النص المفهرس

صفحات 21-28

العهد
الله عظيمًا، كيف لا وقد أخذ العهد على
المؤمنين بأدائه والقيام به إلى يوم القيامة!
وإن تخلوا عن ذلك ضرب الله عليهم الذلة
في الدنيا وعاقبهم في الآخرة.
الوفاء بالعهد
الوفاء فضيلة من فضائل الإسلام
العظيمة، والتى حث عليها الإسلام وجعلها
دليلًا على الصدق والشجاعة والصبر، ولا
يتصف بها إلا عظيم، ولقد جعل الله لكل
عهد جزاءً ولكل فعل أثرًا، والخوف والرجاء
من صفات النفس البشرية، فهناك نفس تنقاد
مع الوعد وأخرى تخشى الوعيد، والمؤمن
يعيش دائمًا بين الرجاء والخوف.
أولًا: حكم الوفاء بالعهد.
نقض العهد کبیرة من كبائر الذنوب: وقد
أمر الله المؤمنين بالوفاء بالعهود، وحرم
عليهم نقضها فقال: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ
الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقال:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ
بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: ١].
وتوجد الكثير من الأدلة في الكتاب
والسنة التى تامر بوجوب الوفاء بالعهد
وتحرم نقضه، قال ابن عطية: ((وكل عهد
جائز بين المسلمين فنقضه لا يحل))(١).
وقد عد بعض العلماء نقض العهود من
الكبائر، ومنهم الذهبي، فقد عدها كبيرة
من الكبائر حيث قال: ((الكبيرة الخامسة
والأربعون: الغدر وعدم الوفاء بالعهد)) (٢).
(١) المحرر الوجيز، ١١٣/١.
(٢) الكبائر، ١٦٨/١.
www. modoee.com
٥١٣

حرف العين
والسنة التي توضح حکم الوفاء بالعهد.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفٍ بِمَهْدِكُمْ
وَإِنَّىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَوْقُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: ١].
وقال تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ﴾
[الأنعام: ١٥٢].
وقال تعالى: ﴿فَتِمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى
مُذَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤].
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا
عَهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا
يَنَقُضُونَ الْمِثَقَ﴾ [الرعد: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اَللَّهِ مَسْئُولًا ﴾
[الأحزاب: ١٥].
من خلال الآيات السابقة يتضح حكم
العهود، فالآيات صريحة الدلالة على
وجوب الوفاء وحرمة الغدر والخيانة،
وجميع الآيات التي ورد فيها لفظ العهد تدل
على ذلك المنطوق أو بالمفهوم.
وردت أحاديث كثيرة في وجوب الوفاء
بالعهد وإثم من نقض ميثاقه أو غدر بما
عاهد علیه، نذكر بعضًا منها:
روى البخاري عن عبد الله بن عمرو
وفيما يلي بعض الأدلة من الكتاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقًا
خالصًا: من إذا حدث كذب، وإذا وعد
أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر،
ومن کانت فيه خصلة منهن کانت فيه خصلة
من النفاق حتى يدعها)(١).
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من أخفر (٢) مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا
عدل)(٣).
وثبت عنه صلی الله عليه وسلم أنه قال:
(من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة
ولا يشدها حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم
على سواء) (٤).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(إن الغادر ینصب الله له لواء يوم القيامة،
فيقال: ألا هذه غدرة فلان)(٥).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب علامة المنافق، رقم ١٦/١،٣٤.
(٢) أخفر: بمعنى نقض عهده.
انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٣/٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجزية،
باب إثم من عاهد ثم غدر، رقم ٣١٧٩،
٤/ ٠١٠٢
(٤) أخرجه الترمذي في سننه،: أبواب السير، باب
ما جاء في الغدر، رقم ١٥٨٠، ٤/ ١٤٣.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد،
٥١٤
صَولو
القرآن الكريم

العهد
يحتاج إلى مزيد بيان، ونقضها محرم بصريح
الكتاب والسنة.
[انظر الميثاق: حكم الوفاء بالميثاق]
ثانيًا: آثار الوفاء بالعهد:
باستقراء الآيات التي تحدثت عن العهد،
نلاحظ الآثار التي رتبها الله عز وجل على
الالتزام بالعهد، فمن هذه الآثار:
١. التقوى.
من الثمرات التي تعود على الفرد من
خُلُقٍ الوفاء ومن الالتزام به التقوى، حيث
إن الوفاء يورث في القلب التقوى.
وقد نبه القرآن الكريم إلى هذه الثمرة قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُوْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ
العظیمة، حیث ذکر اللهعز وجل عدة صفات
كريمة شريفة يختمها بذكر عاقبة المتصفين
بتلك الصفات، ونجد أن الوفاء بالعهد بعد
الوعد من صفات المتقين الصادقين.
قال تعالى: ﴿وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ
إِذَا عَهَدُواْ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُنَّقُونَ ﴾﴾
[البقرة: ١٧٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْأَخَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا
فَوْقَكُمُ الُوَرَ خُذُّواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْمَا
فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣].
٢. الإيمان.
باب تحريم الغدر، رقم ١٣٦٠/٣،١٠.
ووجوب الوفاء بالعهد أمر واضح لا والموفون بعهدهم هم المؤمنون، ففي في
سورة ((المؤمنون) عندما سردت السورة
صفات المؤمنين جاء قول الله عنهم:
﴿وَلَّذِيْنَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾
[المؤمنون: ٨].
فرعاية العهد والأمانة من صفات
المؤمنين الصادقين، والتخلي عن تلك
الصفة إخلال بهذا الوصف وقدح
بالموصوف، ورعاية العهد هنا تشمل العهد
العام والخاص، فكل ما صدق عليه لفظ
العهد فرعایته من الإيمان.
وفي موضع آخر يأتي الخطاب بأسلوب
الاستفهام الذي يوقظ الحس ويثير المشاعر،
يَدْعُوكُمْ لِنُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُؤْ إِن كُمْ
مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٨].
في هذه الآية يتردد لفظ الإيمان ثلاث
مرات بصيغ مختلفة في آيه واحدة (( لا
تؤمنون لتؤمنوا مؤمنين، وهذا يؤكد أن
المؤمنين من أهم صفاتهم الوفاء بالعهود
والمواثيق.
٣. محبة الله.
أعلن الله تعالى في كتابه العزيز محبته
للمتقين الموفين لعهودهم.
قال تعالى: ﴿بَ مَنْ أَوْلَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ
الوفاء بالعهد هو الذي يحقق الإيمان، اُللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦].
﴿فَأَتُِّّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُذَّتِهِمَّ إِنَّ اللّهَ
www. modoee.com
٥١٥

حرفالعین
يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].
قال أبو السعود: ((الآيات السابقة تشعر
بأن التقوى ملاك الأمر، عام للوفاء بالعهود
والمواثيق وغيره، وجالبة لمحبة الله
تعالى))(١).
قال الزمخشري: «من وفی بعهده مع الله
واتقی ربه ینال محبة الله تعالى))(٢).
وبهذا تكون محبة الله ثمرة من ثمار
الوفاء بالعهد وأثرًا من آثار الالتزام به، ونعم
الثمرة لتلك الشجرة، وطوبى لعبد ظفر
بمحبة الله ورضوانه، لقد جمعت له السعادة
من طرفيها، وفاز فوزًا لا يشقى بعده أبدًا.
٤. تكفير السيئات و سبب لدخول
الجنة.
الوفاء بالعهود يكفر الله به السيئات
والذنوب، ويوجب دخول الجنة ونعيمها
الدائم، وهذا ما يؤكده قول الحق تبارك
وتعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفٍ بِمَهْدِكُمْ وَإِنَىَ
فَأَرْهَبُونِ ﴾ [البقرة: ٤٠].
قال الطبري: ((وعهده إياهم أنهم إذا
فعلوا ذلك أدخلهم الجنة))(٣).
وفي سورة المائدة ذكر الله سبحانه أنه
أخذ الميثاق والعهد من بني إسرائيل، ثم بين
الجزاء على الوفاء به.
(١) إرشاد العقل السليم ٢/ ٥١.
(٢) الكشاف ٣٧٥/١.
(٣) جامع البيان ١/ ٥٥٧.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ
بَنِي إِسْرَِّيلَ. لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَنْخَائِكُمْ
وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَّتِهَا
اُلْأَنْهَرُ﴾ [المائدة: ١٢].
وفي موضع آخر لما ذكر الله صفات أولي
الألباب، بين عاقبتهم: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِفَآءَ
وَجْهِ رَيْهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرّاً
وَعَلَائِيَةٌ وَيَدْرَهُونَ بِالْحَسَنَّةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَيْكَ لَهُمْ عُقْبَ
الدَّارِ جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَآِهِمْ
وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِمٌّ وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّنْ كَلِ
بَابٍ. ٢ سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقْىَ الدَّارِ﴾
[الرعد: ٢٢ -٢٤].
ويبين الله تعالى في مواضع أخرى
بأن هذا النعيم الذي يلاقيه الأوفياء نعيم
دائم مخلدون فیه فبعد أن ذكر الله صفات
المؤمنين في سورة المؤمنون)) ومنها أنهم:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾
ذكر مآلهم فقال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَّرِقُونَ
١٠
الَّذِينَ يَرِقُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾
[المؤمنون: ١٠- ١١].
[انظر: الميثاق: آثار الوفاء بالميثاق]
ثالثًا: آثار نقض العهد:
إذا كان للوفاء بالعهد آثارٌ إيجابية تودي
بصاحبها للفوز، فإن نقض العهد يترك آثارًا
سلبية تودي بصاحبها إلى الخسران، وإذا
كانت الآثار الإيجابية حافزة وداعية المسلم
٥١٦
جوية
القرآن الكريمِ

العهد
للالتزام والوفاء، فإن الآثار السلبية أشد
إنذارًا وتحذيرًا وتخويفًا، وهذه الآثار منها
ما یکون في الدنيا، وأعظمها ما سيكون في
الآخرة، من هذه الآثار:
١. الكفر والفسوق.
قرن الله عز وجل بين الكفر ونقض
العهد في کثیر من الآيات القرآنية، ولا شك
بأن الذي ينقض عهده مع الله فقد كفر، لا
سيما وأن الله قد أخذ الميثاق على جميع
البشر وهم في عالم الذر، ومن هنا جاء
نفي الإيمان عن الناقضين لعهودهم، زجرًا
وتهديدًا لهم.
ففي الآية التالية ينفي الله تعالى الإيمان
عن الناقضين لعهودهم: ﴿أَوَكُلَمَا
عَهَدُواْ عَهْدًا تَّبَذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْلَا
يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠].
قال الطبري في تفسير هذه الآية:
((ولذلك وجهان من التأويل: أحدهما: أن
يكون الكلام دلالة على الزيادة والتكثير في
عدد المكذبين الناقضين عهد الله، على عدد
الفريق، فيكون الكلام حينئذ معناه: أو كلما
عاهدت اليهود من بني إسرائيل رَبَّها عهدًا
نقض فريق منهم ذلك العهد؟ لا ما ينقض
ذلك فريق منهم، ولكن الذي ينقض ذلك
فيكفر بالله أكثرهم، لا القليل منهم، فهذا
أحد وجهيه(١).
(١) جامع البيان ٢/ ٤٠٢.
وبنفس المعنى في الآية السابقة في سورة
النساء، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّبَثَقَهُمْ
وَكُفْرِهِم ◌ِثَايَتِ اللَّهِ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[النساء: ١٥٥].
هذا الإيمان القليل هو تصديقهم ببعض
الأنبياء والكتب وهو إيمان قليل؛ لأنه
تصديق غير متمكن، ولأنه لو كان تصديقًا
حقيقيًّا لدعاهم إلى الإيمان بالجميع؛ لأن
الأنبياء يصدق بعضهم بعضًا، والكتب تدعو
إلى ذلك، ولذلك فهو إيمان كلا إيمان (٢).
تعالی:
ويأتي الفسوق بمعنى الكفر كما في قوله
﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ
اٌلْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: ١١٠].
والآيات التى جاءت مبينة فسق من نقض
العهد وردت بمعنی الکفر، وذلك تأکید لما
سبق من بيان كفر من تخلى عن العهد، ففي
أول آية جاء فيها لفظ العهد والميثاق، حكم
الله على الناقضين بالفسق فقال تعالى:
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ، إِلَّا الْفَسِقِينَ * الَّذِينَ
يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ﴾ [البقرة:
٢٦-٢٧].
وعندما ذكر الله ما أخذه على النبيين من
عهد وميثاق، حيث طلب من الأمم الإقرار
والتصديق، فلما تولوا نعتهم بالفسق.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢].
(٢) انظر: المصدر السابق ٣٦٣/٩
www. modoee.com
٥١٧

حرفالعین
وبهذا تؤكد لنا هذه الآيات شناعة فعل فتحوا مكة، واضطروا إلى طلب الأمان،
الناقضين لعهودهم، وسوء جريرتهم، وصاروا بعد العزة والقوة في غاية الوهن،
إلى أن دخلوا في الإسلام، وأكثرهم لذلك
لخروجهم عن أمر الله وميثاقه.
كاره))(١)
٢. الخسران.
من الآثار المترتبة على نقض العهد
الخسران في الدنيا والآخرة، ويتضح ذلك
من خلال قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ
اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِتَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ
أَنْ يُؤْصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضَِّ أُوْلَكَ هُمُ
الْخَسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧].
وفي موضع آخر من نفس السورة يؤكد
الله لنا أن عاقبة ناقضي العهود والمواثيق
الخسران.
قال تعالى: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا
فَوْقَكُمُ الُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُوا
مَا فِيهِ لَّعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (٢، ثُمَّ تَوَلَيْتُم مِّنْ بَعْدِ
ذَالِكٌ فَلَوَّلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، لَكُنْتُم
مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٣ -٦٤].
فإذا كانت خسارة الدنيا يفر منها الإنسان،
وتترك آثارها على حياته ومستقبله، فكيف
بخسران الدنيا والآخرة؟
قال تعالى: ﴿قُلٌ إِنَّ الْخَسِنَ الَّذِينَ خَسِرُواْ
أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْمُسْرَانُ
الْمُّبِينٌ﴾ [الزمر: ١٥].
قال ابن حجر: ((كان عاقبة نقض قريش
العهد مع خزاعة حلفاء النبي -صلى الله
علیه وسلم- أن غزاهم المسلمون، حتى
٣. القتل والتشريد.
من الآثار المترتبة على نقض العهد في
الدنیا القتل والتشرید، ولقد أمر الله عز وجل
نبيه صلى الله عليه وسلم إن لقي هؤلاء
الخائنین ناقضي العهود وتمكن منهم، أن
يعاقبهم عقوبة قاسية تتعدى آثارها هؤلاء
المجرمين إلى ما يقف خلفهم ويتربص
بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الدوائر،
يكون من آثارها تشريد أولئك المتربصين
وتفریق کلمتهم وتشتيت شملهم.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَهَدَتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ
يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَّةٍ وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ
﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ
خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأنفال:
٥٦-٥٧].
وهذا ما فعله رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- عندما ظفر ببني قريظة، تنفيذًا لأمر
الله من فوق سبع سماوات (٢).
٤. اللعن وقسوة القلوب.
من الآثار الناتجة عن نقض العهود اللعن
وقسوة القلب؛ فعندما نقض بنو إسرائيل
(١) فتح الباري، ٢٨٥/٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ٢١.
٥١٨
القرآن الكريم

العهد
عهودهم كانت العاقبة شديدة والأثر ألیم،
فقد لعنهم الله وجعل قلوبهم قاسية، وتبعًا
لذلك ضلوا وانحرفوا عن سواء السبيل.
قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ
لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةً﴾ [المائدة:
١٣].
وفي موضع آخر یبین الله أن اللعن جزاء
لناقضي العهود قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ
عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيْشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ*
أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ
وَمْ سُوَهُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
أي: أولئك الموصوفون بتلك الصفات
الذميمة والتي منها نقض العهود والمواثيق،
لهم من الله تعالى اللعنة والطرد من رحمته،
ولهم فوق ذلك، الدار السيئة وهي جهنم(١).
هذه الآيات بيان من الله للمصير
الذي ينتظر الناكثين لعهودهم الناقضين
لمواثيقهم، وهو إنذار وتحذير للمؤمنين بل
وللناس أجمعين.
٥. الموقف المخزي يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَتَّلَتَقَلِيلًا أُوْلَيْكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ
اْأَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ
﴾[آل عمران: ٧٧].
VV
(١) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي
٧/ ٤٧٤.
تجسد هذه الآية ما يلحق بالذين يشرون
بعهد الله وأيمانهم ثمنًا بخسًا زهيدًا كيف
يكون حالهم يوم القيامة، فلا يكون لهم
خلاق ولا حجة ولا نصيب ولا قوام(٢)،
وأشد من ذلك أن الله لا يكلمهم كلامًا
يسرهم، ولا ينظر إليهم نظر رحمة وعطف،
بل ولا يزكيهم ويطهرهم من ذنوبهم
وسيئاتهم في موقف ينتظر كل إنسان رحمة
الله وعفوه ومغفرته، ونهايتهم في العذاب
الأليم(٣).
٦. الجناية على النفس.
نقض العهود تعود جنايتها على النفس.
قال تعالى: ﴿فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَ
نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠].
فالناقض لعهده يجني على نفسه
ويوبقها، وهذه الآثار هو سببها، وهو حطبها
ووقودها.
[انظر: الميثاق: نقض الميثاق سبب للإفساد
في الأرض والعقاب في الآخرة]
موضوعات ذات صلة:
البيعة، الثبات، الرجولة، الميثاق
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٧٢٥.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٤٥٩.
www. modoee.com
٥١٩