النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
العَمَّد
عناصر الموضوع
مفهوم العهد
٤٩٤
العهد في الاستعمال القرآني
٤٩٥
الألفاظ ذات الصلة
٤٩٦
أساليب القرآن في تعظيم العهود
٤٩٨
أنواع العهد في القرآن
٥٠١
٥٠٥
مجالات العهد في القرآن
٥١٣
الوفاء بالعهد
المُجَلَدَ الرّايعِ وَالعشْرُونْ

حرف العين
مفهوم العهد
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (عهد) تدل على الاحتفاظ بالشيء وإحداث العهد به (١).
والعهد: الوصية، والأمان، والموثق، والذمة، ومنه قيل للحربي يدخل بالأمان: ذو عهد
ومعاهد، وقد عهدت إليه، أي: أوصيته، والمعهود: الذي عُهِد وعُرِف، وعهدته بمكان كذا،
أي: لقيته وعهدي به قريب(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
تنوعت المعاني الاصطلاحية للعهد لتنوع العهود واختلاف أنواعها، ولذلك ذكر العلماء
مجموعة من التعريفات الاصطلاحية، شرعية كانت أم عرفية، نذكر بعضًا منها(٣):
كل ما عوهد الله عليه.
: كل ما بين العباد من المواثيق، أو جمیع ما انعقد بین إنسانین.
الأمان الذي يبذل للذمي على إعطائه الجزية والكف عنه.
كل ما أمر الله به من طاعته في الآيات الكريمات، ونهى عن معصيته، وكل ما جاء على
ألسنة الرسل.
كل ما تلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها.
حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، هذا أصله، ثم استعمل في الموثق الذي تلزم
مراعاته، وهو المراد (٤).
ونلاحظ أيضًا أن هناك علاقة وثيقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، فكلاهما
يدل على الآخر.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ١٦٧.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٥١٥/٢، مختار الصحاح، الرازي ص ٢٢٠، المصباح المنير، الفيومي
٤٣٥/٢.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤ / ١٤٦، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٦/١، المفردات، الراغب
الأصفهاني، ص ٤٦٣.
(٤) التعريفات، الجرجاني ص ١٥٩.
٤٩٤
ـَ النَّسَبـ
جوبيبو
القرآن الكريمِ

العهد
العهد في الاستعمال القرآني
وردت مادة (عهد) في القرآن الكريم (٤٦) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٦
﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ
[الأعراف: ١٣٤]
الفعل المضارع
١
﴿أَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّءَادَمَ﴾ [يس: ٦٠]
المصدر
٢٩
﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اَللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]
وجاء العهد في القرآن على خمسة أوجه(٢):
[البقرة: ١٢٤].يعني:
أحدها: الإمامة، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِينَ﴾
الإمامة.
الثاني: المواثيق، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَّخَذْ تُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠]. يعني: موثقًا.
الثالث: الأمر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا
﴾ [طه: ١١٥]. يعني: ولقد أمرنا آدم.
١١٥
الرابع: الحلف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ ﴾ [النحل: ٩١]. أي:
بالحلف إذا حلفتم.
الخامس: الوفاء بالأمانة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَالِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف:
١٠٢]. أي: وفاء وأمانة.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٩٢.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٣٤١-٣٤٢.
www. modoee.com
٤٩٥

حرف العين
الألفاظ ذات الصلة
الميثاق:
١
الميثاق لغة:
قال ابن فارس: وثق، الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام، ووثقت الشيء:
أحكمته، وناقة موثقة الخلق، والميثاق: العهد المحكم(١)، وقال الفيروزآبادي: ((الميثاق:
عقدٌ يؤكد بيمين وعهد، وأخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف))(٢).
المیثاق اصطلاحًا:
عقد أو عهد مؤكد بيمين ضمانا للوفاء بما تم التواثق من أجله، سواء أكان بين الله وخلقه
من النبيين أو البشر، أو كان الميثاق مما يعقده الناس فيما بينهم.
الصلة بين العهد والميثاق:
الميثاق توكيد العهد من قولك: أوثقت الشيء إذا أحكمت شَدَّهُ.
وقال بعضهم: العهد يكون حالًا من المتعاهدين، والميثاق يكون من أحدهما (٣).
الوعد:
٢
الوعد لغة:
قال ابن فارس: ((وعد، الواو والعين والدال كلمة صحيحة تدل على ترجية بالقول، يقال:
وعدته أعده وعدًا، ويكون ذلك بخير وشر، فأمَّا الوعيد فلا يكون إلا بِشَرِّ»(٤).
الوعد اصطلاحًا:
أداء ما التزم به المرء لغيره من صلة أو معاملة أو غير ذلك مع عدم الظلم والخيانة (٥).
الصلة بين الوعد والعهد
أن العهد ما كان من الوعد مقرونًا بشرط، نحو قولك: إن فعلت كذا فعلت كذا، وما دمت
على ذلك فأنا عليه، ويقال: نقض العهد أخلف الوعد (٦).
(١) مقاييس اللغة ٦/ ٨٥.
(٢) بصائر ذوي التمييز ١٥٨/٥.
(٣) الفروق اللغوية، العسكري ص ٥٧.
(٤) مقاييس اللغة ٦/ ١٢٥.
(٥) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد ٥، ٢/ ٩٢٥.
(٦) الفروق اللغوية، العسكري ص ٥٧.
٤٩٦
البَفيـ
جَوَسُوع
القرآن الكريم

العهد
العقد:
٣
العقد لغة:
قال ابن فارس: ((عقد، العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق، وإليه
ترجع فروع الباب كلها، من ذلك عقد البناء، والجمع أعقاد وعقود، وهو نقيض الحل، ويأتي
بمعنى: العهد، ويأتي بمعنى الربط بين أطراف الشيء (١).
العقد اصطلاحًا:
وهو، اتفاق بين طرفين يلتزم بمقتضاه كل منهما تنفيذ ما اتفقا عليه، ويُجْمَعُ على:
عقود (٢).
الصلة بين العقد والعهد:
أن العقد أبلغ من العهد، تقول: عهدت إلى فلان بكذا، أي: ألزمته إياه، وعقدت عليه
وعاقدته: آلزمته باستیثاق.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٨٦، لسان العرب، ابن منظور ٣٦٣/٣.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص ١٥٥.
www. modoee.com
٤٩٧

حرف العين
أساليب القرآن في تعظيم العهود
نزل القرآن بلسان عربي مبين، على
أفصح العرب وأقومهم لسانًا، وكان القرآن
الكريم هو المعجزة الكبرى للرسول صلى
الله عليه وسلم حيث تحداهم الله أن يأتوا
بمثله، بل أن يأتوا بسورة منه، فهذا القرآن
المعجزة يقف المسلم أمامه منبهرًا بين
الإعجاز وبين سلاسة الأسلوب وسهولة
العبارة وقوة نفاذها إلى أعماق القلوب، لا
تعقید ولا تكلف ولا ترکیب.
وفي هذا المبحث نقف على الأساليب
التي استخدمها القرآن الكريم في تعظيم
العهد.
١. الخبر.
وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم
تتحدث عن العهد بصيغة الخبر، وهذه
الآيات توضح عاقبة نقض العهد، أو جزاء
الوفاء به، وسيتضح ذلك من خلال الأمثلة
الآتية.
يخبر الحق تبارك وتعالى عن جزاء من
أو فى بعهده، قال تعالى: ﴿بَلَ مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ،
وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦].
أي: فإن کل من أوفی بما عاهد علیه،
واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، فإن الله
يحبه ويرضى عنه؛ لأن الله عهد إلى الناس
في كتبه أن يلتزموا الصدق والوفاء بالعهود
والعقود(١).
وكما أن التقوى ومحبة الله عز وجل
جزاءٌ لمن يوفي بعهده، تأتي آية أخرى
لتقابل معنى هذه الآية حيث جعل الفسق
عاقبة الناقضین لعهد الله عز وجل.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَّلَتَقَلِيلًا أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِى
الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾
[آل عمران: ٧٧].
يخبر الله تعالى عن جزاء الذين يخونون
العهد، ویکتمون ما أنزل الله، ويبدلون
بالحق الباطل، ويستبدلون بكلام الله
وأوامره عوضًا حقیرًا وثمنًا قليلًا، وهو متاع
الدنیا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك.
ذلك الجزاء هو خسارة نعيم الآخرة،
واستحقاق غضب الله وسخطه، وعدم الثناء
عليهم، وانعدام الإحسان إليهم والرحمة
بهم، والاستهانة بأحوالهم وأوضاعهم،
ولهم عذاب مؤلم شدید في نار جهنم، وقد
عبر الله تعالى عن كل ذلك بطريق المجاز،
فجعل نكث العهد وأخذ شيء مقابله بمثابة
الشراء والمعاوضة، ولكنها صفقة خاسرة؛
لأن المقابل أو الثمن مهما کان کثیرًا فهو في
الواقع قليل إذا قيس بعظم الجرم والذنب
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٦٨/٣.
٤٩٨
جَوَدُ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

العهد
وشدة العقاب الذي يلقاه في الآخرة(١).
نلاحظ روعة الأسلوب القرآني في
هاتين الآيتين، حيث جعل الوفاء بالعهد في
الآية الأولى سببًا لمحبة الله ورضاه، وجعل
خيانة العهد في الآية الثانية سببًا لخسارة نعيم
الآخرة، واستحقاق غضب الله وسخطه.
٢. الأمر.
يعتبر أسلوب الأمر في القرآن الكريم
بشكل عام من الأساليب التي يتسابق
المؤمنون العاملون لتحقيقه والوفاء بالمراد
منه، فلا تَأُخِرَ ولا تَلَكُّؤَ ولا تَرَاجُعَ، وهذا هو
مقتضى الإيمان، وسأذكر هنا بعض الآيات
التي توضح هذا الأسلوب:
قال تعالى: ﴿يَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ أَذْكُرُواْ نِعْبَقِىَ
اُلَِّ أَنْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌ أُوْفٍ بِمَهْدِكُمْ
وَإِتَّىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
﴿وَيِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ﴾
وقال تعالى:
[الأنعام: ١٥٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا
عَهَدْتُمْ ﴾[النحل: ٩١].
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
نلاحظ من خلال الآيات السابقة أن
الأمر يتكرر، تعظيمًا لشأن العهد، وتنبيهًا
على وجوب الوفاء به، وعدم الإخلال
(١) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي
١٤٩/٢.
بمقتضاه، وتحقيقًا لعبودية الله وطاعته.
٣. أسلوب الاستفهام.
ورد أسلوب الاستفهام في القرآن
الكريم بصيغ كثيرة، أذكر بعضًا منها:
١. بصيغة الاستفهام التوبيخي: قال تعالى:
﴿أَّ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنْبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا
تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
[يس: ٦٠].
٢. بصيغة الاستفهام الإنكاري: قال تعالى:
﴿وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا
تَعْدُونَةٌ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن
يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ، أَمْ نَغُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا
لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]. وقوله
تعالى: ﴿كَيّفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ
عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِ ﴾ [التوبة:
٧].
٣. بمعنى النفي: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْقَ
بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١].
نلاحظ مما سبق أن الاستفهام بأنواعه
أحد الأساليب البلاغية التي عُرِضت فيها
قضية العهد توبيخًا وإنكارًا ونفيًا.
٤. الترهيب والترغيب والوعد
والوعید.
من أبرز الأساليب القرآنية في عرض
قضية العهد، أسلوب الترهيب والترغيب،
والوعد والوعيد، بل إن أغلب الآيات التي
www. modoee.com
٤٩٩

حرفالعین
وردت في هذا المجال لا تخلو من أحد من صفاتهم: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِأَ مَنَتِهِمْ
وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨].
هذين الأسلوبين، وسأذكر هنا بعض الأمثلة
التي توضح كيف عرض القرآن الكريم هذا
الأسلوب:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُوُ
الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ
وَاُلْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِه
مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ.
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
هذه الآية تَمْثِيلٌ قُصِدَ به الترغيب في
الجهاد، عبر فيه تعالى عن بذل المؤمنين
أنفسهم وأموالهم وإثابتهم بالجنة، كرمًا
وفضلاً وإحسانًا، عبر عن ذلك بالشراء
والمعارضة، فإنه قبل العوض عما يملكه
بما تفضل به علی عبیده المطیعین له، قال
الحسن البصري وقتادة: ((بايعهم -والله-
فأغلی ثمنهم))(١).
وفي موضع آخر يتضح الوعيد المخيف
ففي هذه الآية يعرض القضية عرضًا يهز لمن استبدل وباع ما عاهد الله عليه بثمن
نفس المؤمن هزًّا، ويشوقها إلى وعد الله بخس.
وترغيبه.
وفي سورة (المؤمنون) توضيح لصفات
المؤمنين، وماذا أعد الله لهم من جزاء.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ ﴾
[المؤمنون: ١].
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١١/ ٥٣.
ويكون جزاؤهم: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا
١٠
خَلِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ -١١].
ففي هذه الآيات ترغيب للالتحاق
بصفوف المؤمنين لنيل رضى الرحمن عَزَّ
وجَلَّ.
وفي سورة البقرة قصة بني إسرائيل،
وكيف نقضوا العهود، وكيف كان جزاؤهم
مقابل هذا النقض.
قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْ مِنُونَ بِبَعْضٍ اَلْكِنَبِ
وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍّ فَمَا جَزَاءٍ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ
مِنكُمْ إِلَّ خِىٌ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
اَلْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اَللَّهُ بِفَفِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ الْحَيَوَةَ
الدُّنْيَا بِاْآَخِرَةِ فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ
يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥-٨٦].
قال تعالى: ﴿إِنَّ اُلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ
وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَّلَتَقَلِيلًا أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِي
آَخِرَةِ وَلَا يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
اَلْقِيمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾
[آل عمران: ٧٧].
وهناك آيات جمعت بين الوعد والوعيد
٥٠٠
جَوَسُوعَةُ النفسية
القرآن الكريم

العهد
فمنها قوله تعالى: ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ
مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:
١٢].
يبين الله تعالى في هذه الآية جزاء الوفاء
بالعهود، وعاقبة الكفر والعصيان.
أنواع العهد في القرآن
من خلال استقراء الآيات القرآنية التي
وردت في العهد وجدت أن الالتزام بالعهد
تارة يكون مع الله تعالى، وتارة بين البشر،
فمن أهم تلك العهود والمواثيق ما يلي:
أولًا: العهود مع الله:
لقد أخذ الله عز وجل عهودًا عظيمة
وكثيرة على بني آدم حيث حَمَّلَهُم الأمانةَ
التي عجزت عن حملها السموات والأرض
والجبال، وكان أول هذه العهود الذي أخذه
الله تبارك وتعالى على ابن آدم وهو في
صلب آدم عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ يَنِيّ ءَآدَمَ
مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ شَهِدْنَأُ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا
كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
فقد أخذ الله العهد على عباده جميعًا،
أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا؛ لأنه ربهم
وخالقهم، قال الشوكاني في تفسير هذه
الآية: ((والمعنى أن الله سبحانه لما خلق
آدم مسح ظهره فاستخرج منه ذریته وأخذ
عليهم العهد، وهؤلاء هم عالم الذر، وهذا
هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ولا
المصير إلى غيره لثبوته مرفوعًا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم، وموقوفًا على غيره
www. modoee.com
٥٠١

حرف العين
من الصحابة)) (١).
ومن الآيات الدالة على العهود مع الله
تعالی، قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا لگُوْلَا
تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالرَّسُولُ يَدْ عُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْأَخَذَ
مِشَقَكُتْ لِنْ كُم مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٨].
قال الطبري: ((عنى بذلك: وقد أخذ
منکم ریکم میثاقکم في صلب آدم بأن الله
رہکم لا إله لکم سواه، وهو قول مجاهد (٢).
وقال القرطبي: ((وقد أخذ منكم ربكم
المیثاق والعهد وأنتم في ظهر أبیکم آدم عليه
السلام بأن الله عز وجل ربكم لا إله لكم
سواه(٣).
ومن الآيات الدالة على ذلك أيضًا،
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ
بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَنْ
يُؤْصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِّ أُوْلَئِكَ هُمُ
الْخَسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧].
قال الماوردي في تفسيره لهذه الآية:
((إن العهد هو الذي أخذه الله على بني آدم
حين أخرجهم من صلب أبيهم آدم عليه
السلام)» (٤).
ومن الآيات الدالة على ذلك، قوله
سبحانه وتعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَانَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ
(١) فتح القدير، الشوكاني ٢٩٩/٢.
(٢) جامع البيان ١٧٢/٢٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٢٣٨/١٧.
(٤) النكت والعيون، ٨٩/١.
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ
الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧].
فنعمة الله عز وجل هي الإسلام والنصر
على الأعداء، ومضافًا إليه سائر نعمه عز
وجل التي لا تعد ولا تحصى، والعهد
والميثاق الذي أخذه عليهم هو أن يعبدوه
ولا يشركوا به شيئًا، فكل من شهد أن لا
إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وما وقع
من مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم،
فقد قطع على نفسه عهدًا يجب أن يلتزم
به ولا يحيد عنه، وعليه أن يعمل بالأحكام
والشرائع التي فرضها الله تعالى عليه، وأن
يعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه
وسلم (٥).
[انظر: الميثاق: ميثاق الله مع الخلق]
ثانيًا: العهود مع الناس:
العهود التي تقع بين الناس، هي التي
تکون بین الإنسان وبين أخيه المسلم، وبین
المسلمين وبين الكفار وغير ذلك من العهود
المعروفة، فقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعهد،
فقال عز وجل: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
يعني: أن الوفاء بالعهد مسؤول عنه
الإنسان يوم القيامة، يسأل عن عهده هل
وفى به أم لا؟، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ
(٥) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٣٦١/٢.
٥٠٢
مَوَسُورُ النفسية
الْقُرآن الكَرِيمِ

العهد
اَللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ ﴾ [النحل: ٩١].
يعني: ولا تخلفوا العهد.
العهود مع الناس لها صور شتى، وجميع
هذه الصور نردها إلى قول الحق تبارك
وتعالى: ﴿وَأَوْقُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ
مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
من هذه الصور:
١ . سداد الدين.
الدين هو عهد بين الدائن والمدين، فلا
بد من الوفاء بهذا العهد، ولقد اهتم الإسلام
بالدين؛ لأن أمره عظيم، وقد أكد النبي صلى
الله علیه وسلم علی قضاء الدین، فعن أبي
هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس
يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذها يريد
إتلافها، أتلفه الله)(١).
٢. عقد النكاح.
عقد النكاح عهد، قال صلى الله عليه
وسلم: (أحق الشروط أن توفوا به، ما
استحللتم به الفروج)(٢).
قال الخطابي: ((الشروط في النكاح
مختلفة؛ فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقًا، وهو
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاستقراض، باب من أخذ أموال الناس يريد
إتلافها، رقم ١١٥/٣،٢٣٨٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشروط، باب الشروط في المهر، رقم
٣،٢٧٢١ /٠١٩٠
ما أمر الله به من إمساك بمعروف، أو تسريح
بإحسان، وعليه حمل بعضهم هذا الحدیث،
ومنها ما لا یوفی به اتفاقًا، کسؤال طلاق
أختها ومنها ما اختلف فيه، كاشتراط أن لا
يتزوج عليها، أو لا يتسرى، أو لا ينقلها من
منزلها إلى منزله)) (٣).
فلابد للمسلم أن يؤدي ما التزم من
الشروط على عقد الزواج؛ لأنه استحل بها
الفرج؛ فأيما رجل تزوج امرأة على ما قل من
المهر أو کثر، ليس في نفسه أن يؤديها حقها؛
فقد خدعها، ووقع تحت طائلة العقاب.
٣. حق الجار.
من العهود حقوق الجار؛ فإنها حقوق
يلتزم بها الجار لجاره فطرة ودينًا وخلقًا؛
﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ
يقول الله تبارك وتعالى:
وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَلَنَا
وَبِذِى الْقُرْبَ وَالْيَنَمَى وَاَلْمَسَكِينِ وَالْجَارِ
ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾
[النساء: ٣٦].
فالإسلام حريص على أن يفي كل
جار لجاره بالأمان من ظلمه؛ فلا تُستباح
محارمه، ولا يُنال عِرْضُه، ولا يُستحل مالُه،
ولا یناله أُّ صنف من أصناف الأذى.
٤. الوفاء بما التزم به من بيع أو
(٣) فتح الباري، ابن حجر، ٢١٨/٩.
www. modoee.com
٥٠٣

حرف العين
إجارة.
الوفاء بما التزم به من بيع أو إجارة،
وغير ذلك من المعاملات المالية ما
دامت مشروعة، يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
سواء كانت هذه العقود مبرمة بين المسلم
والمسلم، أو المسلم وغير المسلم (١).
٥. الوفاء بالعهود بين الدول.
لقد دلت السنة النبوية على احترام
العهود، فقد أكد الرسول صلى الله عليه
وسلم على احترام الأحلاف المعقودة في
الجاهلية، وقال صلى الله عليه وسلم مؤكدًا
على ضرورة الوفاء بأحلاف الجاهلية:
(أوفوا بحلف الجاهلية فإنه لا يزيده - يعني
الإسلام- إلا شدة)(٢).
وظل تاريخ الإسلام منذ فجر عهده،
وعلى مر مراحله التاريخية، صفحة بيضاء
نقية، لم يدنس بخيانة، ولا غدر، ولا نقض
عهد، بدون وجود ناقض من العدو (٢).
قال النووي: ((واتفق العلماء على جواز
خداع الكفار في الحرب وكيف أمكن
(١) انظر: الأخلاق الإسلامية، مرسي ص ٢١٨.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه،: كتاب أبواب
السير، باب ما جاء في الحلف، رقم ١٥٨٥،
١٤٦/٤.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٥٠٠،
رقم ٢٥٥٣.
(٣) انظر: الوفاء بالعهود والمواثيق في الشريعة
الاسلامية، الحجيلي ص ٣٣٧.
الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان
فلا يحل))(٤).
[انظر: الميثاق: الميثاق بين الدول]
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم ٤٥/١٢.
٥٠٤
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

العهد
مجالات العهد في القرآن
یمتدالعهد إلی جمیع میادین حياةالإنسان
وواقعه، لإصلاح حياة الناس وبدون العهد
والوفاء به تفسد حياة الناس وتضطرب،
والناظر للآيات القرآنية التي جاءت بالعهود
يتضح له أن العهود جاءت في مجالات
عديدة، منها: العقيدة، العبادات، الأخلاق،
العلاقات مع غير المسلمين، المعاملات،
الجهاد في سبيل الله.
أولًا: العقيدة:
من أهم مجالات استعمال مصطلح
العهد مجال العقيدة، والمتتبع للآيات التي
ورد فيها لفظ العهد يلحظ هذا الجانب
بوضوح، وبعد استقراء الآيات التي ورد فيها
هذا المصطلح في الجانب العقدي ينحصر
الحديث فيه عن الإيمان بالله وكتبه ورسله
والإيمان بالشرائع المنزلة.
١. الإيمان بالله.
يعتبر الإيمان بالله تعالى الأساس الذي
تتفرع عنه جميع جوانب العقيدة الأخرى،
ونجد أن آيات العهد التي تتعلق بالإيمان
بالله تعالى تربط بين الإيمان والعهد ربطًا
قويًّا، وأن السبب الرئيس في نقض العهود
والمواثيق هو عدم الإیمان أو ضعفه، ودليل
ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا
تََّذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[البقرة: ١٠٠].
وقد وردت آيات كثيرة تتضمن لفظ
العهد وتشتمل على وجوب الإيمان بالله
عز وجل إما بشكل صريح أو ضمني، ففي
أول آية في القرآن الكريم يرد فيها لفظ العهد
نجد الحكم من الله تعالى على من نقض
العهد بالكفر، فلا إيمان إلا بالالتزام بعهد
الله تعالى.
يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
مِنْ بَعْدٍ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ= أَن
يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِّ أُوْلَبِكَ هُمُ
اَلْخَسِرُونَ ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة:
٢٧-٢٨].
فنقض العهد کفر، والالتزام به إیمان كما
يتضح من هاتين الآيتين.
ومن الآيات التي تربط بين نقض العهد
والكفر، قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ
وَكُفْرِهِم ◌ِنَايَتِ اللّهِ﴾ [النساء: ١٥٥].
ومن الآيات التي تدعو إلى الإيمان بالله
عز وجل وتُنبّهُ إلى ما أخذه الله على البشر
من عهد، ومشنعة(١) على أولئك الذين لم
(١) الشناعة: الفظاعة، شنع، ككرم، فهو شنيع
وشنع وأشنع، والتشنيع: تكثير الشناعة،
والتشمير، والانكماش، والجد في
السير، كالتشنع.
انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص
٧٣٥.
www. modoee.com
٥٠٥

حرف العين
يحترموا عهودهم فلم يحققوا الإيمان في
أنفسهم.
قال تعالى: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا
كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوپ
اَلْكَفِرِينَ ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْتَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ
وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ﴾ [الأعراف:
١٠١ - ١٠٢].
وكما بدأت آيات العهد في القرآن
الكريم (١) في مجال الإيمان نجد ختامها
أيضًا في المجال نفسه، فآخر آية ذكر فيها
لفظ العهد وردت في سورة المعارج، مبينة
وصف المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ هُمْ
لِأَمْنَئِهِمْ وَعَهْدِ رَعُونَ ﴾ [المعارج: ٣٢].
٢. الإيمان بالكتب المنزلة.
الإيمان بالكتب المنزلة هو الركن الثالث
من أركان الإيمان بالله عز وجل، وقد جاء
مصطلح العهد في مجال الدعوة إلى الإيمان
بکتب الله المنزلة علی رسله، وقد تعددت
الأساليب التي ورد فيها هذا المصطلح،
يتضح ذلك من خلال الأمثلة:
قال تعالى: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَقِىَ
اَلَِّ أَنْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفٍ بِمَهْدِكُمْ
وَإِتَّنَىَ فَرْهَبُونِ * وَءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا
لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرِ يَّةٍ، وَلَا تَشْتَرُواْ بَابَتِى
ثَمَنَّا قَلِيلاً وَإِقَنَىَ فَتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤٠- ٤١].
في هذه الآية يدعو الحق سبحانه وتعالى
بني إسرائيل للوفاء بالعهد الذي عاهدوه
علیه، ومن العهود التي أخذها الله عز وجل
من بني إسرائيل: الإيمان بالتوراة، وفي
التوراة وجوب الإيمان بمحمد صلى الله
عليه وسلم والكتاب المنزل عليه، هذا هو
مقتضى العهد الذي بينهم وبين الله جل
وعلا، وإيمان بالمُنَزَّل، وعدم كفر وابتعاد
عن الرشوة بالتوراة، وتحقيق ذلك تحقيق
للتقوى ﴿وَإَِّىَ فَاتَّقُونِ﴾(٢).
٣. الإيمان بالرسل والأنبياء.
جاء مصطلح العهد في مجال وجوب
الإيمان بأنبياء الله ورسله، وذلك في عدة
آیات في كتاب الله، فالعهد الذي أخذ على
بني إسرائيل وذكر في القرآن مرات عديدة
كان يتضمن وجوب الإيمان برسل الله
سبحانه، وبالأخص نبينا محمد صلى الله
علیه وسلم.
قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ
عَهْدًا نَّبَذَهُ، فَرِيقٌ مِنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ ﴿ وَلَمَّا جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ
اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ بَبَذَ فِيْقٌّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِنَبَ كِتَبَ اَللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ
كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠ - ١٠١].
فالرسول صلى الله عليه وسلم هو
(١) من حيث ترتيب المصحف وليس حسب (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٩٤/١.
النزول.
جَوَسُوعَةُ النَّقِبـ
القرآن الكريمِ
٥٠٦

العهد
المصدق لما معهم، والذي معهم هو التوراة،
وفي التوراة وجوب الإيمان بالرسول صلى
الله عليه وسلم وقد أعطوا العهد وأُخِذَ
علیھم الميثاق بالإيمان بها وما فيها.
قال الزمخشري: ((واليهود موسومون
بالغدر ونقض العهود، و کم أخذ الله الميثاق
منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدوا
رسول الله فلم یفوا الذین عاهدت منهم
ثم ينقضون عهدهم في كل مرةٍ وهم لا
يتقون))(١).
وحين جاء اليهودَ وأحبارهم رسولُ من
عند الله، وهو محمد صلى الله عليه وسلم
الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة،
طرح فريق كبير منهم تعاليم التوراة التي
تشهد بصدقه وراء ظهورهم، حتى لكأنهم
يجهلون أنها من عند الله، واتبعوا ما قصته
واختلقته الشياطين من السحر والأوهام
والمفتريات على عهد سليمان عليه السلام
ومن هذه المفتريات والأكاذيب زعمهم
أن سليمان عليه السلام كان ساحرًا، وما
تم له ملكه العريض، ولا ظهرت على يديه
المعجزات الباهرة من تسخير الجن والريح
إلا بهذا(٢).
وفي الآية التالية يرد الله تعالى على من
ادعى أن الله عهد إليهم ألا يؤمنوا لرسول،
(١) الكشاف ٢٢٧/١.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٣٨/١.
حتى يكون من معجزاته أن تنزل نار من
السماء تأكلها النار.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ
إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرَْانٍ
تَأْكُلُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى
بِالْبَيْنَتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِّمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن
كُنتُمْ صَدِقِينَ (٨) فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ
رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُو بِالْبَيْنَتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ
الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٣-١٨٤].
رد الله تعالى على الذين استخدموا عهد
الله ذريعة للتكذيب بالرسل فكشف الله
عز وجل لرسوله صلی الله عليه وسلم أن
هذا دیدنهم وسنة فیمن کان قبلهم، يرثها
المتأخر عن المتقدم ويورثها السابق للاحق،
فلقد أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل
بالإیمان بمحمد صلی الله عليه وسلم ولا
يتم الإيمان به إلا أن يصاحب ذلك دعوة
الناس إلى الإيمان به وبيان أنه على الحق،
مستدلين على ذلك بما معهم من التوراة
والإنجيل، مما لم يكن عند غيرهم من الأمم
الوثنية التي كانت تنظر إلى اليهود والنصارى
نظرة تقدير واحترام لدینھم الذي يتميزون به
عن غيرهم(٣).
ثانيًا: العبادات:
لقد أمر الله تعالى عباده في كثير من
(٣) انظر: المصدر السابق ٤ /١٨٧.
www. modoee.com
٥٠٧

حرف العين
الآيات القرآنية بالعبادة والالتزام بها، منها ما الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّيِحُونَ
الرَّكِعُونَ السَّجِدُونَ الَمِرُونَ
هو مجمل كقوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا
تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اَللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[التوبة: ١١١- ١١٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلِنَّ وَالْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ومنها مفصلًا كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَرْكَعُواْ مَعَ الرَّكِينَ﴾
[البقرة: ٤٣].
ولقد جاءت الآيات القرآنية الخاصة
بالعهود في جانب العبادات لتؤكد على
العلاقة القوية بين العهود والعبادات التي
شرعها الله تعالى، ومن أوسع المجالات
التي استعمل فيها لفظ العهد، مجال الأمر
بالعبادة في فروعها المتنوعة.
بعد أن يأمر الحق عز وجل عباده بالإيمان
بما أنزل وينهاهم عن كتمان الحق، وكل
ذلك من العهد الذي أخذه علیھم.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفٍ بِمَهْدِكُمْ
وَإِتَنِىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
يأمرهم بالعبادة بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ الَّكِينَ﴾
[البقرة: ٤٣].
وذلك من الوفاء بالعهد الذي طالبهم به،
وخوفهم عاقبة التفريط فيه.
وفي موضع آخر: ﴿وَمَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِ،
مِنَ اَللَّهِّ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَيَعْتُم بِهِ.
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) التَّيِبُونَ
يأتي وصف المؤمنين الذين يفون ببيعهم
-وهو عهد مع الله- يشتمل على عدة
أنواع من العبادة تؤهل صاحبها لنيل رضاء
الله والحصول على الجنة، وفاءً بعهد الله
ووعده(١).
وفي موضع آخر والآيات تعدد صفات
المؤمنين نلاحظ أنه جاء بعد آية العهد
مباشرة أن من صفاتهم المحافظة على
الصلاة.
قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ
وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ
◌ُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٨-٩].
وكأن هذه إشارة إلى أن الصلاة من العهد
فهم يراعونها بالمحافظة عليها، ومثل ذلك
جاءت آية العهد في سورة المعارج حيث
تلتها - بعد آية - آية المحافظة على الصلاة.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِيْنَ هُمْ لِأَمْتَئِهِمْ وَعَهْدِهِمْ
زَعُونَ ) وَالَّذِيْنَ هُمْ يِشَدَاتِم ◌َِّمُونَ وَالَِّينَ هُ عَ
صَلَِّهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٢ -٣٤].
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٨٩/٢.
٥٠٨
فَضْو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

العهد
ثالثًا: الأخلاق:
جاء العهد في القرآن الكريم في مجال
الالتزام بالأخلاق النبيلة والسلوك الحسن،
فكل الآيات التي جاءت مبينة نقض العهد
من قِبَلِ مَنْ أُخِذَ منهم، تدل على اتصاف
أولئك بأسوأ الأخلاق وأقبحها.
قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا
تَّبَذَهُ، فَرِيقٌ مِنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[البقرة: ١٠٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَتْلَنَقَلِيلًا أُوْلَبِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِى
اْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
الْقِيَمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾
[آل عمران: ٧٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ
اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) الَّذِينَ
عَهَدَتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّةِ
وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥-٥٦].
وفي المقابل يصف القرآن الذين يوفون
بالعهد بأحسن الصفات ومکارم الأخلاق.
قال تعالى: ﴿وَالْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ
إِذَا عَهَدُوّاً وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَآءِ
وَحِينَ الْبَأْسُِّ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ
الْمُنَّقُونَ ﴾
[البقرة : ١٧٧].
وقال تعالى: ﴿وَ مَنْ أَوْقَ بِعَهْدِهِ، وَاتَّقَى
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦].
وقال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ
مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى تَحْبَهُ.
وَمِنْهُمْ مَّن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً * لِيَجْزِىَ اللهُ
الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن
شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
[الأحزاب: ٢٣ -٢٤].
رابعًا: العلاقات مع غير المسلمين:
جاء الإسلام ليقوي العلاقة بين الأفراد
والجماعات والأمم والدول بعضها مع
بعض، ويحدد إطارها وسياستها، وبهذا
توثقت بالعهود والمواثيق، لتكون عاملًا من
عوامل النصر وانتشار الإسلام في كل الدول
المعروفة وشرع الإسلام للحاكم المسلم
أن يعقد العهود والمواثيق والاتفاقيات
في السلم والحرب مع الدول الأخرى بما
يحقق مصالح الدولة الإسلامية، ویضمن لها
استقرارها ونفوذها وسلامتها وقد أوجب
الله تعالى الوفاء بتلك العهود والمواثيق
وإتمامها وعدم نقضها، واعتبر نقضها خيانةً
وغدرًا وخداعًا (١).
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ
الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ
عَهَدَثَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّقِ
وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ﴿ فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرْبِ
فَشَرِّدْ بِهِمِ مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَرُونَ﴾
[الأحزاب: ٥٥-٥٧].
(١) انظر: العهد والميثاق في القرآن، ناصر العمر
ص ١٨٦.
www. modoee.com
٥٠٩

حرف العین
توضح هذه الآيات أنه إذا حصل عهد الأمة إذا فاتت تمكن منها عدوها، فلذلك
علق نبذ العهد بتوقع خيانة المعاهدين من
الأعداء (١).
بين دولة الإسلام وأي دولة أخرى وقامت
الدول الأخرى بنقض هذا العهد، فهم عندئذ
أضل من الدواب وجزاؤهم شديد وعقابهم
ألیم، ليكونوا عبرة لغيرهم ونکالا للآخرين.
وفي المقابل إن بلغ الدولةَ المسلمةَ
أن قومًا ممن عاهدوا يريدون الخيانة
ويخططون لها، فلا يجوز للمسلمين أن
ينقضوا العهد فجأة وبدون سابق إنذار،
ما لم يكن هناك من البراهين الظاهرة على
مباشرتهم لنقض عهودهم، وإنما لا بد من
نبذ العهد وإعلامهم بفسحة قبل حربهم
ومناجزتهم احترامًا للعهود.
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةٌ
فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْقَآيِنِينَ﴾
[الأنفال: ٥٨].
قال ابن عاشور في هذه الآية: ((وإنما
رتب نبذ العهد على خوف الخيانة دون
وقوعها؛ لأن شؤون المعاملات السياسية
والحربية تجري على حسب الظنون وأجدى(٢).
ومخائل الأحوال، ولا ينتظر تحقق وقوع
الأمر المظنون لأنه إذا تريث ولاة الأمور
في ذلك يكونون قد عَرَّضوا الأمة للخطر،
أو للتورط في غفلة وضياع مصلحة، ولا
تدار سياسة الأمة بما يدار به القضاء في
الحقوق؛ لأن الحقوق إذا فاتت کانت بليتها
على واحد، وأمكن تدارك فائتها، ومصالح
ومما يدلل على أن الدولة المسلمة
تحترم العهد قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَءَامَنُواْ وَلَمْ
يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ
وَإِنِ أُسْتَصَرُوكُمْ فِ الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا
عَلَى قَوْيُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].
والمعنى: وإن طلب منكم هؤلاء
المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة على
أعدائكم في الدين، فيجب عليكم أن
تنصروهم، لأنهم إخوانكم في العقيدة،
بشرط ألا يكون بينكم وبين هؤلاء الأعداء
عهد ومهادنة، فإنكم في هذه الحالة يحظر
عليكم نصرة هؤلاء المؤمنين الذين لم
يهاجروا؛ لأن في نصرتهم - على من بينكم
وبينهم عهد- نقضا لهذا العهد، فالوفاء
بالعهد أولى وأداء حق الميثاق أحرى
خامسًا: المعاملات:
لقد جاء العهد في القرآن الكريم في إطار
تنظيم التعامل بين الناس لتحل الثقة والأمانة
مكان والخوف والخيانة، ولكي يتضح هذا
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٢/١٠.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي
١٦٨/٦.
٥١٠
جوبي
القرآن الكريم

العهد
الكلام نورد بعض الأمثلة:
قال تعالى: ﴿وَ مَنْ أَوْقَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ
اُللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: ٧٦].
فقد جاءت هذه الآية بعد أن ذكر لنا
سبحانه واقع أهل الكتاب من حيث التعامل
معهم.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ
بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍلًا
يُؤَدِّهِهِ إِلَيْكَ إِلََّ مَادُمْتَ عَلَيْهِ قَآَيِمًا﴾ [آل عمران:
٧٥].
وهذا دليل قوي على أن التعامل
والتقايض نوع من العهود يجب الوفاء
به، وأي خلل في ذلك فهو خيانة ونقض
للعهود، وهذا ما أكد عليه قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾
[المائدة: ١].
ومن المعاملات التي عمل القرآن
الكريم على تنظيمها بين الناس، ولها ارتباط
وثيق بالعهد ما يلي:
١. الزواج والطلاق.
الزواج والطلاق نمط من أنماط التعامل
البشري يحتاج إلى ضمانة قوية تضفي
على طرفي العقد الود والوثام بعيدًا عن
أي محاولة للمكر والخداع، ونلمس قوة
هذا العقد وأهميته في ميزان الإسلام من
خلال هذه الآيات، قال تعالى: ﴿وَإِنّ
أَرَدَّثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَّوَجٍ
وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَثَهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ
شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَننَا وَإِثْمًا تُبِينًا *
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى
بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّبَثَقًّا غَلِيظًا﴾
[النساء: ٢٠ - ٢١].
ففي هاتين الآيتين يتضح اهتمام القرآن
في تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة عند
الزواج وعند الطلاق.
٢. الكيل والميزان.
يجمع الله عز وجل بين الإيفاء بالكيل
والمیزان وبین الوفاء بالعهد مما يؤكد على
العلاقة القوية بين العهود والوفاء بالكيل
والميزان.
قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ اَلْيَقِيمِ إِلَّا
بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ، وَأَوْفُواْ الْكَبْلَ
وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِىٌ وَبِعَهْدٍ
اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]
٣. الأمر بالعدل والنهي عن البغي.
بعدما ذكر الحق تبارك وتعالى العدل
أعقبه بالأمر بالوفاء بالعهد، والتعامل
بین الناس إن لم يصاحبه العدل كان بغيًا
وعدوانًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى
www. modoee.com
٥١١

حرفالعین
عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدٍ
اَللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ
تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩٠- ٩١].
٤ . الأمانة.
تعتبر الأمانة من أهم أشكال التعامل
وأخطرها، ومن هنا نجد العناية بها، فنلاحظ
الجمع بينها وبين رعاية العهد في موضعين
من القرآن، مع أن الآيات السابقة لهذه الآية
في الموضعين واللاحقة كذلك، كل آية منها
استقلت في موضوع واحد، بينما جُمِعًا في
آية واحدة، وهذا لم يأت عبئًا، وحاشا لله
عن ذلك، وإنما للرابط القوي بين معناهما
فالأمانة عهد والعهد أمانة.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ
قال تعالى:
وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ﴾ [المؤمنون: ٨](١).
سادسًا: الجهاد في سبيل الله:
وَرَدَ العهد في مجال الحث على الجهاد
في سبيل الله، وبيانًا لعظم شأنه وعلو مقامه،
وأن التخلف يوم الزحف نقض لعهد الله
وانتهاك لحرماته.
فقد جاء قوله: ﴿وَمَنْ أَوْلَ بِعَهْدِهِ،
مِنَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: ١١١].
بعد قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ
(١) انظر: العهد والميثاق في القرآن، ناصر العمر
ص ١٠٨.
اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم ◌ِأَنَّ
لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُّلُونَ
وَيُقْتَلُونَّ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِ التَّوْرَكَةِ
وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ﴾ [التوبة: ١١١].
والتعبير هنا بالاشتراء كناية لجامع
ما بينهما من الإيجاب والقبول، يؤكده
التصريح بالعهد من الله جل وعلا(٢).
وفي موضع آخر ينعى الله على المنافقين
سوء فعلتهم يوم الأحزاب وفرارهم عن
الجهاد في سبيل الله، مع أنهم قد أعطوا
عهودهم ومواثيقهم ألا يفروا.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَنْهَدُواْ اللَّهَ مِن
قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَذْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ﴾
[الأحزاب: ١٥].
ولكنهم خانوا وغدروا وبئس ما فعلوه.
وفي المقابل يمدح الله تعالى المؤمنين
لصدقهم ولوفائهم بعهودهم وثباتهم في
ساحة الجهاد، وكانت أرواحهم ثمنًا للوفاء
بعهودهم.
قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم
مَّن يَنْتَظِرٌّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
فهاتان صورتان متقابلتان: صورة
المؤمنین بوفائهم وصدقهم مع الله، وصورة
المنافقين بغدرهم وخيانتهم وسوء فعلتهم
وهكذا يبدو شأن الجهاد في سبيل
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢١/٩.
٥١٢
جَوَسُو
القرآن الكَرِيْمِ