النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
خِزْوَةً تَنُولُ
عناصر الموضوع
التعريف بغزوة تبوك
٢٦٤
٢٧١
أسباب الغزوة
٢٧٣
موقف المؤمنين في الغزوة
٢٨٢
موقف المنافقين في الغزوة
٢٩٩
المخلفون عن الغزوة
٣٠٦
القيادة النبوية في الغزوة
٣٠٩
الدروس المستفادة من غزوة تبوك
المُجَلَدَ الخَامِسْ وَالعشْرُونْ

حرف الغين
التعريف بغزوة تبوك
أولًا: أسماؤها:
ورد في كتب السيرة أكثر من تسمية لهذه الغزوة المباركة، وسوف أذكر هذه الأسماء
وحكمة التسمية فيما يأتي:
١. غزوة تبوك.
وقد ورد هذا الاسم في أحاديث صحيحة، ففي صحيح مسلم عن معاذ بن جبل قال:
(خرجنا مع رسول الله عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، ثم قال: (إنكم ستأتون غدًا إن
شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار)(١).
وتسمية الغزوة بهذا الاسم واضح، فإنه المكان الذي انتهى إليه مسير المسلمين، وتبوك
مدينة من مدن شمال الحجاز الرئيسية، بها إمارة الآن تعرف بإمارة تبوك، وهي تبعد عن
المدینة ٧٧٨ کیلو مترًا على طريق معبدة تمر بخیبر وتيماء، وقد كانت وقتئذ من ديار قضاعة
تحت سلطة الروم (٢).
٢. غزوة العسرة.
والعسرة: الشدة وضيق الحال والعدم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُوْ عُسْرَقِ﴾
[البقرة: ٢٨٠].
وقد وردت هذه التسمية في سورة التوبة، قال تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ
وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾[ التوبة: ١١٧] وساعة العسرة
أي: وقت العسرة، والمراد جميع أوقات تلك الغزاة ولم يرد ساعة بعينها(٣).
ووردت التسمية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (من جهز جيش العسرة
فله الجنة)(٤).
ووردت التسمية عن جمع من الصحابة الكرام، منهم: أبو موسى الأشعري رضي الله عنه
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم رقم ٢٢٨١ .
(٢) انظر: معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، عاتق الحربي ص ٥٩.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٨/٨.
(٤) أخرجه البخاري تعليقا في كتاب المناقب باب مناقب عثمان ١٣/٥ ووصله الدارقطني في سننه
٣٥٥/٥، والبيهقي في سننه ٦/ ٢٧٦ وسنده حسن.
٢٦٤
القرآن الكريمِ

غزوة تبوك
حيث قال: (أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم، إذ
هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك)(١).
ومنهم: يعلى بن أمية رضي الله عنه حيث قال: (غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم
جيش العسرة، فكان من أوثق أعمالي في نفسي)(٢).
ومما سبق يتضح أن التسمية كانت مشهورة بين الصحابة الكرام؛ لورودها في القرآن
الكريم وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولأنهم كانوا يرون العسرة أمام أعينهم وليس
بعد العيان بيان. ومن الشواهد الواردة على العسرة في الغزوة ما ورد عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه: (خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد؛ حتى
ظننا أن رقابنا ستقطع؛ حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه)(٣).
ونحوه عن محمد بن عبد الله بن عقيل، وفيه تفصيل للعسرة حيث قال: ((خرجوا في غزوة
تبوك الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حر شديد فأصابهم يومًا عطش؛ حتى جعلوا
ينحرون إبلهم فيعتصرون أكراشها ويشربون ماءها، فكان ذلك عسرة من الماء، وعسرة من
النفقة، وعسرة من الظهر)) (٤).
٣. الفاضحة.
قال الزرقاني: ((وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها))(٥). ومن المعلوم أن عبد الله
ابن عباس رضي الله عنهما كان يسمي سورة التوبة بالفاضحة، قال: ((التوبة هي الفاضحة، ما
زالت تنزل: ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لن تبقي أحدًا منهم إلا ذكر فيها)) (٦).
وقد نزلت سورة التوبة وفيها التعقيب على غزوة تبوك ففضحت سرائر المنافقين في
الغزوة، وأظهرت ما كان خفيًّا من سوء باطنهم.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي باب غزوة تبوك وهى غزوة العسرة رقم ٤٤١٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإجارة باب الأجير في الغزو برقم/ ٢٢٦٥.
(٣) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، ١/ ٥٢، والحاكم في المستدرك ٣٦٢/١٧ وصححه على شرطهما
ولم يتعقبه الذهبي.
وجود ابن كثير إسناده في البداية والنهاية ٥/ ٩.
(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ١٨٩٨/٦ رقم ١٠٠٨١، دلائل النبوة، البيهقي رقم ١٩٨١.
(٥) شرح المواهب اللدنية ٤ / ٦٦.
وانظر: إمتاع الأسماع، المقريزي ٣٩١/٨.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب سورة الحشر، رقم ٢٨٨٢.
www. modoee.com
٢٦٥

حرفالغين
ثانيًا: زمان الغزوة:
اتفق أرباب السير على أن غزوة تبوك كانت في رجب من العام التاسع للهجرة (١).
قال ابن عباس: («لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خروجه من الطائف ستة
أشهر، ثم أمره الله بغزوة تبوك، وهي التي ذكر الله ساعة العسرة)»(٢).
قال ابن حجر: ((وليس مخالفًا لقول من قال: في رجب، إذا حذفنا الكسور؛ لأنه صلى الله
عليه وسلم قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة)) (٣).
وقد ذكروا أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان يوم الخميس، عن كعب بن
مالك قال: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب
أن يخرج يوم الخميس)»(٤).
قال العامري: ((لخمس خلون من رجب))(٥). وأقام رسول الله في تبوك عشرين ليلة (٦).
أما تحديد زمنها بالتقويم الشمسي فلا شك أنه كان في وقت اشتداد الحر في موسم
الصيف، وهذا ما يظهر بوضوح في قوله تعالى مخبرًا عن المنافقين: ﴿وَقَالُواْ لَ نَنْفِرُواْ فِىِ الْحَرِّ﴾
[التوبة: ٨١].
وقد ذهب بعض المصنفين في السيرة إلى أنها كانت في نوفمبر، والأقرب ما ذكره بعضهم
من أنها كانت في شهر إبريل والله أعلم))(٧).
وكان عدد المسلمين ثلاثين ألفًا منهم عشرة آلاف فارس (٨)، واستخلف على المدينة
سباع بن عرفطة، وعهد إلى علي بن أبي طالب القيام على أمور أهل بيته.
ثالثًا: حكمة ذكر غزوة تبوك في سورة التوبة:
سورة التوبة من السور المدنية التي تأخر نزولها، بل ورد عن البراء رضي الله عنه أنه قال:
(١) انظر: طبقات ابن سعد ١٦٥/٢، عيون الأثر ٢٦٨/٢، زاد المعاد، ابن القيم ٥٢٦/٣.
(٢) تاريخ دمشق، ابن عساكر ٢٨/٢.
(٣) فتح الباري، ابن حجر ٨/ ١١١
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير باب من أراد غزوة فورَّى بغيرها، ومن أحب
الخروج يوم الخميس، رقم ٢٩٤٩، ٤٨/٤.
(٥) بهجة المحافل وبغية الأماثل في تلخيص المعجزات والسير والشمائل، يحيى العامري ٣١/٢.
(٦) مغازي الواقدي ١٠١٥/٣.
(٧) انظر: السيرة النبوية، أبو الحسن الندوي ص ٤٨٧.
(٨) مغازى الواقدي ٣/ ١٠٠٢، دلائل النبوة، البيهقي ٢١٩/٥، عيون الأثر ٢٦٨/٢.
٢٦٦
جوبيبو
القرآن الكريم

غزوة تبوك
((آخر آية نزلت ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾ وآخر سورة نزلت براءة))(١).
وفيها كثير من الأمور المحكمة التي لم تنسخ ومنها أحكام الجهاد، فمن خلال تتبع أحكام
القتال ومراحل تشريعه وجدنا أن سورة التوبة قد ذكرت الموقف النهائي من كل الطوائف،
قال ابن القيم: ((ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل
حرب، وأهل ذمة، فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم وأن يوفي لهم به ما استقاموا
على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد،
وأمر أن يقاتل من نقض عهده. ولما نزلت سورة (براءة) نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها،
فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره
فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين
بالحجة واللسان)» (٢).
ففي السورة الأحكام النهائية للجهاد، وفيها المثال العملي بتفاصيل آخر غزوة غزاها
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيان ما حدث فيها من المؤمنين والمنافقين. وما استحقوه
من جزاء رباني.
ومقصود السورة يشير إلى هذا، فقد ذكر البقاعي أن مقصود السورة: ((معاداة من أعرض
عما دعت إليه السور الماضية، من اتباع الداعي إلى الله في توحيده، واتباع ما يرضيه،
وموالاة من أقبل عليه))(٣).
ولما كانت سورة التوبة من آخر السور نزولا فقد جاءت بالقول الفصل في كثير من
الأحكام المتعلقة بالآخر، فقد ورد فيها تفصيل القول في عهود المشركين وأقسامهم، وورد
فيها تفصيل الموقف من أهل الكتاب ومن المنافقين. وكلا الموضوعين مرتبط بغزوة تبوك.
لقد كانت غزوة تبوك مع نصارى الروم، وقد تعرضت السورة للكلام عن أهل الكتاب
وموقفهم من الدعوة الإسلامية وذلك من الآية (٢٩) إلى الآية (٣٤) وكان هذا الحديث
تمهيدا للحديث عن غزوة تبوك من أول الآية (٣٨) إلى الآية (١٢٧) وفيها حديث مطول
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (براءة من الله ورسوله)، ١٦٨/٨، رقم
٤٦٥٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الفرائض، ١٢٣٧/٣.
والراجح أن سورة النصر آخر سورة نزلت كاملة، وأن التوبة تأخر نزول معظمها إلا أن فيها ما نزل في
سنة تسع وهو صدر السورة.
وانظر: فتح الباري، ابن حجر ٧٣٤/٨.
(٢) زاد المعاد، ابن القيم ١٤٣/٣ - ١٤٤.
(٣) مصاعد النظر في الإشراف على مقاصد السور، البقاعي ٢/ ١٥٣.
www. modoee.com
٢٦٧

حرفالغين
عن المنافقين ومواقفهم قبل الغزوة وأثناءها وبعدها، وإذا كان الحديث عن المنافقين قد
ورد في كثير من السور المدنية إلا أن أطول حديث وأشده كان في سورة التوبة، إن الغزوة
كانت الفرصة الأخيرة والامتحان النهائي للصف المسلم قبل أن يلحق الرسول صلى الله
عليه وسلم بالرفيق الأعلى، فكان لابد أن تتمايز الصفوف ويعرف كل فرد مكانه، ويميز الله
الخبيث من الطيب وينكشف أمر النفاق انكشافًا تامًا.
وأسلوب السورة فيه القوة والشدة معهم، فلم يعد هناك مجال أو وقت للملاينة بعد أن
ظهر نفاقهم سافرًا في تبوك؛ ولذلك جاءت أسماء السورة تحمل هذه المعاني، فهي براءة
من الكفار ومن على شاكلتهم، وهي الفاضحة التي نزلت بفضيحة المنافقين، وهي سورة
العذاب التي نزلت بالعذاب على المنافقين، وهي المقشقشة التي تشفي قلب المؤمن من
النفاق، وهي المثيرة والحافرة التي تكشف خبيئات المنافقين، وهي المبعثرة المخزية،
المنكلة، المشردة، المدمدمة، الكاشفة، العاصفة، الفارقة، المحرضة (١).
ومع هذه الشدة والغلظة في جهاد المنافقين الذي يعتمد على الكلمة لا على القوة وعلى
اللسان لا على اليد، نجد مع هذا أن السورة هي سورة التوبة وأنها أكثر سورة في القرآن
ورد فيها لفظ التوبة بمشتقاته المتعددة: (تاب، تابوا، تبتم، يتوب، التواب، يتوبوا، ليتوبوا،
يتوبون، التوبة، التائبون) ولم يتكرر لفظ التوبة في أي سورة من القرآن كما تكرر في هذه
السورة. وذلك حتى يظل باب المغفرة مفتوحًا لمن ندم وأناب ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرَاً لَمْ﴾
[التوبة: ٧٤].
وقد تحدثت السورة عن جهاد المال، وقرنت بین الجهاد بالمال والنفس في خمس آيات،
وبينت فضيلة الإنفاق وثواب المنفقين وعقوبة الكانزين، وفصلت مصارف الزكاة، وهذا
الحديث مرتبط أيضا بغزوة تبوك، غزوة العسرة والشدة التي وعدت بالخيرات من جاهد
بماله ونفسه، وكما كشفت السورة المنافقين فإنها كذلك نوَّهت بقدر المؤمنين وبإنفاقهم
أموالهم في سبيل الله.
رابعًا: أسباب تصريح الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج لغزوة تبوك:
كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعمل التورية إذا أراد الخروج في
غزوة؛ وذلك لكي يبغت العدو ويفجأهم فلا يأخذوا أهبتهم للقتال؛ وكان هذا الأمر مطَّردًا
(١) انظر في ذلك: الكشاف ٢/ ٢٤١، محاسن التأويل، القاسمي ٣٤٣/٥.
٢٦٨
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ

غزوة تبوك
في کل الغزوات إلا غزوة تبوك، وهذا ما صرح به کعب بن مالك رضي الله عنه، حيث قال:
(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلَّما يريد غزوة يغزوها إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت
غزوة تبوك، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا
ومفازًا، واستقبل غزو عدوكثير، فجلَّى للمسلمين أمرهم، ليتأهّبوا أهبة عدوهم، وأخبرهم
بوجهه الذي يريد)(١).
فالإسرار من قبيل الخداع المحمود في الحرب، أما خصوصية تبوك في عدم التورية وفي
صريح الإعلان عنها فإن ذلك راجع لعدة أساب؛ منها ما ذكره المهلب بقوله: ((وأخبرهم
صلى الله عليه وسلم بغزوة تبوك لطول المدة؛ ليتأهبوا - كما ذكر فى الحديث- ولأنه آمن
ألا يسبقه إليها الخبر لبعد الشقة التي بينه وبينها وقفرها))(٢).
ومنها ما ذكره اللواء محمود خطاب، حيث قال في تعليل التصريح: «لأن المسافة طويلة
يجب قطعها صيفا، فلا بد من إكمال المؤنة والنقلية للمجاهدين قبل الحركة، حتى لا يؤدي
نقص القضايا الإدارية إلى إخفاق المسلمين في تحقيق هدفهم المنشود. وليس من السهل
تجهيز قوات المسلمين الكبيرة بما تحتاجه من مؤنة ونقلية وأسلحة، مالم يشارك أغنياء
المسلمين في تجهيز هذا الجيش مشاركة فعالة، فأقبل هؤلاء الأغنياء على بذل أموالهم
بسخاء وعن طيبة خاطر))(٣).
ونستخلص من هذا أن للتصريح بالغزوة أسبابا عديدة نجملها فيما يأتي:
١. ما صرح به كعب بن مالك رضي الله عنه في الحديث من أن ذلك التصريح كي يأخذ
المسلمون أهبتهم ويستعدوا نظرا لبعد الطريق وقلة المؤنة.
٢. ولكي يستعد أهل الغنى من المؤمنين فيكثروا من النفقة؛ لتدبير احتياجات الجيش
المسلم، وقد أنفق الكثيرون من ذوي اليسار لتجهيز المعسرين، ومر بنا حديث عثمان
ووعده بالجنة لتجهيزه جيش العسرة.
٣. أن هذه الغزوة تعتبر اختبارًا نهائيًّا - إن صح التعبير - فهي آخر غزوة غزاها رسول الله
صلى الله عليه وسلم وكان من حكم الله تعالى أن تكون هذه الغزوة كاشفة لأحوال
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب من أراد غزوة فورى بغيرها، رقم ٢٩٤٨،
٤٨/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، رقم ٢٧٩٦ ،
٢٢١٨/٤.
(٢) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ١٢٣/٥.
(٣) الرسول القائد، محمود شيت خطاب ص٣٩٨.
www. modoee.com
٢٦٩

حرفالغين
الصادقين من المؤمنين وأحوال المنافقين، فهي آخر غزوة، ولن يجدي الآن سوى
أسلوب التصريح الكامل، والطلب المباشر من الجميع أن ينفر على كل حال من
الخفة أو الثقل؛ ولهذا كان التصريح الواضح بالوجهة، ومما يقوي وجهة النظر في أن
الغزوة كان من جملة أهدافها الاختبار أنه لم يحدث فيها أي قتال، بل ذهب المؤمنون
الصادقون وعادوا ولم يتتبعوا عدوًّا أو يقاتلوا أحدًا، وإنما اتبعوا رضوان الله فعادوا
بتوبة ورضوان ورب غير غضبان.
٢٧٠
جوبي
◌َالنَّسَبـ
قَضوري
القرآن الكريم

غزوة تبوك
أسباب الغزوة
لقد ذكر كُتَّاب السِّير عدَّة أسباب لغزوة
تبوك، منها:
قال ابن سعد: «بلغ رسول الله صلى
الله علیه وسلم أن الروم قد جمعت جموعًا
كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه
لسنة وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة
وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فندب
رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى
الخروج))(١)
ولم يأت هذا القول مسندًا، لكن ورد في
السنة الصحيحة أن الصحابة كانوا يترقبون
مجيء قبائل الروم إلى المدينة، فقد ورد عن
عمر رضي الله عنه قال: ((وكان لي صاحب
من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا
غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف
ملكًا من ملوك غسان، ذكر لنا أنه يريد أن
يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا
صاحبي الأنصاري یدق الباب، فقال: افتح
افتح. فقلت: جاء الغساني؟ فقال: بل أشد
من ذلك، اعتزل رسول الله صلى الله عليه
وسلم أزواجه)»(٢).
(١) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد ٢/ ١٦٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب تبتغي مرضات أزواجك، رقم ٤٩١٣،
ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب
الإيلاء واعتزال النساء، رقم ١٤٧٩.
وقال اليعقوبي: ((وغزاة تبوك غزاها
رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع
كثير من أرض الشام، يطلب بدم جعفر بن
أبي طالب))(٣).
ويرى آخرون أن السبب المباشر مقتل
فروة بن عمرو الجذامي الذي كان قائدًا من
قوَّاد الروم، وواليا لهم على من يليهم من
العرب، وكان منزله معان وما حولها من
أرض الشام. فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه
طلبوه حتى أخذوه فحبسوه وقتلوه(٤).
ومن الثابت أن مقتل جعفر رضي الله
عنه كان في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة،
وقد يكون هذا من جملة الأسباب الداعية
إلى غزوة تبوك، ولكنه لا يرقى بمفرده أن
يكون سببًا للغزوة. ويقال هذا في مقتل فروة
أيضًا، والله أعلم.
وروي عند ابن عساكر عن عبد الرحمن
ابن غنم رضي الله عنه أن اليهود أتوا رسول
الله صلی الله علیه وسلم يومًا فقالوا: يا
أبا القاسم، إن كنت صادقًا أنك نبي فالحق
بالشام؛ فإن الشام أرض المحشر وأرض
الأنبياء. فصدق رسول الله صلى الله عليه
وسلم فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام.
فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة
بني إسرائيل ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ
(٣) تاريخ اليعقوبي ٦٧/٢.
(٤) انظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢٩١/٢-
٢٩٢.
www. modoee.com
٢٧١

حرفالغين
مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ
خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٦) سُنَّةً مَن قَدْ أَرْسَلْنَا
قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَّا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾
[الإسراء: ٧٦: ٧٧] (١).
وفي الإسناد ضعف، والظاهر أن هذا
ليس بصحيح، فإن النبي صلى الله عليه
وسلم لم يخرج للغزوة بسبب قول اليهود،
بالإضافة إلى أن الآية مكية (٢).
وروى الطبري عن مجاهد قال: ((قال
المؤمنون: كنا نصيب من متاجر المشركين.
فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله عوضًا
لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام. فهذه
الآية من أول براءة في القراءة، ومن آخرها
في التأويل: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
◌ِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قوله:
﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. حين
أمر محمد وأصحابه بغزوة تبوك))(٣).
ومع أن النصوص النبوية تشير إلى أن
الجهاد باب من أبواب الرزق كما في قوله
صلى الله عليه وسلم: (وجعل رزقي تحت
ظل رمحي) (٤).
(١) تاريخ دمشق، ابن عساكر ٧٩/١، دلائل
النبوة، البيهقي ٥/ ٢٥٤.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٠/٥.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٤٠٣، تفسير
أبن أبي حاتم ٦/ ١٧٧٧ .
(٤) أخرجه البخاري تعليقًا عن ابن عمر، كتاب
الجهاد والسير باب ما قيل في الرماح،
٤/ ٤٠، ووصله أحمد في مسنده ٥١٥/٤.
إلا أن حمل الآية على العموم أولى، فقد
فتح الله أبواب الرزق للمسلمين من أكثر
من وجه، ولیس فقط من وجه الغنائم بدلیل
أُنھم لم یغنموا شيئًا کثیرًا من تبوك، ولم یکن
هدف المؤمنين من الغزو التربح فقط، بل
هدفهم الأساس تعبيد الناس لربهم.
والظاهر أن الغزوة كانت امتثالاً نبويًّا
لأمر الله بقتالهم؛ قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ قَئِلُواْ أَلَّذِينَ بِلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
وَلَيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْطَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ
الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].
قال الطبري: ((يقول لهم ابدؤوا بقتال
الأقرب فالأقرب إليكم دارًا دون الأبعد
فالأبعد، وكان الذين يلون المخاطبين بهذه
الآية يومئذ الروم؛ لأنهم كانوا سكان الشام
يومئذ)»(٥).
وحكمة قتال الروم تتضح من الآية، وهي
أن يجدوا في المؤمنين غلظة، فيرهبوهم
ويقيموا لهم شأنًا، وهذا ما حدث في
الغزوة، فلم يخرج الروم لقتال المسلمين
ولم يواجهوهم، ولم يكن قصد إرهاب
الكفار قاصرًا على الروم وحسب؛ بل امتد
ليشمل القبائل المتنصرة المتحالفة معهم.
والملاحظ أن هذه الغزوة مع سابقتها
(مؤتة) كانت متوجهة لقتال الروم بعد
إخضاع الجزيرة العربية لسلطان الإسلام
(٥) جامع البيان ١٢/ ٨٥.
مُؤَ الَرُ النَّسَيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٢٧٢

غزوة تبوك
وفتح مكة ودخول كثير من العرب في
الإسلام، و کذلك بعد انتهاء خطر اليهود من
الجزيرة وإخلاء آخر معاقلهم في خيبر بعد
الفتح، فجاءت هذه المرحلة الجديدة تمهيدًا
لفتوح إسلامية تدك معاقل الرومان في شبه
الجزيرة العربية وما حولها، واستجابة للأمر
الإلهي في قوله تعالى: ﴿قَئِلُوا الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِللهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا
حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَقَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ
عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
قال الطبري: ((وذكر أن هذه الآية نزلت
على رسول الله صلى الله عليه وسلم في
أمره بحرب الروم، فغزا رسول الله صلى
الله علیه وسلم بعد نزولها غزوة تبوك»(١).
ومن أسباب الغزوة أيضًا: إدخال الرعب
في قلوب القبائل العربية التي لم تدخل في
الإسلام في جزيرة العرب، والقبائل العربية
المتنصرة الخاضعة لنفوذ الإمبراطورية
الرومانية، والتابعة لها، وإتاحة الفرصة لها
للتفكير في أهمية الدين الإسلامي جدیًّا،
وأنه ليس من الأمور التي تعلو سطح الماء
ثم تغيب، وأن له مستقبلًا زاهرًا، لعل ذلك
يفتح لها الطريق في الدخول في الإسلام،
الذي ظهر في أرضهم وبلادهم(٢).
(١) المصدر السابق ٢٠٠/١٤.
(٢) السيرة النبوية، الندوي ص٤٨٦.
موقف المؤمنين في الغزوة
كانت غزوة تبوك ميدانا للمنافسة
واختبارًا شاقًا یتمحص به إيمان المؤمنين
ويظهر صدقهم، وقد تعددت المواقف
الإيمانية العظيمة في هذه الغزوة والتي
نجملها فيما يأتي:
أولًا: الاستجابة للأمر بالنفير:
لقد تفاوتت درجات الناس في هذه
الغزوة، فكان منهم السابق بالخيرات بإذن
الله، وهم المؤمنون الصادقون الذين
خرجوا استجابةً للأمر الإلهي بالنفیر.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
مِنَ اْأَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فِ
الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ﴾ [التوبة: ٣٨].
وفي الآية الكريمة ترغيب للمؤمنين
وحث لهم على الخروج للقتال،
وفي﴿مَالگمْ ﴾ استفهام يفيد معنى التوبيخ
والعتاب واللوم لمن تثاقل عن الجهاد،
واللفظة «تمثل الجسم المسترخي وما لها
من جاذبية تشد إلى أسفل)) (٣).
والاستفهام في: ﴿مَالَكُمْ﴾ للإنكار
والتوبيخ، وكيف يرضى بالدنيا من رضي
بالله ربا؟ وما متاع الدنيا بجوار الآخرة إلا
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٦٥٥/٢
www. modoee.com
٢٧٣

حرفالغين
كغمسة الأصبع في البحر المتلاطم الأمواج ولكن متى كانت هذه الملابسات تفت في
عضد المؤمنین؟!
فماذا تأخذ وبم ترجع؟!
وقوله: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا
أَلِمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ
شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍقَّدِيرٌ﴾
[التوبة: ٣٩].
یقول تعالی ذکره للمؤمنين من أصحاب
رسوله متوعدًا لهم على ترك النفير إلى
عدوهم من الروم: إن لم تنفروا أيها
المؤمنون إلى ما دعاكم إليه نبيه صلى الله
عليه وسلم يعذبكم الله عذابًا موجعًا،
ويستبدل الله بكم نبیه قومًا غیر کم ینفرون إذا
استنفروا ويجيبونه إذا دعوا، ولا تضروا الله
بتر ککم النصر شيئًا؛ لأنه لا حاجة إلیکم، بل
أنتم أهل الحاجة إليه، والله على إهلاككم
واستبدال قوم غیر کم بکم وعلى كل ما يشاء
من الأشياء قدير(١).
ثم تذكر هم الآية بموقف مر على حصوله
تسع سنين، لم يذكره القرآن ولم يعقب عليه
من قبل طيلة هذه المدة، على خلاف العادة
القرآنية في التعقيب المباشر على الحدث،
يدخر القرآن التعقيب على هجرة الرسول
وصاحبه وإخراجهما من مكة إلى أن يأتي
الأوان؛ لتذكر هذا الحدث العظيم، وذلك
لتشابه المقدمات والأسباب، فالأسباب
البشرية ضعيفة والظروف عصيبة وشديدة،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٥١/١٤.
إن التأييد الإلهي الذي حدث عند إخراج
الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه من
مکة وهما اثنان لا ثالث لهما إلا الله لهو
قابل للتكرار في غزوة تبوك، فتذكروا - إن
تراخیتم وتكاسلتم- فقد نصره الله وقت
أن أخرجه الكفار هو صاحبه وهما في
الغار ويطمئن النبي قلب أبي بكر بقوله:
﴿لَا تَحْزَّنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فأنزل الله
السكينة والأمن والاطمئنان وأيدهم بالثقة
واليقين وجعل كلمة الذين كفروا السفلى.
ودومًا كلمة الله هي العليا وهو سبحانه
الغالب الذي يدبر الأمور بحكمته سبحانه.
ثم تأمر الآيات المؤمنين أن ينفروا إلى
غزاة تبوك على كل حال من الخفة والثقل
((ومعنى الخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه
السفر بسهولة ومن يمكنه بصعوبة))(٢)،
فيشمل الغني والفقير والشيخ والصغير
ونحو ذلك.
وتأمرهم الآيات بالجهاد وإنفاق الأموال
والأنفس رخيصة في سبيل الله، وقدم
الأموال إذ هي أول ما يحتاجه المجاهد
وقت التجهيز والإعداد للغزو، ثم شوقهم
إلى ثواب ذلك وعظيم فضله فقال: ذلكم
خیر عظیم لكم إن كنتم تعلمون أنه خیر.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٧/٣.
جَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ
٢٧٤

غزوة تبوك
فقد تاب الله على نبيه صلى الله عليه
وفي موضع آخر من السورة جاء
الثناء على المؤمنين في استجابتهم لأمر وسلم، والتوبة معناها الرجوع، وهي في
رسول الله وذلك في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ
الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ بِأَقْوَلِمْ
وَأَنْفُسِهِمَّ وَأَوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَتَّ وَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى
مِنْ تَحْهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[التوبة: ٨٨- ٨٩].
وقد جاءت الآية الكريمة بعد الحديث
عن مواقف المنافقين وعدم خروجهم
للجهاد، فهم لم يجاهدوا، لكن الرسول
والذين آمنوا معه وكانوا ملازمین له فلم
يتخلفوا عنه جاهدوا بأموالهم فأنفقوها
وجاهدوا بأنفسهم فقدموها وبذلوها في
مرضاة الله، فأولئك لهم الخيرات وهي
جمع خيرة وتشمل كل خير في الدنيا
والآخرة، وهم المفلحون فلاحًا حقيقيًّا،
وأعظم الفلاح ما أعده الله لهم من جنات
تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين
فيها لا يموتون ولا هم عنها يتحولون وأعظم
به من فوز وفلاح في الدنيا والآخرة!
ومن جزائهم الحسن أيضًا في السورة ما
ورد في قوله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ
وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ
فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيعُ
قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧].
حق النبي صلى الله عليه وسلم رجوع من
حال طاعة إلى أكمل منها، فقد رجع صلى
الله عليه وسلم من حاله قبل تحصيل الغزوة
وتحمل مشاقها إلى طاعة أكمل منها بعد
ذلك، ویحتمل أن یکون جدد التوبة من غير
أن یکون هفوة، ویکون لذلك حكم التجديد
أو الثبات کسؤال الهدی وهم على الهدى،
أو رده من حالة الغفلة إلى حالة الذكر(١).
وكذلك تاب الله على المهاجرين
والأنصار الذين خرجوا فلم يتثاقلوا ولم
يخالفوا، بل اتبعوه صلى الله عليه وسلم في
هذه الغزوة الشديدة العسيرة من بعد ما كاد
قلب بعضهم أن يزيغ كأبي خيثمة، لكن الله
عصمهم ثم قبل توبتهم، إنه سبحانه صاحب
الرحمة السابقة والمستقبلة، وافتتح بالتوبة
واختتم بها فهي: «نهاية كل عارف، وغاية
کل سالك، وكما أنها بداية فهي نهاية فجعل
الله سبحانه التوبة عليهم شكرانًا لما تقدم
من تلك الأعمال وذلك الجهاد))(٢).
وإذا كان المعذرون قد اعتذروا ليؤذن
لهم، فإن المؤمنين ما كان لهم أبدًا أن يتخلفوا
عن رسول الله صلی الله علیه وسلم.
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٩٢/٣،
تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٥٠٣/٥،
أحكام القرآن، ابن العربي ٥٩٥/٢.
(٢) مدارج السالكين، ابن القيم ٤٠٣/٣.
www. modoee.com
٢٧٥

حرفالغين
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ
وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ
اللَّهِ وَلَا يَرْعَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَاً وَلَا نَصَبُّ وَلَا مَخْمَصَةٌ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوِْنًا يَفِيظُ
الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ نَّيْلًا إِلَّا
كُتِبَ لَهُمِهِ عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٌ صَغِيرَةً
وَلَ كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَّعُونَ وَادِيًّا إِلَّا كُتِبَ
لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[التوبة: ١٢٠-١٢١].
فلم يكن لساكني المدينة ولا لمن
سكن حولها من أهل البوادي والأعراب
أن يتأخروا عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم في غزوة تبوك، فيطلبوا ويرغبوا نفع
أنفسهم بالأمن والدعة والراحة دون نفس
رسول الله صلی الله عليه وسلم، فیترکونه
في الحر والمشقة.
قال الزمخشري: ((أمروا بأن يصحبوه
على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه
الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا
أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه، علما
بأنها أعز نفس عند الله وأکرمها علیه، فإذا
تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في
شدة وهول، وجب على سائر الأنفس أن
تتهافت فیما تعرضت له، ولا یکترث لها
أصحابها ولا يقيموا لها وزنًا، وتكون أخف
شيء عليهم وأهونه، فضلًا عن أن يربؤوا
بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ويضنوا
بها علی ما سمح بنفسه علیه، وهذا نھی
بليغ، مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه،
وتهيج لمتابعته بأنفة وحمية))(١).
وعلل النهي ببيان أنهم لا يصيبهم عطش
ولا تعب بدن ولا شدة جوع في سبيل
مرضاة الله، ولا يضعون أقدامهم موضعًا
يغيظ الكفار ولا يصيبون من الكفار أي
إصابة في أنفسهم أو أموالهم قليلة كانت
أو كثيرة إلا کتبه الله لهم عملاً صالحًا، فهو
سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولا
ينفقون نفقة في سبيل الله صغيرة ولا كبيرة
ولا يتجاوزون واديًا في طريقهم إلا كتب
لهم لیجزیهم بقدر عملهم ویزیدهم حتى
يصير الثواب أحسن من عملهم، أو ليجزيهم
الأحسن من أعمالهم.
وفي هذه الغزوة العظيمة نماذج طيبة
لحرص الصحابة على عدم التخلف ومن
أمثلة ذلك:
؛ موقف أبي خيثمة رضي الله عنه:
يقص أبو خيثمة موقفه في غزوة تبوك
فيقول: (تخلفت عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم في غزوة تبوك، حتى مضى
رسول الله صلی الله علیه وسلم، فدخلت
حائطًا، فرأيت عريشًا قدرش بالماء، ورأيت
(١) الكشاف، الزمخشري ٣٢١/٣.
٢٧٦
صَوْسُو
القرآن الكريمِ

غزوة تبوك
زوجتي، فقلت: ما هذا بالإنصاف، إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم في السموم
والحميم، وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى
ناضح فاحتقبته، وإلی تمیرات فتزودتها،
فنادت زوجتي: إلى أين يا أبا خيثمة؟
فخرجت أريد رسول الله صلى الله عليه
وسلم، حتى إذا كنت ببعض الطريق لحقني
عمير بن وهب الجمحي، فقلت: إنك رجل
جريء، وإني أعرف حیث النبي صلى الله
عليه وسلم، وإني رجل مذنب، فتخلف
عني حتى أخلو برسول الله صلى الله عليه
وسلم، فتخلف عني عمير، فلما اطلعت
على العسكر، فرأى الناس، فقال رسول
الله صلی الله عليه وسلم: (كن أبا خيثمة)،
فجئت فقلت: کدت أهلك یا رسول الله،
فحدثته حديثي، فقال لي رسول الله صلی
الله عليه وسلم خيرًا، ودعا لي)(١).
وفي القصة سرعة رجوع أبي خيثمة
ولومه لنفسه على التأخير، وجلده على
تحمل مشاق الطريق مع قلة الزاد وبعد
الشقة، وفيها معرفة رسول الله صلى الله
عليه وسلم بأصحابه الكرام وصدق فراسته
فیهم.
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٣١/٦،
رقم ٥٤١٩، والبيهقي في دلائل النبوة
٢٢٣/٥.
وإسناده ضعيف، وأصل القصة في الصحيحين
في حديث توبة كعب بن مالك.
* موقف أبي ذر رضي الله عنه:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
قال: (لما سار رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل
فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان،
فيقول: (دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه
الله بکم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله
منه) حتی قیل یا رسول الله، تخلف أبو ذر،
وأبطأ به بعيره، فقال رسول الله صلى الله
علیه وسلم: (دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه
الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله
منه).
فتلوم أبو ذر رضي الله عنه على بعيره
فأبطأ عليه، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله
علی ظهره، فخرج یتبع رسول الله صلى
الله عليه وسلم ماشيًا، ونزل رسول الله
صلی الله عليه وسلم في بعض منازله،
ونظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول
الله، هذا رجل يمشي على الطريق، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كن أبا
ذر) فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله،
هو والله أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (رحم الله أبا ذر یمشي وحده،
ويموت وحده، ويبعث وحده)(٢).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب المغازى
والسرايا، ٥٢/٣، وصححه وقال الذهبي:
فيه إرسال، وهو عند ابن إسحق في السيرة
٠٥٢٣/٢
www. modoee.com
٢٧٧

حرفالغين
وفي القصة وضوح أسلوب الحسم بِأَمَّوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١].
وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَدُ جَهَدُواْ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
وَأُوْلَئِكَ لَمُ الْخَيْرَاتُ﴾ [التوبة: ٨٨](١).
النبوي في هذه الغزوة، وهذا واضح في
كل أمورها، فلم يعط صك الأمان والخيرية
لأحد، بل كانت الخيرية منوطة بالخروج
وحسب، أما من لم يخرج فقد أراح الله منه
عباده وو کل بالجهاد قوما يحبهم ويحبونه،
وفي القصة تتجلى عزيمة أبي ذر رضي
الله عنه وصبره الجميل على تحمل وعثاء
الطريق ماشيًا حاملًا متاعه على ظهره،
ويالها من مشقة تهون بمعرفة البشارة النبوية
الكريمة له.
ثانيًا: المسارعة بالإنفاق في سبيل الله:
جاء تقديم الجهاد بالمال على النفس في
سورة التوبة في خمس آيات هي قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ
بِأَمْوَِّهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ الَهِ وَأَوْلَئِكَ هُ
اَلْفَآيِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا
وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلٍ
اُللَّهِ ﴾ [التوبة: ٤١].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَغْذِئُكَ أَلَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَهِدُواْ
بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ﴾
[التوبة: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ
بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ
وما ذاك إلا لأهمية المال، فهو عصب
الجهاد، وبذل المال مقدمة لبذل النفس،
فمن هان عليه ماله هانت عليه نفسه، قال
مسلم بن الوليد (٢):
یجود بالنفس إن ضن البخیل بها
والجود بالنفس أقصى غاية الجود
ودائرة الجهاد بالمال ربما تكون أوسع
من دائرة الجهاد بالنفس، إذ هي متاحة لكل
رجل وامرأة، وبالقليل والكثير، فالنفقة
الصغيرة مکتوبة ولن یضیع عند الله أجرها.
وقد حفلت غزوة تبوك بصور رائعة
للإنفاق في سبيل الله ومن ذلك:
إنفاق أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
وقد تحدث عنه عمر رضي الله عنه فقال:
(أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
نتصدق فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت:
اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، قال:
فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (ما أبقيت لأهلك؟) قلت:
مثله، وأتى أبو بكر بکل ما عنده، فقال: (يا أبا
(١) وفي أربعة مواطن أخرى في القرآن: في النساء
آية ٩٥، والأنفال آية ٧٢، والحجرات آية ١٥،
والصف آية ١١ .
(٢) شرح ديوان المتنبي، العكبري ٣٩/٣.
٢٧٨
جوي
القرآن الكريمِ

غزوة تبوك
بكر ما أبقيت لأهلك؟) قال: أبقيت لهم الله منها ما ورد عن عبد الرحمن بن سمرة قال:
(جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله
ورسوله. قلت: لا أسبقه إلی شيء أبدًا)(١).
علیه وسلم بألف دينار في ثوبه، حین جهز
النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة،
قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه
وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم،
يقلبها بيده، ويقول: (ما ضر ابن عفان ما
عمل بعد اليوم) يرددها مرارًا(٥).
وهذا دليل عمليٌّ على استحقاقه
منزلة الصديقية، فهي من كمال التصديق،
والصدقة برهان على كمال الإيمان فكيف
بالتصدق بكل المال؟! قال ابن تيمية: («فكان
ما فعله عمر من المنافسة والغبطة المباحة،
لكن حال الصديق رضي الله عنه أفضل منه،
وهو أنه خالٍ من المنافسة مطلقًا لاينظر إلى
حال غيره»(٢).
· إنفاق عمر رضي الله عنه:
من نص الرواية السابقة نعلم أنه أخرج
نصف ماله، وقد جاء تقدير ذلك في بعض
الروايات عن عبد الله بن عباس فقال: وأنفق
عمر مائة أوقية (٣).
إنفاق عثمان رضي الله عنه:
كانت نفقة عثمان في هذه الغزوة أعظم
النفقات.
قال ابن إسحاق: «وأنفق عثمان بن عفان
في ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد مثلها)) (٤).
وقد وردت في ذلك روايات عدة أجتزئ
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب
الرخصة في ذلك، رقم ١٦٧٨، والترمذي في
سننه، أبواب المناقب، باب مناقب أبي بكر
الصديق، رقم ٣٦٧٥.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١٧/١٠.
(٣) تاريخ دمشق، ابن عساكر ٢٨/٢.
(٤) السيرة النبوية، ابن هشام ٥١٨/٢.
وعن عبد الرحمن بن خباب السلمي،
قال: (خطب رسول الله صلى الله عليه
وسلم فحث على جيش العسرة. فقال
عثمان بن عفان: عليَّ مائة بعير بأحلاسها
وأقتابها. قال: ثم حث. فقال عثمان: عليَّ
مائة أخرى بأحلاسھا وأقتابها. قال: ثم نزل
مرقاة من المنبر ثم حث. فقال عثمان بن
عفان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها.
قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقول
بيده هكذا يحركها. وأخرج عبدالصمد يده
كالمتعجب: (ما على عثمان ما عمل بعد
هذا)(٦).
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٣٢/٣٤،
والترمذى في سننه، أبواب المناقب، باب في
مناقب عثمان بن عفان، رقم ٣٧٠١.
(٦) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٤٧/٢٧،
والترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب في
مناقب عثمان رقم ٣٧٠٠.
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا
من حديث السكن بن المغيرة.
ومعنى بأحلاسها وأقتابها: بأكسيتها.
انظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير
www. modoee.com
٢٧٩

حرفالغين
من إنفاق باقي الصحابة:
أنفق عبد الرحمن بن عوف كثيرًا من
ماله فقد ورد أنه جاء بأربعة آلاف درهم إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا
رسول الله مالي ثمانية آلاف، جئتك بأربعة
آلاف، فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت
أربعة آلاف لعيالي. فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (بارك الله فيما أعطيت،
وفيما أمسكت)(١).
وجاد كلٌّ بما عنده، ولم يك أمر الإنفاق
قاصرًا على الرجال فقط بل شارك فيه النساء
بقوة.
روى الواقدي عن أم سنان الأسلمية
قالت: «لقد رأيت ثوبًا مبسوطًا بين يدي
رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت
عائشة رضي الله عنها فيه مسك، ومعاضد،
وخلاخل وأقرطة وخواتيم، وخدمات،
مما يبعث بها النساء يعن به المسلمين في
جهازهم. والناس في عسرة شديدة))(٢).
إن مواقف الشدة هي التي تبين أقدار
العظماء، ولما كانت غزوة تبوك في حالٍ
من العسرة والضيق فإنها بينت بصدق معادن
أولئك الصنف من الناس الذين تهون عليهم
في المعالي أموالهم فيبذلونها ابتغاء وجه
الله الأعلى.
٤٢٤/١.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤ / ٣٩١.
(٢) انظر: مغازي الواقدي ٢/ ٦٣٧.
ثالثًا: موقف الفقراء:
أنفق كثير من الصحابة كما أسلفت،
لكن العدد كبير، والنفقة قاصرة، وليس
في الإمکان في هذا الأوان سوی ما كان،
فتخلف جمع من الصحابة، ما حبسهم إلا
العذر والفقر، أرادوا الجهاد فلم يجدوا نفقة
فأنفقوا الدمع ساخنًا أسفًا منهم على فوات
نصيبهم من مقارعة الكفار، فأنزل الله في
شأنهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَ الضُّعَفَآءِ وَلَا
عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى
اَلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
(١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ
قُلْتَ لَا أَجِدُ مَآ أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ
وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُواْ
مَا يُنفِقُونَ ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢].
وقد رفعت الآية الكريمة الحرج عن
ثلاثة أصناف من المؤمنين:
أولهم: الضعفاء وهم أصحاب الأمراض
المزمنة التي يصعب معها الجهاد والذين هم
ضعفاء في أصل خلقتهم ونحوهم الصبيان
والنساء.
وثانيهم: المرضى الذين بهم علة تحول
بينهم وبين الخروج للجهاد.
أما الصنف الثالث: فهم الذين لا يجدون
الزاد والراحلة؛ كي يخرجوا للجهاد مع
٢٨٠
مَوَسُو ◌َ النَِّيَة
القرآن الكريم

غزوة تبوك
المؤمنين، قيل: هم من مزينة وجهينة وبني والرحمة التي وسعت كل شيء، ولا ينفك
عن الاحتیاج لها قادر أو عاجز.
عذرة(١).
و کل هؤلاء ومن کان على شاکلتھم لیس
عليهم من إثم أو حرج طالما كانوا ناصحين
لله ورسوله، والنصح «تحرِّي فعل أو قول
فيه صلاح صاحبه وهو من الإخلاص
والإحكام))(٢).
ومن هؤلاء من تصدق بصدقة عجيبة
غير مسبوقة، وهو علبة بن زيد الذي خرج
من اللیل فصلی ما شاء الله ثم بكى، وقال:
(اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم
لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك،
فيكون المعنى: لا حرج ولا لوم على ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه،
وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة
أصابتني بها في مال أو جسد أو عرض، ثم
أصبح مع الناس. وقال النبي صلى الله عليه
وسلم: (أين المتصدق في هذه الليلة؟) فلم
يقم أحد، ثم قال: (أين المتصدق في هذه
الليلة؟ فليقم ولا يتزاهد ما صنع هذه الليلة)
فقام إليه فأخبره. فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: (أبشر فوالذي نفس محمد بيده لقد
كتبت في الزكاة المتقبلة)(٥).
هؤلاء إذا أخلصوا لله تعالى في الإيمان
ولرسوله صلى الله عليه وسلم في الطاعة
والانقياد وهذا نصح العمل، ونصح القول
بأداء واجب النصيحة، فهي من مهمات
الدین، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه
ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)(٣).
وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن
سَبِيلٍ﴾ لرفع الحرج عنهم؛ لأنهم حينئذ
من أهل الإحسان، وما على المحسنين من
سبیل «أي: لا یمر بهم العتاب ولا يجوز في
أرضهم فما أبعد العتاب عنهم، وهو جار
مجرى المثل)» (٤).
لقد شغله أمر البذل والتضحية، ولم
یکتف بإراقة الدمع، بل قام خاليًا وتفتق ذهنه
عن أمر رآه في مكنته، فبذل عرضه صدقة
بينه وبين ربه، فتقبلها ربه، ونزل الوحي
ثم يأتي تذييل الآية بأن الله ذو المغفرة بذلك وأتته البشرى في فلق الصباح.
(١) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد ١٦٥/٢،
الكشاف، الزمخشرى ١٠٣/٢.
(٢) انظر: المفردات، الراغب ص ٨٠٨.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان أن الدين النصيحة، عن تميم
الداري، رقم ٧٤/١،٥٥.
(٤) روح المعاني، الألوسي ٣٤٦/٥.
(٥) انظر: الروض الأنف، السهيلي ٤٠١/٧،
الإصابة، ابن حجر ٤/ ٤٥٠.
www. modoee.com
٢٨١

حرفالغين
أنفسهم وراحتها إلى الجهاد وتبعاته؛
موقف المنافقين في الغزوة
لأنهم لا يحركهم إلا المغنم العاجل، وهذا
النموذج البشري موجود بكثرة، نموذج
لقد تعددت مواقف المنافقين في هذه
الغزوة، وسوف أذكرها مع التعقيب القرآني
عليها وذلك في النقاط الآتية:
أولئك الذين يكثرون عند الطمع ويقلون
ويفرون عند الفزع، وما ينكشف أمرهم إلا
أولًا: استئذان المنافقين للقعود عن عند حلول البأس.
الجهاد:
بعد أن أمر الله المؤمنين بالجهاد ورغبهم
فيه، وعنف من تثاقل عن الداعي التفت
الخطاب القرآني إلى المنافقين بصيغة
الغيبة تنزيها عن خطابهم بصورة الحاضر،
فقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِبًا وَسَفَرًّا
قَاصِدًا لَّأَتَبَّعُوكَ وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ
وَسَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا
مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ ﴾ [التوبة: ٤٢].
أي: لو كان ما تدعوهم إليه أمرًا من أمور
الدنيا التي هي سهلة المنال قريبة المأخذ، أو
سفرًا هيًِّا غير شاق؛ لأسرعوا في اتباعك
والسير وراءك.
ولكنهم يؤثرون السلامة ويرون أن الشقة
بعيدة عليهم، وما عرفوا أن مصيبتهم الكبرى
ليست في بعد الطريق أو شدة الأمر، ولكن
مصيبتهم الكبرى في نفوسهم التي زينت
لهم القعود والركون، فلو فارقوا أنفسهم
الأمارة خطوة لسهل عليهم كل أمر.
وما كان هؤلاء المنافقون ليفارقوا
وإنهم ليتذرعون بالحجج الباطلة
فیرهنون أمر الجهاد بالاستطاعة. وقد سجل
القرآن هذا الأمر عليهم قبل أن يقولوه:
﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا لَخْ
مَعَكُمْ ﴾ ليس لدينا من مال أو صحة أو
زاد أو راحلة، أي حجة أو عذر، المهم أن
لا یھلکوا أنفسهم بالقتال. وما درى هؤلاء
أن الهلاك الحقيقي بترك الجهاد بالحلف
الكاذب كما قال صلى الله عليه وسلم:
(اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع)(١).
ـجْنَا
وليس أمرهم بخاف على ربهم، فهو
سبحانه يعلم أنهم مستطيعون وما منعهم إلا
نفاق قلوبهم.
ثم تتوجه الآيات بالخطاب إلى النبي
وتبدأ بهذا الخطاب الرقيق: ﴿عَفَا اللَّهُ
(١) أخرجه البيهقي في سننه ٣٥/١٠ عن أبي
هريرة.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ٩٥٠، رقم ٥٣٩١.
وبلاقع: جمع بلقع وهي الأرض القفر التي
لاشيء بها، يريدأن الحالف بها يفتقر ويذهب
ما في بيته من الرزق.
انظر: النهاية، ابن الأثير ١٥٣/١.
٢٨٢
◌َرُ النَّفِيَّة
جوبي
القرآن الكريمِ