النص المفهرس

صفحات 41-54

غزوة أحد
قال سيد: ((وظاهر من مناسبة هذه
الآيات في سياق المعركة، أن هذه كانت
أقوال المنافقين الذين رجعوا قبل المعركة،
والمشركين من أهل المدينة الذين لم يدخلوا
في الإسلام ولكن ما تزال بين المسلمين
وبينهم علاقات وقرابات.
وأنهم اتخذوا من مقاتل الشهداء في
أحد، مادة لإثارة الحسرة في قلوب أهلیھم،
واستجاشة الأسى على فقدهم في المعركة
-نتيجة لخروجهم-، ومما لا شك فيه أن
مثل هذه الفتنة والمواجع دامية، مما يترك
في الصف المسلم الخلخلة والبلبلة. ومن
ثم جاء هذا البيان القرآني؛ لتصحيح القيم
والتصورات، ورد هذا الكيد إلى نحور
كائديه، والله في تربيته للجماعة المسلمة
وفي ظلال غزوة أحد وما نال المسلمین فيها
يحذرهم أن يكونوا كالذين كفروا، أولئك
الذين تصيبهم الحسرات، كلما مات لهم
قريب وهو يضرب في الأرض ابتغاء الرزق
أو قتل في ثنايا المعركة وهو یجاهد»(١).
٢. نهي المؤمنين عن إطاعة الكفار.
قال الله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا
يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ فَتَنْقَلِيُواْ
خَسِرِينَ ( بَلِ اللَّهُ مَوْلَئُكُمْ وَهُوَ خَيْرُ
١٥٠
سَنُلْقِى فِي قُلُوبٍ أَلَّذِينَ
النَّصرِينَ
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٤٩٨.
كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاَللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَنَّا وَمَأْوَنُهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ
مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٩
١٥١].
أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله
في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه إن تطيعوا
الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد صلى
الله عليه وسلم من اليهود والنصارى فيما
يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه، فتقبلوا
رأيهم في ذلك وتنتصحوهم فيما يزعمون
أنهم لكم فيه ناصحون، فيحملونكم على
الردة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته
وبرسوله بعد الإسلام، فترجعوا عن إيمانكم
ودینکم الذي هداكم الله له هالکین، قد
خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم،
وذهبت دنیاکم وآخرتكم(٢).
وهذا نهي من الله للمؤمنين أن يطيعوا
الكافرين من المنافقين والمشركين، فإنهم
إن أطاعوهم لم يريدوا لهم إلا الشر، وهم
قصدهم ردهم إلى الكفر الذي عاقبته الخيبة
والخسران.
ثم أخبر أنه مولا هم وناصرهم، ففيه إخبار
لهم بذلك، وبشارة بأنه سيتولى أمورهم
بلطفه، ويعصمهم من أنواع الشرور (٣).
وفي ضمن ذلك الحث لهم على اتخاذه
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٧٦/٧
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٥١.
www. modoee.com
١٨٥

حرفالغين
وحده وليًا وناصرًا من دون کل أحد، فمن يجمعون في الدنيا من حطامها ورغید عيشها
الذي من أجله يتناقلون عن الجهاد في سبيل
الله، ويتأخرون عن لقاء العدو (١).
ولايته ونصره لهم أنه وعدهم أنه سيلقي في
قلوب أعدائهم من الكافرين الرعب، وهو
الخوف العظيم الذي يمنعهم من كثير من
مقاصدهم، وقد فعل تعالی.
ومن مظاهر الرعب التي ألقاها الله تعالى
في قلوب المشركين، أنهم بعد أن انتصروا
على المسلمين في غزوة أحد كان في
قدرتهم أن يوغلوا في مهاجمتهم وقتالهم،
إلا أن الرعب صدهم عن ذلك.
٣. الترغيب في الشهادة في سبيل
الله.
رغب الله سبحانه في الشهادة في سبيله،
وبين أنها سبب للمغفرة والرحمة، فقال:
﴿ وَلَيْن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ
اَللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ () وَلَيْن مُّتُمْ
أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُّحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧
-١٥٨].
أي: لا تكونوا، أيها المؤمنون، في
شك من أن الأمور كلها بيد الله، وأن إليه
الإحياء والإماتة، كما شك المنافقون في
ذلك، ولکن جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا
أعداء الله، على يقين منكم بأنه لا يقتل في
حرب ولا يموت في سفر إلا من بلغ أجله
وحانت وفاته، ثم وعدهم على جهادهم في
سبيله المغفرة والرحمة، وأخبرهم أن موتًا
في سبيل الله وقتلا في الله، خير لهم مما
٤. الأمر بالأخذ بالشورى.
شاور النبي صلى الله عليه وسلم
أصحابه في البقاء في المدينة والتحصن
فيها، أو الخروج لملاقاة المشركين.
وکان رأي النبي صلى الله عليه وسلم
البقاء في المدينة، وقال: أنا في جنة حصينة،
وكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع
رأي رسول الله صلی الله علیه وسلم، إلا
أن رجالا من المسلمین ممن کان فاته بدر،
قالوا بالخروج لملاقاة العدو.
قال ابن کثیر رحمه الله: «و أبی کثیر من
الناس إلا الخروج إلى العدو ولم يتناهوا إلى
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه،
ولو رضوا بالذي أمرهم کان ذلك، ولكن
غلب القضاء والقدر، وعامة من أشار عليه
بالخروج رجال لم یشهدوا بدرا، قد علموا
الذي سبق لأصحاب بدر من الفضيلة»(٢).
قال تعالی آمرًا نبيه صلی الله علیه وسلم
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
بالأخذ بمبدأ الشورى:
لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ
مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَمُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَّمِّيِّ فَإِذَا عَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
(١) جامع البيان، الطبري ٣٣٧/٧.
(٢) البداية والنهاية، ابن كثير ٤ /١٥.
١٨٦
صَوَهُو
القرآن الكريم

غزوة أحد
[آل عمران: ١٥٩].
اُلْمُتَوَكِّلِينَ﴾
قال الطبري: ((إن الله عز وجل أمر نبيه
صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما
حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألفًا منه
بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة
التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان وتعريفًا
منه أمته مأتى الأمور التي تحزبهم من بعده
ومطلبها؛ ليقتدوا به في ذلك عند النوازل
التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما
كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم
يفعله. فأما النبي صلى الله عليه وسلم،
فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه
من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب
ذلك. وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين
بفعله في ذلك، على تصادقٍ وتوخٍ للحق،
وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى
هوی، ولا حید عن هدی، فالله مسددهم
وموفقهم))(١).
وهذا من أعظم الدروس العملية من النبي
صلی الله عليه وسلم، حیث إن رأیه صلى
الله عليه وسلم كان البقاء في المدينة وقتال
المشركين فيها وفي الطرقات، ومن فوق
الدور، لكن لما كان رأي الأغلبية، مخالفا
لرأيه صلى الله عليه وسلم وكان الأمر محل
اجتهاد، نزل صلی الله عليه وسلم عن رأيه
لرأي الأغلبية، وكان ذلك تطبيقا رائعا رفيع
(١) جامع البيان، الطبري ٣٤٥/٧ - ٣٤٦.
المستوى منه صلى الله عليه وسلم لمبدأ
الشورى.
٥. تنبيه أهل الإيمان أن النصر بيد
الله.
عندما يكتب الله تعالى للمؤمنين النصر،
فلن تستطيع قوى الأرض كلها الحيلولة
دونه، وحين يكتب الهزيمة، فلن تستطيع
قوی الأرض أن تحول بينه وبين الأمة.
قال تعالى: ﴿إِن يَنصُرَّكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ
لَكُمّ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُكُم
مِّنْ بَعْدِمِهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل
عمران: ١٦٠].
أي: إن يمددكم الله بنصره ومعونته
﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾ فلو اجتمع عليكم من
في أقطارها وما عندهم من العدد والعدة؛
لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد وأخذ
بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا
تسكن إلا بإذنه.
﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾ ويكلكم إلى أنفسكم
﴿فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنصُرُّكُمْ مِّن بَعْدِهِ﴾ أي: فلا
بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق(٢).
٦ . أمر المؤمنين بالصبر اقتداء بأتباع
الرسل من قبل.
في نهاية المعركة ذکر الله حال کثیر من
الأنبياء السابقين الذين قاتل معهم جموع
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥٤.
www. modoee.com
١٨٧

حرفالغين
کثیرة من أصحابهم، فما ضعفوا لما نزل بهم
من جروح أو قتل؛ لأن ذلك كان في سبيل
ربهم، وما عجزوا، ولا خضعوا لعدوهم، بل
إنما صبروا على ما أصابهم.
قال تعالى: ﴿وَكَيِّن مِّن نَّبٍِّ قَتَلَ مَعَهُ
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
١٤٦
وَمَا ضَعُفُواْوَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
وَإِسْرَافَنَا فِىْ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى
اَلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ، فَانَهُمُ اللَّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا
وَحُسْنَ ثَوَابٍ الْآَخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل
عمران: ١٤٦ - ١٤٨].
قال ابن كثير: ((عاتب بهذه الآيات والتي
قبلها من انهزم يوم أحد، وتركوا القتال أو
سمعوا الصائح یصیح: إن محمدا قد قتل،
فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال)»(١).
القيادة النبوية في الغزوة
تجلت القيادة النبوية في غزوة أحد في
أمور عدة منها:
١. جمع المعلومات عن العدو.
حصل النبي صلى الله عليه وسلم في
وقت مبكر على المعلومات الكافية عن
استعداد قريش لغزو النبي صلى الله عليه
وسلم والمسلمين قبل تحركها، فأرسل
العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه
رسالة مستعجلة إلى النبي صلى الله عليه
وسلم ضمنها جميع تفاصيل الجيش.
وأسرع رسول العباس بإبلاغ الرسالة،
وجد في السير حتى إنه قطع الطريق بين مكة
والمدينة في ثلاثة أيام، وسلم الرسالة إلى
النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد
قباء.
وقرأ الرسالة على النبي صلى الله عليه
وسلم أبي بن كعب، فأمره بالكتمان، وعاد
مسرعا إلى المدينة، وتبادل الرأي مع قادة
المهاجرين والأنصار(٢).
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحباب بن المنذر بن الجموح إلى القوم،
فدخل فيهم، ثم جاء إلى النبي صلى الله
عليه وسلم فقال له: ما رأيت؟ قال: رأيت
يا رسول الله عددا ثم حزرتهم ثلاثة آلاف
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٣٠.
(٢) الرحيق المختوم، المباركفوري ص ١٨٣.
فَضْو
مَوَسُولَةُ النَّفتنة
القرآن الكريمِ
١٨٨

غزوة أحد
يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا، والخيل ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى
أحد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم (٤).
مائتي فرس، ورأيت دروعا ظاهرة حزرتها
سبعمائة درع(١).
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
عینین له: أنسا ومؤنسا ابني فضالة الظفریین،
ليلة الخميس لخمس مضت من شوال، فأتيا
رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم،
وأنهم قد حلوا إبلهم وخيلهم في الزرع الذي
بالعریض حتی تر کوه ليس به خضراء(٢).
وهذا يدل على اهتمام النبي صلى الله
عليه وسلم بجمع معلومات كافية عن
العدو، فقد استطاع معرفة قوة جیش عدوه
وعدده.
٢. الأخذ بمبدأ الشورى.
كان النبي صلى الله عليه سلم يقول
لأصحابه لما علم بخروج قریش لحربه:
(أشيروا علي أيها الناس) (٣)، حتى يصل إلى
قرار نهائي سلیم، ورأي سدید، وهو بذلك
يطيب خواطر أصحابه، ويعرف تفكيرهم
وعقولهم، ويجعلهم يتحمسون للقتال؛
لأنهم يعرفون أنهم شاركوا في اتخاذ القرار.
٣. أمان المدينة.
في غزوة أحد اتخذ النبي صلى الله عليه
وسلم عدة تدابير أمنية لحماية المدينة فمن
(١) مغازي الواقدي ١/ ٢٠٧.
(٢) عيون الأثر، ابن سيده ٢/ ١٣.
(٣) مغازي الواقدي ٢٠٩/١ .
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
علي بن أبي طالب، فقال: (اخرج في آثار
القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون فإن
كانوا قد جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، فإنهم
يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا
الإبل، فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي
بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم
لأناجزنهم) قال علي: فخرجت في آثارهم
أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل، وامتطوا
الإبل، ووجهوا إلى مكة (٥).
ومن هنا يظهر لنا أهمية عناية القائد
واهتمامه بسلامة وتأمين نفسه من الداخل،
حتی لا یؤتی من حيث لا يحتسب.
٤. اختيار الموقع المناسب.
لما نزل من جبل أحد وصل إلى عدوة
الوادي، فعسکر النبي صلی الله عليه وسلم
بجيشه مستقبلًا المدينة، وجعل ظهره إلى
هضاب جبل أحد، فصار جيش العدو
فاصلا بين المسلمين وبين المدینة، وقد كان
لهذا الترتيب فائدةٌ عظيمة، وهي حماية ظهر
الجیش(٦).
(٤) غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
السيد الجمیلی، ص ٦٠.
(٥) السيرة النبوية، ابن هشام ٢/ ٩٤ .
(٦) الرحيق المختوم، المباركفوري ص ٢٣٠.
www. modoee.com
١٨٩

حرفالغين
٥. الاستعداد للقتال وترتيب يسوي تلك الصفوف، ويبوئ أصحابه
الصفوف وتجهيز الجيش للمعركة.
اختار رسول الله خمسين من الرماة
تحت إمرة عبد الله بن جبير وأصدر أوامره
إليهم: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا
مكانكم، هذا حتى أرسل إليكم، وإن
رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم، فلا تبرحوا
حتى أرسل إليكم).
وقال: (الزموا مكانكم لا تبرحوا منه، فإذا
رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل في عسكرهم
فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا
تغيثونا ولا تدفعوا عنا وارشقوهم بالنبل؛
فإن الخيل لا تقدم على النبل، إنا لن نزال
غالبين ما مكثتم مكانكم، اللهم إني أشهدك
علیھم)(١).
وبذلك يكون النبي صلى الله عليه
وسلم قد سيطر على المرتفعات المجاورة
للمعركة.
وبين الله سبحانه كيف كانت قيادة النبي
صلى الله عليه وسلم من بداية الغزوة فقال:
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِىُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ
لِلْقِتَالُ وَاَللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١].
أي: تبین لهم منازلهم وتجعلهم میمنة
وميسرة وحيث أمرتهم(٢)، وجعل رسول
الله صلى الله عليه وسلم يمشي على رجليه
(١) السيرة الحلبية، علي الحلبي ٣٠٣/٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١١٠.
للقتال یقول: تقدم یا فلان! وتأخر یا فلان!
حتى إنه لیری منکب الرجل خارجا فيؤخره،
فهو يقومهم كأنما يقوم بهم القداح (٣).
والغدو: الخروج وقت الغداة، وهو
أول النهار، وعبر عن الخروج بالغدو الذي
هو الخروج غدوة، مع كونه صلى الله
علیه وسلم خرج بعد صلاة الجمعة -كما
سيأتي-؛ لأنه قد يعبر بالغدو والرواح عن
الخروج والدخول من غير اعتبار أصل
معناهما، کما یقال: أضحى، وإن لم یکن في
وقت الضحى(٤).
وفي هذه الآية أعظم مدح للنبي صلى
الله عليه وسلم فهو الذي یباشر تدبيرهم
وإقامتهم في مقاعد القتال، وما ذاك إلا
لکمال علمه ورأیه، وسداد نظره وعلو همته،
حيث يباشر هذه الأمور بنفسه وشجاعته
الکاملة -صلوات الله وسلامه عليه- (٥).
٦. تنظيم الحراسة الليلية واختيار
خمسين من أصحابه لحراسة
المعسكر.
لما أدرك النبي صلى الله عليه وسلم
الليل في المكان الذي استعرض فيه الجیش،
بات هناك، واختار خمسين رجلاً لحراسة
(٣) مغازي الواقدي ١/ ٢٢١.
(٤) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٤٣٢ .
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٤٥ .
١٩٠
القرآن الكريم

غزوة أحد
المعسکر، وجعل قائدهم محمد بن سلمة،
وكان هؤلاء يتجولون حول المعسكر،
وتولى ذكوان بن عبد قيس حراسة النبي
صلی الله عليه وسلم(١).
٧. رد الصغار الذين لا يطيقون وأعطى قيادتهم لعبدالله بن جبيربن النعمان
القتال من بين الجيش.
عندما وصل الجيش إلى مكان يقال
له: (الشيخان)، استعرض الجيش ورد
الذين لا يطيقون القتال من الصغار، وكان
منهم عبدالله بن عمر بن الخطاب، وأسامة
بن زيد، وأسيد بن ظهير، وزيد بن ثابت،
وزيد بن أرقم، وعرابة بن أوس، وعمرو بن
حزم، وأبو سعيد الخدري، وزيد بن حارثة
الأنصاري، وسعد بن حبتة، وأجاز رافع بن
خدیج، وسمرة بن جندب على صغر سنهما،
وذلك أن رافع بن خديج کان ماهرًا في رماية
النبل، وسمرة كان أقوى من رافع؛ لأنهما
تصارعا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم
فصرع سمرة رافعًا، فأجازه النبي صلى الله
عليه وسلم(٢).
قال ابن إسحاق: ((ومضى رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من
أحد في عدوة الوادي إلى الجبل))(٣).
(١) الرحيق المختوم، المباركفوري ص ٢٢٩.
(٢) مغازي الواقدي ٢١٦/١، سبل الهدى
والرشاد، الصالحي ٤ / ١٨٧ .
(٣) السير والمغازي، محمد بن إسحاق، ص
٣٢٥.
٨. اختيار خمسين من الرماة
وجعلهم على جبل الرماة.
انتخب النبي صلى الله عليه وسلم
من الجيش خمسين من الرماة الماهرين،
الأنصاري، وأمرهم بالتمركز على جبل يقع
على الضفة الجنوبية من وادي قناة جنوب
شرق المعسكر، على بعد حوالي مائة
وخمسين مترًا من مقر الجيش الإسلامي،
عرف هذا الجبل بعد ذلك بجبل الرماة (٤).
أوصى رسول الله صلی الله عليه وسلم
الرماة بعدة وصايا، وذلك تأكيدًا عليهم بألا
يغادروا أماكنهم، فقال لقائد الرماة: (انضح
عنا الخيل بالنبل، لا يأتوننا من خلفنا، إن
كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين
من قبلك)(٥).
٩. الانسحاب التكتيكي.
لما خالف الرماة أمر رسول الله وطوق
جيش المسلمين تجمع حول النبي صلى
الله عليه وسلم جماعةٌ من الصحابة؛ فيهم
أبو بكر وعمر وعلي، وطلحة بن عبيد الله
والزبير بن العوام والحارث بن الصمة،
ورهط من المسلمين(٦)، فأخذ الرسول صلى
(٤) الرحيق المختوم، المباركفوري، ص ٢٣١.
(٥) السير والمغازي، محمد بن إسحاق ص
٣٢٦، دلائل النبوة، البيهقي ٢٢٧/٣ .
(٦) دلائل النبوة، البيهقي ٣٥٥/٣.
www. modoee.com
١٩١

حرفالغين
الله عليه وسلم بعملية الانسحاب المنظم
إلى شعب الجبل، فشق طريقًا بين المشركين
المهاجمين لبقية الجيش، حتى ينسحبوا إلى
الجبل، ويتخلصوا من عملية التطويق التي
حلت بهم، وبهذه الطريقة انسحب الجيش،
وفشلت عملية التطويق التي كان يراد منها
القضاء على ذلك الجيش (١).
١٠. اتخاذ القرار.
اتخذ النبي صلی الله عليه وسلم قراره
بالخروج لملاقاة عدوه، واتخذ قرارات
أخرى في المعركة وبعدها.
ومن ذلك: قتل أسير المشركين، أبا عزة
الجمحي، وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم أسره بیدر، ثم من علیه، فقال: يا
رسول الله، أقلني، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (والله لا تمسح عارضيك
بمکة بعدها وتقول: خدعت محمدًا مرتین،
اضرب عنقه یا زبیر). فضرب عنقه. قال ابن
هشام: ويلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال:
قال له رسول الله صلی الله علیه وسلم: (إن
المؤمن لا يلدغ من جحر مرتین، اضرب
عنقه یا عاصم بن ثابت، فضرب عنقه)(٢).
وحین أمر صلى الله عليه وسلم بالخروج
إلى حمراء الأسد في صبيحة اليوم التالي
لغزوة أحد أصدر قراره بألا يخرج إلا من
(١) الرحيق المختوم، المباركفوري، ص ٢٤٠ .
(٢) السيرة النبوية، ابن هشام ٢/ ١٠٤.
شهد معه القتال یوم أحد فاستأذنه جابر بن
عبد الله أن يفسح له في الخروج معه، ففسح
له في ذلك (٣).
١١ . عدم تعنيف أصحابه.
لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم
أصحابه وخيرهم بين الخروج للقاء العدو
والبقاء في المدينة، واختار الغالبية الخروج،
لم يعنفهم مع ما حصل لهم من الآلام
والجراح، ((لقد كان من حق القيادة النبوية
أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة، أمام
ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج
الظروف وأمام النتائج المريرة التي انتهت
إليها المعركة! ولكن الإسلام كان ينشئ أمة،
ويربيها، ويعدها لقيادة البشرية. وكان الله
يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها
للقيادة الرشيدة، أن تربى بالشورى وأن
تدرب على حمل التبعة، وأن تخطئ - مهما
يكن الخطأ جسيمًا وذا نتائج مريرة-؛ لتعرف
کیف تصحح خطأها، و کیف تحتمل تبعات
رأيها وتصرفها. فهي لا تتعلم الصواب إلا
إذا زاولت الخطأ، والخسائر لاتهم إذا كانت
الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المدركة
المقدرة للتبعة)» (٤).
٠
١٢. كان النبي صلى الله عليه وسلم
قدوة حسنة لأصحابه في الصبر.
(٣) جوامع السيرة، ابن حزم الأندلسي، ص ١٤٠.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ١ /٥٠١ - ٥٠٢.
١٩٢
القرآن الكريم

غزوة أحد
فقد أوذي صلی الله عليه وسلم إيذاء
شديدا في بدنه حيث سقط في حفرة حفرها
أبو عامر الفاسق وشج وجهه الشريف
ودخلت حلقتا المغفر في وجنته الشريفة،
وأوذي صلى الله عليه وسلم أذًى شديدا،
بفقد عمه وأخيه من الرضاعة حمزة بن عبد
المطلب رضي الله عنه، ومع هذا کله صبر
صلى الله عليه وسلم على كل هذا الأذى.
الدروس المستفادة من غزوة أحد
وصف الله غزوة أحد وصفا دقيقا، وبين
سبحانه خفايا النفوس، ودخائل القلوب،
وذکر سبحانه دروسا عظيمة يستفيد منها
المسلم في سيره إلى ربه -تبارك وتعالى-،
فمن تلك الدروس ما يلي:
أولًا: المعصية والتنازع سبب لتخلف
النصر عن الأمة، فبسبب معصية الرماة أمر
النبي صلى الله عليه وسلم، واختلافهم
حول الغنائم ذهب النصر عن الأمة بعد أن
لاحت بوادره.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ
صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم
بِإِذْنِهٌِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ
فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَكُم
مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا
وَمِنكُمْ مَّن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ
عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاَللَّهُ
ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
ونلحظ من خلال أحداث غزوة أحد:
أن المسلمين انتصروا في أول الأمر حينما
امتثلوا أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم،
ثم انهزموا لما خالفوا أمره ونزل الرماة من
الجبل لجمع الغنائم مع بقية الصحابة رضي
الله عنهم.
قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ
www. modoee.com
١٩٣

حرف الغين
وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ
يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَنَكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّأَ
بِغَدٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ
قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيَّهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندٍ
أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل
عمران: ١٦٥].
وختم الآية الأولى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ هُوَمِنْ
عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾؛ إعلامًا لهم بعموم قدرته مع
عدله، وأنه عادل قادر.
وفي ذكر قدرته هاهنا نكتة لطيفة، وهي
أن هذا الأمر بیده وتحت قدرته، وأنه هو
الذي لو شاء لصرفه عنكم، فلا تطلبوا كشف
أمثاله من غيره، ولا تتكلوا على سواه،
وكشف هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح
بقوله: ﴿وَمَآ أَصَبَّكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فِيَاذْنِ
اُللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦].
ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير، وهي أن
يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية
يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تمييزًا
ظاهرًا، وكان من حكمة هذا التقدير تكلم
المنافقين بما في نفوسهم فسمعه المؤمنون،
وسمعوا رد الله علیهم و جوابه لهم فلله كم
من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة ونعمة
على المؤمنین سابغة، و کم فيها من تحذير
وتخويف وإرشاد وتنبيه وتعريف بأسباب
الخير والشر، ومآلهما وعاقبتهما!(١).
ثانيًا: حب الدنيا والتعلق بها قد يتسلل
إلى قلوب أهل الإيمان والصلاح، وربما
خفي عليهم ذلك، فقد وصف الله حال
المؤمنين لما شاهدوا الغنيمة بقوله:
﴿مِنكُم مَّنِ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن
يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ والقرآن يسلط الأضواء
على خفايا القلوب، التي ما كان المسلمون
أنفسهم يعرفون وجودها في قلوبهم.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
قال: ما كنت أرى أن أحدًا من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا،
حتى نزل فينا يوم أحد: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ
الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَّن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾(٢).
وبذلك يضع قلوبهم أمامهم مكشوفة
بما فيها ويعرفهم من أين جاءتهم الهزيمة
ليتقوها (٣).
ثالثًا: ويتخذ منكم شهداء.
قال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْعٌ فَقَدْ مَسَّ
اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ
النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ
(١) زاد المعاد، ابن القيم ٢١٤/٣-٢١٥.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٤١٨/٧، رقم
٤٤١٤، وابن أبي شيبة في المصنف ٢٨٤/١،
رقم ٤٣٠.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٤٩٤.
جَوَسُوء
القرآن الكريم
١٩٤

غزوة أحد
شُهَدَآءُ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:
١٤٠].
و((هو تعبير عجيب عن معنى عميق،
إن الشهداء لمختارون، يختارهم الله من
بین المجاهدین، ويتخذهم لنفسه سبحانه،
فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد
في سبيل الله من يستشهد، إنما هو اختيار
وانتقاء، وتكريم واختصاص، إن هؤلاء
هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة؛
ليستخلصهم لنفسه سبحانه ويخصهم
بقربه)»(١).
على جسر المتاعب والمشاق والصبر على
البلاء، قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُ واْمِنْكُمْ وَيَعْلَمَ
الصَّبِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
و«صيغة السؤال الاستنكارية يقصد
بها إلى التنبيه بشدة إلى خطأ هذا التصور،
تصور أنه يكفي الإنسان أن يقولها كلمة
باللسان: أسلمت وأنا على استعداد للموت.
فیبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي تکالیف الإيمان،
وأن ينتهي إلى الجنة والرضوان! إنما هي
التجربة الواقعية، والامتحان العملي، وإنما
هو الجهاد وملاقاة البلاء، ثم الصبر على
تكاليف الجهاد، وعلى معاناة البلاء»(٢).
خامسًا: تمحيص المؤمنين وتمييزهم
عن المنافقين، ومحق الكافرين باستحقاقهم
غضب الله وعقابه، وقد جمع الله ذلك
كله في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ
اُلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُؤْ مِنِينَ ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ
فَرْجُ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُ، وَرِّكَ
الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ اَلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
الفَّلِينَ ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اَللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [ آل عمران: ١٣٩ - ١٤١].
وميز الله المؤمن الصادق من المنافق
رابعًا: الجنة غالية عزيزة لا تنال إلا الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله
على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت
دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم
فيه باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل
أنزل على عباده محنة ميزت بين المؤمن
والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في
هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه،
وظهرت مخبوآتهم، وعاد تلويحهم
تصريحا، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن
ومنافق انقساما ظاهرا، وعرف المؤمنون أن
لهم عدوا في نفس دورهم، وهم معهم لا
یفارقونهم، فاستعدوا لهم، وتحرزوا منهم.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ
عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ اُلَِّبُّ
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُظْلِمَّكُمْ عَلَى الْغَيْبٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِ مِن
(١) المصدر السابق ١/ ٤٨١ .
(٢) المصدر السابق ١/ ٤٨٣.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الغين
أُسُلِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩](١).
سادسًا: أهمية الأخذ بالأسباب، أخذ
النبي صلى الله عليه وسلم بجميع الأسباب
المادية المعينة له على النصر بعد الله
سبحانه، وما ذلك إلا ليعلم أمته، فقد دخل
صلی الله عليه وسلم بيته ومعه أبو بكر
وعمر، فعمماه وألبساه، فتدجج بسلاحه
وظاهر بين درعين، وتقلد السيف، ثم خرج
على الناس (٢).
فلما خرج قال له الذين ألحوا عليه
بالخروج: يا رسول الله، ما كان لنا أن
نخالفك، فاصنع ما شئت، إن أحببت أن
تمكث بالمدينة فافعل، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (ما ينبغي لنبيٍّ إذا
لبس لأمته(٣) أن یضعها حتی یحکم الله بينه
وبين عدوه)(٤).
سابعًا: تذكير المؤمنين بمصير الأمم
السابقة التي كذبت بدعوة الله تعالى، وكيف
جرت فیهم سنته على حسب عادته، وهي
الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم
وفسوقهم على أمره.
قال سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنَّ
(١) زاد المعاد، ابن القيم ٣/ ١٩٧.
(٢) عيون الأثر، ابن سيده ١/ ٤١٢.
(٣) اللأمة آلة الحرب من درع وسيف وترس.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ١٤١، رقم
٢٥٨٨، البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٥٢.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي.
فَسِيرُوا فِىِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةٌ
اٌلْمَكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧].
ثامناً: تسلية المؤمنين، وتعزيتهم على
ما أصابهم من القتل والجراح يوم أحد،
قال سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ
الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُّم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
قال أبو جعفر الطبري: ((وهذا من الله
تعالى ذكره تعزيةٌ لأصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم على ما أصابهم من
الجراح والقتل بأحد.
أي: ولا تضعفوا بالذي نالكم من
عدوكم بأحد، من القتل والقروح عن جهاد
عدوكم وحربهم، ولا تأسوا فتجزعوا على
ما أصابكم من المصيبة يومئذ، فإنكم أنتم
الأعلون، الظاهرون عليهم، ولكم العقبى
في الظفر والنصرة عليهم، إن كنتم مصدقي
نبي محمد صلى الله عليه وسلم فيما
یعدکم، وفیما ینبئكم من الخبر عما يئول إليه
أمركم وأمرهم(٥).
وقال سبحانه مسليا عباده المؤمنين:
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ
مِثْلُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ تُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءُ
وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
ومن تسلية الله لعباده المؤمنين فى هذه
الغزوة قوله تعالى: ﴿وَكَبِنِ مِّن نٍَِّ قَتَلَ
(٥) جامع البيان، الطبري ٢٣٤/٧.
جَوَنُوالَهُ النَّقتيبة
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
١٩٦

غزوة أحد
مَعَهُرِبِّتُونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ
اَللَّهِ وَمَا ضَعُغُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
١٤٦
ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىْ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُْنَا
عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (٥ ◌َانَهُمُ اللَّهُ تَوَابَ
الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابٍ الْآَخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ ◌َلُحْسِنِينَ﴾
[آل عمران: ١٤٦-١٤٨].
قال السعدي رحمه الله: ((هذا تسلية
للمؤمنين، وحث على الاقتداء بهم، والفعل
کفعلهم، وأن هذا أمر قد کان متقدما، لم تزل
سنة الله جارية بذلك، فقال: ﴿ وَلاَیْنِ مِّن
نَّبٍ﴾ أي: وكم من نبي ﴿قَتَّلَ مَعَهُرِبِّيُّونَ
گيرٌ ﴾ أي: جماعات کثیرون من أتباعهم،
الذين قد ربتهم الأنبياء بالإيمان والأعمال
الصالحة، فأصابهم قتل وجراح وغير ذلك.
﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَمَا ضَعُقُواْ وَمَا أُسْتَكَانُواْ﴾ أي: ما ضعفت
قلوبهم، ولا وهنت أبدانهم، ولا استكانوا،
أي: ذلوا لعدوهم، بل صبروا وثبتوا،
وشجعوا أنفسهم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ
الصَِّرِينَ﴾))(١).
تاسعًا: بيان أن الموت مكتوب على كل
أحد وأن الرسول ميت كغيره لا محالة؛ لأن
كل نفس ذائقة الموت، ومهمة الرسول تبليغ
ما أرسل به، وقد فعل، وليس من لوازم
رسالته البقاء دائما مع قومه، فلا خلود لأحد
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٥١ .
في هذه الدنيا.
قال ابن القيم رحمه الله: ((وقعة أحد
كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فثبتهم
ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن
مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو
قتل، بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه
وتوحیده ویموتوا علیه أو یقتلوا، فإنهم إنما
یعبدون رب محمد، وهو حي لا يموت، فلو
مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم
ذلك عن دينه وما جاء به، فكل نفس ذائقة
الموت، وما بعث محمد صلى الله عليه
وسلم لیخلد لا هو ولا هم، بل ليموتوا على
الإسلام والتوحيد، فإن الموت لا بد منه
سواء مات رسول الله صلی الله علیه وسلم
أو بقي، ولهذا وبخهم على رجوع من رجع
منهم عن دینه، لما صرخ الشيطان إن محمدا
قد قتل، فقال: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّإِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ
مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ
عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ
اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [آل
عمران: ١٤٤].
والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة،
فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قتلوا، فظهر أثر
هذا العتاب، وحكم هذا الخطاب يوم مات
رسول الله صلی الله عليه وسلم، وارتد
من ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على
www. modoee.com
١٩٧

حرفالغين
دينهم، فنصرهم الله وأعزهم، وظفرهم
بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم))(١).
موضوعات ذات صلة:
غزوة الأحزاب، غزوة بدر، غزوة تبوك،
غزوات الرسول مع اليهود
(١) زاد المعاد، ابن القيم ٢٠١/٣ .
مَ شْوَرَ النَفيِ الوَصْوِي
القرآن الكريم
١٩٨