياسية صلى الله عليه وسلم (٣). ٨. غنائم خيبر، فقد كانت غزوة خيبر من أكثر غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم غنيمة، من حيث الأراضي والنخيل والثياب والأطعمة وغير ذلك، ويدل على كثرتها قول السيدة عائشة رضي الله عنها: (لما فتحت خيير قلنا: الآن نشبع من التمر) (٤). (٣) السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، أبو شهبة ٢/ ٣٨٥. (٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٢٣٤. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ١٤٠/٥، رقم ٤٢٤٢. www. modoee.com ١٣٩ حرفالغين الدروس المستفادة ١. اليهود أهل غدر وخيانة. أظهرت غزوات النبي صلى الله عليه عتاد المسلمين وعدتهم، لكن حينما أخذ وسلم مع اليهود حقيقةً ثابتةً، وهي: أن اليهود على مر التاريخ والعصور، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا مصدر خطر داهم على الإسلام والمسلمين، فهم قوم خيانة وغدر ونقض للعهود والمواثيق، مهما عوملوا بالحسنى، وذلك سر لعنة الله التي حاقت بهم. قال تعالى: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِىّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَدَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]. وقال أيضًا: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِثَقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِشَايَتِ اللَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَّبِيَّةَ بِغَيْرِ حَقِّ﴾ [النساء: ١٥٥]. فلا يوثق في وعدهم، ولا أمان لهم. ٢. الأخذ بالأسباب. إن الأخذ بالأسباب قدر الاستطاعة والإمكان واستفراغ الجهد، هو سبيل النصر. قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اَللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فبالرغم من قوة اليهود العسكرية والاقتصادية وامتلاكهم الأسباب المادية التي تدفعهم إلى النصر، حتى اعتقدوا أنه لا يستطيع أحد أن يخرجهم من حصونهم لمتانتها وقوتها، في مقابل قلة المسلمون بأسباب النصر التي أمروا بها، وفَّى الله تعالى لهم وعده وحقق النصر لهم، قال تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهُ يَنَصُرَّكُمْ وَيُنَّيِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُُّ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَيِّلَنَّهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَاً يَعْبُدُونَفِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًاْ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. ٣. تربية الأفراد والأمم. الثقة بوعد الله عز وجل، وأن النصر من عند الله، وربط الأحداث بفاعلها الحقيقي وهو رب العزة سبحانه، وعدم الاكتفاء بالأسباب المادية، دون اللجوء إلى المسبب سبحانه وتعالى. قال عز من قائل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَبَىْ وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءُ حَسَنَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٧]. ٤. اجتماع أعداء الإسلام على أهل ١٤٠ جَوْسُو القرآن الكريم غزوات الرسول مع اليهود الإسلام. فتلك عادة ماضية في كل زمان ومكان، فلا تنقطع عداوتهم، وفي ذلك حكمة بالغة في الرجوع إلى الله، وصدق التوكل عليه، والإنابة والذل وإظهار الحاجة، وبذل الغالي لهذا الدین. قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِقُواْ نُورٌ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبِىَ اللهُ إِلَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]. إلا أن الله عز وجل حامي دينه، وناصر عباده المؤمنين. قال ابن القيم رحمه الله: ((فمن ظن بأنه لا ینصر رسوله، ولا یتم أمره، ولا يؤيده ویؤید حزبه، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه و كتابه، وأنه یدیل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة، يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا، فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزته وحكمته وإلھیته تأبى ذلك، وتأبی أن یذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به، العادلین به، فمن ظن به ذلك فما عرفه، ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته وكماله))(١). وعلى مر العصور وتقلب الدهور قول (١) زاد المعاد ٢٠٥/٣. الصادق: (بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر، والتمكين في الأرض) (٢). لكن الأمر مشروط بشروطه، ومقيد بقيوده: ﴿إِن تَنصُرُواْ اللَّهَيَنَصُرَّكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. ٥. نصر الله عز وجل لعباده المؤمنين. فيمدهم بجيش من عنده ولا يضيعهم، کما أنزل عليهم الملائكة يوم بدر، وأرسل الريح في غزوة الأحزاب، وهذا تحقيق لوعده سبحانه حيث قال: عَلَيْنَا حَقًّا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُذَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الحج: ٣٨]. ٦. جواز قتال من نقض العهد. ويوب الإمام النووي به في صحيح الإمام مسلم، فالصلح والمعاهدة والاستئمان بين المسلمين وغيرهم، كل ذلك ينبغي احترامه على المسلمين ما لم ينقض الآخرون العهد أو الصلح أو الأمان، وحينئذٍ يجوز للمسلمين قتالهم إن رأوا المصلحة في ذلك (٣). ٧. جواز هدم حصون الكفار وديارهم في الحرب. (٢) أخرجه أحمد في مسنده ١٤٦/٣٥، رقم ٢١٢٢٢. (٣) شرح صحيح مسلم، النووي ١٢ / ٩٢. www. modoee.com ١٤١ حرفالغين إذا دعت الضرورة إلى ذلك، كأن يستتر مع ذلك على أنه مسلم، فلم یخفر ذمته، ولم يعامله معاملة المشرك أو المرتد، وأجابه إلى ما أصر وألح عليه وذلك يدل على أن المنافق إنما يعامل في الدنيا من قبل المسلمين على أنه مسلم، وإن كان نفاقه مقطوعًا به. العدو بها ويتخذها وسيلة الإيذاء جيش المؤمنين، فإنه لا مناص من قطع الأشجار، وهدم البناء، على أنه ضرورة من ضرورات القتال(١). ٨. استطلاع أخبار العدو قبل بدء قتالهم. فإنه من إعداد العدة واتخاذ ما يلزم، كما وقع للزبير بن العوام في غزوة بني قريظة (٢). ٩. معاملة المنافقين معاملة المسلمین. حيث لم يتعرض النبي صلى الله عليه وسلم لرأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول، كما مر في غزوة بني قينقاع، وعامله (١) خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ٢/ ٦٦٤. (٢) التفسير المظهري ٧/ ٢٩٥. وحديثه: عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: كنت يوم الأحزاب، جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء، فنظرت فإذا أنا بالزبير علي فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثًا، فلما رجعت قلت: يا أبت رأيتك تختلف؟ قال: أو هل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم) فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه فقال: (فداك أبي وأمي). أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب مناقب الزبير بن العوام، ٢١/٥، رقم ٣٧٢٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما، ١٨٧٩/٤، رقم ٢٤١٦. وهذا لا ينافي أن يكون المسلمون في حذر دائم من المنافقين، وأن يكونوا في يقظة تامة أمام تصرفاتهم، فذلك من الواجبات البديهية على المسلمين في كل ظرف ووقت. ١٠ . الولاء والبراء. والولاء يعني: مناصرة الله ورسوله والمؤمنين، وإعانتهم والسكنى معهم، والبراء أن يقطع المؤمن صلته بالكفار، ولا يحبهم، ولا يناصرهم، ولا يقيم في أوطانهم إلا لضرورة، والولاء والبراء بذلك يقتضي تحريم التعاون مع الكفار ضد المسلمين، سواء بالنصرة أو المساعدة أو بأي شيء يتقوون به على قتال المسلمين. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُّوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَّهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهٌ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَأَ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ جَوَبُواحَرَ النَّفْسِيْ القرآن الكريمِ ١٤٢ غزوات الرسولريع اليهود [المجادلة: ٢٢]. كما أن عقيدة الولاء والبراء تحرم على المسلمين أيضًا أن يخذلوا إخوانهم المستضعفين، أو أن يتركوهم يقاتلون وحدهم، دون مناصرتهم وتقديم العون لهم. قال تعالى: ﴿وَإِنِ أُسْتَنَصَرُوكُمْ فِ اُلِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقَّ﴾ [الأنفال: ٧٢]. ١١. المنح تخرج من رحم المحن. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الظرف القاسي، والصحابة في حصار وجوع، وخوف شديد، إلا أن الله تعالى فرج کربھم، و کتب لهم النصر، وانبثق نور الإسلام ليخرج من هذا الضيق ليجوب أنحاء العالم، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى الَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠]. ١٢. أن المؤمن لا تزیده الکروب والشدائد إلا إيمانًا ويقينًا. بخلاف الذين في قلوبهم مرض، وهذا ما أظهرته غزوة بني قريظة. ١٣ . الإخلاص في الجهاد. لا بد تجريد النية عند الخروج في سبيل الله للجهاد أو غيره، وتقديم طلب رضا الله تعالى ورسوله على ما سواهما من أعراض الدنیا، واجتناب ما فعله من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، لطلبهم مجرد الغنائم. ١٤. حروب النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن للاعتداء والنهب أو التوسع. بل كانت فقط من أجل نشر عقيدة سامية تنير الدنيا، والقضاء على كل خبيث يؤذي الناس ويهدد حياتهم. ١٥. غزوات الرسول هي أحسن وأرفع الخطط التي يمكن التمثل بها على عصور القتال المتطور. من حيث اختيار مكان المواجهة ودقته والتهيئة العامة لصفوف الجيش والشعب قبل بداية الحرب. ففي غزوات الرسول تبلورت النظرية الحربية الإسلامية، والتي تعتبر مقومات النصر وليدة إرادة وصبر وثبات أمام الشدائد والحرب النفسية والدعائية التي يشنها العدو، كذلك الالتحام المباشر لأنه يرهب العدو، ويجعله في حالة ارتباك وعدم توازن کما حدث في فتح خيبر. ١٦. لابد للحق من قوة تحميه وتدافع عنه. وإذا لم يجد الباطل قوة توقفه، استشرى ضرره وشاع خطره، وظن الناس أنه الحق وأن ما عداه باطل، وهذا لا ينافي مبدأ www. modoee.com ١٤٣ حرفالغين الرحمة الذي شرعه الإسلام، فالرحمة لها موضعها، والشدة كذلك. وفي الختام: تمر السنون والأعوام وتظل غزوات النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود خاصةً نبراسًا وهاديًا يضيء لنا الطريق في تعاملنا مع اليهود، وأخذ الحذر منهم مهما أعطوا من المواثيق وإبرام العهود. موضوعات ذات صلة: غزوة أحد، غزوة الأحزاب، غزوة بدر، غزوة تبوك ١٤٤ قَضوري جوبيع القرآن الكريمِ