النص المفهرس

صفحات 21-40

غزوات الرسول يع اليهود
وفصل الفخر الرازي معنى الأخوة
المذكورة وذکر أنها تحتمل وجوها:
أحدها: الأخوة في الكفر، لأن اليهود
والمنافقين كانوا مشتركين في عموم الكفر
بمحمد عليه الصلاة والسلام.
ثانيها: الأخوة بسبب المصادقة والموالاة
والمعاونة.
ثالثها: الأخوة بسبب ما بينهما من
المشاركة فى عداوة محمد عليه الصلاة
والسلام(١)، والواقع أن التعبير القرآني
يجمع كل ذلك (٢).
وبین کتاب الله السر في فشل يهود بني
النضير وحلفائهم من المنافقين، وهو أنهم
يخشون المخلوق أكثر من الخالق لأنهم
لا يعلمون عظمة الله حتى يخشوه حق
خشيته، ثم أطلع المسلمين على سياسة
اليهود القتالية، وأنهم من جبنهم وهلعهم
لا يجرؤون على مواجهة جيش الإسلام
بالمبارزة والمقاتلة، فهم يقاتلون إما في
حصون أو من وراء جدر محاصرين، وما
يدور من تحالفات بين اليهود والمنافقين
إنما هو تحالف مصالح وأغراض إن اتفقت
حینا اختلفت أخرى.
قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِ
صُدُورِهِم مِّنَ اَللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٠٩/٢٩.
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن كثير ١٤٦/٣.
لَا يُقَئِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ قُرَّي
◌ُّعَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآهِ جُدُرٍّ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقَّنَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٣ -١٤].
وقد ضرب الله لهم المثل بما حل بيهود
بني قينقاع وحاق بهم للاعتبار والعظة.
قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِبًّا
ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الحشر: ١٥].
وشبه الله تعالى موقف المنافقين مع
اليهود ووعودهم بنصرتهم، وأنهم لما جد
بهم الحصار وأيقنوا بالقتال تخلوا عنهم
وأسلموهم للتهلكة، مثلهم بالشيطان، حينما
طلب من الإنسان أن يكفر فلما كفر تبرأ منه.
قال تعالي: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْقَالَ لِلْإِنسَنِ
أَكْفُرْ فَلَمَا كَفَرَ قَالَ إِنِّ بَرِىّءٌ مِنكَ إِّ
أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿ فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا
فِيِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَاً وَذَلِكَ جَزَّوْاْ الظَّالِمِينَ
[الحشر: ١٦ - ١٧].
رابعًا: علاقة قصة غزوة بني النضير
بموضوع سورة الحشر:
تقص آيات سورة الحشر واقعة يهود بني
النضير، وقد ورد فيها أغلب آيات السورة،
حتى أطلق عليها سورة بني النضير كما
تقدم، وقد ذكرت الآيات أهم أركان الغزوة
بما ينفع المسلمين في تعاملهم مع أعدائهم
من اليهود، وهي:
www. modoee.com
١١٩

حرفالغين
الاكتفاء بالأسباب دون التوكل علي
المسبب لا يكفي فى تحقيق النصر،
فقد اعتمد اليهود على قوتهم المادية
وعلى لن يهزموا أمام قوة المسلمين،
لكنهم تناسوا أن الحق سبحانه معهم
وهو ناصر عباده المؤمنين.
ثم بين سبحانه وتعالى حكم الفيء،
وكيفية تقسيمه.
علاقة اليهود بالمنافقين علاقة أخوة
ظاهرية، بدلالة أنهم بعدما وعدوا
اليهود بمآزرتهم ونصرهم، خذلوهم
وأخلفوا وعودهم معهم، فمثلهم كمثل
الشيطان حینما وعد الإنسان إن هو کفر
أن يحقق له ما يطلبه ويتمناه، فلما کفر
الإنسان تركه الشيطان وتبرأ منه، وهكذا
شأن المنافقین مع اليهود .
ثم كشف الحق سبحانه وتعالى عن
سياسة اليهود القتالية، وأنهم جبناء فهم
أحرص الناس على الحياة، قال تعالى:
﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْقٍ﴾
[البقرة: ٩٦].
وفى ذلك تثبيت للمؤمنين وتحريضهم
على قتالهم.
نتائج الغزوة:
١. هزيمة اليهود وانتصار المسلمين.
٢. تأكيد اليهود لمعنى الغدر والخيانة
ونقض العهود.
٣. كشف علاقة المنافقين مع اليهود،
وذلك من خلال تواطؤ عبد الله بن أبي
ابن سلول ومن تبعه من المنافقين مع
اليهود.
٤. نكث المنافقين للعهود، وخلفهم
للوعد، فبعد أن وعد عبد الله بن أبي ابن
سلول اليهود بنصرتهم ومعاضدتهم،
أسلمهم ونکث في وعده.
٥. إجلاء يهود بني النضير من المدينة
المنورة.
٦. إسلام رجلين من بني النضير، هما:
يامين بن عمير بن كعب، وأبو سعد
بن وهب، فأحرز النبي صلى الله عليه
وسلم أموالهما لهما ولم يقسمها (١).
٧. تشريع حكم الفيء في الإسلام.
٨. تكشف طبيعة اليهود التي تتسم
بالأذى والفساد، وذلك من خلال
تخريبهم لبيوتهم بأيديهم وهم
خارجون منها لئلا ينتفع بها من بعدهم
من المسلمين.
٩. غنائم المسلمين من الغزوة،
وقدرت بخمسين درعًا، وخمسين
بيضةً(٢)، وثلاثمائة وأربعین سیفًا، وقد
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٥٩،
السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، ابن حبان
٢٣٤/١ - ٢٣٧.
(٢) البيضة: الخوذة.
١٢٠
جَوَسُور
القرآن الكريم

غزوات الرسول مع اليهود
جعلها الله عز وجل خالصةً لرسول
الله صلی الله عليه وسلم فلم يخمسها،
ولم يسهم منها لأحد، ولکنه قسمها
بين المهاجرين والأنصار، بعد أن
استبقى قسمًا خصصت غلته للكراع (١)
والسلاح.
١٠. هذا بخلاف ما حمله اليهود معهم،
حيث حملوا أمتعتهم على ستمائة
بعير، ومعهم كميات كبيرة من الذهب
والفضة حتى إن سلام بن أبي الحقيق
وحده حمل جلد ثور مملوءًا ذهبًا
وفضة، بخلاف ما تركوه من النخيل،
مما يؤكد ثراء بني النضير وغناهم،
وأنهم لم يرعوا تلك النعم التي أنعم
الله بها عليهم (٢).
١١. لؤم اليهود ومكرهم، فبالرغم من
عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن
قتلهم، فقد خرجوا ومعهم الدفوف
والمزامير والقیان یعزفن من خلفهم،
حتی لا یشمت بهم المسلمون، فقصد
بعضهم خيبر وسار آخرون إلى أذرعات
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ١ / ١٧٢.
(١) الكراع: اسم لجميع الخيل.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ٤/ ١٦٥.
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٤٢٣/١٩، السيرة
الحلبية، أبو الفرج الحلبي ٢ / ٥٦٦، الروض
الأنف، السهينلي ٦/ ١٦٨.
(٣) (٤)
الشام
٠
١٢. اغتناء المهاجرين وإعفافهم، حيث
صارت لهم أموال من بني النضير،
وردهم ما أشركهم فيه إخوانهم من
الأنصار من الأموال(٥).
١٣. إيثار الأنصار إخوانهم المهاجرين
بالفيء، حيث قبلوا قسمة النبي صلى
الله عليه وسلم للفيء على المهاجرين
ولم يمتعضوا أو يتضجروا (٦).
(٣) أذرعات: بلد في أطراف الشام، بجاور أرض
البلقاء وعمان.
انظر: معجم البلدان، الحموي ١/ ١٣٠.
(٤) انظر: التفسير الحديث، دروزة ٣٠٦/٧.
(٥) عيون الأثر، ابن سيده ٧٣/٢.
(٦) أخرج القصة مختصرة البخاري في صحيحه،
كتاب التعبير، باب العين الجارية في المنام،
٣٨/٩، رقم ٧٠١٨.
وأخرجها مطولة الحاكم في المستدرك على
الصحیحین، ٢/ ٤٩٣، رقم ٣٦٩٦.
www. modoee.com
١٢١

حرفالغين
غزوة بني قريظة
لم يعتبر يهود بني قريظة (١) وهم الطائفة
الثالثة والأخيرة من طوائف اليهود الذين
سكنوا المدينة، بما حاق بأسلافهم من بني
قينقاع والنضير حينما نقضوا العهد، وحنثوا
فيه، فالغدر دأب أصيل لا ينفك عنهم
والمكر والخداع طبع لا يفارقهم.
قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا
تَّيَذَهُ، فَرِيقٌ مِنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[البقرة: ١٠٠].
ولذا وصفهم الخالق سبحانه وتعالى
بأخس الصفات، وهي شر ما دب على
الأرض.
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ { الَّذِينَ عَهَدتَّ
مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا
يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥-٥٦].
نزلت هذه الآيات في بني قريظة (٢).
(١) قريظة: بضم القاف، وفتح الراء، وسكون
التحتية، وبالظاء المعجمة، قال السمعاني:
اسم رجل نزل أولاده قلعة حصينة بقرب
المدينة، فنسبت إليهم، وقريظة والنضير
أخوان من أولاد هارون.
انظر: الأنساب، السمعاني ٣٧٩/١٠.
وقيل: إن بني قريظة كانوا يزعمون أنهم من
ذرية شعيب نبي الله، قال الحافظ ابن حجر:
وهو محتمل.
انظر: فتح الباري ٧/ ٤٠٨.
(٢) التفسير الوسيط ١٦٣٨/٣.
قال الطبري: ﴿الَّذِينَ عَهَدتَّ مِنْهُمْ﴾ يا
محمد، يقول: أخذت عهودهم ومواثيقهم
أن لا یحاربوك، ولا یظاهروا علیك محاربًا
لك، كقريظة ونظرائهم ممن كان بينك
وبينهم عهد وعقد(٣).
وقد كانت غزوة بني قريظة آخر غزوات
النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود
في المدينة، إذ تطهرت المدينة عقبها من
رجسهم وأحقادهم، وأمن المسلمون بعدها
على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، بعد القضاء
على الخطر الذي کان یهددهم فيها.
أولًا: زمان الغزوة ومكانها:
أما الزمان: فمن المعلوم أن غزوة بني
قريظة كانت عقب غزوة الخندق، فبعد انتهاء
النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق توجه
مباشرة صوب بني قريظة، ولقربهما جمعهما
بعض المفسرين في وقت واحد فقال: غزوة
الأحزاب أو الخندق وبني قريظة (٤).
وقد ذهب الجمهور من أهل التفسير
والسير والمغازي إلى أن غزوة الأحزاب
كانت في شهر شوال من السنة الخامسة (٥).
قال ابن كثير: والصحيح قول الجمهور
أن أحدًا في شوال سنة ثلاث، وأن الخندق
(٣) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٢١.
(٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٥٥/٢١.
(٥) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد ٦٥/٢،
شذرات الذهب، ابن العماد ١/ ١٢٢.
١٢٢
العضوي
مؤشّو ◌َةُ التَّقسيمة
القرآن الكريم

غزوات الرسولمع اليهود
في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم))(٧).
أعلم(١).
وذهب بعض العلماء إلى أنها كانت
في السنة الرابعة منهم: الإمام مالك بن
أنس(٢)، وموسی ابن عقبة(٣)، وابن قتيبة (٤)،
والبخاري(٥)، وابن حزم(٦).
وقد حاول البيهقي رحمه الله الجمع بين
القولين فقال بعد أن أورد الأقوال في ذلك:
((لا اختلاف بينهم في الحقيقة، وذلك لأن
رسول الله صلی الله علیه وسلم قاتل یوم
بدر لسنة ونصف من مقدمه المدينة في شهر
رمضان.
ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين
ونصف من مقدمه المدينة في شوال.
ثم قاتل يوم الخندق بعد أُحُد بسنتين
على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه
المدينة.
فمن قال: سنة أربع، أراد بعد أربع سنين،
وقبل بلوغ الخمس.
ومن قال: سنة خمس، أراد بعد الدخول
في السنة الخامسة وقبل انقضائها. والله
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٣/٦.
(٢) شذرات الذهب، ابن العماد ١٢٢/١، مرآة
الجنان وعبرة اليقظان، اليافعي ١٣/١.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٤/٦،
فتح الباري، ابن حجر ٣٩٣/٧.
(٤) المعارف ص ٧٠.
(٥) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٣٩٣/٧.
(٦) جوامع السيرة ص ١٤٧ .
قال ابن العماد: وجزم ابن ناصر الدين،
أنهما -أي: الخندق وبني قريظة- في
الخامسة، وهذا هو الصحيح، لأنه توجه
صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة في
اليوم الذي انصرف فيه من الأحزاب (٨).
وعن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم لما رجع يوم
الخندق، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه
جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال:
وضعت السلاح فوالله ما وضعته، فقال
رسول الله صلی الله علیه وسلم: فأين؟ قال:
ها هنا، وأومأ إلى بني قريظة، قالت: فخرج
إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم) (٩).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
(قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع
من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في
بني قريظة)(١٠).
(٧) دلائل النبوة ٣٩٥/٣.
(٨) انظر: شذرات الذهب، ابن العماد ١/ ١٢٢،
مرآة الجنان وعبرة اليقظان، اليافعي ١/ ١٣.
(٩) انظر: جامع البيان، الطبري ٧٣/١٩، معالم
التنزيل، البغوي ٦٢٧/٣، تفسير القرآن
العظیم، ابن كثير ٦/ ٤٠٠.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه،
كتاب الجهاد والسير، باب الغسل بعد الحرب
والغبار، ٤ /٢١، رقم ٢٨١٣.
(١٠) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً،
٢/ ١٥، رقم ٩٤٦.
www. modoee.com
١٢٣

حرفالغين
وأما المكان: فقد وقعت الغزوة في
منازلهم، وكانت تقع في الجنوب الشرقي
للمدينة شرقي قباء، حيث يمر وادي مهزور
والتي تبعد حوالي ٥ كم عن المسجد
النبوي في منطقة لا تزال معروفة قرب سد
بطحان (١).
ثانيًا: أسباب الغزوة:
كانت بنو قريظة تمثل خطرًا وشوكة في
ظهر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين،
فهم من ساكني المدينة، وهم أعلم بها من
غيرهم ممن لم يسكنها، وحصونهم خلف
المسلمين، وفي أقرب وقت يستطيعون
محاربة المسلمين وقتالهم، ورغم العهد
الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه
وسلم إلا أنهم لم يراعوه، وسرعان ما
نقضوه.
فعقب انتهاء النبي صلى الله عليه وسلم
من أمر بني النضير توجه كعب بن الأشرف
إلى كفار مكة، يستقويهم على قتال النبي
صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وجعل
يمدح دينهم، وهو عبادة الأوثان، ففضحه
الله تعالى بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ
نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ
وَالطَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى
مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١](٢).
(١) انظر: معجم البلدان، الحموي ١/ ٤٤٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٦٨/٨، تفسير
ولم يكتف اليهود بذلك، بل غدروا
في أشد الأوقات وأحلك الظروف، حينما
تحالفوا مع قريش وغطفان وتآمروا معهم
على قتال المسلمين.
ومن ذلك ما رواه ابن كثير: أن نفرًا من
اليهود، منهم كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق،
وسلام بن مشكم، وحيي بن أخطب
النضريون، وهوذة بن قيس وأبو عمار من
بني وائل، وهم كلهم يهود، خرجوا في نفرٍ
من بني النضير ونفرٍ من بني وائل، فأتوا
مكة، فدعوا قريشًا إلى حرب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ووعدوهم من أنفسهم
بعون من انتدب إلى ذلك، فأجابهم أهل مكة
إلی ذلك، ثم خرج اليهود المذكورون إلى
غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم.
فخرجت قريش يقودهم أبو سفيان بن
حرب، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة
بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على
فزارة، والحارث بن عوف المري على بني
مرة ومسعود بن رخيلة على أشجع قاصدين
المدينة لقتال النبي صلى الله عليه وسلم
والمسلمين(٣).
ولما وصلت الجموع قرب المدينة
وسلط الله عليهم جنوده من الريح والبرد
الشديد، انتكسوا على أعقابهم وفرق الله
ابن أبي حاتم ٣/ ٩٧٦.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٨/٢٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٣٨٤.
◌َرُ النَّفْسِيَة
جوبيه
القرآن الكريم
١٢٤

غزوات الرسول مع اليهود
تعالى جموعهم وألقى الرعب في قلوبهم، قريبًا منهم، ومن فوقهم يهود بني قريظة
وكان عددهم نحوًا من ثمانمائة مقاتل، وكان
عدد المسلمين إذ ذاك ثلاثة ألاف، هنالك
ارتعدت فرائص المؤمنين ودب الخوف في
قلوبهم.
وعادت قریش وغطفان مهزومین دون
تحقیق ما أتوا من أجله، فلم يلبث النبي صلى
الله عليه وسلم من عودته من الخندق حتی
أمره الله أن يتوجه لهؤلاء الأوغاد ليقضي
فيهم بحكمه تعالى، قال مقاتل بن سليمان:
(حين هزم المشركين عن الخندق بالريح
والملائكة أتى جبريل عليه السلام على
فرس، فقال: سر إلى بني قريظة فإن الله عز
وجل داقهم لك دق البيض على الصفا (١).
كانت هذه هي الأسباب التي دفعت
النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إلى
قتالهم.
ثالثًا: حديث القرآن عن الغزوة:
تحدث القرآن الكريم عن أهم وقائع
غزوة بني قريظة، وخصت سورة الأحزاب
بذكرها، قال ابن كثير رحمه الله: غزوة
الخندق هي: غزوة الأحزاب، وقد أنزل الله
الله تعالى فيها صدر سورة الأحزاب(٢).
فقال تعالى مخبرًا عن نعمه وفضله
وإحسانه إلى عباده المؤمنين في صرفه
أعداءهم، قريش وغطفان والذين بلغ
عددهم عشرة ألاف، حينما تألبوا عليهم،
ونزل المشركون شرق المدينة قريبًا من
أحد، ونزلت طائفة منهم في أعالي المدينة
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٣/ ٤٨٥.
(٢) السيرة النبوية، ابن كثير ١٧٨/٣.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيْحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَأْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرًا ) إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ
مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ
الْحَنَلِرَ وَتَظْتُونَ بِاللَّهِ الْقُّنُونَ هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ
اَلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالَا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:
٩-١١ ].
وقد ظهرت هذه النعمة حينما قورنت
بالواقع الذي عاشه النبي صلى الله عليه
وسلم والصحابة الكرام.
روى الطبري بسنده عن محمد بن
كعب القرظي، قال: (قال فتى من أهل
الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله،
رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال:
فکیف کنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا
نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه
يمشي على الأرض، لحملناه على أعناقنا،
قال حذيفة: يا ابن أخي، والله لقد رأيتنا مع
رسول الله صلی الله علیه وسلم بالخندق،
وصلى رسول الله هويا من الليل، ثم التفت
www. modoee.com
١٢٥

حرفالغين
إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل والله ما يطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا
القوم ؟ يشرط له رسول الله صلى الله عليه يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل.
وسلم إن يرجع أدخله الله الجنة)
فما قام أحد، ثم صلى رسول الله صلى
الله علیه وسلم هویا من اللیل، ثم التفت إلينا
فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول
الله صلی الله عليه وسلم هویا من اللیل، ثم
التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا
ما فعل القوم ثم يرجع، يشترط له رسول الله
صلى الله عليه وسلم الرجعة، أسأل الله أن
یکون رفيقي في الجنة).
فما قام رجل من شدة الخوف، وشدة
الجوع، وشدة البرد؛ فلما لم يقم أحد،
دعاني رسول الله صلی الله علیه وسلم فلم
یکن لي بد من القیام حین دعاني، فقال: (یا
حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر، ولا
تحدثن شيئًا حتي تأتينا).
قال: فذهبت فدخلت في القوم، والربح
وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم
قدرا ولا نارا ولا بناء؛ فقام أبو سفيان فقال:
یا معشر قریش، لینظر امرؤ من جلیسه، فقال
حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي،
فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان؛ ثم
قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله
ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الكراع
والخف، واختلفت بنو قريظة، وبلغنا عنهم
الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون،
ثم قام إلی جمله وهو معقول، فجلس
علیه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما
أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلي أن لا تحدث
شيئًا حتى تأتيني، لو شئت لقتلته بسهم.
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في
مرط لبعض نسائه؛ فلما رآني أدخلني بين
رجليه، وطرح علي طرف المرط، ثم ركع
وسجد وإني لفيه؛ فلما سلم أخبرته الخبر،
وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا
راجعين إلى بلادهم)(١).
وعن مجاهد في قوله: ﴿إِذْ جَآءَتَكُمْ
جُودٌ ﴾ قال: الأحزاب: عيينة بن بدر، وأبو
سفيان، وقريظة(٢).
ثم صورت الآيات المشهد، ومواقع
الأحزاب.
قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ
أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَيَلَغَتِ
اُلْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظْتُونَ بِاللَّهِ الْقُُّونَ )
هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْنَالَا شَدِيدًا﴾
[الأحزاب: ١٠- ١١].
مِن
إِذْ
قال یزید بن رومان قوله:
(١) جامع البيان، الطبري ٢١٥/٢٠.
(٢) تفسير مجاهد ص ٥٤٧.
١٢٦
جَوَسُوع
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

غزوات الرسول مع اليهود
فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَمِنكُمْ﴾ فالذین جاءوهم
من فوقهم: قريظة، والذين جاءوهم من
أسفل منهم: قريش وغطفان (١).
وفي هذا الوقت العصيب ظهر إيمان
المؤمنين ونفاق المنافقين، حيث شك
المنافقون في وعد الله، قال قتادة: قال أناس
من المنافقين: قد كان محمد يعدنا فتح
فارس والروم، وقد حصرنا هاهنا، حتی ما
يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته، ما وعدنا الله
ورسوله إلا غرورًا(٢).
وانسحب بعضهم من المعركة بحجة أن
بيوتهم عورة يخافون عليها السرقة وما هي
بعورة، فهم یریدون الفرار من الزحف، ولو
دخل الكفار عليهم من كل جهة من جهات
المدينة ثم سئلوا الكفر لكفروا سريعًا وما
ترددوا، وسيسألهم الله تعالی عن عهدهم
الذي نقضوه مع النبي صلی الله عليه وسلم،
وقد عینهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه
بأنهم بنو حارثة (٣).
كما أخبر القرآن أن فرارهم لن ينجيهم
من الموت إذا حل بهم، وأنه لا عاصم لهم
من أمر الله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٨/٢٠، تفسير
السمعاني ٢٦٣/٤، الدر المنثور، السيوطي
٦/ ٥٧٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٣/٢٠، تفسير
ابن أبي حاتم ٩/ ٣١٢٠.
(٣) انظر: تفسير السمر قندي ٥١/٣.
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ قَرَضُ مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا
غُرُورًا (٢) وَإِذْ قَالَتِ تَآيِفَةٌ مِنْهُمْ يَتَأَهْلَ يَغْرِبَ
لَا مُقَامَ لَكُمْ فَرْجِعُواْ وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ
التَّبِىِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُتَنَاعَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ
إِلَّا فِرَارًا ، وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ
سُئِلُواْ أَلْفِتْنَةَ لَتَوَّهَا وَمَا تَلَتَّئُواْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا
وَلَقَدْ كَانُواْ عَنْهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلٌ لَا يُوَلُّونَ
١٤
الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اَللَّهِ مَسْئُولًا ﴿ قُل لَّنْ يَنفَعَكُمُ
اٌلْفِرَارُ إِن فَرَّتُم ◌ِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا
تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُمْ مِنَ
اللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوَمَا أَوْأَرَادَ بِكُتْ رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ
لَّمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:
١٢-١٧].
ثم أخبر سبحانه عن إحاطة علمه
بالمعوقين غيرهم ممن شهد الحرب،
والمثبطين لعزائمهم بقولهم هلم إلى الإقامة
في الظلال والثمار، وهم مع ذلك بخلاء
بالمودة والشفقة عليكم، فإذا جاء الخوف
رأيتهم يجزعون ويفزعون كالذي اقترب
أجله، فإذا ذهب الخوف، ارتفعت أصواتهم
لطلب الغنيمة، أما عند البأس فأجبن قوم
وأخذلهم للحق، وهم بذلك قد جمعوا
الجبن والكذب وقلة الخير.
قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ
وَالْقَآَيِلِينَ لِإِخْوَبِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا
قَلِيلًا ( أَشِخَةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَّةَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ
www. modoee.com
١٢٧

حرف الغين
الْمَوْتِّ فَإِذَا ذَهَبَ لَلْنَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ الأحزاب، فما زادهم ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا
وتصديقًا بوعد الله تعالى، فقال: ﴿وَلَمَّارَمَا
اَلْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ.
وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا
وَسَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
أي: انقيادًا لأوامره وطاعةً لرسوله صلى
الله عليه وسلم.
قال الطبري: ولما عاين المؤمنون بالله
ورسوله جماعات الكفار قالوا تسليمًا منهم
لأمر الله، وإيقانا منهم بأن ذلك إنجاز وعده
لهم، الذي وعدهم(٢).
ثم عدد الله صفات المؤمنين في مقابلة
المنافقين الذين نقضوا العهد مع النبي صلى
الله عليه وسلم، وأن المؤمنين ثبتوا على
العهد والميثاق ولم ينكثوا أو يتراجعوا أو
يبدلوا.
قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُم
مَّن يَنْتَظِرٌ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا ◌َ لِيَجْزِيَ اللَّهُ
الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن
شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
[الأحزاب: ٢٣ -٢٤].
وورد في سبب نزول هذه الآية ما قاله
أنس بن مالك رضي الله عنه: نرى هذه
الآيات نزلت في أنس بن النضر رضي الله
(١) جامع البيان ٢٣٤/٢٠.
أَشِخَّةٌ عَلَى الْخَيْرِّ أُوْلَكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اَللَّهُ
أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿ يَحْسَبُونَ
اَلْكَْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّواْ
لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ يَسْتَلُونَ عَنْ
أَنْبَايِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِكُمَّا قَتَلُواْ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[الأحزاب: ١٨- ٢٠].
قال الطبري: يحسب هؤلاء المنافقون
الأحزاب، وهم قريش وغطفان، لم
ينصرفوا، وإن كانوا قد انصرفوا جبنا وهلعا
منهم(١).
فيظنون أنهم قريبون منهم وأن لهم
عودة، فإذا عاد الأحزاب ودوا لو أنهم ليسوا
معكم في المدينة بل في البادية يسألون عن
أخباركم، ولو كانوا بين أظهركم ما قاتلوا
معكم إلا قليلًا لجبنهم وذلتهم وقلة يقينهم
بالله تعالى، ثم علمهم الله تعالى أن عليهم
الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في
صبره ومصابر ته ومرابطته ومجاهدته، فقال:
لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ
لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللّهَ وَاَلْيَوْمَ الْأَخِرَ وَذَّكْرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
[الأحزاب: ٢١].
أي: هلا اقتديتم وتأسيتم بشمائله صلى
الله عليه وسلم.
ثم أخبر الله تعالى عن حال المؤمنين
الصادقين حينما نزل بهم البلاء، ورأوا
(٢) المصدر السابق ٢٣٦/٢٠.
١٢٨
القرآن الكريم

غزوات الرسول مع اليهود
عنه(١).
وأورد الطبري سبب نزولها في أنس
بن النضر، فروی بسنده عن أنس بن مالك
رضي الله عنه قال: (غاب أنس بن النضر
عن قتال يوم بدر، فقال: غبت عن قتال
رسول الله صلی الله علیه وسلم المشركين،
لئن أشهدني الله قتالا ليرين الله ما أصنع؛
فلما كان يوم أحد، انكشف المسلمون،
فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء
المشركون، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء،
يعني المسلمين، فمشى بسيفه، فلقيه سعد
بن معاذ، فقال: أي سعد، إني لأجد ريح
الجنة دون أحد، فقال سعد: یا رسول الله،
فما استطعت أن أصنع ما صنع، قال أنس بن
مالك: فوجدناه بین القتلى، به بضع وثمانون
جراحة، بين ضربة بسيف، وطعنة برمح،
ورمية بسهم، فما عرفناه حتى عرفته أخته
ببنائه، قال أنس: فكنا نتحدث أن هذه الآية
نزلت فيه، وفي أصحابه)(٢).
ثم أخبر تعالى أنه رد کید الکافرین بدون
قتال، بأن أرسل عليهم الربح والجنود
الإلهية.
(١) أسباب النزول الواحدي صـ ٣٦٧.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه،
كتاب تفسير القرآن، باب (فمنهم من قضى
نحبه)، ٦/ ١١٦، رقم ٤٧٨٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٢٤٠.
والحديث أخرجه أحمد في مسنده ٣١٨/٢٠،
رقم ١٣٠١٥، بإسناد صحيح .
قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ
لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى اَللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْفِتَالَ وَكَانَ
اللَّهُ قَوِيًّا عَزِزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
ورَدَ
قال الطبري: يقول تعالى ذكره:
اَللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ به وبرسوله من قریش
وغطفان، بكربهم وغمهم، بفوتهم ما أملوا
من الظفر، وخیبتهم مما کانوا طمعوا فيه من
الغلبة، لم يصيبوا من المسلمين مالا ولا
إِسارا ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بجنود
من الملائكة والريح التي بعثها عليهم(٣).
وبعث الله تعالى جندًا من الملائكة
لتثبیت المؤمنین، قال أنس رضي الله عنه:
(كأني أنظر إلي الغبار ساطعًا في زقاق بني
غنم، مو کب جبريل صلوات الله علیه حین
سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني
قريظة) (٤).
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم
فقال: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب،
اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم
وزلزلهم)(٥).
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٤٢/٢٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب مرجع النبي صلى الله عليه
وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة
ومحاصرته إياهم، ١١٢/٥، رقم ٤١١٨.
(٥) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٩٩/٢، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٧٠/٤.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه،
كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على
المشركين بالهزيمة والزلزلة، ٤ / ٤٤، رقم
www. modoee.com
١٢٩

حرف الغين
﴿وَأَنَزَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا
تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: ٢٦].
قال الطبري: وأنزل الله الذين أعانوا
الأحزاب من قريش وغطفان على رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعنى
بذلك بني قريظة(١)، وقذف في قلوبهم
الرعب والخوف، فريقًا تقتلون وتأسرون
فريقًا، إشارة إلى حكم سعد بن معاذ فيهم
من قتل الرجال وسبي النساء والذرية، ثم
أخبر سبحانه عن فضله على المؤمنين بما
نالوه من الغنائم نتيجة صبرهم وثباتهم على
وعد الله، فقال: ﴿وَأَوْرَفَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ
وَقْوَهُمْ وَرْضًا لَّمْ تَطَفُوهَاْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِ
شَىْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧].
أي: جعلها ملكًا لكم من قتلكم لهم،
والمراد بالأرض التي لم يطؤوها: خيير أو
مکة أو أرض فارس والروم.
قال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع
مرادًا(٢).
وقد حث القرآن الكريم أثناء الغزوة على
نبذ الخيانة والبعد عنها، قال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا
٢٩٣٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب استحباب الدعاء بالنصر عند
لقاء العدو، ١٣٦٣/٣، رقم ١٧٤٢.
(١) جامع البيان، الطبري ٢٤٣/٢٠.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٢٤٢، تفسير
القرآن العظیم، ابن كثير ٣٤٣/٦ - ٣٥٥.
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ
أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
قال بعض المفسرين: نزلت في أبي لبابة،
في الذي كان من أمره وأمر بنى قريظة، قال
الزهري: نزلت في أبي لبابة، بعثه رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأشار إلى حلقه: إنه
الذبح، قال الزهري: فقال أبو لبابة: لا والله،
لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت(٣).
وذلك لأنه أفشی سر رسول الله صلی الله
علیه وسلم بقتلهم.
رابعًا: علاقة قصة غزوة بني قريظة
بموضوع سورة الأحزاب:
تناولت سورة الأحزاب عدة
موضوعات، من أهمها غزوة الأحزاب
التي سميت السورة بها، وغزوة بني قريظة
كانت تابعة لغزوة الأحزاب، لأنها كانت
عقبها مباشرة بدون فصل بينهما، كما أنهما
مشتركتان في الأسباب، وقد عرضت
الآيات جانبًا هامًّا من جوانب هذه الغزوة،
فذكرت نعم الله على المؤمنين في صرفه
أعداءهم منهزمين بدون قتال، وفى كشفه
للطائفة المخادعة ممن نطقوا بالشهادتين
ظاهرًا دون العمل بها، وهم المنافقون،
حتى يحذرهم المؤمنون ولا يركنوا إليهم،
کما کشفت الآیات عن ثبات المؤمنین مهما
(٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ١٠٩/٢،
التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٥٣.
جَوَسُولَة النَّفْسِيَّة
الْقُرآن الكَرِيمِ
١٣٠

غزوات الرسولريع اليهود
تعرضوا للشدائد والمحن، فإن ذلك لا يثني
عزيمتهم ولا يضعف من عقيدتهم، وقد
كافأهم الله عز وجل نتيجة صبرهم، فرد
أعداءهم خائبين لم ينالوا خيرا، ونصرهم
على الفئة الخائنة الباغية، فأورثهم أرضهم
وديارهم وأموالهم، وأمنهم فى موطنهم
بالقضاء على آخر معاقل اليهود في المدينة.
خامسًا: نتائج الغزوة:
١. هزيمة اليهود وانتصار المسلمين
عليهم.
٢. تأكید هوية اليهود، و تثبيت صورتهم في
أذهان المسلمين، في غدرهم ونقضهم
العهد.
٣. مشروعية جواز إنزال أهل الحصن
على حكم حاكم عادل أهل للحكم:
وذلك في تولية النبي صلى الله عليه
وسلم سعد بن معاذ رضي الله عنه
الحكم على بني قريظة، قال أبو سعيد
الخدري رضي الله عنه: نزل أهل
قریطة علی حکم سعد بن معاذ، فأرسل
النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد
فأتى على حمارٍ، فلما دنا من المسجد
قال للأنصار: (قوموا إلى سيدكم،
أو خيركم) فقال: (هؤلاء نزلوا على
حكمك) فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبي
ذراريهم، قال: (قضيت بحكم الله)
وربما قال: (بحكم الملك)(١).
٤. مشروعية قتل المرأة إذا اشتركت
في القتال، أو تعرضت لسب النبي
صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة
رضي الله عنها قالت: (لم يقتل من
نسائهم - تعني: بني قريظة- إلا امرأة
واحدة، إنها لعندي تحدث، تضحك
ظهرًا وبطنًا، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم يقتل رجالهم بالسيوف، إذ
هتف هاتف باسمها أين فلانة؟ قالت:
أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حدث
أحدثته، قالت: فانطلق بها فضربت
عنقها، فما أنسى عجبًا منها أنها
تضحك ظهرًا وبطنًا وقد علمت أنها
تقتل)(٢). قال الواقدي: كانت قد قتلت
خلاد بن سوید، رمت علیه رحى، فدعا
رسول الله صلی الله عليه وسلم بها
وضربت عنقها بخلاد بن سويد (٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٦/٢٠.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه،
كتاب المغازي، بابٍ مرجع النبي صلى الله
عليه وسلم من الأحزاب، ١١٢/٥، رقم
٤١٢١، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب جواز قتال من نقض العهد
وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم
عدل أهل للحكم، ١٣٨٩/٣، رقم ١٧٦٨.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٩/٢٠.
والحديث أخرجه أبو داود في سننه، كتاب
الجهاد، باب فى قتل النساء، ٥٤/٣، رقم
٢٦٧١.
(٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٨/٨، معالم
www. modoee.com
١٣١

حرفالغين
وقال الخطابي رحمه الله: يقال: إنها
كانت شتمت النبي صلى الله عليه
وسلم وهو الحدث الذي أحدثته وفي
ذلك دلالة على وجوب قتل من فعل
ذلك (١).
٥. مشروعية النهي عن قتل الأطفال
في الحرب، فعن عطية القرظي، قال:
كنت من سبي بني قريظة، فكانوا
ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم
ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت(٢).
٦. مشروعية الجمع بين الصلوات
للضرورة، حيث أخر النبي صلى الله
عليه وسلم صلاة العصر، إلى ما بعد
الغروب، بسبب الأحزاب، قال علي
ابن أبي طالب رضي الله عنه: لما كان
يوم الأحزاب قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (ملأ الله بيوتهم وقبورهم
نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى
غابت الشمس)(٣). وهذا يدل على
التنزيل، البغوي ٦٣٠/٣.
(١) معالم السنن ٢٨١/٢.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١ /٥٦٨، لباب
التأويل، الخازن ٣٤٢/١.
والحديث أخرجه أبو داود في سننه، كتاب
الحدود، باب فى الغلام يصيب الحد،
٤/ ١٤١، رقم ٤٤٠٤، والنسائي في سننه،
كتاب الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي
١٥٥/٦، رقم ٣٤٣٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة
جواز الجمع جمع تأخير.
٧. تقسيم الغنائم، وكانت غنائم
بني قريظة كثيرة بالنسبة لما سبقها،
وخصوصًا في الأموال المنقولة،
ولذلك كان التوزيع فيها تطبيقًا للنص
القرآني ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ
فَأَنَّ لِلَّهِ ◌ُمُسَهُ، وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾
[الأنفال: ٤١]. قال ابن إسحاق رحمه
الله: قَسَمَ أموال بني قريظة ونساءهم
وأبناءهم على المسلمين، وأَعْلَمَ في
ذلك سُهْمَانَ الخيلِ وسُهْمَانَ الرجال،
وأخرج منها الخمس -أي: خمس الله
ورسوله وذي القربی-، و کان من بعد
الخمس في أربعة الأخماس، فكان
للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان،
ولفارسه سهم، وللراجل -من ليس له
فرس- سهم، وكانت الخيل يوم بني
قریظة ستا وثلاثین، وكان أول فيء وقع
فيه السهمان، وأخرج منهما الخمس،
فعلى سنتها وما مضى من رسول الله
صلى الله عليه وسلم وقعت المقاسم،
ومضت السنة في المغازي (٤).
والزلزلة، ٤٣/٤، رقم ٢٩٣١، ومسلم في
صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة،
باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي:
صلاة العصر، ٤٣٦/١، رقم ٦٢٧.
(٤) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٩/٨، معالم
١٣٢
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

غزوات الرسول يع اليهود
٨. وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه،
حيث توفي عقب حكمه في بني قريظة
مباشرة نتيجة جرح أصيب به، وقد ظهر
من إكرام الله تعالى له ما رواه أنس بن
مالك رضي الله عنه قال: لما حملت
جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون:
ما أخف جنازته، وذلك لحكمه في
بني قريظة، فبلغ ذلك النبي صلى الله
عليه وسلم فقال: (إن الملائكة كانت
تحمله)(١).
٩. خلو المدينة تمامًا من الوجود
اليهودي، الذي کان عنصرًا خطرًا، لديه
القدرة على المؤامرة والكيد والمكر.
١٠. القضاء على أمل قريش في وجود
حليف لها داخل المدينة، فبعد غزوة
بني قريظة انتهت محاولاتها للنيل من
المسلمين، أو الاعتداء عليهم.
التنزيل، البغوي ٦٣١/٣.
(١) انظر: التفسير المظهري ٣٢٩/٧.
والحديث أخرجه الترمذي في سننه، أبواب
المناقب، باب مناقب سعد بن معاذ، ١٧٣/٦،
رقم ٣٨٤٩.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٧/ ١٠٥١، رقم ٣٣٤٧.
غزوة يهود خيبر
سمیت خیبر بهذا الاسم نسبة إلى رجل
من العماليق نزلها، وهو خيبر بن قانية بن
مهلايل، وقال الحموي: أما لفظ خيبر فهو
بلسان اليهود: الحصن(٢).
وكان فتح خيبر بمنزلة وعد من الله
عز وجل لعباده المؤمنين، فبعد عودتهم
من الحديبية وبيعتهم للنبي صلى الله عليه
وسلم، وهي: بيعة الرضوان، دون أن يحققوا
مرادهم وهو زيارة البيت الحرام، أو أن يجنوا
غنائم، أراد الله تعالى أن يجازيهم بامتثالهم
أمر الله تعالى وأمر رسوله، وما لاقوه من
عناء وشدة، وكان الجزاء وافيًا حيث وفى
الله تعالى لهم طاعتهم تلك وامتثالهم
وصبرهم بجزائین: معنوي ومادي.
أما المعنوي: فهو إسباغ الرضى الإلهي
عليهم، وإنزال السكينة والطمأنينة على
قلوبهم، بسبب ما عمله في نفوسهم من
الصدق والوفاء، والسمع والطاعة.
وأما الجزاء المادي: فهو فتح خيبر،
وغنائمھا وأموالها.
وكان يهود خيبر من أقوى الطوائف
(٢) انظر: معجم ما استعجم من أسماء البلاد
والمواضع، البكري ٢/ ٥٢٣، معجم البلدان،
الحموي ٤٠٩/٢، مراصد الاطلاع على
أسماء الأمكنة والبقاع، البغدادي ١/ ٤٩٤،
الروض الأنف، السهيلي ٨٦/٧.
www. modoee.com
١٣٣

حرفالغين
اليهودية في بلاد الحجاز وأكثرهم عددًا
وعدة وأمنعهم حصونًا (١)، وهم على عادة
اليهود، استحكم بهم المكر، وغرهم المال
والسلاح الذي بأيديهم.
وحوت حصون خيبر عشرة آلاف مقاتل،
كانوا يخرجون كل يوم صفوفًا يستعرضون
قوتهم، ويسخرون من قوة المسلمين
وهم يرددون: «محمد يغزونا، هيهات!
هيهات!))(٢).
أولًا: زمان الغزوة ومكانها:
أما الزمان: فاختلف في تحديد وقتها
علي أقوال:
جاء في تفسير ابن المنذر عن ابن
إسحاق قال: خرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم في بقية المحرم سنة
سبع، فأقام يحاصرها بضع عشرة
ليلة إلى أن فتحها في صفر (٣). وذكر
الحافظ ابن حجر أقوالًا أخرى وهي:
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: كان
فتح خيبر سنة ست.
قال الحافظ: نقل الحاكم عن الواقدي،
وكذا ذكره ابن سعد أنها كانت في
جمادى الأولى، قال الحافظ: فالذي
(١) السيرة النبوية، ابن هشام ٣٢٨/٢.
(٢) مغازي الواقدي ٢/ ٦٣٤.
(٣) تفسير ابن المنذر ٢٤١/١.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ٥٧٧.
جوبية
القرآن الكريمِ
رأيته في مغازي الواقدي: إنها كانت
في صفر.
وقيل: کانت في ربيع الأول.
وأغرب من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
قال: (خرجنا إلى خيبر لثمان عشرة
من رمضان) الحديث (٤). قال الحافظ
ابن حجر: وإسناده حسن، إلا أنه خطأ،
ولعلها كانت إلى حنين فتصحفت،
وتوجيهه بأن غزوة حنين كانت ناشئة
عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها
في رمضان جزمًا.
أنها كانت سنة خمس، قال الحافظ
ابن حجر: وهو وهم، ولعله انتقال من
الخندق إلى خيبر، وأجاب بعضهم بأنه
أسقط سنة المقدم، أي: وقطع النظر
عن سنة الغزوة(٥).
والذي يظهر: أنها كانت في السنة
السابعة، وهذا ما رجحه الجمهور، قال ابن
القيم رحمه الله: الجمهور على أنها في
السابعة (٦).
وعلق الحافظ ابن حجر على ما سبق من
أقوال فقال: وهذه الأقوال متقاربة، والراجح
(٤) انظر: مصنف ابن أبي شيبة، ٣٩٤/٧، رقم
٣٦٨٨٠.
(٥) فتح الباري، ابن حجر ٤٦٤/٧.
(٦) زاد المعاد ٢٨١/٣.
١٣٤

غزوات الرسولمع اليهود
منها ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع
بأن من أطلق سنة ست بناه على أن ابتداء
السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع
الأول وهو ابن حزم، ولذا جزم أن خيبر سنة
ست لکن الجمهور على أن التاريخ وقع من
(١)(٢)
المحرم
وأما المكان: فوقعت الغزوة في خيبر
وهي: مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع،
تبعد عن المدينة حوالي ١٦٥ كيلو متر
شمالًا على طريق الشام(٣).
وكان أهلها يسكنون في حصون، وكانت
حصونهم ثلاثة مجاميع، تمتد من الجنوب
إلى الشمال، يتخللها النخيل والزروع
والمنازل المتفرقة، وهذه المجاميع هي:
النطاق، والشق، والكتيبة.
أما النطاة: فكانت ثلاثة حصون: ناعم،
والصعب، وقلة.
وأما الشق: فكانت حصنين، أبي،
والبريء.
وأما الكتيبة: فكانت ثلاثة حصون،
(١) فتح الباري، ابن حجر ٧ /٤٦٤.
(٢) انظر: مغازي الواقدي ٦٣٤/٢، السيرة
النبوية، ابن هشام ٣٢٨/٢، السيرة النبوية
وأخبار الخلفاء، ابن حبان ١/ ٣٠٠، جوامع
السيرة، ابن حزم ص١٦٧ .
(٣) معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع،
البكري ٥٢١/٢، معجم البلدان، الحموي
٤٠٩/٢، وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى،
السمهودي ٤/ ٧٤.
القموص، الوطيح، والسلالم(٤).
ثانيًا: أسباب الغزوة:
لما اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم
من خطر اليهود في المدينة بالقضاء على
آخر معقل لهم وهم بنو قريظة، والذين
کانوا یشکلون تهدیدا محققًا، وأمن جانب
قریش بعقد الهدنة معھم ومع حلفائهم تباعًا
في الحديبية، أراد أن يقضي على الخطر
المحدق به والذي یهدد أمنه واستقراره من
جهة الشمال، وهو تجمع اليهود في خيبر.
حيث استقر بعض زعماء بني النضير
وأتباعهم في خيبر بعد أن أجلاهم النبي
صلى الله عليه وسلم عن المدينة وتزعموا
يهود المنطقة، وساقوهم إلى عداء
المسلمين، كما أنهم هم من ذهبوا وحرضوا
قريشا وقبائل العرب من أسد وغطفان
وغيرها على التحزب والزحف على المدينة
لاستئصال شأفة الإسلام، كما حرضوا
زعماء بني قريظة على الغدر والنكث مما
نتج عنه وقعة الأحزاب ثم وقعة بني قريظة.
وقد استمروا على عدائهم بعد ذلك
وظلوا يحرضون قبائل العرب ويغرونهم
بغزو المدينة، مما حدا بالنبي صلى الله
عليه وسلم إلى السير إليهم، للقضاء على
هذا الخطر الذي يهدد أمن المسلمين
(٤) التفسير المظهري ٩/ ٢٦.
www. modoee.com
١٣٥

حرف الغين
واستقرارهم(١).
ثالثًا: حديث القرآن عن الغزوة:
جاء الحديث عن غزوة خيبر في القرآن
ضمن الحديث عن صلح الحديبية، فبعد
أن انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من
أمر مشركي مكة بالهدنة في الحديبية،
وكان قد تخلف عنه أناس أرادوا الخروج
لمجرد الغنيمة، فلما علموا بخروج النبي
صلى الله عليه وسلم إلى خيبر وبها غنائم
كثيرة، طلبوا منه أن يخرجوا معه، لكن النبي
صلى الله عليه وسلم رفض أن يخرجوا معه
لأنهم تخلفوا عن الحديبية بدون عذر، وكان
خروجهم لطلب الغنائم لا لنصرة دين الله.
قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا
أَنْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَّبِعَكُمّ
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اللّهِ قُل لَّنْ تَتَّبِعُونَا
كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلٌ فَسَيَقُولُونَ بَلّ
تَمْشُدُ ونَنَّأَ بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح:
١٥].
قال الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه
محمد صلى الله عليه وسلم: سيقول يا
محمد المخلفون في أهليهم عن صحبتك
إذا سرت معتمرا تريد بيت الله الحرام،
إذا انطلقت أنت ومن صحبك في سفرك
ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من
الغنيمة ﴿لِتَأْخُذُوهَا﴾ وذلك ما كان الله
وعد أهل الحديبية من غنائم خيير ﴿ذَرُونَا
نِّقگُمْ﴾ إلى خيبر، فنشهد معكم قتال أهلها
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اَللَّهِ﴾ يقول:
یریدون أن یغیروا وعد الله الذي وعد أهل
الحديبية، وذلك أن الله جعل غنائم خيبر
لهم، ووعدهم ذلك عوضًا من غنائم أهل
مكة إذا انصرفوا عنهم على صلح، ولم
يصيبوا منهم شيئًا(٢).
وذلك أنهم لما منعوا من دخول مكة
لأداء العمرة، بايعهم النبي صلى الله عليه
وسلم على القتال، ثم صالحهم أهل مكة بما
عرف بصلح الحديبية، فلم يظفروا بشيء من
الغنائم التي ترقبوها عقب البيعة.
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن مكافأته لمن
صحب النبي وبايعه وامتثل أمره ممن شهد
الحديبية.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ
اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوْ فَعَلِمَ مَا
فِى قُلُوبِهِمْ فَأَزَلَ السَّكِنَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَتَبَهُمْ فَتْحًا
قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
قال الطبري: وأولى الأقوال في تأويل
ذلك بالصواب ما قاله مجاهد، وهو أن
الذي أثابهم الله من مسيرهم ذلك مع الفتح
القريب، المغانم الكثيرة من مغانم خيبر،
وذلك أن المسلمين لم يغنموا بعد الحديبية
(١) انظر: التفسير الحديث، دروزة ٦٠٠/٨.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢١٥/٢٢.
١٣٦
القرآن الكريمِ

غزوات الرسول مع اليهود
غنیمة، ولم يفتحوا فتحًا أقرب من بيعتهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية
إليها من فتح خيبر وغنائمها(١).
وقوله: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ
اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: ١٩].
قال الطبري: هي سائر المغانم التي
غَنَّمْهَمُوها اللهُ بعد خيبر، کغنائم هوازن،
وغطفان، وفارس، والروم(٢).
ثم وصف الله تعالى الغنائم بأنها كثيرة،
ومن مزید فضله أنه کف أيدي اليهود عنهم،
كما قال قتادة (٣)
قال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً
تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ
عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَبَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا
مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠].
قال مجاهد: ھی جمیع الغنائم إلی الیوم،
والمعجلة هي: فتح خییر (٤).
وفي هذه الغزوة تزوج النبي صلى
الله عليه وسلم بأم المؤمنين صفية بنت
حيي بن أخطب، فتكلم بعض الناس على
زواجه صلی الله عليه وسلم، فأنزل الله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لَعَنَهُمُ
اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِيْنَا﴾
(١) المصدر السابق ٢٣٠/٢٢.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق ٢٢/ ٢٣١.
(٤) تفسير العز بن عبد السلام ٢٠٦/٣، تفسير
القرآن العظیم، ابن کثیر ٣٣٩/٧.
[الأحزاب: ٥٧].
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
((نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله
عليه وسلم حين اتخذ صفية بنت حيي بن
أخطب»(٥).
رابعًا: علاقة قصة غزوة يهود خيبر
بموضوع سورة الفتح:
سميت سورة الفتح بأهم ما تناولته من
موضوعات وهو صلح الحديبية الذي عده
الصحابة: الفتح الحقيقي، لا فتح مكة كما
يتبادر إلى الأذهان، فعن البراء بن عازب
رضي الله عنه قال: (تعدون أنتم الفتح فتح
مکة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد
الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية)(٦).
وقد جاء ما يتعلق بغزوة خيبر من الآيات
في صورة الوفاء بالوعد الذي وعده الله
عباده المؤمنين من مكافأتهم بغنائم كثيرة،
نتيجة طاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم
ومبایعتهم له، فحقق الله تعالی لهم وعده،
ووفى أجرهم.
خامسًا: أهم نتائج الغزوة:
١. هزيمة اليهود وانتصار المسلمين.
٢. أحدث فتح خيبر دويًّا هائلًا في
(٥) جامع البيان، الطبري ١٩ / ١٧٩.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة الحديبية، ١٢٢/٥، رقم
٤١٥٠.
www. modoee.com
١٣٧

حرف الغين
الجزيرة العربية بين مختلف القبائل،
فقد أصيبت قريش بالإحباط إذا فقدت
حليفًا طالما تآمر معها ضد المسلمين.
٣. إسراع كثيرٍ من القبائل الموالية
لقريش إلى مسالمة المسلمين
وموادعتهم، مما ساعد على فتح مكة
بعد ذلك، وفتح الباب واسعًا أمام
نشر الإسلام في أرجاء الجزيرة بعد
أن تعززت مكانة المسلمين في أعين
أعدائهم، إلى جانب ما تحقق لهم من
خير وتعزيز لوضعهم الاقتصادي.
٤. القتلى من الجانبين، بلغت حصيلة
من قتل من اليهود في هذه الغزوة ثلاثة
وتسعین، واستشهد من المسلمين نحو
خمسة عشر رجلاً(١).
٥. مصالحة يهود خيبر، فبعد أن أيقن
الیھودبالھلاك، واستولی الیاس علیھم،
نتيجة تهاوي حصونهم واحدًا تلو
الآخر، طلبوا من النبي صلى الله عليه
وسلم الصلح على أن يحقن دماءهم،
فقبل الرؤوف الرحيم وصارت أرضهم
لله ولرسوله وللمسلمين، فلما أراد
النبي إجلاءهم سألوه أن يقرهم على
أن يعملوا في الأرض ولهم نصف ما
تخرجه الأرض، فقال لهم: (نقركم
(١) السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، أبو
شهبة ٢/ ٤١٧.
علي ذلك ما شئنا)(٢).
٦. محاولة قتله صلى الله عليه وسلم،
حيث تعرض النبي صلى الله عليه
وسلم لمحاولة اغتيال رغم عفوه
وصفحه عنهم، وذلك على يد امرأة
تدعى زينب بنت الحارث، وكانت
أهدت إلى النبي صلی الله عليه وسلم
شاة مشوية مسمومة (٣).
٧. زواجه صلى الله عليه وسلم
بالسيدة صفية، وهي أم المؤمنين
صفية بنت حيي بن أخطب، كان أبوها
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ /٢٣٤، لباب
التأويل، الخازن ٤ /١٦٣.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه،
كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي صلى
الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم
من الخمس ونحوه، ٤/ ٩٥، رقم ٣١٥٢.
(٣) وحديثها أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب الشاة التي سمت للنبي صلى
الله عليه وسلم بخيير، ٥/ ١٤٠ عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: کان رسول الله صلی الله
عليه وسلم يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة،
فأهدت له يهودية شاة مصلية سمتها، فأكل
رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأكل
القوم فقال: (ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني
أنها مسمومة) فمات بشر بن البراء بن معرور
الأنصاري، فأرسل إلى اليهودية، (ما حملك
على الذي صنعت؟) قالت: إن كنت نبيًّا لم
يضرك الذي صنعت، وإن كنت ملكًا أرحت
الناس منك، فأمر بها رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقتلت، ثم قال في وجعه الذي
مات فيه: (ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت
بخيير، فهذا أوان قطعت أبهري).
١٣٨
القرآن الكريم