النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
غزوة بدر
ع
عناصر الموضوع
التعريف بغزوة بدر
٢٢٦
أسباب الغزوة
٢٣١
الإعداد للغزوة
٢٣٢
مشاهد من الغزوة
٢٣٥
التوجيهات القرآنية بعد نهاية الغزوة
٢٥٢
القيادة النبوية في الغزوة
٢٥٨
فضل من حضر بدرًا
٢٦٠
٢٦١
الدروس المستفادة من غزوة بدر
المُجَلَدَ الخَامِسْ وَالعشْرُونْ

حرف الغين
التعريف بغزوة بدر
أولًا: اسم الغزوة:
لقد وردت تسمية غزوة بدر بهذا الاسم في القرآن الكريم، استمدادًا من قوله سبحانه
وتعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وسماها ابن عباس رضي الله عنه أیضا یوم بدر، حیث روي عن ابن عباس رضي الله عنه
أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن
شئت لم تعبد) فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ
الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥](١).
وسبب تسميتها بغزوة بدر: نسبة إلى بئر بدر بين مكة والمدينة، كان لرجل یسمی بدرًا،
وهو المكان الذي تقابل فيه الجيشان، ونصر الله المسلمين على المشركين نصرًا عظيمًا(٢).
ثانيًا: حكمة ورودها في سورة الأنفال:
لما كانت سورة الأنفال تتحدث عن الأنفال وتقسيم الغنائم؛ حيث إن أول آية منها جاءت
للحديث عن الأنفال، قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: ١].
ولما كانت غزوة بدر أول معركة حربية خاض غمارها المسلمون من الصحابة بقيادة
النبي صلى الله عليه وسلم، وقد غنموا أول غنيمة كبيرة من المشركين، وقد حصل بين بعض
المسلمين فيها نزاع، واختصموا في شأنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كانت الإجابة
عما ورد من تساؤلات الصحابة حول أنفال بدر في هذه السورة (٣). يقول الطاهر بن عاشور:
((افتتاح السورة بـ ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ آلْأَنْفَالِ﴾ مؤذن بأن المسلمين لم يعلموا ماذا يكون في شأن
المسمی عندهم الأنفال، وكان ذلك يوم بدر» (٤).
لذلك اشتملت سورة الأنفال على الآيات التي تتحدث عن غزوة بدر، فسماها بعض
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٩٥٣، كتاب المغازي، باب قصة غزوة بدر، ٥ /٧٣.
(٢) انظر: التفسير الواضح، حجازي، ١/ ٢٧٢، التفسير المنير، الزحيلي، ٤ / ٦٦، تيسير الكريم الرحمن،
السعدي، ١٤٦/١.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣١٥، التفسير الموضوعي لسور القرآن، مجموعة مؤلفين،
١٣١/٣.
(٤) التحرير والتنوير، ٩/ ٢٤٨.
جَوَسُوعَة النفسية
القرآن الكريمِ
٢٢٦

غزوة بدر
الصحابة بسورة بدر، حیث روي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قلت لابن عباس
رضي الله عنه: سورة الأنفال، قال: ((تلك سورة بدر))(١)، وكان من أهم أسباب نزولها هو
أحداث غزوة بدر الكبرى، حیث روي عن ابن عباس رضي الله عنه: «أن رسول الله صلی
الله عليه وسلم قال يوم بدر: (من قتل قتيلًا فله كذا وكذا). أما المشيخة فثبتوا تحت الرايات،
وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المشيخة للشبان: أشرکونا معکم، فإنا کنا
ردًّا لكم، ولو كان فيكم شيءٌ لجئتم إلينا، فأبوا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: فنزلت: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ [الأنفال: ١]. قسمت الغنائم بينهم بالسوية))(٢).
ثالثًا: زمان الغزوة ومكانها:
لقد دلت الآيات القرآنية أن زمان التقاء الجمعين من المؤمنين والكافرين يوم بدر ومكانه
كان بترتيب من الله سبحانه وتعالى، حيث قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ
يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُّصْوَى
وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَآَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَدِ وَلَكِنْ لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ
مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤١-٤٢].
وفي هذا دلالة واضحة على أن الفئة المؤمنة تسير برعاية الله وتدبيره، فهو سبحانه يتولى
أمرها؛ ليقدر لها الخير والرشاد والغلبة والعزة.
أما زمان الغزوة: فلقد بين الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدُنُّمْ لَآَخْتَلَفْتُمْ فِي
اَلْمِيعَدِ﴾ [الأنفال: ٤٢]. أن المسلمين عندما خرجوا ليأخذوا العير، وخرج الكفار ليمنعوها
من المسلمين، التقوا على غير ميعاد ولو تواعدوا لاختلفوا، ولكن الله جمعهم على غير
ميعاد؛ ليقضي أمرًا كان مفعولًا؛ لإعزاز دينه وإهلاك أعدائه (٣).
وقد اتفق علماء السير على أن غزوة بدر كانت في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة،
ولكن اختلفوا في اليوم؛ فقيل: بأنها كانت في الثاني عشر. وقيل: في السابع عشر، وجمع
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ٣٠٣١، كتاب التفسير، باب في سورة براءة والانفال والحشر،
٤ /٢٣٢٢.
(٢) المستدرك على الصحيحين، رقم ٢٨٧٦، ٢/ ٢٤١، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه،
ولم يتعقبه الذهبي.
وانظر: لباب النقول في معرفة أسباب النزول، السيوطي، ٤٩/١.
(٣) انظر: تفسير المراغي، ٧/١٠.
www. modoee.com
٢٢٧

حرفالغين
العلماء بينهما بأن الثاني عشر ابتداء الخروج، والسابع عشر يوم الواقعة (١).
وأما مكان الغزوة: فحدثت الغزوة بين مكة والمدينة حيث بئر بدر، وهي كانت لرجل
یسمی بدرًا، فسمي به الموضع(٢).
وقد بين الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿إِذْأَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى
كَانَ مَفْعُولًا مِنكُمْ﴾ أن من نعمة الله سبحانه وتعالى على المسلمين أن جعلهم
بالعدوة الدنيا، أي: بجانب الوادي الأقرب من المدينة، وأن المشركين في جانب الوادي
الأبعد عن المدينة، وأن ركب أبي سفيان وأصحابه -وهم عير قريش التي خرج المسلمون
لأجلها- كانوا في موضع أسفل منهم جهة ساحل البحر على بعد ثلاثة أميال من بدر،
فكان المسلمون بعيدين عن الماء، وكانت الأرض رملية تغوص فيها أقدامهم، بينما كان
المشركون قريبين من الماء والأرض كانت صالحة للمشي وكانت العير خلف ظهورهم، ثم
تغيرت الموازين بتدبير الله سبحانه وتعالى؛ لتكون الغلبة للمسلمين، حيث أنزل الله سبحانه
وتعالى المطر، وهيأ لهم الأسباب، وسبقوا المشركين إلى الماء، وفي هذا دلالة واضحة على
أن النصر يتحقق للمسلمين من عند الله؛ ليزدادوا إيمانًا وشكرًا وامتثالًا لأمره(٣).
رابعًا: حكمة تسميتها بالفرقان:
لقد سمى الله سبحانه وتعالى غزوة بدر بيوم الفرقان، حيث قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا
غَنِمْتُمْ مِن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ
ءَامَنتُم ◌ِاللَّهِ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
[الأنفال: ٤١].
وسمي بالفرقان؛ لأن الله فرق فيه بين الحق والباطل، بأن أعلى كلمة الإيمان على كلمة
الباطل، وأظهر دينه، ونصر نبيه وحزبه (٤).
ولهذه التسمية أهمية عظيمة في حياة المسلمين، وقد تحدث الأستاذ سيد قطب عن
وصف الله سبحانه وتعالى ليوم بدر بأنه يوم الفرقان، وعن حكمة هذه التسمية قال: ((كانت
غزوة بدر، التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده، فرقانًا بين الحق والباطل
(١) انظر: تلخيص الحبير، ابن حجر، ٤ /٢٤٠.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٤/ ٦٦.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٣١٥/٢، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٢١، التفسير الواضح،
حجازي، ٨٣٢/١، التفسير المنير، الزحيلي، ١٩/١٠.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦٥/٤، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٢٣/٤.
٢٢٨
جَوَسُولَةُ النَّقِين
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

غزوة بدر
کما یقول المفسرون: إجمالًا وفرقانا بمعنی: أشمل وأدق وأوسع وأعمق كثيرًا.
كانت فرقانًا بين الحق والباطل فعلًا ولكنه الحق الأصيل الذي قامت عليه السماوات
والأرض، وقامت عليه فطرة الأحياء والأشياء الحق الذي يتمثل في تفرد الله سبحانه
وتعالى بالألوهية والسلطان والتدبير والتقدير، وفي عبودية الكون كله سمائه وأرضه، أشيائه
وأحيائه، لهذه الألوهية المتفردة، ولهذا السلطان المتوحد، ولهذا التدبير وهذا التقدير بلا
معقب ولا شريك، والباطل الزائف الطارئ الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك، ويغشي على
ذلك الحق الأصيل، ويقيم في الأرض طواغيت تتصرف في حياة عباد الله بما تشاء، وأهواء
تصرف أمر الحياة والأحياء، فهذا الفرقان الكبير الذي تم يوم بدر، حیث فرق بين ذلك الحق
الكبير، وهذا الباطل الطاغي، وزيل بينهما فلم يعودا يلتبسان، لقد كانت فرقانًا بين الحق
والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق، على أبعاد وآماد، كانت فرقانًا بين هذا
الحق وهذا الباطل في أعماق الضمير؛ فرقانًا بين الوحدانية المجردة المطلقة بكل شعبها في
الضمير والشعور، وفي الخلق والسلوك، وفي العبادة والعبودية، وبين الشرك في كل صوره
التي تشمل عبودية الضمير لغير الله من الأشخاص، والأهواء والقيم والأوضاع والتقاليد
والعادات وكانت فرقانًا بين هذا الحق وهذا الباطل في الواقع الظاهر، كذلك فرقانًا بين
العبودية الواقعية للأشخاص والأهواء، وللقيم والأوضاع، والشرائع والقوانين، وللتقاليد
والعادات، وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره، ولا متسلط سواه، ولا
حاکم دونه، ولا مشرع إلا إياه، فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله، وتساوت الرؤوس فلا
تخضع إلا لحاكميته وشرعه، وتحررت القطعان البشرية التي كانت مستعبدة للطغاة.
وكانت فرقانًا بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية: عهد المصابرة والصبر والتجمع
والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، والإسلام بوصفه تصويرًا جديدا
للحياة، ومنهجًا جديدًا للوجود الإنساني، ونظامًا جديدًا للمجتمع، وشكلًا جديدًا للدولة،
بوصفه إعلانًا عاما لتحرير الإنسان في الأرض بتقرير ألوهية الله وحده وحاكميته، ومطاردة
الطواغيت التي تغتصب ألوهيته))(١).
إلی أن قال: وأخيرًا فلقد كانت بدر فرقانا بین الحق والباطل بمدلول آخر، ذلك المدلول
الذي يوحي به قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُّكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ
ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ ا لِيُحِقَّ
(١) في ظلال القرآن، ١٥٢١/٣.
www. modoee.com
٢٢٩

حرفالغين
اٌلَّْ وَبُبْطِلَ اَلْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٧-٨].
ولقد حق الحق ويطل الباطل بالموقعة، وكان هذا النصر العملي فرقانًا واقعيًّا بين الحق
والباطل بهذا الاعتبار الذي أشار إليه قول الله سبحانه وتعالى في معرض بيان إرادته سبحانه
من وراء المعركة، ومن وراء إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق، ومن وراء
إفلات القافلة (غير ذات الشوكة) ولقاء الفئة ذات الشوکة، ولقد کان هذا کله فرقانًا بین
منهج هذا الدين ذاته، تتضح به طبيعة هذا المنهج وحقيقته في حس المسلمين أنفسهم وإنه
لفرقان ندرك به اليوم ضرورته، حينما ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في
نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين، حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون
بدعوة الناس إلى هذا الدين، وهكذا كان يوم بدر: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ﴾ بهذه
المدلولات المنوعة الشاملة العميقة، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير(١).
(١) انظر: في ظلال القرآن، ١٥٢٣/٣، بتصرف.
٢٣٠
جَوَُّور
وَضوي
القرآن الكريم

غزوة بدر
أسباب الغزوة
لقد أخرجت قريش المؤمنين من
ديارهم، وأخذت أموالهم بعد أن فشلت
في إرغامهم على العودة للشرك، وقاسى
النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون
معه صنوف الإيذاء في مكة، وصبروا حتى
اضطرتهم قريش للهجرة، إلى أن نزل الإذن
بالقتال في المدينة.
قال المفسرون: كان مشركو أهل مكة
يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم بألسنتهم وأیدیهم، فیجیئون من بين
مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول
لهم: (اصبروا فإني لم أومر بقتال)، حتى
هاجر رسول الله صلی الله عليه وسلم بسبب
اشتداد أذى قريش لهم، وترك المسلمون
أموالهم وأرضهم وديارهم للمشركين في
مكة، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية:
﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ
عَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِحُواْ مِن دِيَدِهِم
بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ الحج:
[٣٩-٤٠] (١) .
ففي هذه الآيات الكريمة أذن الله
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٥٤٠/٣،
لباب التأويل، الخازن، ٢٥٨/٣، التفسير
المنير، الزحيلي، ٢٤٥/٩، أسباب النزول،
الواحدي، ٣٠٩/١.
سبحانه وتعالى للمسلمين بعد الهجرة بقتال
المشركين، الذين قاتلوهم واعتدوا عليهم،
وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، فهذا إذن
من الله ليدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم
اعتداء المعتدين بعد أن بلغ الأمر أقصاه،
وليحققوا لأنفسهم ولغيرهم حرية العقيدة
والعبادة في ظل دين الله(٢).
ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم
بقافلة أبي سفيان قادمة من الشام وتحمل
الأموال والتجارة، ندب المسلمين إليها،
وأمرهم باعتراض القافلة بقصد الحصار
الاقتصادي، وتعويض المسلمين ما صادره
لهم المشركون في مكة من أموال وعقارات
وممتلكات، فعلم المشركون بذلك، وأرسل
أبو سفيان نذيرًا إلى أهل مكة؛ ليستنفرهم بعد
أن غير وجهة القافلة، فعز على المشركين
الحادث، وأحسوا بالخطر على وجودهم،
وشعروا بقوة المؤمنين في المدينة، فحشدوا
قواهم من قبائل العرب، ولما سمع بهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار
أصحابه ثم خرج بجنده، وتقابل الجيشان
في بدر(٣).
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٤٢٤/٤،
التفسير الواضح، حجازي، ٥٨٩/٢.
(٣) انظر: الموسوعة القرآنية، إبراهيم الإبياري،
١٢٢/١، التفسير الواضح، حجازي،
٨٠٧/١، التفسير المنير، الزحيلي، ٤ /٦٥،
٩/ ٢٥٤.
www. modoee.com
٢٣١

حرفالغين
وفي ظل هذه الهجمة الشرسة من
أعداء الله على الإسلام والمسلمين،
فإن المسلمين اليوم مطالبون بأن يدفعوا
عن أنفسهم الظلم، ويدافعوا عن دينهم
وعقيدتهم، ويستردوا حقوقهم، فإن الحق
بحاجة إلى قوة تحميه، يقول سيد قطب: ((إن
قوى الشر والضلال تعمل في هذه الأرض،
والمعركة مستمرة بين الخير والشر والهدى
والضلال، والصراع قائم بين قوى الإيمان
وقوى الطغيان منذ أن خلق الله الإنسان،
والشر جامح والباطل مسلح، وهو يبطش
غير متحرج، ويضرب غير متورع ويملك
أن يفتن الناس عن الخير - إن اهتدوا إليه-
وعن الحق -إن تفتحت قلوبهم له-، فلابد
للإيمان والخير والحق من قوة تحميها من
البطش، وتقيها من الفتنة وتحرسها من
الأشواك والسموم))(١).
(١) في ظلال القرآن، ٢٤٢٤/٤.
جَوَسُو ◌َرُ النفسية
الْقُرآن الكَرِيمِ
الإعداد للغزوة
أولًا: إعداد المؤمنين:
إن معركة بدر لم تكن في حسبان
المسلمين، ولم يستعدوا لها من حيث العدد
والعتاد ومن الناحية النفسية أيضًا، لكنها
فرضت عليهم من الله سبحانه وتعالى؛ ليحق
الحق ويبطل الباطل، ولتحقيق العبودية لله،
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَآَخْتَلَفْتُمْ
في اٌلْمِيعَدِّ وَلَكِنْ لِيَقْضِىَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ
مَفْعُولًا ﴾ [الأنفال: ٤٢].
حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه خرجوا ولم یکن في نیتھم قتال،
وإنما كان قصدهم عير قريش(٢)، حتى أن
القرآن الكريم وصف حال بعض المسلمين
وهم خارجون للقاء عدوهم بأنهم كانوا
كارهين للخروج؛ لأنهم غير متأهبين للقتال
غاية التأهب، فلم يستعدوا للقتال، وإنما
خرجوا للقافلة وهم عدد یسیر، بخلاف عدد
أهل النفير فهم کثیر، وهم الجيش الذي جاء
من قریش(٣).
قال تعالى: ﴿كَمَّا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ
◌ِاَلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ
يُجَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ بَعْدَ مَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ
(٢) انظر: السيرة النبوية، علي الصلابي، ٣/٢.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٩٦/١٣، نظم
الدرر، البقاعي، ٢٢٤/٨.
٢٣٢

غزوة بدر
وَإِذْ يَعِدُّكُمُ اللَّهُ
إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ )
إِحْدَى الطَّيِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ
ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن
٧
يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ اَلْكَفِرِينَ
لِيُحِقَّ الْحَقِّ وَيُبْطِلَ اَلْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾
[الأنفال: ٥ - ٨].
فلقد کان عدد قوات المسلمین في بدر
لا يمثل قدرة الدولة الاسلامیة، فکان عدد
قوات المسلمين بضعة عشر وثلاثمائة، فيهم
فارسان (١).
وقد ذكرت بعض المصادر أسماء
ثلاثمائة وأربعين من الصحابة البدريين (٢)،
وكان لديهم سبعون بعيرًا يتعاقبون
ركوبها(٣).
ولما فرض الله سبحانه وتعالى المعركة
عليهم، تسابق المسلمون إلى الجنة، وقد
أعدوا لها من الإيمان والعبادة والصدق
والإخلاص وحسن التوكل، وهذا هو
الإعداد الحقيقي الذي يكون به النصر
والعزة، فقد جاءت الآيات الكريمة في بداية
سورة الأنفال وقبل الحديث عن أحداث
غزوة بدر تصف صفات المؤمنين التي بها
تصلح أعمالهم بما فيها جهادهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا
(١) انظر: فتح الباري، ابن حجر، ٢٩٢/٧،
جوامع السيرة، ابن حزم الاندلسي، ١/ ٨٥.
(٢) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، ٣١٥/٣.
(٣) السيرة النبوية، ابن هشام، ٦١٣/١.
ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ.
زَادَتْهُمْ إِيَمْنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ
٣
أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّمْ دَرَجَتُ عِندَ
رَيِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:
٢ - ٤].
يقول السعدي: ((قدَّم تعالى - أمام هذه
الغزوة الكبرى المباركة- الصفات التي
على المؤمنين أن يقوموا بها؛ لأن من قام
بها استقامت أحواله وصلحت أعماله،
التي من أكبرها الجهاد في سبيله. فكما أن
إيمانهم هو الإيمان الحقيقي، وجزاءهم هو
الحق الذي وعدهم الله به، كذلك أخرج
الله رسوله صلی الله علیه وسلم من بیته إلی
لقاء المشرکین في بدر بالحق الذي يحبه الله
سبحانه وتعالى، وقد قدره و قضاه، وإن كان
المؤمنون لم يخطر ببالهم في ذلك الخروج
أنه یکون بینھم وبین عدوهم قتال»(٤).
فالإعداد الإيماني وحسن التوكل على
الله هو الإعداد الحقيقي الذي به يكون
النصر والتأييد الإلهي رغم قلة العدد
والعتاد، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ
◌ِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَأَتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[آل
عمران: ١٢٣].
وقدنزلت الآيات يأمر الله سبحانه وتعالى
فيها المؤمنين بالتخطيط الجيد وإعداد أنواع
(٤) تيسير الكريم الرحمن، ٣١٥/١.
www. modoee.com
٢٣٣

حرف الغين
القوة المعنوية والمادية المناسبة لكل زمان
ومكان؛ لإرهاب عدو الله، وعدو المسلمين
من الكفار الذين ظهرت عداوتهم كمشرکي
مكة في الماضي، ولإرهاب العدو الخفي
الموالي لهؤلاء الأعداء، وهذا يشمل اليهود
والمنافقين في الماضي، ومن تظهر عداوته
بعدئذ (١).
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ،
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا
نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فالمسلمون في هذا العصر مطالبون
بإعداد القوة الإيمانية وكذلك المادية بكل
أصنافها حسب الاستطاعة، فالإسلام
بحاجة لقوة تحمي عقيدته، وتحرر الإنسان،
وترد الأعداء.
ثانيًا: إعداد المشركين:
منذ أن استنفر أبو سفيان قريشًا خرجت
بكبريائها وخيلائها، حتى بلغت قوة
المشركين ألف رجل فيهم عدد كبير من قادة
قريش وسادتها ومعهم مائتا فرس، ومعهم
القیان یضربن بالدفوف ویغنین (٢).
وقد وصف الله سبحانه وتعالى في
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٠/ ٥٠.
(٢) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، ٢٦٠/٣،
نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين ١ / ٢٨٧.
وقد ذكر ذلك في حديث عند مسلم، كتاب
الجهاد، باب الإمداد بالملائكة، ١٣٨٣/٣.
معرض النهي عن التشبه بهم، حال الكافرين
عند خروجهم من ديارهم لمقاتلة المسلمين،
بأنهم خرجوا بأموالهم وعدتهم وعتادهم؛
بطرًا أي: طغيانًا وتكبرًا ورياءً للصد عن
سبيل الله بإضلال الناس والحيلولة بينهم
وبين الهداية (٣).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن
دِيَرِهِم بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال:
٤٧].
يقول القرطبي في بيان ما أعده المشركون
يوم بدر، وموضحًا المقصود من هذه الآية:
((يعني أبا جهل وأصحابه الخارجين يوم
بدر، لنصرة العير، خرجوا بالقيان والمغنيات
والمعازف، فلما وردوا الجحفة بعث خفاف
الكناني - و کان صدیقًا لأبي جهل- بهدايا
إلیه مع ابن عم له، وقال: إن شئت أمددتك
بالرجال، وإن شئت أمددتك بنفسي، مع ما
خف من قومي، فقال أبو جهل: إن كنا نقاتل
الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله من
طاقة، وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن بنا على
الناس لقوة، والله لا نرجع عن قتال محمد،
حتى نرد بدرًا فنشرب فيها الخمور، وتعزف
علينا القيان، فإن بدرًا موسم من مواسم
العرب، وسوق من أسواقهم، حتى تسمع
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ٣٦٠، لباب
التأويل، الخازن، ٣١٧/٢.
مُوسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريمِ
٢٣٤

غزوة بدر
العرب بمخرجنا فتهابنا آخر الأبد، فوردوا
بدرًا ولكن جرى ما جرى من هلاكهم»(١).
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن الكافرين
ينفقون أموالهم، ويبذلون عدتهم وعتادهم؛
ليبعدوا الناس عن دين الله، لكن النتيجة
تکون بخلاف ما يتوقعون، بأنهم سيغلبون،
وسيكون إنفاقهم وإعدادهم حسرة وندامة،
وإلى جهنم يحشرون.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ
تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ
[الأنفال:
كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾
٣٦].
((فأعظم بها حسرة وندامة لمن عاش
منهم ومن هلك! أما الحي فحرم ماله
وذهب باطلا في غير درك نفع، ورجع مغلوبًا
مقهورًا محزونًا مسلوبًا. وأما الهالك، فقتل
وسلب، وعجل به إلى نار الله يخلد فيها،
نعوذ بالله من غضبه. وكان الذي تولى النفقة
التي ذكرها الله في هذه الآية فيما ذكر، أبا
سفيان))(٢).
(١) الجامع لأحكام القرآن، ٢٥/٨.
(٢) جامع البيان، الطبري، ٥٢٩/١٣.
مشاهد من الغزوة
أولًا: خروج المؤمنين للقتال:
لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم نجاة
القافلة، وإصرار زعماء مكة على قتال النبي
صلى الله عليه وسلم، واستنفار قوات
قريش، استشار رسول الله صلى الله عليه
وسلم أصحابه في الأمر، فخرج المؤمنون
مع رسول الله صلی الله عليه وسلم، رغم
أن بعض الصحابة أبدى عدم ارتياحه في
البداية للمواجهة الحربية مع قريش، وقد
صور القرآن الكريم خروج الفئة المؤمنة
لبدر.
قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ يَبْتِكَ
بِأَلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبِقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ ﴾
[الأنفال: ٥](٣).
وروي في سبب نزول هذه الآية، عن أبي
أيوب الأنصاري قال: (قال لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة وبلغه
أن عير أبي سفيان قد أقبلت: (ما ترون فيها
لعل الله یغنمناها ويسلمنا)، فخرجنا فسرنا
يومًا أو یومین فقال: (ما ترون فيهم؟)، فقلنا:
يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا من
طاقة بقتال القوم إنما أخرجنا للعير، فقال
(٣) انظر: موسوعة نضرة النعيم، مجموعة
مؤلفين، ٢٨٨/١، السيرة النبوية، الصلابي،
٦/٢.
www. modoee.com
٢٣٥

حرفالغين
المقداد: لا تقولوا كما قال قوم موسى: بن عمير، وأعطى رايتين سوداوين إلى سعد
بن معاذ، وعلي بن أبي طالب، ومضى إلى
بدر (٤).
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون،
فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ
رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبِقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ
لَكَرِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥](١).
وفي رواية قال المقداد: (لا نقول كما
قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا،
ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين
يديك وخلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه
وسلم أشرق وجهه وسره)(٢).
بعد أن رأى النبي صلى الله عليه وسلم
طاعة الصحابة وشجاعتهم واجتماع قادة
المهاجرين على التأييد للتقدم، ومبايعة
الأنصار له على المضي لما أراد الله،
والصدق عند اللقاء(٣).
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُّكُمُ اللّهُ إِحْدَى الَّآیِفَتيْنِ
أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ
تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُحِنَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ،
وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].
نظم النبي صلی الله عليه وسلم جنده،
وعقد اللواء الأبيض، وسلمه إلى مصعب
(١) لباب النقول، السيوطي، ١/ ٩٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٩٥٢،
كتاب المغازي، باب قصة غزوة بدر، ٧٣/٥.
(٣) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ٦/٥/١،
البداية والنهاية، ابن كثير، ٢٦٢/٣.
وانظر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد، باب
غزوة بدر، ١٤٠٣/٣،١٧٧٩.
لقد اختار الله للمؤمنين ذات الشوكة،
فتقدموا نحو عدوهم بكل ثبات؛ لتحقيق
وعد الله سبحانه وتعالى، وقد أمرهم الله
سبحانه وتعالى بالثبات حين لقاء العدو
والاستعانة به والإكثار من ذكره سبحانه
وتعالى.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَتْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٥) وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا
تَتَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهَ
مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦].
((هذه هي النصائح التي تكفل النصر
والله قد وعدهم إحدى الطائفتين حيث للمسلم: الثبات عند اللقاء، وذكر الله
والالتجاء إليه، وطاعة الله وطاعة رسوله،
وكذا قائد الجيش ورئيس الدولة مادام
يأمر بما يرضي الله ورسوله، وعدم النزاع
والشقاق، والصبر عند الشدائد))(٥).
إن في إرادة الله سبحانه وتعالى
للمؤمنين طريق ذات الشوكة في بدر لدلالة
واضحة للمؤمنين في كل زمان ومكان أن
الله لا يقدر لهم إلا الخير، فما عليهم إلا
الاستجابة والتسليم لأمر الله، فالله وعدهم
(٤) انظر: زاد المعاد، ابن القيم، ١٥٤/٣.
(٥) التفسير الواضح، حجازي، ١/ ٨٣٤.
٢٣٦
وَضوء
القرآن الكريمِ

غزوة بدر
بإحدى الطائفتين العير أو النفير، وكانوا ثانيًا: استغاثة الرسول صلى الله عليه
وسلم بالله سبحانه وتعالى:
يودون العير، ولكن الله اختار لهم النفير،
فكانت العزة والغلبة والتمكين، وقد بين
الله ذلك حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ
اللَّهُ إِحْدَى الَّبِقَنَّيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ
ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ
يُحِقَ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ )
لِيُحِقَّ الْحَقِّ وَيُبْطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ﴾
[الأنفال: ٧-٨].
((لقد أراد الله -وله الفضل والمنة - أن
تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة
بين الحق والباطل؛ ليحق الحق ويثبته،
ويبطل الباطل ويزهقه. وأراد أن يقطع دابر
الكافرين، فيقتل منهم من يقتل، ويؤسر
منهم من یؤسر، وتذل کبریاؤهم، وتخضد
شوكتهم، وتعلو راية الإسلام، وتعلو معها
كلمة الله، ويمكن الله للعصبة المسلمة
التي تعيش بمنهج الله وتنطلق به؛ لتقرير
ألوهية الله في الأرض، وتحطيم طاغوت
الطواغيت، وأراد أن يكون هذا التمكين
عن استحقاق لا عن جزاف -تعالى الله
عن الجزاف- وبالجهد والجهاد، وبتكاليف
الجهاد ومعاناتها في عالم الواقع وفي ميدان
القتال))(١).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١٤٨١/٣.
بعد أن نظم النبي صلى الله عليه وسلم
جيشه وحرض المؤمنين على القتال، لجأ
إلى الله سبحانه وتعالى مستغيئًا يدعوه
بأن ينصر عباده وجنده، حيث بين سبحانه
وتعالى في بيان استغاثة المؤمنين ولجوئهم
إليه سبحانه وتعالى في غزوة بدر.
قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ
الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩].
وقد روي عن عبد الله بن عباس رضي
الله عنه قال: حدثني عمر بن الخطاب
رضي الله عنه قال: (لما كان يوم بدر نظر
النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه
وهم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا،
ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف أو یزیدون
فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم
القبلة ثم مد يده وجعل يهتف بربه: (اللهم
أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه
العصابة لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف
بربه مادا يديه مستقبلا القبلة حتى سقط
رداؤه، فأتاه أبوبكر فأخذ رداءه فألقاه على
منکبیه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله،
كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما
وعدك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ
رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ
www. modoee.com
٢٣٧

حرف الغين
الْمَلَتَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾﴾(١).
وروي أيضًا عن ابن عباس رضي الله
عنه قال: (قال النبي صلی الله عليه وسلم
يوم بدر: (اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك،
اللهم إن شئت لم تعبد) فأخذ أبو بكر بيده،
فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ
اَلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبْرَ﴾ [القمر: ٤٥])(٢).
إن في استغاثة النبي صلى الله عليه وسلم
بالله في غزوة بدر، والذي بينته الآية الكريمة
درسا ربانيًّا نبويًّا للمسلمين المستضعفين،
ولكل قائد أو فرد في اللجوء إلى الله وحده،
والتجرد من النفس؛ لأن ذل العبد وافتقاره
إلى الله هو أول مفتاح من مفاتيح النصر،
«فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم
بإعلام القرآن أن للنصر في القتال أسبابًا
حسية ومعنوية، وأن لله سننًا مطَّردة، وهو
مع ذلك يعلم أن لله توفيقًا يمنحه من شاء
من خلقه، فينصر به الضعفاء على الأقوياء،
والفئة القليلة على الفئة الكثيرة بما لا ينقض
به سننه، وأن له فوق ذلك آیات یؤید بها
رسله، فلما عرف من ضعف المؤمنين
وقلتهم ما عرف استغاث الله سبحانه
وتعالى ودعاه ليؤيدهم بالقوة المعنوية، التي
تكون أجدر بالنصر من القوة المادية، وكان
كل من علم بدعائه يتأسى به في هذا الدعاء
ویستغیث ربه كما استغاث»(٣).
ثالثًا: مشهد النعاس:
إن من نعم الله سبحانه وتعالى على
المؤمنين في بدر أن أنزل عليهم النعاس
والمطر قبل الالتحام.
قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةٌ
مِنْهُ وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيْطَهِّرَكُمْ
بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطِنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى
قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].
حيث ألقى الله سبحانه وتعالى عليهم
النوم الخفيف أمنًا وطمأنينة وسكينة، فإن
النعاس يذهب الخوف ويجدد النشاط
والقوة، ((وقيل: إنهم لما خافوا على
أنفسهم؛ لكثرة عدوهم وعددهم، وقلة
المسلمين وقلة عددهم، وعطشوا عطشًا
شديدًا ألقى عليهم النوم؛ حتى حصلت
لهم الراحة، وزال عنهم الكلال والعطش،
وتمكنوا من قتال عدوهم، وكان ذاك النوم
نعمة في حقهم؛ لأنه كان خفيفًا بحيث
لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله إليهم،
وقدروا على دفعه عنهم، وقيل في كون
هذا النوم كان أمنة من الله سبحانه وتعالى
أنه وقع عليهم النعاس دفعة واحدة، فناموا
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ١٧٦٣،
كتاب الجهاد والسير، باب الامداد بالملائكة،
١٣٨٣/٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٩٥٣،
كتاب المغازي، باب قصة غزوة بدر، ٥ / ٧٣.
(٣) تفسير المراغي، ٩/ ١٧٣.
٢٣٨
القرآن الكريمِ

غزوة بدر
كلهم مع كثرتهم، وحصول النعاس لهذا المشركون إلى ماء بدر، وأصبح المسلمون
الجمع العظيم مع وجود الخوف الشديد
أمر خارج عن العادة، فلهذا السبب قيل: إن
ذلك النعاس كان في حكم المعجزة؛ لأنه
أمر خارق للعادة))(١).
ويقول سيد قطب في بيان هذا المشهد
العجيب، الذي أنعم به الله علی المؤمنین،
والذي يدل على كمال قدرته، وعلى تدبيره
سبحانه وتعالى ورعايته للفئة المؤمنة
الصادقة: ((أما قصة النعاس الذي غشي
المسلمين قبل المعركة فهي قصة حالة نفسية
عجيبة، لا تكون إلا بأمر الله وقدره وتدبيره
لقد فزع المسلمون وهم يرون أنفسهم
قلة في مواجهة خطر لم يحسبوا حسابه،
ولم يتخذوا له عدته فإذا النعاس يغشاهم،
ثم يصحون منه والسكينة تغمر نفوسهم،
والطمأنينة تفيض على قلوبهم))(٢).
وقد بينت الآية الكريمة ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ
النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيَُّزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَآءِ
مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ
وَيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾
[الأنفال: ١١] نعمة أخرى من نعم الله
على عباده المؤمنين بيدر، بأن أنزل عليهم
المطر ليطهرهم؛ حيث إن المسلمين نزلوا
على رمل تسوخ فيه أقدامهم، وقد سبقهم
(١) لباب التأويل، الخازن، ٢٩٧/٢.
(٢) في ظلال القرآن، ١٤٨٤/٣.
على غير ماء، وبعضهم محدث وبعضهم
جنب، وأصابهم العطش، فأنزل الله مطرًا
فشربوا منه، واغتسلوا وتوضئوا وسقوا
الركاب وملئوا الأسقية، وأطفأ الغبار،
ولبد الأرض، فثبت أقدامهم، وزالت
عنهم وسوسة الشيطان، وطابت أنفسهم،
وعظمت النعمة(٣).
رابعًا: تنزل الملائكة:
ثبت بالنصوص القرآنية وبالسنة النبوية
إمداد الله سبحانه وتعالى للمسلمين
بالملائكة؛ ليثبتوا المؤمنين ويقووا عزائمهم،
ولتحطيم معنوية الكافرين بإلقاء الرعب في
قلوبهم.
قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلِكَةِ
أَنِي مَعَكُمْ فَتَبْتُواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِ
قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُوا
فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ
[الأنفال: ١٢ ].
لقد أنزل الله سبحانه وتعالى الملائكة
في بدر؛ استجابة لاستغاثة النبي صلى
الله عليه وسلم بالله، وتأييدًا للمؤمنين
المخلصين، وعونًا وتثبيتًا، وتبشيرًا بالنصر
وتکثیرًا للعدد.
قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٢٩٧/٢.
www. modoee.com
٢٣٩

حرفالغين
فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُم بِأَلْفٍ مِّنَ بالتأييد بشتى أنواع وأشكال العون، ((إِنه
قوة عظمى وثبات راسخ للمؤمنين، حينما
الْمَلَتِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا
بُشْرَى وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلََّّ
مِنْ عِندِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:
٩-١٠].
يوقنون بأنهم ليسوا وحدهم في الميدان،
وأنهم إذا حققوا أسباب النصر، واجتنبوا
موانعه، فإنهم أهل لمدد السماء، وهذا
الشعور يعطيهم جرأة في مقابلة الأعداء)»(٣).
وكان تنزل الملائكة يردف بعضهم
بعضًا ويتبعه، فيتقدم بعضهم ويعقبه الآخر،
وهکذا تتابع الملائكة، وهذا ما دل عليه
قوله تعالى: ﴿أَنِّ مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍمِّنَ الْمَلَتِكَةِ
مُرْدِفِينَ﴾(١)، وكملت الآيات القرآنية
بعضها بعضًا، وبينت حدوث هذا الإمداد
على مرات، بألف أولًا، ثم بثلاثة آلاف، ثم
بخمسة آلاف(٢).
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ
أَزِلَّدٌ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣) إِذْ تَقُولُ
لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ
ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ مُنْزَّلِينَ ( بَلْ إِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُم
وَمَا
١٢٥
بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ اٌلْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ(
جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِهِ وَمَا
النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ اَلْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل
عمران: ١٢٣- ١٢٦].
إن تأييد الله وإعانته للمؤمنين بتنزيل
الملائكة؛ إشعار للمؤمنين بأنهم ليسوا
وحدهم، فالله يختص أهل الحق والإيمان
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٩/ ٢٦٤.
(٢) انظر: السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة،
أبو شهبة، ١٤٤/٢.
((وإن الحكمة من هذا الإمداد تحصيل
ما يكون سببًا لانتصار المسلمين، وهذا
ما حصل بنزول الملائكة، فقد قاموا بكل
ما يمكن أن يكون سببًا لنصر المسلمين،
من بشارتهم بالنصر ومن تثبيتهم بما ألقوه
في قلوبهم؛ من بواعث الأمل في نصرهم،
والنشاط في قتالهم، وبما أظهروه لهم من
أنهم معانون من الله تعالى، وأيضًا بما قام
به بعضهم من الاشتراك الفعلي في القتال،
ولا شك أن هذا الاشتراك الفعلي في القتال
قوی قلوبهم، وثبتهم في القتال، وهذا ما
دلت عليه الآية، وصرحت به الأحاديث
النبوية»(٤).
وقد جاء في صحيح البخاري، عن ابن
عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله
علیه وسلم قال يوم بدر: (هذا جبريل، آخذ
برأس فرسه، عليه أداة الحرب)(٥).
(٣) السيرة النبوية، علي الصلابي، ٣١/٢.
(٤) المستفاد من قصص القرآن، عبد الكريم
زيدان، ١٣١/٢.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٩٩٥،
کتاب المغازي، باب شهود الملائكة، ٨١/٥.
مَوَسُولَةُ الَّفي
القرآن الكريمِ
٢٤٠

غزوة بدر
وسواء قاتلت الملائكة مع المؤمنين
أم اقتصرت مهمتهم على التأييد والمعونة
والتثبيت؛ خروجًا من الخلاف الذي بين
العلماء في ذلك، ولكن «بحسبنا أن نعلم
أن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها في
ذلك اليوم، وهي قلة والأعداء كثرة، وأن
أمر هذه العصبة وأمر هذا الدين قد شارك
فيه الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو
الذي يصفه الله سبحانه وتعالى في كلماته
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى
٥
مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَتَبِكَةِ مُرْدِفِينَ
وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمُ﴾.
لقد استجاب لهم ربهم وهم يستغيثون،
وأنبأهم أنه ممدهم بألف من الملائكة
مردفين، ومع عظمة هذا الأمر ودلالته
على قيمة هذه العصبة وقيمة هذا الدين
في ميزان الله، إلا أن الله سبحانه وتعالى
لا يدع المسلمين يفهمون أن هناك سببًا
ينشئ نتيجة، إنما يرد الأمر كله إليه سبحانه
وتعالى؛ تصحيحًا لعقيدة المسلم وتصوره.
فهذه الاستجابة، وهذا المدد، وهذا
الإخبار به كل ذلك لم يكن إلا بشرى،
ولتطمئن به القلوب، أما النصر فلم يكن إلا
من عند الله هذه هي الحقيقة الاعتقادية التي
يقررها السياق القرآني هنا، حتى لا يتعلق
قلب المسلم بسبب من الأسباب أصلًا))(١).
خامسًا: استفتاح المشركين على
أنفسهم:
لقد دعا المشركون الله بأن ينصر أعلى
الجندین وأهدی الفئتين، فكان ذلك بمنزلة
استفتاح على أنفسهم، فالمسلمون هم
الأهدی والأعلى والأكثر دينًا، حيث روي
عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صغير قال:
كان المستفتح أبا جهل، فإنه قال حين التقی
القوم: اللهم أينا كان أقطع للرحم، وآتانا
بما لا نعرف، فاحنه -أي: أهلكه- الغداة.
إن
(«فكان ذلك استفتاحه فأنزل الله:
تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَ كُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنَهُوا
فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِىَ عَنكُمْ
فِتَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[الأنفال: ١٩](٢).
ففي هذه الآية الكريمة يخاطب الله أهل
مكة على سبيل التهكم، إن تستفتحوا، أي:
إن تستنصروا لأعلى الجندين وأهداهما،
وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل
بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم
ما سألتم، وتم النصر للأعلى والأهدى،
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١٤٨٣/٣.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك على
الصحيحين، رقم ٣٢٦٤، ٣٥٧/٢، وقال:
حديث صحيح على شرط الشيخين.
وانظر: لباب النقول في أسباب النزول،
السيوطي، ١ / ٩٦.
www. modoee.com
٢٤١

حرفالغين
وحدث الهلاك والذلة للأدنى والأضل (١). سادسًا: مشهد المعركة ورؤية كلا
الفریقین بعضهم بعضًا:
وفي بيان قوله تعالى: ﴿ إِن تَسْتَفْئِحُواْ
فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ يقول الشيخ
الشعراوي: ((أي: إن كنتم قد استفتحتم
وطلبتم الفصل والحكم فقد جاءکم الفتح،
وهذا الفتح كان في صالح المؤمنين، و
أيضًا في صالح دعاء الكافرين، إنه جاء
في الأمرين الاثنين؛ فتح للمؤمنين، وفي
صالح دعاء الكفار. فأنتم -أيها الكافرون-
قد دعوتم، فإما أن تكونوا قد دعوتم والله
أجاب دعاءکم وهو شر علیکم، وهذا دليل
على أنكم أغبياء في الدعاء، وما دام الفتح
قد جاء، كان الواجب أن ينتهي كل فريق
عند الحد الذي وقع، وكان على الكافرين
أن يقتنعوا بأنهم انهزموا، وعلى المؤمنين أن
يقتنعوا بأنهم انتصروا))(٢).
ثم يحذر الله سبحانه وتعالى الكافرين
في الآية السابقة، ويخيرهم إن ينتهوا
ويسلموا ويتركوا عداوة النبي صلى الله عليه
وسلم فهو خير لهم وأجدى، وإن يعودوا
إلى محاربته فسينصر الله المؤمنين ويهزم
الكافرين، ولن تغني جماعتهم وقوتهم شيئًا
ولو كثرت، وأن الله مع المؤمنين بالنصر
والتأييد والتوفيق إلى سلوك طرق النجاح
والفلاح، والعاقبة دائمًا للمتقين(٣).
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٧٨/٩.
(٢) الخواطر، ٨٤٦٢٥.
(٣) انظر: التفسير الواضح، حجازي، ٨١٥/١.
لقد شاء الله سبحانه وتعالى للفئتين
- فئة المؤمنين وفئة الكافرين- أن تلتقيا،
وأن يندلع بينهم القتال، وقد بدأ بالمبارزات
الفردية بين عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد
بن عتبة من جيش المشركين، وعلي
وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله
عنهم من جيش المسلمين، وقد أنزل الله
فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمٌّ فَالَّذِينَ
كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّنْ تَّارِ يُصَبُّ مِن
فَوْقِ رُءُوسِهِمُ اْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩](٤).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى
في منامه ليلة التقاء الجيشين أن المشركين
قلیلٌ عددهم، وقد أخبر الصحابة برؤيته، کي
يرفع معنوياتهم، ويثبت قلوبهم، ويشجعهم
للقتال.
قال تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِى
مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ
وَلَنَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمُّ إِنَّهُ,
عَلِيمٌبِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣].
فالله سبحانه وتعالى قدر هذه الرؤيا
للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يقللهم في
(٤) انظر: صحيح البخاري، ٣٩٦٩، كتاب
المغازي، باب قتل أبي جهل، ٧٥/٥،
صحيح مسلم، ٣٠٣٣، كتاب التفسير، باب
قوله تعالى: ((هذان خصمان))، ٢٣٢٣/٤.
وانظر التفسير المنير، الزحيلي، ١٧/ ١٨١.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير
القرآن الكريمِ
٢٤٢

غزوة بدر
عينه ویبشر به الصحابة، ولو أراهم حسب
الواقع لفشلوا وتنازعوا في أمر القتال، ولکن
الله سلم من الفشل والنزاع (١).
وكذلك شاء الله عند لقاء الجيشين
أن يقلل المشركين في أعين المسلمين
فيتجرؤوا ويتشجعوا، ويقلل المسلمين في
أعين المشرکین فیغتروا، وليعاين المؤمنون
ما أخبرهم به رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيزدادوا يقينًا وشجاعة على القتال،
ويكون النصر والعزة للمسلمين، والهزيمة
والذل للكافرين.
قال تعالى: ﴿وَإِذْيُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ
فِيِّ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِّ أَعْيُنِهِمْ
لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًاً وَإِلَى اللَّهِ
تُرْجَعُ اُلْأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤](٢).
وهذا كله قبل القتال، أما في أثناء القتال
فإن المشركين رأوا المسلمين مثلي عددهم؛
لیعمهم الفزع، ویضعف معنوياتهم، وجاء
ذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ
فِى فِتَتَيْنِ الْتَّقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ
وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ
اَلْعَيْنِّ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِّأُوْلى الْأَبْصَرِ﴾ [آل عمران:
١٣](٣).
(١) انظر: التفسير الواضح، حجازي، ١/ ٨٣٢.
(٢) انظر: السيرة النبوية في ضوء القرآن الكريم
والسنة، أبو شهبة ٢ / ١٣٦.
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٩/١٠،
وهذا المعنی الأصح فیما ورد من قولین
في تفسير الآية، أن الفئة الكافرة رأت الفئة
المؤمنة مثلي عدد الكافرة(٤).
وقد بين عدد من المفسرين وجه الحكمة
واللطف بالمسلمين، برؤيتهم عدد الكافرين
قليل، ففي ذلك تثبيت لهم وتنشيط وزيادة
جرأة على القتال، ونزع للخوف من قلوبهم،
ووجه الحكمة من تقليل المسلمين في
أعين المشركين بداية المعركة، أن يغتروا
بأنفسهم، وعدم الاستعداد والجد والحذر
في مقاتلتهم، بل ومفاجأتهم بالعدد،
ورؤيتهم كثر أثناء المعركة یفاجئهم ويبهتهم
فيهابون منهم، ويدب الفزع في قلوبهم،
فتكسر شوكتهم حين يرون ما ليس في
حسابهم، فینهزموا بقدرة الله وإرادته(٥).
إن لطف الله بعباده المؤمنين، وإنعامه
عليهم بنعمة الرؤية لبعضهم بعضًا في معركة
بدر لآية من آيات الله للفئة المؤمنة، صاحبة
الإيمان الصادق، الذي به استحقوا رعاية
الله ورحمته وكرامته، لينصر دينه، وهذا
وعد الله للمؤمنين في كل زمان ومكان،
بأن ینصرهم ويهزم عدوهم، «فإن وعد الله
السيرة النبوية في ضوء القرآن الكريم والسنة،
أبو شهبة ٢/ ١٣٦.
(٤) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٢/ ٩٣، إرشاد
العقل السليم، أبو السعود، ١٣/٢.
(٥) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٢٢٥/٢، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير، ٤ / ٦٩، السيرة
النبوية، علي الصلابي، ٢٨/٢.
www. modoee.com
٢٤٣

حرفالغين
عن منهج الله، قائم في كل لحظة، ووعد الله
بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها- قائم
كذلك في كل لحظة، وتوقف النصر على
تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة
لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف، وليس
على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه
الحقيقة، وتثق في ذلك الوعد، وتأخذ للأمر
عدته التي في طوقها كاملة، وتصبر حتى
يأذن الله، ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال
عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر
بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه
الحكمة»(١).
سابعًا: مشهد تزيين الشيطان للمشركين
أعمالهم:
لقد زين إبليس أعمال المشركين بأن
وسوس لهم وشجعهم على لقاء المسلمين
لما خافوا الخروج.
﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
قال تعالى:
أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ
النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ اَلْفِئَتَانِ
نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِ بَرِىٌّ مِّنِكُمْ
إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنْ أَخَافُ اللَّهَ وَاَللّهُ شَدِيدُ
اَلْمِقَابِ ﴾ [الأنفال: ٤٨].
لقد أوهمهم الشيطان أنهم لا يقاتلون
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/ ٣٧٢.
جَوَسُولَةُ التَّقِينَ
الْقُرْآن الكَرِيمِ
بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون بكثرة عددهم، وأزال مخاوفهم من إتيان
عدوهم بني بكر في ديارهم أثناء خروجهم،
وقال لهم الشيطان: لا غالب لكم اليوم من
بني آدم، وغرهم أنه مجیرٌ لهم، ویمنعهم من
المسلمین، ولکن لما تزاحفت جنود الله من
المؤمنين وجنود الشيطان من المشركين،
ونظر بعضهم إلى بعض، نكص الشيطان
على عقبيه ورجع مدبرًا هاربًا، وتبرأ منهم
وتخلى عنهم، فهو يرى الملائكة الذين
بعثهم الله بمدد للمؤمنين، والمشرکون لا
(٢)
یرونهم (٢).
ففي هذا النص القرآني إثبات أن الشيطان
زين للمشركين أعمالهم، وشجعهم على
الخروج بإعلان إجارته لهم ونصرته إياهم،
وأنه بعد ذلك لما تراءى الجمعان ورأى
أحدهما الآخر خذلهم وتركهم يلاقون
مصيرهم وحدهم، ولم يوف بعهده معهم،
أما الكيفية التي زين لهم بها أعمالهم، والتي
قال لهم بها: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ
النَّاسِ وَإِي جَارٌ لَّكُمْ﴾ وهل جاء على
صورة رجل؟ فلا نعلم؛ لعدم ورود نص
قرآئي أو حديث نبوي صحيح يبين ذلك (٣).
وهكذا الشيطان دائما يزين للناس
أعمالهم ويضلهم، ثم يتخلى عنهم، قال
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٨/١٣، التفسير
المنير، الزحيلي، ٣٣/١٠، أنوار التنزيل،
البيضاوي، ٦٢/٣.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٣٢٢/١.
٢٤٤