النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
العَم
عناصر الموضوع
مفهوم العمل
٣٨٨
العمل في الاستعمال القرآني
٣٨٩
الألفاظ ذات الصلة
٣٩٠
اقتران العمل الصالح بالإيمان
٣٩٤
٣٩٨
نسبة العمل إلى الله
٣٩٩
إحاطة الله بعمل الخلق
٤٠٨
أنواع الأعمال وشروطها
٤٢٣
الحث على العمل الصالح
٤٣٣
أثر العمل في الدنيا
٤٤٣
أثر العمل في الآخرة
المُجَلَدُ الرَّبِعِ وَالْعَشْرُونْ

حرف العين
مفهوم العمل
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (عمل) تدل على كل فعل يفعل(١).
قال الخليل: عمل عملًا فهو عاملٌ، واعتمل: عمل لنفسه(٢).
والعمالة: أجر ما عمل.
والمعاملة: مصدر من قولك: عاملته، وأنا أعامله معاملة.
والعَمَلة: القوم يعملون بأيديهم ضروبًا من العمل، حفرًا، أو طيّا أو نحوه (٣).
والخلاصة: أن العمل: المهنة والفعل، والجمع أعمال.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف معنى العمل في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
وقد عرفه المناوي بقوله: العمل: كل فعل من الحيوان بقصد، فهو أخص من الفعل؛ لأن
الفعل قد ينسب إلى الحيوان الذي يقع منه فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجماد، والعمل
قلما ینسب إلى ذلك (٤).
وقال الكفوي: العمل: المهنة والفعل، والعمل يعم أفعال القلوب والجوارح(٥).
وقال الصغاني: تركيب الفعل يدل على إحداث شيء من العمل وغيره، فهذا يدل على أن
الفعل أعم من العمل(٦).
وفي معجم الفقهاء قال: العمل: بالتحريك مصدر عمل، جمع أعمال، كل فعل كان بقصد
وفكر، سواء كان من أفعال القلوب كالنية، أم من أفعال الجوارح كالصلاة، والعملة: بضم
العين أو كسرها، وسكون الميم، وفتح اللام: ما يعطاه الأجير أجرة عمله(٧).
(١) مقاييس اللغة ٤ /١٤٥.
(٢) العين ١٥٣/٢.
(٣) انظر: العين، الفراهيدي ٢/ ١٥٤، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /١٤٦.
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٢٤٧.
(٥) الكليات ص ٦١٦.
(٦) انظر: المصدر السابق ص ٦١٦.
(٧) معجم لغة الفقهاء، قلعجي ص ٣٢٢.
٣٨٨
جوية
الْقُرآن الكَرِيْمِ

العمل
العمل في الاستعمال القرآني
وردت مادة (عمل) في القرآن الكريم (٣٤٥) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٩٤
﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٦٢]
الفعل المضارع
١٦٦
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٢٤ ﴾ [ البقرة: ٧٤]
فعل الأمر
١١
أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١)﴾ [سبأ:١١]
الاسم
٦١
﴿إِنَّهُ, عَمَلُ غَيْرُ صَلِحٍ﴾ [هود: ٤٦]
اسم فاعل
١٣
﴿وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]
وجاء العمل في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي الدال على الفعل والمهنة.
وقد نوع القرآن الكريم في استعمال المفردات الدالة على ذات المعنى، ومن تلك
المفردات المستعملة: فعل، و کسب، وسعى، وغيرها.
وقد أطلق القرآن الكريم (العمل) على الأعمال الصالحة والسيئة، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، وقوله تعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾
[النساء: ١٢٣](٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٨٢٨.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٨٧، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٤ /١٠١.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف العين
الألفاظ ذات الصلة
١
الكسب:
الكسب لغةً:
تدل مادة (كسب) على ابتغاء وطلب وإصابة، فالكسب من ذلك، ويقال: كسب أهله
خيرًا، وكسبت الرجل مالًا فكسبه(١).
الکسب اصطلاحًا:
لا يختلف معنى الكسب في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
وقد عرفه المناوي بقوله: الكسب: ما يجري من الفعل والقول والعمل والآثار على
إحسان قوة عليه(٢).
الصلة بين العمل والكسب:
العمل والكسب لفظان متقاربان في المعنى في اللغة؛ لذا لا نجد أهل اللغة يفرقون بينهما
کثیرًا، بل یعرفون أحدهما بالآخر.
قال الجوهري: الكدح، والعمل، والسعي، والخدش، والكسب(٣). بمعنى واحد.
ويقول ابن فارس: السعي هو: العمل والكسب (٤).
الفعل:
٢
الفعل لغةً:
تدل مادة (فعل) على إحداث شيء من عمل وغيره، من ذلك: فعلت كذا أفعله فعلًا،
وكانت من فلان فعلة حسنة أو قبيحة، والفعال جمع فعل، والفعال، بفتح الفاء: الكرم، وما
يفعل من حسن (٥).
الفعل اصطلاحًا:
لا يختلف معنى الفعل في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
وقد عرفه الجرجاني بقوله: الفعل كون الشيء مؤثرًا في غيره، كالقاطع ما دام قاطعًا، وفي
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٧٩/٥.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٢٨١.
(٣) الصحاح، الجوهري ٣٩٨/١.
(٤) مجمل اللغة، ابن فارس ص ٤٦١.
(٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٥١١.
٣٩٠
القرآن الكريمِ

العمل
اصطلاح النحاة: ما دل على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة (١).
وعرفه الفيروزآبادي الفعل بأنه: كناية عن كل عمل، متعد أو غيره(٢).
وقال الراغب: الفعل: التأثير من جهة مؤثر، وهو عام لما كان بإجادة أو غير إجادة، ولما
كان بعلم أو غير علم، وقصد أو غير قصد؛ ولما كان من الإنسان والحيوان والجمادات،
والعمل مثله، والصنع أخص منهما(٣).
الصلة بين العمل والفعل:
قال الراغب: العمل كل فعل يصدر من الحيوان بقصده، فهو أخص من الفعل؛ لأن الفعل
قد ينسب إلى الحيوانات التى يقع منها فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجمادات، والعمل
قلما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل في الحيوانات إلا في قولهم: الإبل والبقر العوامل (٤).
الصنع:
٣
الصنع لغةً:
تدل مادة (صنع) على عمل الشيء، ويقال: امرأة صناع، ورجل صنع، إذا كانا حاذقين
فيما يصنعانه(٥). والصنيعة: ما اصطنعته من خير، والتصنع: حسن السمت (٦).
الصنع اصطلاحًا:
لا يختلف معنى الصنع في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
وقد عرفه الكفوي بقوله: الصناعة: كل عمل مارسه الرجل، سواء كان استدلاليًا، أو غيره،
حتى صار كالحرفة له، فإنه يسمى صناعة، وقيل: كل عمل لا يسمى صناعة حتى يتمكن فيه،
ویتدرب، وینسب إليه.
وقيل: الصنعة ((بالفتح)) العمل، والصناعة قد تطلق على ملكة يقتدر بها على استعمال
المصنوعات على وجه البصيرة لتحصيل غرض من الأغراض بحسب الإمكان.
والصناعة ((بالفتح)): تستعمل في المحسوسات، وبالكسر في المعاني، وقيل: بالكسر
(١) التعريفات ص ١٦٨.
(٢) بصائر ذوي التمييز ٤ /٢٠١.
(٣) المفردات ص ٦٤٠.
(٤) المفردات ص ٥٨٧.
(٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ١٧٢، أشعار النساء، المرزباني ص ٩٠.
(٦) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣١٣/٣.
www. modoee.com
٣٩١

حرفالعین
حرفة الصانع، وقيل: هي أخص من الحرفة؛ لأنها تحتاج في حصولها إلى المزاولة (١).
الصلة بين الصنع والعمل:
قال الراغب: الصنع: إجادة الفعل، فکل صنع فعلٌ، ولیس کل فعل صنعًا، ولا ينسب إلى
الحيوانات والجمادات، كما ينسب إليها الفعل.
وقال الكفوي: الإبداع، والاختراع، والصنع، والخلق، والإيجاد، والإحداث والفعل،
(٢)
والتكوين، والجعل: الفاظ متقاربة المعاني"
السعي:
٤
السعي لغةً:
السعي: الكسب، وكل عمل من خير أو شر سعيٌّ، وفي التنزيل: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
تَسْعَى﴾ [طه: ١٥](٣).
السعي اصطلاحًا:
لا يختلف معنى السعي في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
وعرف الكفوي السعي بأنه: الإسراع في المشي إذا انصرف عنك، وذهب مسرعًا،
وسعى، كـارعی قصد وعمل ومشى وعدا))، والسعي إذا كان بمعنى المضي والجري يتعدى
بـ((إلى) نحو: ﴿فَاسْمَوْاْ إِلَى ذِكَرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]وإذا كان بمعنى العمل يتعدى باللام، كقوله:
﴿وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩](٤).
الصلة بين السعي والعمل:
السعي والعمل لفظان متقاربان في المعنى، قال الخليل: السعي: عدوٌ لیس بشديد، و کل
عملٍ من خيرٍ أو شرٍ فهو السعي، يقولون: السعي: العمل، أي: الكسب(٥).
٥ الشغل:
الشغل لغةً:
تدل مادة (شغل) على خلاف الفراغ، تقول: شغلت فلانًا فأنا شاغله، وهو مشغول،
وشغلت عنك بكذا، على لفظ ما لم يسم فاعله، قالوا: ولا يقال: أشغلت، ويقال: شغل
(١) الكليات ص ٥٤٤.
(٢) الكليات ص ٢٩.
(٣) المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٢/ ٢٢١.
(٤) الكليات ص ٥٠٩.
(٥) العين ٢٠٢/٢.
٣٩٢
جَوَسُولَةُ النَّفِيَة
القرآن الكريمِ

العمل
شاغل، وجمع الشغل أشغال، وقد جاء عنهم: اشتغل فلان بالشيء، وهو مشتغل(١).
الشغل اصطلاحًا:
لا يختلف معنى الشغل في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
وقال الراغب: الشغل: العارض الذي يذهل الإنسان، قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ
اَلْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ ﴾ [يس: ٥٥](٢).
الصلة بين الشغل والعمل:
لم يستعمل الشغل بمعنى العمل إلا في اللغة الدارجة العامية، فقد جاء في تكملة المعاجم
العربية قوله: ويستعمل الشغل عند المولدين بمعنى العمل.
إلا أن هناك علاقة بين اللفظين، من حيث أن الشغل هي الحالة التي يكون عليها العامل
أي عمل، يقال: هو في شغل، أي: ضد الفراغ.
الكدح:
٦
الكدح لغةً:
تدل مادة (كدح) على تأثير في شيء، یقال: گَدَحَهُ وَدَّحَهُ، إذا خدشه، ومن هذا القياس:
كدح إذا كسب، يكدح كدحًا فهو كادح، قال الله عز وعلا: ﴿يَأَيُّهَا الإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ
كَدْحًا فَمُلَفِيهِ ﴾ [الانشقاق: ٦]. أي: كاسب(٣).
الكدح اصطلاحًا:
عرفه الكفوي بقوله: الكدح: العمل والسعي والكد والكسب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ
كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدّحًا فَمُلَقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]أي: ساع إلى لقاء جزائه، ويقال: هو يكدح ويكتدح،
أي: يكتسب (٤).
الصلة بين الكدح والعمل:
بين الكدح والعمل تقارب في المعنى، ويزيد الكدح في الدلالة على الشدة في العمل،
والتعب والعناء.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩٥/٣.
(٢) المفردات ص ٤٥٧.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٦٧/٥.
(٤) الكليات ص ٧٧٣.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف العين
اقتران العمل الصالح بالإيمان
قرن الله تعالى في القرآن الكريم بين
العمل الصالح والإيمان في كثير من الآيات،
قال تعالى: ﴿ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾
[البقرة: ٢٥] جاء هذا الاقتران -بهذه العبارة-
في تسع وأربعين آية.
وجعل الإيمان في آياتٍ أخر شرطًا
لقبول العمل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ
مِنَ الصَِّحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنَّى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ
نَقِيرًا ﴾ [النساء: ١٢٤ ] وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ
صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ.
حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ [النحل: ٩٧].
وهذا الاقتران بين العمل الصالح
والإيمان في القرآن له حکم عديدة، منها:
١. بيان أهمية الإيمان في قبول العمل،
وأهمية العمل أيضًا في حصول
الإيمان.
فهما قرناء؛ إذ لا تنفع الأعمال بدون
إیمان، ولا یکون إیمان بلا أعمال تدل عليه.
ففي هذا تنبيه لطيف جدًا إلى منزلة
الأعمال الصالحة مع إيمان القلب، وأن في
ذكرها معه إشارة إلى أنه لا يكتفي بإيمان
القلب؛ ولعل ذلك راجع إلى أن الأعمال
من دلائل الإيمان الظاهرة؛ وأنها لازمة له،
فكلما وجد الإيمان فلا بد أن يوجد العمل
معه(١).
٢. التأكيد على أنه لا يحصل الإيمان
الشرعي إلا باجتماع الإيمان والعمل،
ولا یکفي واحد من هذه الأمور، بل لا
بد من الإتيان بها جمیعًا.
وهذا ما اتفق عليه السلف رضوان الله
عليهم، قال الإمام الشافعي رحمه الله:
((وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من
بعدهم، وممن أدر کناهم يقولون: إن الإيمان
قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة
إلا بالآخر))(٢).
وقال ابن عبد البر رحمه الله: ((أجمع
أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول
وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم
يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات
كلها عندهم تسمى إيمانًا))(٣).
٣. بيان التلازم بينهما، وشرطية
الأعمال في وجود الإيمان، وشرطية
الإيمان في قبول الأعمال.
فجميع الأعمال الصالحة التي شرعها
الله على لسان نبيه محمدٍ صلى الله عليه
وسلم إذا تأسست على الإيمان كان السعي
مشكورًا، مقبولًا مضاعفًا، لا يضيع منه
مثقال ذرة.
(١) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة،
عبدالرحمن المحمود ١٣٦٩/٣.
(٢) الإيمان، ابن تيمية ص١٩٦.
(٣) التمهيد ٢٣٨/٩.
٣٩٤
جوبيـ
القرآن الكريمِ

العمل
هذا هو قانون العمل والجزاء، لا جحود إنما هو مصادفة عابرة؛ لأنه غير مرتبط
ولا كفران للعمل الصالح، متى قام على بمنهج مرسوم، ولا موصول بناموس مطرد،
قاعدة الإیمان، وهو مکتوب عند الله لا
يضيع منه شيء، ولا يغيب.
فلا بد من الإيمان لتكون للعمل الصالح
قیمته، بل ليثبت للعمل الصالح وجوده، ولا
بد من العمل الصالح لتكون للإيمان ثمرته،
بل لتثبت للإيمان حقيقته.
إن الإيمان هو قاعدة الحياة؛ لأنه الصلة
الحقيقية بين الإنسان وهذا الوجود، والرابطة
التي تشد الوجود بما فيه ومن فيه إلى خالقه
الواحد، وترده إلى الناموس الواحد الذي
ارتضاه، ولا بد من القاعدة ليقوم البناء،
والعمل الصالح هو هذا البناء، فهو منهار من
أساسه ما لم يقم على قاعدته.
والعمل الصالح هو ثمرة الإيمان التي
تثبت وجوده وحيويته في الضمير، والإسلام
بالذات عقيدة متحركة متى تم وجودها في
الضمير تحولت إلى عمل صالح هو الصورة
الظاهرة للإيمان المضمر، والثمرة اليانعة
للجذور الممتدة في الأعماق.
ومن ثم يقرن القرآن دائمًا بين الإيمان
والعمل الصالح كلما ذكر العمل والجزاء،
فلا جزاء على إيمان عاطل خامد لا يعمل
ولا يثمر، ولا على عمل منقطع لا يقوم على
الإيمان.
والعمل الطيب الذي لا يصدر عن إيمان
وإن هو إلا شهوة أو نزوة غير موصولة
بالباعث الأصيل للعمل الصالح في هذا
الوجود، وهو الإيمان بإله يرضى عن العمل
الصالح لأنه وسيلة البناء في هذا الكون،
ووسيلة الكمال الذي قدره الله لهذه الحياة،
فهو حركة ذات غاية مرتبطة بغاية الحياة
ومصيرها، لا فلتة عابرة، ولا نزوة عارضة،
ولا رمیة بغیر ھدف، ولا اتجاها معزولاً عن
اتجاه الكون وناموسه الكبير (١).
فإِذا فقد العمل الإيمان فلو استغرق
العامل ليله ونهاره فإنه غير مقبولٍ، قال
تعالى: ﴿وَقَدِ مْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ
﴾ [الفرقان: ٢٣].
بَاء مَنتُورًا ( ٢٣)
ذلك أنه لم يقم على الإيمان الذي يصل
القلب بالله، والذي يجعل العمل الصالح
منهجًا مرسومًا، وأصلًا قاصدًا، لا خبط
عشواء، ولا نزوة طارئة، ولا حركة مبتورة،
لا قصد لها ولا غاية، فلا قيمة لعمل مفرد لا
يتصل بمنهج، ولا فائدة لحركة مفردة ليست
حلقة من سلسلة ذات هدف معلوم، وهكذا
تعدم أعمال أولئك المشركين، تعدم إعدامًا
يصوره التعبير القرآني تلك الصورة الحسية
﴿ وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ
المتخيلة:
﴾ [الفرقان: ٢٣].
فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَنْشُورًا ).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٩٨/٤.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف العين
١٠٣
اُلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ
أَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ
رَبِّهِمْ وَلِقَابِهِ، ◌َطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا تُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ وَزْنَا (١٠) ذَلِكَ جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ بِمَاكَفَرُواْ وَأَنَّخَذُواْ
ءَايَتِي وَرُسُلِي هُزُوًّا ﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
فهم لما فقدوا الإيمان، وأحلوا محله
الكفر بالله وآياته حبطت أعمالهم، قال
تعالى: ﴿لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:
٦٥]ولهذا كانت الردة عن الإيمان تحبط
جميع الأعمال الصالحة، كما أن الدخول
في الإسلام والإيمان يجب ما قبله من
السيئات وإن عظمت، فالتوبة من الذنوب
المنافية للإيمان، والقادحة فيه، والمنقصة
له تجب ما قبلها، قال تعالى مبينًا صفات
عباده الصالحين: (١) ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ أَلَِّىِ حَرَّمَ اللَّهُ
إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ
٦٨
فِيهِ مُهَانًا (٦) إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ
عَمَلاً صَلِحًا فَأُوْلَيْكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا تَحِيمًا ﴾
[الفرقان: ٦٨-٧٠].
والمقصود: أن القرآن دائمًا يقرن بين
الأعمال والإيمان؛ وذلك لبيان أنه لا بد
(١) أركان الإيمان، الشحود ص ٢٣٩-٢٤١.
وقد يفرد أحدهما بالذكر، ويدخل معه
الآخر، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ
الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]
والمراد: العمل الصالح المنبعث على
أساس الإيمان، يرفعه الله تعالى، ويقبله.
وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ
وَأَثَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٣]
أفرد ها هنا الإيمان، فدخل معه العمل.
والحاصل: أن الإيمان إذا أطلق دخلت
معه الأعمال الصالحة المأمور بها، وأن
العمل أذا أطلق دخل معه الإيمان، وقد یقرنا
معًا، فيكون المراد بالإيمان ما في القلب،
والعمل ما في الجوارح.
وهذا يدل على أن مجرد الإيمان لا
يكفي، فلا بد من العمل؛ والعمل وحده
بدون إيمان لا يقبل؛ ولهذا قرن الله بينهما
في أكثر من سبعين آية من آيات القرآن
الكريم.
(٢) انظر: الملل والنحل، الشهر ستاني ١٤١/١،
الإيمان، ابن تيمية ص ١٤٥، الاعتصام،
الشاطبي ٣/ ٣٦٤.
٣٩٦
مُوسُوبَةُ النفسي
جوبيه
القرآن الكريمِ
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تُنَّئُكُبِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا في الإيمان من العمل خلافًا للمرجئة(٢)؛
ولبيان شرطية وجود الإيمان لقبول العمل،
والغالب أن يتقدم ذکر الإیمان، ثم یلیه ذکر
العمل الصالح، وقد يذكر الله في القرآن
العمل، ثم يذكر بعده الإيمان، كما في قوله
تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ( ١٢)﴾﴾ [طه: ١١٢].

العمل
وهذا الجمع بين الأمرين هو سبيل
المؤمنين المهتدين، وإهمالهما، أو إهمال
أحدهما هو طريق أهل الضلال؛ كما أن
الجمع بين العلم والعمل هو الطريق المأمور
به، المخالف لطريق المغضوب عليهم،
والضالين.
قال ابن كثير: وللفرق بين الطريقتين
لتجتنب كل منهما؛ فإن طريقة أهل الإيمان
مشتملة على العلم بالحق والعمل به،
واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا
العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال
للنصارى؛ لأن من علم وترك استحق
الغضب، بخلاف من لم يعلم، والنصارى
لما کانوا قاصدین شیئا لكنهم لا يهتدون إلى
طريقه؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو
اتباع الرسول الحق ضلوا، وكل من اليهود
والنصارى ضال مغضوب علیه، لکن اخص
أو صاف اليهود الغضب، كما قال فيهم: ﴿مَن
لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠ ]وأخص
أوصاف النصارى الضلال، کما قال: ﴿قَدْ
ضَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ
عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: ٧٧](١) وهكذا
القول في الجمع بين الإيمان والعمل.
ولهذا جعل الله تعالى لمن أتى
بالوصفين: ((الإيمان والعمل)) الجنة، قال
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤١/١.
أُوْلَبِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
٨٢﴾ [البقرة: ٨٢].
قال ابن كثير (٢) في قوله: ﴿ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُوا
وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾: وعملوا الصالحات
من العمل الموافق للشريعة، فهم من أهل
الجنة، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَآَ أَمَانِّ أَهْلِ الْكِتَبُ
مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ
اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الصَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
[النساء: ١٢٣ - ١٢٤].
(٢) المصدر السابق ١/ ٢٠٨.
www. modoee.com
٣٩٧

حرف العين
نسبة العمل إلى الله
جاء نسبة العمل إلى الله في قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآَ
أَنْعَمًا﴾ [يس: ٧١]ونسبة الفعل إليه سبحانه
وتعالى في القرآن أكثر، فقد جاء في آيات
كثيرة أنه يفعل ما يشاء، وفعال لما يريد، قال
تعالى: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [آل
عمران: ٤٠].
بنفسه، واستعار لفظ ((العمل)) للخلق بطريق
الاستعارة التمثليلة (٢).
والمقصود: أن الله تعالى وصف نفسه
بأنه يعمل، قال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا
لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١].
ووصف نفسه بالفعل الذي هو العمل،
ووصف خلقه بالعمل، قال: ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وبين العمل والعمل من المنافأة كما بين
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [الحج: الذات والذات (٣).
١٨].
وقال: ﴿لَا يُسَْلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:
٢٣].
وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَقَالُ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:
١٠٧].
فقوله: ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآَ﴾ أي: مما
فعلته و صنعته أیدینا.
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينًا
وقال البيضاوي:
أي: مما تولينا إحداثه، ولم يقدر على
إحداثه غيرنا، وذكر الأيدي وإسناد العمل
إليها استعارة، تفيد مبالغة في الاختصاص،
والتفرد بالإحداث (١).
ومما يدل على أن ذلك من باب
الاستعارة التمثيلية أن الأنعام تخلق ولا
تعمل؛ ولكنه شبه اختصاصه بالخلق
والتكوين بمن يعمل أمرًا بيديه، ويصنعه
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ٢٧٣.
مؤسِوَالَةُ الَِّي
القرآن الكريمِ
(٢) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٢٣/٣.
(٣) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في
التفسير ٣٦٩/٣.
٣٩٨

العمل
إحاطة الله بعمل الخلق
أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أنه
محيط بأعمال خلقه، لا يخفى عليه من
أعمالهم شيء، ومما يدل على ذلك:
١. اقتران عمل الإنسان بأسماء الله.
فقد أخبر الله تعالى في القرآن أنه بصير
بأعمال العباد، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠].
وقال: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾
[البقرة: ٩٦].
وقال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيٌِّ﴾ [البقرة:
٢٦٥].
وقال: ﴿إِنَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:
١١٢].
والبصر هنا بمعنى العلم؛ ويمكن أن
يكون بمعنى الرؤية؛ قال النبي صلى الله
عليه وسلم: (لو كشفه لأحرقت سبحات
وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)(١).
فأثبت لله بصرًا؛ لكن تفسيره بالعلم
أعم(٢).
وفي الآية تحذير من المخالفة، فإذا
كان الله بصيرًا بأعمال عباده فليحذروا
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب في قوله عليه السلام: (إن الله لا ينام)،
١/ ١٦١، رقم ١٧٩.
(٢) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة
والبقرة ١/ ٣١٢.
من مخالفة أمره ونهيه؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إنه تعالى بصير
بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا یخفی
عليه شيء، فيجازي عليها(٣).
وأخبر الله تعالى في القرآن أيضًا أنه خبير
بأعمال عباده.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[البقرة: ٢٣٤].
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤].
وقال: ﴿إِنَّاللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [النور:
٣٠].
وكأن هذه الجملة: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ جاءت تعليلية، تحمل
الوعد والوعيد؛ إذ علم الله بأعمال العباد
صالحها وفاسدها يستلزم الجزاء عليها،
فمتی کانت صالحة کان الجزاء حسنًا، وفي
هذا وعده، ومتى كانت فاسدة كان الجزاء
سوءًا، وفي هذا وعیده(٤).
وأخبر الله تعالى أيضًا في القرآن الكريم
أنه عليم بأعمال عباده، فقال: ﴿إِنِ يِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١].
وقال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور:
٢٨].
﴿عَلِيمٌ﴾ بأعمال عباده من خير
فھو
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٢/ ١٦٧.
(٤) أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٢٤٠.
www. modoee.com
٣٩٩

حرف العین
وشر، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء (١). تَكُونُ فِى شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ
مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ
وفق علمه واطلاعه على أعمالهم.
فِيَةٍ وَمَا يَعْزُّبُ عَن رَّيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي
الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَّ
أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِتَبِ مُّبِينٍ ﴾ [يونس: ٦١].
ولا يعلم الله العمل الظاهر من العبد
فحسب، بل حتى ما يضمره في قلبه، ويخفيه
في نفسه، قال تعالى: ﴿وَلَّهُ يَعْلَمُ مَافِى
قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥١].
يقول: والله يعلم ما في قلوب الرجال
من ميلها إلى بعض من عنده من النساء دون
بعض بالهوى والمحبة، يقول: فلذلك وضع
عنك الحرج يا محمد فيما وضع عنك من
ابتغاء من ابتغیت منهن، ممن عزلت تفضلًا
منه عليك بذلك وتكرمة ﴿وَكَانَ اللَّهُ
عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١].
يقول: وكان الله ذا علم بأعمال عباده،
وغير ذلك من الأشياء كلها (٢).
ومما يدل على ذلك قوله: ﴿تَعْلَمُ مَافِی
نَفْسِ﴾ [المائدة: ١١٦].
بإحاطة الله به، وخص النفس بالذكر
لأنها مظنة الكتم والانطواء على المعلومات،
والمعنى: أن الله يعلم ما في نفس عیسی،
وقوله: ﴿وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ﴾ [المائدة:
١١٦].
معناه: ولا أعلم ما عندك من المعلومات،
وما أحطت به(٣).
ومما يبين ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَمَا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٦/٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٩٦/٢٠.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٦٣/٢.
فمراد الآية وصف إحاطة الله تعالى
بكل شيء، ومعنى اللفظ: ﴿ وَمَا تَكُونُ ﴾ یا
محمد، والمراد هو وغيره ﴿في شأنِ﴾ من
جميع الشؤون ﴿وَمَانَتْلُواْمِنْهُ﴾ الضمير عائد
على﴿شأنٍ﴾، أي: فيه وبسببه من قرآن،
ويحتمل أن يعود الضمير على جميع القرآن،
ثم عم بقوله: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ﴾ وفي
قوله: ﴿إِلَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ تحذير
و تنبيه(٤).
ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿ سَوَاءٌ مِّنكُر
مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ
بَلَيْلِ وَسَارِبُّ بِالنَّبَارِ ﴾ [الرعد: ١٠].
ومعنى هذه الآية: معتدل منكم في إحاطة
الله تعالى وعلمه من أسر قوله، فهمس به في
نفسه ﴿وَمَنْ جَهَرَ يهِ،﴾ فأسمع، فلا يخفى
على الله تعالى شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ
وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ معناه: من هو بالليل في غاية
الاختفاء، ومن هو متصرف بالنهار ذاهب
لوجهه، سواء في علم الله تعالى وإحاطته
بهما، وذهب ابن عباس رضي الله عنهما
(٤) المصدر السابق ٣/ ١٢٧.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٤٠٠

العمل
ومجاهد إلى معنى مقتضاه: أن ((المستخفي
والسارب» هو رجل واحد، مریب بالليل،
ويظهر بالنهار البراءة في التصرف مع
الناس(١).
وأخبر الله تعالی عن نفسه أنه لا يغفل
عن عمل الخلق، فقال: ﴿وَمَا ◌َللَّهُ بِغَافِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] وقال: ﴿وَمَا
رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣ ] وقال:
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ
الظَّالِمُونَ ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
ومعنى الآيات: أن الله ليس بغافل عن
ومكركم السيئ، فمجازيكم عليه أشر
الجزاء(٢).
والغفلة: السهو والنسيان، والمراد
أنه سبحانه محيط بأعمال هؤلاء الذين
كتموا الحق، لا تخفى عليه منها خافية،
وسيحاسبهم عليها حسابًا عسيرًا، ويعاقبهم
على مزاعمهم الباطلة عقابًا أليمًا، فالجملة
الكريمة تهديد ووعيد لأهل الكتاب (٣).
وأخبر الله تعالى أنه شهید علی ما يفعله
العباد.
ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا
قال تعالى:
يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦].
(١) المصدر السابق ٢٩٩/٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٤١.
(٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٢٩٠.
عمران: ٩٨].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أنه
حاضر لأعمالكم.
ومعنى الآية: أن الله تعالى وبخهم على
کفرهم، وأخبر أنه لا ينفعهم الاستمرار به؛
لأنه شهيد على أعمالهم (٤).
قال ابن الجوزي: وأما الشهيد، فقال ابن
قتيبة: هو بمعنى الشاهد، وقال الخطابي:
هو الذي لا يغيب عنه شيء، كأنه الحاضر
الشاهد (٥).
والمقصود: أن الله تعالى ﴿شَهِيدٌ﴾ على
عملكم، بل محيط بأعمالكم، ونياتكم، ما يعمله عباده، حاضر معهم، ناظر إلى
نياتهم في أعمال الخير والشر، فيجازيهم
بها، فهو عالم علم المعاين الحاضر القائم
الحاكم على ما يعملون دائمًا، سواء أكان
العمل عمل القلب، أم كان العمل عمل
الجوارح.
فالله تعالى شهيد عالم معاين حاكم قوام
على ما تعملون من خير ومن شر، فالنص
السامي يتضمن توبيخًا على الكفر، وتهديدًا
بالعقاب الشديد على ما يعملون؛ لأن الله
تعالی إذا کان شهيدًا على ما يفعلون، وهو
الحكم العدل القادر على الثواب والعقاب،
فإنه بلا ريب مجازيهم على فعلهم،
وقال: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل ومحاسبهم على مقاصدهم في أقوالهم
(٤) التفسير الوسيط، الواحدي ١ / ٤٧١.
(٥) زاد المسير ٣٠٩/١.
www. modoee.com
٤٠١

حرفالعین
وأفعالهم.
علمًا، ليست إحاطته لأعمال العباد فقط، بل
وأخبر الله تعالى أنه محيط بما يفعله بكل شيء، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
تُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤].
العباد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّ بِمَا تَعْمَلُونَ
مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢].
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل
عمران: ١٢٠].
وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾
[النساء: ١٠٨].
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
وقال:
تُحِيطًاً ﴾ [النساء: ١٢٦].
وقال: ﴿وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [الأنفال:
٤٧].
فهذه الآيات ونظيراتها تدل على أنه لا
يخفى على الله شيء من أعمال عباده؛ فهو
محيط بأعمالهم كلها، علمًا وقدرة، وسوف
يجازيهم عليها في الدنيا والآخرة.
ففي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ
مُحِيطٌ﴾ تذييل، قصد به إدخال الطمأنينة
على قلوب المؤمنين، والرعب في قلوب
أعدائهم، أي: إنه سبحانه محيط بأعمالهم،
وبكل أحوالهم، ولا تخفى عليه خافية
منها، وسیجازيهم عليها بما يستحقونه من
عذاب أليم بسبب نياتهم الخبيثة، وأقوالهم
الذميمة، وأفعالهم القبيحة(١).
وأعلى من هذا أنه قد أحاط بكل شيء
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٤٠/٢.
٤٠٢
القرآن الكريم
﴿وَاللّهُ مِن وَرَآَيِهِمْ تُحِيطٌّ ﴾
وقال:
[البروج: ٢٠].
قال الطبري: ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَآبِهِمْ تُحِيطٌ﴾
بأعمالهم، محصٍ لها، لا يخفى عليه منها
شيءٌ، وهو مجازيهم على جميعها(٢).
ففي قوله: ﴿وَاللهُ مِن وَرَآبِهِمْ تُحِيطٌ﴾ وجوه:
أحدها: أن المراد وصف اقتداره عليهم،
وأنهم في قبضته وحوزته، كالمحاط إذا
أحيط به من ورائه، فسد عليه مسلكه،
فلا يجد مهربًا، يقول تعالى: فهو كذا في
قبضتي، وأنا قادر على إهلاكهم، ومعاجلتهم
بالعذاب على تكذيبهم إياك، فلا تجزع من
تکذیبهم إياك، فليسوا يفوتونني إذا أردت
الانتقام منهم.
وثانيها: أن يكون المراد من هذه الإحاطة
قرب هلاكهم، كقول تعالى: ﴿وَأُخْرَى
لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا﴾ [الفتح:
٢١] وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ
بِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقوله: ﴿وَظَنُواْ أَنَّهُمْ
أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]فهذا كله عبارة عن
مشارفة الهلاك، يقول: فهؤلاء في تكذيبك
قد شارفوا الهلاك.
وثالثها: أن يكون المراد: والله محيط
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٣٤٧.

العمل
بأعمالهم، أي: عالم بها، فهو مرصد بعقابهم ما يعمله الملائكة والجن والإنس وتنوعها،
عليها(١).
والخلاصة: أن هذه الآيات تدل على
أن الله تعالى محيط بأعمال العباد كلها،
ظاهرها، وباطنها، صغيرها وكبيرها،
فمجازیھم علیها، وفيها وعید وتهديد، يعني:
أنه تعالی عالم بجمیع الأشياء، لا یخفی عن
علمه شيء؛ لأنه محيط بأعمال العباد كلها،
فيجازي المحسنين، ويعاقب المسيئين.
ونظير هذه الآيات قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِمَا
فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِِّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ
١٢٦﴾ [النساء: ١٢٦].
شَىْءٍ مُحِيطًا (
قال السعدي: وهذه الآية الكريمة فيها
بیان إحاطة الله تعالی بجمیع الأشياء، فأخبر
أنه له ﴿مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي:
الجمیع ملکه وعبيده، فهم المملوكون،
وهو المالك المتفرد بتدبيرهم، وقد أحاط
علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع
المبصرات، وسمعه بجميع المسموعات،
ونفذت مشيئته وقدرته بجمیع الموجودات،
ووسعت رحمته أهل الأرض والسماوات،
وقهر بعزه وقهره كل مخلوق، ودانت له
جميع الأشياء(٢).
ولعل المتمعن في هذه الآيات التي جاء
فيها الإخبار بعلم الله وخبرته وإطلاعه على
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١١٦/٣١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٠٦.
وما جاء فيها من تقريرات حاسمة عن إحاطة
الله بكل شيء في كل آن، وشمول قدرته
لكل شيء، واستغنائه عن كل عون في
تصريف ملكوت السماوات والأرض يدرك
مدى قدرة الله وعظمته، ومدى إحاطته بكل
شيء، وقدرته على كل شيء، وعدم طروء
ما يطرأ على البشر من غفلة ونسيان علیه،
ونفي أي مشابهة له في الأسماء والصفات،
والقدرة الشاملة.
وفيها : إشارة إلى سعة إحاطة الله بأعمال
الناس ونواياهم، فهو يعلم كل حركة من
حركاتهم، خفيها وظاهرها، حتى ما يدق
على المشاهدين مما تنطوي عليه لحظات
العيون، وتخفيه الصدور من النوايا المريبة.
فهو السمیع لکل شيء، النافذ بصره إلى
كل شيء، وهو الذي سيقضي بين الناس
بالحق وفق أعمالهم، أما الشركاء الذين
يدعوهم المشركون مع الله فليس لهم أي
قدرة على شيء، أو القضاء في أي شيء، أو
النفوذ إلى أي شيء(٣).
وقد قال في آية أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَلَا يَنْفَى
عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَلِّ ﴾﴾ [آل
عمران: ٥] وهذه الجملة السامية تفيد تمام
إحاطة الله تعالى في علمه، فهو سبحانه
(٣) انظر: التفسير الحديث، محمد دروزة
٣٦١/٤.
www. modoee.com
٤٠٣

حرفالعین
وتعالی یتجلى له كل شيء، ولو کان خافيًا
عن الناس أو من شأنه الخفاء؛ ولذلك جاء
التعبير عن العلم الكامل، ببيان نفي الخفاء
عليه سبحانه؛ وذلك لأن العالم المحيط قد
يخفى عليه شيء، لکن علم الله غير ذلك،
فهو علم لا خفاء معه في شيء مطلقًا؛ وإذا
کان الله سبحانه وتعالى عليمًا بكل شيء،
لا يخفى عليه شيء فھو یعلم القلوب وما
تخفيه، وما تكنه السرائر، وما تكنه الضمائر،
فهو يعلم البواعث على الكفر، وأنها ليست
نقصًا في الدليل، ولكنها مآرب الدنيا،
والعصبية الجنسية والمذهبية، فليس الذين
ينكرون ما جاء به محمد مخلصين في
إنكارهم، بل هي لجاجة العناد، وجحود
المستيقن.
وذكر سبحانه السماء والأرض للإشارة
إلى أن علمه قد وسع كل شيء وسع
السماوات والأرض، وليس الإنسان وما
تحدثه به نفسه إلا شيئًا صغيرًا في هذا
الملكوت العظيم؛ وذلك العالم بأرضه
وسمائه، وأكد نفي الخفاء بتكرار ((لا)) في
قوله تعالى: ﴿وَلَا فِ السَّمَلِ﴾ فذكرها ثانيًا
تأکید؛ لأنه لا يخفى عليه شيء(١).
وقال في آية أخرى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ
الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنِ
كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَاُ
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢/ ١١٠٤.
وَكَفَى بِنَا حَسِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧] قال
السعدي: يخبر تعالى عن حكمه العدل،
وقضائه القسط بين عباده، إذا جمعهم في
يوم القيامة، وأنه يضع لهم الموازين العادلة،
التي يبين فيها مثاقيل الذر الذي توزن بها
ـلَمُ نَفْسَ
A
فَلَا
الحسنات والسيئات
مسلمة أو كافرة ﴿شَيْئًا﴾ بأن تنقص من
حسناتها، أو یزاد في سيئاتها.
﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾
التي هي أصغر الأشياء وأحقرها من خير
أو شر ﴿أَنَيْنَابِهَا﴾ وأحضرناها ليجازى
بها صاحبها، ﴿وَگفى پِنَاحَسپین﴾ يعني:
بذلك نفسه الکریمة، فکفی به حاسبًا،
أي: عالمًا بأعمال العباد حافظًا لها، مثبتًا
لها في الكتاب، عالمًا بمقاديرها، ومقادير
ثوابها وعقابها، واستحقاقها موصلاً للعمال
جزاءها (٢).
ويجد المتأمل في آيات القرآن الكريم
أن الله تعالی کثیرًا ما يقرن بین اسمه تعالی
((العليم)) و((الخبير)) عند الكلام على علمه
وخبرته بأعمال عباده، كما في قوله: ﴿فَلَمًّا
نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَكَ هَذَا قَالَ نَأَنِىَ الْعَلِيمُ
الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] وإيثار وصفي العليم
الخبیر هنا دون الاسم العلم «الله» لما فيهما
من التذكير بما يجب أن يعلمه الناس من
إحاطة الله تعالى علمًا وخبرًا بكل شيء.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٢٤.
٤٠٤
القرآن الكريمِ

العمل
والعليم: القوي العلم، وهو في أسمائه
تعالى دال على أكمل العلم، أي: العلم
المحيط بكل معلوم.
والخبير: أخص من العليم؛ لأنه مشتق
من خبر الشيء إذا أحاط بمعانيه ودخائله؟
ولذلك يقال: خبرته، أي: بلوته، وتطلعت
بواطن أمره.
والفرق بين الخبر والعلم وسائر الأشياء
الدالة على صفة العلم أن الفائدة متی حصلت
من موضع الحضور سميت مشاهدة،
والمتصف بها هو الشاهد والشهيد، وكذلك
إن حصلت عن طريق السمع أو البصر،
فالمتصف بها سميع وبصير، وكذلك إن
حصلت عن علم أو علامة فهو العلم،
والمتصف به العالم والعليم، وإن حصلت
عن استكشاف ظاهر المخبور عن باطنه
بیلوی أو امتحان أو تجربة، أو تبليغ فهو
الخبر، والمسمى به الخبير.
قال الغزالي في ((المقصد الأسنى»:
العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي
خبرة، وسمي صاحبها خبيرًا، وحظ العبد
من ذلك أن یکون خبيرًا بما يجري في عالمه
وعالمه قلبه وبدنه، والخفايا التي يتصف
القلب بها من الغش والخيانة، والتطواف
حول العاجلة، وإضمار الشر، وإظهار
الخير، والتجمل بإظهار الإخلاص مع
الإفلاس عنه، لا يعرفها إلا ذو خبرة بالغة قد
خبر نفسه ومارسها، وعرف مكرها وتلبيسها
وخدعها، فحاذرها وتشمر لمعاداتها، وأخذ
الحذر منها، فذلك من العباد جدير بأن
يسمى خبيرًا(١).
والمقصود: أن علم الله تعالى بأعمال
العباد ومجازاتهم عليها قاطع لكل شك بأن
الله هو إله الحق، وأن ما يدعون من دونه
من أوثان هو الباطل، وقاطع بأن الله تعالى
ذا الألوهية الحقة هو العلي الكبير، أي: ذو
العلو المطلق الكبير الذي ليس شيء أكبر
منه؛ إذ هو رب كل شيء ومالكه، والقاهر له،
والمتحکم فیه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه،
الذي يعلم ما خفي، وما ظهر، قال تعالى:
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ
[النمل: ٧٤] أي: إن ربك وخالقك
-جل جلاله- يعلم أحوال هؤلاء الذين
معك، فيعلم منافقهم وكافرهم، وصادقهم
وكاذبهم، يعلم ما يكنون في أنفسهم،
ويجعلونه مكنونًا مستورًا مخفيًا.
ويعلم ما يعلنون، أي: وما يظهرونه،
ويتجاهرون به، هل هو كما يظهرونه
ويعلنونه، هو النفاق والكذب والدجل، فالله
تعالى محيط بهم، محيط بأعمالهم، سميع
لأقوالهم، وهذا في مقام التهديد والوعيد،
فالله يعلم كل أحوالهم ما أخفوا وما أعلنوا،
فلا يطمعوا يومًا في أن يظهروا لك شيئًا لا
(١) المقصد الأسنى ص ١٠٣.
www. modoee.com
٤٠٥

حرفالعین
وجود له لتعتقده؛ لأن الله الخالق يعلم منهم
ما خفي، وما أعلن (١).
٢. السؤال على الأعمال، والمجازاة
علیھا.
ومما يدل على إحاطة الله بعمل الخلق،
أنه يسألهم عنها، ويجازيهم بها، فلا تهمل،
ولا تضيع، بل يسأل الله عنها، ويجازي
علیھا.
قال تعالى: ﴿وَلَتُعَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[النحل: ٩٣].
قال ابن عرفة: واختلف الناس في المباح
وقال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا هل تكتبه الحفظة، ويتعلق فيه السؤال أو لا؟
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
ولنجزينهم
وقال:
الَّذِى كَانُواْ
٠٠
أَحْسَنَ
يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧].
فهذه الآيات وغيرها تدل على أن العباد
مسؤولون عن أعمالهم، مجزيون عنها،
خيرًا أو شرًا، يسألهم الله عنها، ويجازيهم
بها، وهذا يدل على إحاطته سبحانه وتعالى
بتلك الأعمال، وإحصائها، وكتابتها، وأنها
محفوظة، لا تضيع، ولا تنسی، ولا تهمل.
قال في البحر: وتوعد بالسؤال عن
العمل، فقال: ﴿وَلَتُشْتَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
وهو سؤال توبيخ، لا سؤال تفهم، وسؤال
التفهم هو المنفي في آيات، ثم قال: يعني:
سؤال المحاسبة والمجازاة(٢).
(١) تفسير المنتصر الكتاني ١٣٩/ ١٢.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ٥٨٩.
وهو خطاب لجميع الناس، ومثله في
التأكيد والعموم قوله في سورة الحجر:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( عَمَّا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر: ٩٢ -٩٣].
وأكد السؤال بتأكیدین، اللام والنون،
أي: عما تعملون من عمل ضلال، أو عمل
هدى، والسؤال: كنية عن المحاسبة؛ لأنه
سؤال حكيم، تترتب عليه الإنارة، وليس
سؤال استطلاع(٣).
وعموم الآية تدل على أنه يسأل عنه،
ويكتب؛ لأن ((ما)) إن كانت موصولة بمعنى
((الذي)) فهي عامة؛ لأن ((الذي)) معرف
بالألف واللام، وهذه بمعناه، وإن كانت
مضافة، فيعم بالإضافة (٤).
والمقصود: أن مما يدل على إحاطة الله
بأعمال المکلفین، أنه یحصیھا، ويسأل عنها،
والسؤال سؤال محاسبة
◌ْلِتَشْلَنَّ
قال:
وجزاء، لا سؤال استفهام واستعلام ﴿عَمَّا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ((عما» أي: ((عن ما)) و((ما))
اسم موصول، والاسم الموصول من صيغ
العموم، أي: سيحاسبنا الله سبحانه وتعالى
على كل ما عملنا، من خير، أو شر، والقسم
على أن الخلق سيحاسبون مع التأکید بنون
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٨/١٤.
(٤) تفسير ابن عرفة ٤٥/٣.
٤٠٦
فَضْو
جوسين
القرآن الكريمِ