النص المفهرس

صفحات 41-60

العلن
باللسان وسره معه، وقيل: هذا أمر بالدعاء طيبا في الرخصة في قصد إظهار الطاعات
في الأحوال كلها (١).
ومن أحكام الآية ما ذكره ابن العربي
من أن الأصل في الأعمال الفرضية الجهر،
والأصل في الأعمال النفلية السر؛ وذلك
لما يتطرق إلى النفل من الرياء والتظاهر
بها في الدنيا، والتفاخر على الأصحاب
بالأعمال، وجبلت قلوب الخلق بالميل
إلى أهل الطاعة، وقد جعل الباري سبحانه
في العبادات ذکرا جهرا وذکرا سرا، بحكمة
بالغة أنشأها بها ورتبها عليها؛ وذلك لما عليه
قلوب الخلق من الاختلاف بين الحالین.
ثم قال: ((أما الذكر بالقراءة في الصلاة
فانقسم حاله إلى سر وجهر، وأما الدعاء
فلم يشرع منه شيء جهرا؛ لا في حالة القيام
ولا في حالة الركوع، ولا في حالة السجود؛
لكن اختلف العلماء في قول قارئ الفاتحة:
(آمين)) هل يسر بها أم يجهر)) (٢).
خامسًا: إعلان أعمال الخير:
أعمال الخير متنوعة تشمل صنوفا كثيرة
من الطاعات والقربات أقوالا وأفعالا،
وذلك مثل: النفقة، والعون، وبذل النصيحة،
وإماطة الأذى عن الطريق وغير ذلك.
وقد ذكر حجة الإسلام الغزالي كلاما
(١) انظر: تفسير السمر قندي ١/ ٥٨٣، تفسير
السمعاني ١١٣/٢.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٤/ ٦.
المختلفة ونحوها، فقال رحمه الله ما
ملخصه: ((اعلم أن في الإسرار للأعمال فائدة
الإخلاص والنجاة من الرياء وفي الإظهار
فائدة الإقتداء وترغيب الناس في الخير
ولكن فيه آفة الرياء، وفي الإظهار أيضا فائدة
ولذلك أثنى الله تعالى على السر والعلانية
فقال: ﴿إِن تُبْدُواْالصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا مِىٌّ وَإِن
تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَّرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَّ
وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاَللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
والإظهار قسمان:
أحدهما: في نفس العمل.
والآخر: التحدث بما عمل.
فالقسم الأول إظهار نفس العمل
كالصدقة في الملأ لترغيب الناس فيها،
وتجري سائر الأعمال هذا المجرى من
الصلاة والصيام والحج والغزو وغيرها (٣).
وقد وردت آيات قرآنية تحث على
أعمال الخير القولية والفعلية، وورد في
السنة النبوية طائفة من الأحاديث تحث على
فعل الخیر، وتمتدح فاعلیه، لا سيما إذا كان
بإخلاص وابتغاء وجه الله تعالى.
والناظر في الآيات الكريمة التي تتحدث
عن أعمال الخير يجد أنها على أنحاء ثلاثة:
الأول: وصف أقوام بعينهم بفعل
(٣) انظر: إحياء علوم الدين ٣١٧/٣.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف العين
الخيرات:
ومن هذا القبيل في كتاب الله تعالى:
قوله تعالى في وصف بعض أهل الكتاب:
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ اَلْآَخِرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ
اُلصَّلِحِينَ (١٤)﴾ [آل عمران: ١١٤].
وهذا وصف لطائفة من أهل الكتاب
بإنهم يبتدرون فعل الخيرات قبل موافاة
المنية لهم، أو يبادرون إلى الطاعات
والأعمال الصالحة، أو يعملون الطاعات
وهم غير متثاقلين أو متباطئين، وذلك بعد
إقرارهم بالله ربًا، وبمحمد صلى الله عليه
وسلم نبيا ورسولًا (١).
ومن دقائق الآية الكريمة أنها أتت عامة
في أهل الكتاب، إلا أنها لا اختصاص
فيها للنصاري؛ لأنها مذكورة بعد قول الله
تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل
عمران: ١١٠ ].
وما بعدها من الآيات وفيها: ﴿ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
الْأَثِيَاءَ بِغَيْرِ حَتّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢].
وهذه الصفات لليهود، وعليه فتناولها
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ١٣٠، تفسير
السمرقندي ١٢٦٥، مفاتيح الغيب، الرازي
٣٠٨/٨.
لليهود أقوى من تناولها للنصارى(٢).
﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَيِمَّةً
وقوله تعالى:
يَهْدُونَ بِأَمَرِنَا وَأَوْحَيْنَاْ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ
وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ وَإِنَاءَ الزَّكَوَةٌ وَكَانُواْ لَنَا
عَبِدِينَ ()﴾ [الأنبياء: ٧٣].
وقوله جل شأنه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ.
وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْبَى وَأَصْلَحْنَا لَّهُ, زَوْجَهُ
إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا
خَشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيَّرَتِ
وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ ﴾ [المؤمنون: ٦١].
وهذه المواضع السابقة جاءت كلها على
سبيل المدح لفاعل الخيرات والمبادر إليها،
وأن فعل الخيرات ينشأ عنه رضوان الله
تعالی وصلاح الحال، ولم تشر الآيات إلى
تخصيص فعل الخير فيها بالسر أو العلن.
الثاني: الأمر بفعل الخير:
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١)﴾ [آل عمران:
١٠٤].
وقال جل شأنه: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ
الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
وهاتان الآيتان فيها الدعوة لفعل الخير
(٢) انظر: دقائق التفسير، ابن تيمية ٣١٣/١.
٣٦٤
جوسين
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

العلن
على جهة العموم، وذلك يشمل السر الإمام أحمد بسنده عن زرٍ عن عبد الله: أن
والعلن.
الثالث: الأمر بالمسارعة أو المسابقة في
الخيرات:
قال تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتّ إِلَى اَللَّهِ
مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ
تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨].
وأيًا كان نوع القربة أو الطاعة التي
يسهم بها المؤمن في فعل الخيرات فإنها
لابد أن تكون النية فيها خالصة لوجه الله
تعالی، سواء فعل الخير علنا أو سرًا، وقد
كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين
يتسابقون في الخيرات، سرًا وجهرًا.
ومن ذلك مسارعة سيدنا أبي بكر
الصديق رضي الله عنه في الخير ببذل نفسه
وماله وأهله في سبيل الله تعالى في رحلة
الهجرة، كما هو معروف في السيرة النبوية،
والإسرار بالكثير من ذلك نظرًا لطبيعة الحال
حينئذٍ.
ومنه مسارعة سيدنا عثمان رضي الله
عنه في الخيرات مرارا في المدينة المنورة
من شراء بئر رومة من اليهودي ووقفها لنفع
المسلمين، وتجهيز جيش العسرة، وغيرها
من المواقف، وهذه أمور وقعت علنًا أمام
الجميع.
ومنه تسابق سيدنا أبي بكر وعمر رضي
الله عنهما في فعل الخيرات، فقد روى
النبي صلی الله عليه وسلم أتاه بين أبي بكرٍ
وعمر وعبدالله يصلي فافتتح النساء فسحلها
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب
أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل فليقرأه على
قراءة ابن أم عبدٍ) ثم تقدم يسأل فجعل النبي
صلی الله عليه وسلم يقول :(سل تعطه سل
تعطه سل تعطه) فقال فيما سأل: اللهم إني
أسألك إيمانًا لا يرتد ونعيمًا لا ينفد ومرافقة
نبيك محمدٍ صلی الله عليه وسلم في أعلى
جنة الخلد قال فأتی عمر رضي الله تعالى
عنه عبد الله لیبشره فوجد أبا بكر رضوان
الله علیه قد سبقه فقال: إن فعلت لقد كنت
سباقًا بالخير(١).
وفي رواية عن ابن مسعود رضي الله عنه
قال: مر بي رسول الله صلی الله عليه وسلم
وأنا أصلي فقال: (سل تعطه يا ابن أم عبدٍ)،
فابتدر أبو بكر وعمر قال عمر: ما بادرني أبو
بکر إلى شيءٍ إلا سبقني إليه أبو بكرٍ، فسألاه
عن قوله فقال: من دعائي الذي لا أكاد أدع
اللهم إني أسألك نعيمًا لا يبيد وقرة عينٍ لا
تنفد ومرافقة النبي صلى الله عليه وسلم
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٤٣٤٠،
٤٥٤/١.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٤٧٠ :
فيه عاصم بن أبي النجود، وهو على ضعفه
حسن الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح،
ورجال الطبرانى غير فرات ابن محبوب وهو
ثقة.
www. modoee.com
٣٦٥

حرفالعین
محمدٍ فى أعلى الجنة جنة الخلد(١). فتسابق يقول: إلا من ظلم فيدعو على ظالمه، فإن
الله جل ثناؤه لا يكره له ذلك، لأنه قد رخص
الصديق وعمر رضوان الله عليهما في فعل
الخيرات أمر مشهور.
له في ذلك، وهذا مروي عن ابن عباس (٣).
سادسًا: إعلان التظلم:
الظلم محرم في جميع الشرائع السماوية،
والمظلوم دعوته عند الله تعالى مستجابة،
كما هو ثابت في السنة النبوية، وقد نهى الله
تعالى في كتابه العزيز عن الجهر بالسوء من
الأقوال إلا للمظلوم فقال جل شأنه:
يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوْءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّ مَنْ ظُلِّ
وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (٥)﴾ [النساء: ١٤٨].
وقد اختلف القراء في الآية وبناء على
اختلافهم في القراءة اختلفوا في تأويلها،
فأكثر قراء الأمصار قرؤوها بضم الظاء:
﴿إِلَّ مَنْ ظُلِمَ﴾، وقرأ بعضهم: ((إلا من ظلم))،
بفتح ((الظاء))(٢).
والذين قرؤوا بالضم وهم الجمهور
اختلفوا في تأويله على أقوال:
القول الأول: أنه لا يحب الله تعالى ذكره
أن يجهر أحدنا بالدعاء على أحد، وذلك
عندهم هو: ((الجهر بالسوء إلا من ظلم))،
القول الثاني: أن المراد بها الرجل ينزل
بالرجل فلا يقريه، فينال من الذي لم يقره.
وهو قول مجاهد وأبي نجيح (٤).
فقد روي عن مجاهد: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ
اُلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوّلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، قال:
هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن إليه، فقد
رخص الله له أن يقول فيه(٥).
القول الثالث: أن المعنى: إلا من ظلم
فانتصر من ظالمه، فإن الله قد أذن له في
ذلك. وهو مروي عن السدي(٦).
وبناء على ما سبق فإن كلمة: ((من))،
على هذه الأقوال التي ذكرناها، سوى قول
ابن عباس، تكون في موضع نصب على
انقطاعه من الأول، والعرب من شأنها أن
تنصب ما بعد((إلا)) في الاستثناء المنقطع.
ویکون معنى الكلام على ذلك: لا يحب
الله الجهر بالسوء من القول، ولكن من ظلم
فلا حرج عليه أن یخبر بما نیل منه، أو ينتصر
ممن ظلمه. أما الذين قرؤوا بالفتح ((ظلم))
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٣٦٦٢،
١٧٨/٦.
وعلق عليه المحقق بأنه صحيح لغيره وهذا
إسناد ضعيف لانقطاعه.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٤٣، معاني
القرآن، النحاس ٣٢٥/٢، المحرر الوجيز،
ابن عطية ٢/ ١٥١.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٤٣، معاني
القرآن، النحاس ٣٢٥/٢.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٦/٩ معاني
القرآن، النحاس ٣٢٥/٢.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٩/٩.
(٦) انظر: المصدر السابق ٣٤٨/٩.
٣٦٦
القرآن الكريم

العلن
فتأولوه: لا يحب الله الجهر بالسوء من من ظلم، فلا حرج عليه أن يخبر بما أسيء
القول، إلا من ظلم فلا بأس أن یجھر له
بالسوء من القول.
فقد روي عن ابن زيد: کان أبي يقرأ:
﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَّهِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ
ظُلِ﴾، قال ابن زيد: يقول: إلا من أقام على
ذلك النفاق، فیجهر له بالسوء حتى ينزع.
قال: وهذه مثل: ﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ ◌ِئْسَ
اُلِأَسْمُ الْفُسُوقُ ﴾، أن تسميه بالفسق
﴿بَعْدَ اَلْإِيَمَنِ﴾، بعد إذ كان مؤمنًا﴿وَمَن
لَّمْ يَتُّبْ﴾، من ذلك العمل الذي قيل له
﴿فَأُوْلَكَ هُ الظَِّمُونَ ﴾، [الحجرات: ١١] قال:
هو شرٌّ ممن قال ذلك.
وتكون: ((من)) على هذا التأويل نصبٌ
لتعلقه بـ((الجهر))، وتأويل الكلام، على قول
قائل هذا القول: لا يحب الله أن يجهر أحد
لأحد من المنافقين بالسوء من القول، إلا
من ظلم منهم فأقام علی نفاقه، فإنه لا بأس
بالجهر له بالسوء من القول.
قال الطبري: ((وأولى القراءتين بالصواب
في ذلك قراءة من قرأ: ((إلا من ظلم)) بضم
((الظاء»، لإجماع الحجة من القرأة وأهل
التأويل على صحتها، وشذوذ قراءة من قرأ
ذلك بالفتح؛ فإذا كان ذلك أولى القراءتين
بالصواب، فالصواب في تأويل ذلك: لا
یحب الله، أيها الناس، أن يجهر أحدٌ لأحد
بالسوء من القول ((إلا من ظلم))، بمعنى: إلا
عليه، وإذا كان ذلك معناه، دخل فيه إخبار
من لم يقر، أو أسيء قراه، أو نيل بظلم، في
نفسه أو ماله، أو یخبر غیره من سائر الناس
بما أصابه ونيل منه، وكذلك دعاؤه على من
ناله بظلم: أن ينصره الله عليه، لأن في دعائه
علیه إعلامًا منه لمن سمع دعاءه عليه بالسوء
له))(١).
(١) جامع البيان ٣٤٩/٩ بتصرف.
www. modoee.com
٣٦٧

حرف العين
صور العلن المذموم
أولًا: إعلان الكفر:
إعلان الكفر له صور متعددة، أولها:
إعلان الكفار عداوتهم للرسول وكفرهم
بدين الله عز وجل ومعارضتهم لدعوة
النبي عليه الصلاة والسلام، والثانية: إعلان
المسلم الكفر إكراهًا واضطرارًا،، والثالثة:
إعلان الكفار مظاهر دينهم والجهر بها.
١. إعلان الكفار عداوتهم للرسول
و کفرهم بدينه.
بين الله سبحانه وتعالى أنه مطلع على
سر الكفار جهرهم، يعلم ما تكن صدورهم
وما يعلنون، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم،
قال تعالى ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِّنُّ صُدُورُهُمْ
وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [النمل: ٧٤].
والمراد بما يخفونه من عداوة الرسول
صلى الله عليه وسلم والحقد علیه، وما
يعلنون من الطعن فيه واللمز (١).
ونهى الله عز وجل النبي صلى الله
عليه وسلم عن طاعة الكفار والمنافقين في
قوله جل شأنه: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِيع
اُلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١].
قال بعض المفسرين: ((﴿وَلَا تُطِعِ اَلْكَفِرِينَ
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ١٠٤.
مَوَسُوعَة النفسية
القرآن الكريم
وَالْمُنَفِقِينَ﴾ مستعملان في طلب الاستمرار
على ما هو ملازم له من تقوى الله، فأشعر
ذلك أن تشریعا عظیما سیلقی إلیه لا يخلو
من حرج عليه فيه وعلى بعض أمته، وأنه
سيلقى مطاعن الكافرين والمنافقين،
وفائدة هذا الأمر والنهي التشهير لهم بأن
النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل أقوالهم
لبيأسوا من ذلك لأنهم كانوا يدبرون مع
المشركين المكايد ويظهرون أنهم ينصحون
النبي صلى الله عليه وسلم ويلحون عليه
بالطلبات نصحا تظاهرا بالإسلام.
والمراد بالكافرين المجاهرون بالكفر
لأنه قوبل بالمنافقين، فيجوز أن يكونوا
المشركين كما هو غالب إطلاق هذا
الوصف في القرآن))(٢).
وفي موضع آخر يقول المولى عز وجل:
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَحَهِدْهُم بِهِ.
جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ [الفرقان: ٥٢].
وهي صريحة في النهي عن طاعة الكفار
ووجوب مجاهدتهم.
٢. إعلان المسلم الكفر إكراهًا
واضطرارًا.
لم يختلف أحد من الفقهاء أنه يجوز
إعلان الكفر أو الجهر به إذا ألجئ المرء
إلی ذلك كما في قصة عمار بن ياسر وما
نزل بشأنها في سورة النحل، ولا يترتب
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ٢٥١.
٣٦٨

العلن
على الكفر إكراها أي أثر شرعي من نحو لم يتقدم، والكافر أو المرتد هو الذي جرى
فراق الزوج، ومنع الإرث ونحو ذلك من
الأحکام، لأن الإكراه لا أثر له في ذلك ما
دام القلب مطمئنا بالإيمان(١).
قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ
بَعْدٍ إِيمَنِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنٌّ
بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ
غَضَبُّ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
﴾ [النحل: ١٠٦].
١٠٦
قال الإمام الشافعي: (فلو أن رجلا أسره
العدو، فأكره على الكفر لم تبن منه امرأته،
ولم یحکم عليه بشيء من حكم المرتد قد
أكره بعض من أسلم في عهد النبي صلى
الله عليه وسلم على الكفر، فقاله؛ ثم جاء
إلى النبي صلی الله عليه وسلم، فذكر له ما
عذب به فنزلت هذه الآية، ولم يأمره النبي
صلی الله عليه وسلم باجتناب زوجته، ولا
بشيء مما على المرتد))(٢).
وقال ابن العربي: «هذه الآية نزلت في
المرتدین، وقد تقدم ذکر بعض من أحکام
الردة في سورة المائدة، وبینا أن الكفر بالله
کبیرة محبطة للعمل، سواء تقدمها إیمان أو
(١) انظر: أحكام القرآن، الشافعي ١/ ١٧٧، جامع
البيان، الطبري ٣٠٣/١٧، أحكام القرآن،
الجصاص ٢٩٠/٢، الجامع لأحكام القرآن،
القرطبي ١٠/ ١٨٠، مفاتيح الغيب، الرازي
٢٧٨/٢٠.
(٢) أحكام القرآن، الشافعي ١/ ١٧٧.
بالكفر لسانه، مخبراً عما انشرح به من الكفر
صدره، فعليه من الله الغضب، وله العذاب
الأليم، إلا من أكره، وهي: المسألة الثانية:
فذكر استثناء من تكلم بالكفر بلسانه عن
إكراه، ولم يعقد على ذلك قلبه، فإنه خارج
عن هذا الحكم، معذور في الدنيا، مغفور في
الأخرى)» (٣).
هذا ولم يقل أحد بوجوب التلفظ بكلمة
الکفر أو إظهاره عند الإکراه علیه، بل الأمر
لا یعدو کونه رخصة من شاء أخذ بها ومن
شاء ثبت على موقفه حتى لو قتل.
قال الرازي: ((أجمعوا على أنه لا يجب
علیه التكلم بكلمة الكفر»(٤).
وقال الجصاص نقلًا عن أصحابه
الحنفية: ((من أكره على الكفر فلم يفعل
حتى قتل أنه أفضل ممن أظهر الكفر، وقد
أخذ المشركون خبيب بن عدي فلم يعط
التقية حتى قتل فكان عند المسلمين أفضل
من عمار بن ياسر حين أعطى التقية وأظهر
الكفر، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم
عن ذلك فقال: (كيف وجدت قلبك؟) قال:
مطمئنًا بالإيمان فقال صلى الله عليه وسلم:
(وإن عادوا فعد)، وكان ذلك على وجه
الترخيص)) (٥).
(٣) أحكام القرآن، ابن العربي ٢٠٦/٥.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧٨/٢٠.
(٥) أحكام القرآن، الجصاص ٢/ ٢٩٠.
www. modoee.com
٣٦٩

حرف العين
والأدلة على ذلك ما يلي:
الدليل الأول: ما تواتر ذكره في السيرة
النبوية والسنة المطهرة من أن سيدنا بلال بن
رباح صبر على ذلك العذاب، وکان يقول:
((أحد أحد»، ولم يقل له رسول الله صلى
الله عليه وسلم بئس ما صنعت بل عظمه
عليه، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم
بكلمة الكفر.
الدليل الثاني: ما روى عبد الرزاق عن
معمرٍ، قال: سمعت أن مسيلمة أخذ رجلین
من أهل الإسلام، فقال لأحدهما: أتشهد أن
محمداً رسول الله؟، قال: نعم، و كان مسيلمة
لا ینکر أن محمداً رسول الله، ويقول: هو
نبيٌّ، وأنا نبيٌّ، قال: فقال: أتشهد أن محمدًا
رسول الله؟، قال: نعم، قال: أتشهد أن
مسيلمة رسول الله؟، قال: نعم، فتركه،
ثم جيء بالآخر، فقال: أتشهد أن محمدًا
رسول الله؟، قال: نعم، قال: أتشهد أن
مسيلمة رسول الله؟، فقال: إني أصم، فقال:
أسمعوه، فقال: مثل مقالته الأولى، فقال: إذا
ذكروا لك محمدًا سمعت، وإذا ذكروا لك
مسيلمة، قلت: إني أصم! اضربوا عنقه، قال:
فضربوا عنقه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه
وسلم، فقال: (أما هذا فقد مضى على يقينٍ،
وأما الآخر فأخذ بالرخصة)(١).
وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين
(١) تفسير الصنعاني ٣٦٢/٢.
كما ذكرهما الرازي:
الأول: أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر
رخصة.
والثاني: أنه عظم حال من أمسك عنه
حتى قتل (٢).
الدليل الثالث من المعقول: أن بذل
النفس في تقرير الحق أشق، فوجب أن
یکون أکثر ثوابًا.
الدليل الرابع من المعقول أيضًا: أن الذي
أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن
الكفر، أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر
عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك
الكلمة الخبيثة، فوجب أن یکون حال الأول
أفضل(٣).
٣. إعلان الكفار شعائر دينهم
ومظاهر كفرهم.
اتفق الفقهاء على إقرار أهل الكتاب
وغيرهم بديار الإسلام مقابل الجزية،
وانقيادهم لحكم الإسلام في غير العبادات
من حقوق الآدميين في المعاملات وغرامة
المتلفات، وكذا ما يعتقدون تحریمه، کالزنا
والسرقة دون ما لا يعتقدون تحریمه، کشرب
الخمر ونكاح المجوس ونحو ذلك (٤).
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧٨/٢٠ بتصرف
يسير.
(٣) المصدر السابق ٢٠/ ٢٧٨ بتصرف يسير.
(٤) انظر: بداية المجتهد، ابن رشد ٣٧٨/٢، تبيين
الحقائق، الزيلعي ٤ / ١٥٧.
٣٧٠
جوببيو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

العلن
ونقل عن غير واحد من فقهاء السلف الكتاب بالشروط التي وضعها سيدنا عمر
بن الخطاب (٢).
وغيرهم أنه لا ينبغي للكفار أو أهل الكتاب
من اليهود والنصارى أن يظهروا شعائرهم
بديار المسلمين، كمثل ضرب الناقوس،
أو إظهار عبادة المسيح أو العزير، والآثار
والنصوص الواردة في ذلك كثيرة، أورد
منها:
ما روي عن عكرمة قال: قيل لابن عباسٍ
رضي الله عنه: أللعجم ان يحدثوا في أمصار
المسلمين بناءً أو بيعةً؟ فقال: ((أما مصرٍ
مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بناءً،
أو قال: بیعةً، ولا یضربوا فیه ناقوسًا، ولا
یشربوا فیه خمرًا، ولا يتخذوا فيه خنزيرًا،
أو يدخلوا فيه، وأما مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ العجم
يفتحه الله على العرب ونزلوا، يعني على
حکمهم فللعجم ما في عهدهم، وللعجم
على العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم
فوق طاقتهم)) (١).
وقد استدل به ابن القيم في في غير
موضع من كتابه أحكام أهل الذمة، وذكر
أنه المروي عن الإمام أحمد بن حنبل
حين استفتاه الخليفة المتوكل لما ألزم أهل
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١٠٠٠٢،
٦/ ٦٠، كتاب أهل الكتابين، باب هدم
كنائسهم وهل يضربون بناقوس، وابن أبي
شيبة، رقم ٣٣٦٥٣، ٣٤٢/١٢-٣٤٣ في
كتاب السير، باب ما قالوا في هدم البيع
والكنائس وبيوت النار.
وضعفه الألباني في إرواء الغليل ٥/ ١٠٤.
ما روي عن میمون بن مهران قال: کتب
عمر بن عبد العزيز: أن يمنع النصارى في
الشام أن يضربوا ناقوسًا، ولا يرفعوا صليبهم
فوق كنائسهم(٣).
ومن نصوص الفقهاء ما قاله الشافعي:
((واشترط عليهم ألا يسمعوا المسلمين
شرکهم، ولا یسمعوهم ضرب ناقوس، فإن
فعلوا ذلك عزروا)) (٤)
.
وقال ابن القيم: ((وقد أبطل الله تعالى
الأذان ناقوس النصارى، وبوق اليهود،
فإنه - أي: الأذان - دعوةٌ إلى الله تعالى
وتوحيده، وعبوديته، ورفع الصوت به
إعلاءٌ لكلمة الإسلام، وإظهار لدعوة الحق،
وإخماد لدعوة الكفر)»(٥).
وقال المواق: ((ويمنع من إظهار معتقده
في المسيح أو غيره، مما لا ضررفيه على
المسلمين، لا ما فيه ضرر عليهم، كتغيير
(٢) أحكام أهل الذمة، ابن القيم ١١٨١/٣،
١١٩٥/٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم
١٠٠٠٤، ٦ / ٦١ كتاب أهل الكتابين، باب
هدم كنائسهم وهل يضربون بناقوس ورقم
١٩٢٣٥، ٣٢١/١٠ كتاب أهل الكتابين،
باب هل تهدم كنائسهم وما يمنعوا، وإسناده
صحيح.
(٤) الأم، الشافعي ٤ /٢٠٦.
(٥) أحكام أهل الذمة، ابن القيم ١٢٣٩/٣.
www. modoee.com
٣٧١

حرف العين
معتقدهم، فینتقض عهده بإظهاره))(١).
وقال في فتح العلي المالك: ((یجب على
من بسط الله تعالی یده بالحكم وولاه أمر
المسلمين وأهل الذمة أن يمنعهم من كل
ذکر، إذ فيه تعظيم لأعداء الله تعالى ورسوله
والمسلمين، وإظهار لشوكتهم وتقوية لهم
علی المسلمین، وأن يلزمهم بإظهار کل ما
فيه مذلةٌ لهم وإخفاء أفراحهم وأعيادهم
وجنائزهم وعقائدهم وسائر أمور دينهم،
وأجره في ذلك على الله والمسلم الذي
يقصد تعظيم غير المسلمين، إن كان لغرضٍ
دنیويٍ فهو آثم فاسق تجب عليه التوبة فورا،
وإن كان لرفع دينهم فهو مرتد يستتاب
ثلاثا، فإن تاب وإلا قتل))(٢).
وفي مغني المحتاج: ((ويمنع الكافر من
إسماع المسلمين قولا شركا، كقولهم: الله
ثالث ثلاثة، واعتقادهم في عزير والمسيح،
ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس وعيد،
ومن إظهار قراءتهم التوراة والإنجيل، ولو
في كنائسهم، لما في ذلك من المفاسد
وإظهار شعائر الكفر، فإن أظهروا شيئا من
ذلك عزروا))(٣).
وقال البهوتي: ((ويمنعون من إظهار منكر
(١) جواهر الإكليل، تلآبي الأزهري ٢٦٨/١.
(٢) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب
مالك، الشيخ عليش ٣٩٣/١، حاشية
العدوي على كفاية الطالب الرباني ١٤٨/٣.
(٣) مغني المحتاج، الشربيني ١/ ٣٩٣.
کنكاح المحارم، ومن إظهار ضرب ناقوس،
ورفع صوتهم بکتابھم أو صوتھم علی میت،
وإظهار عيد وصليب)) (٤).
وبناء على ما سبق، فإنه لا ينبغي أن
يمكن الكفار من إظهار شعائر كفرهم أمام
المسلمين وفي ديار المسلمين التي تسري
عليهم فيها أحكام الإسلام، وينبغي أن
يسعى ولاة الأمر في بلاد المسلمين إلى منع
ذلك.
ثانيًا: إعلان موالاة الكافرين:
نهى الله سبحانه وتعالى في غير موضع
من القرآن عن موالاة الكافرين أو اتخاذهم
أولياء من دون المؤمنين، نظرًا لعلو مكانة
المسلم على غير المسلم، واستثنى من ذلك
حالات معينة.
ففي موطن النهي عن اتخاذ الكفار أولياء
إلا في حالة التقية.
قال الله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ
اَلْكَفِينَ أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌّ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ
ثُقَنَةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
(٨)﴾ [آل عمران: ٢٨].
والتقاة فسرت بتفسيرين كما ذكرهما ابن
العربي: أحدهما: إلا أن تخافوا منهم، فإن
خفتم منهم فساعدوهم ووالوهم وقولوا ما
(٤) كشاف القناع، البهوتي ١٣٣/٣.
٣٧٢
القرآن الكريم

العلن
یصرف عنکم من شرهم وأذاهم بظاهر منکم
لا باعتقاد؛ يبين ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنٌّ بِالْإِيمَنِ﴾ على ما
يأتي بيانه إن شاء الله، والثاني: أن المراد
به إلا أن يكون بينكم وبينه قرابة فصلوها
بالعطية (١).
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما
في قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ
مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ﴾، قال: ((نهى الله سبحانه
المؤمنين أن يلاطفوا الكفار أو يتخذوهم
وليجةً من دون المؤمنين، إلا أن يكون
الكفار عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم
اللطف، ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله:
وَإِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾ (٢).
وروي عن مجاهد في قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ
الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ﴾ إلا
مصانعةً في الدنيا ومخالقة (٣) (٤).
وعليه فلا يجوز اتخاذ الكفار أولياء أو
إظهار موالاتاهم إلا في حالة التقية، كما
قال الجصاص: ((قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَتَّقُوا
مِنْهُمْ تُقَنَةٌ ﴾ إلا أن تكون بينه وبينه قرابة
فيصله لذلك فجعل التقية صلة لقرابة الكافر
(١) أحكام القرآن، ابن العربي ٢ / ٥٦.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣١٣/٦،٦٨٥٣.
(٣) خالق الناس يخالقهم مخالقة: عاشرهم على
أخلاقهم، مثل: (تخلق) أي: تصنع وتجمل
و تحسن.
انظر: لسان العرب، ابن منظور ٨٥/١٠.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٣/٦.
وقد اقتضت الآية جواز إظهار الكفر عند
التقية، وهو نظير قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ
بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ.
مُظْمَيْنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠].
وإعطاء التقية في مثل ذلك إنما هو
رخصة من الله تعالى وليس بواجب بل ترك
التقية أفضل»(٥).
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآية
أقوالا فروي عن ابن عباس رضي الله عنه:
کان الحجاج بن عمرو بن أبي الحقیق وقیس
بن زيد يظنون بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن
دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن
جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا
هؤلاء اليهود لا يفتنونکم عن دینکم، فأبی
أولئك النفر إلا مباطنتهم فنزلت.
وقال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي
بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار
مکة.
وفي موطن آخر بين سبحانه وتعالى أن
اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين لا
يحقق للمسلم عزة ولا ارتفاعًا، فإن العزة
تبتغى فيما عند الله تعالى فقال جل شأنه:
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ
الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ
جَمِيعًا
﴾ [النساء: ١٣٩].
وجاء النهي عن اتخاذ الكفار أولياء في
(٥) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٢٩٠/٢.
www. modoee.com
٣٧٣

حرف العين
موضع آخر صريحًا فقال تعالى: ﴿یَأَيُّهَا
اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءُ مِن
دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَّجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ
سُلْطَئِنَّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤].
ثالثًا: إعلان المعاصي:
أمر الله تعالى عباده بطاعته، ونهاهم عن
معصيته، ورتب على فعل المعاصي إنما
تختلف درجته بحسب درجة المعصية،
والمعصية آثارها على المرء وخيمة في
الدنيا والآخرة، بحسب درجتها، ومما حذر
منه الشرع في المعصية الجهر بالمعصية،
فهذا إثم آخر يكتسبه المرء بالإضافة إلى
فعل المعصية نفسها.
وقد حذرت السنة النبوية من المجاهرة
بالمعصية لما في ذلك من تجرؤ على شرع
الله تعالى، وإفساح المجال انتشار المعاصي
وذيوعها بين الناس، فقد روى البخاري
بسنده عن أبي هريرة قال سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل أمتى
معافى إلا المجاهرين، وإن من المجانة أن
يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد
ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا
و کذا، وقد بات يستره ربه ويصبح یکشف
ستر الله عنه) (١).
ورواه مسلم بلفظ منصوص فيه على
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب ستر المؤمن على نفسه، رقم ٦٠٦٩.
((الإجهار)) فقد أخرج بسنده عن زهير بن
حرب وغيره بلفظ: (كل أمتى معافاةٌ إلا
المجاهرين وإن من الإجهار أن يعمل العبد
بالليل عملا ثم يصبح قد ستره ربه فيقول:
يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا وقد
بات يستره ربه فيبيت يستره ربه ويصبح
یکشف ستر الله عنه). قال زهیرٌ: (وإن من
الهجار)(٢)، والمراد بالمعافاة في الحديث
في لفظ: ((معافى)) ((معافاة)»: دفاع الله تعالى
عن العبد يوم القيامة، أو العفو عن ذنبه
والمؤاخذة به، ولفظ: الجهار من أجهر
((وجهر))، ولفظ: الهجار هي لغة من الإهجار
وهو الفحش والكلام الذي لا ينبغي (٣).
ويستحق المجاهر بالمعاصي أن يعامل
بالأمور الآتية:
١. المجاهر بالمعصية لا حرمة في سوء
الظن به.
أمرنا الله تعالی باجتناب كثير من الظن،
وبين لنا تعالى في سورة الحجرات أن بعض
الظن إثم فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا
مِنَ الَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَِّنِّ إِنْرٌ وَلَا تَّهْتَّسُواْ وَلَا يَغْتَب
بَعْضُّكُمْ بَعْضَا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق باب النهي عن هتك الإنسان ستر
نفسه، رقم ٧٦٧٦.
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم، النووي ١١٩/١٨،
فتح الباري، ابن حجر ١٠٤٨٦، الديباج على
صحيح مسلم، السيوطي ٦/ ٢٩٥.
٣٧٤
جَوَُّور
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

العلن
أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِ هْتُمُوَةً وَأَنَّقُواْ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ
﴾ [الحجرات: ١٢].
فهل المجاهر بالمعصية يجوز أن يساء
الظن به أم لا ؟ ذكر بعض المفسرين أن أهل
السوء والفسق المجاهرون بذلك لنا أن نظن
فيهم مثل الذي يظهر منهم (١).
وقال بعض العلماء: ((سوء ظن
بالمسلمین، وهو ليس بجائز ودفع أن ذلك
عند الخصوص وأما على وجه العموم
فجائز، أقول: سوء الظن المحرم إما بمجرد
الوهم أو الشك، وأما المجاهرون وكذا
الذین دل على سوء حالهم الدلیل، ولو ظنا
غالبا فليس بمحرم بل من قبيل البغض في
الله المأمور به»(٢).
٢. إظهار أمر أهل المعاصي ليحذر
الناس منهم.
ذكر بعض العلماء أنه يجب على الإمام
إذا رأى قومًا يجاهرون بالعصيان بحيث
اشتھروا بذلك، أن یشھر أمرهم بین الناس
تنكيلا بهم، وحتى يحذرهم الناس، قال
المهلب فيما نقله عنه ابن بطال: ((إخراج
أهل الريب والمعاصي من دورهم بعد
المعرفة بهم واجب على الإمام من أجل
تأذي من جاورهم، ومن أجل مجاهرتهم
بالعصيان، وإذا لم يعرفوا بأعيانهم فلا يلزم
(١) لباب التأويل، الخازن ٢٨٨/٦.
(٢) بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية
وشريعة نبوية، الخادمي ٣/ ٤٥٩.
البحث عن أمرهم؛ لأنه من التجسس الذى
نھی الله عنه، ولیس للسلطان أن يرفع ستر
اختفائهم حتی یعلنوا إعلانًا يعرفون به لقوله
صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: (كل
عبادی معافون إلا المجاهرين) (٣) فحينئذ
يجب على السلطان تعییره والنكال به، كما
صنع عمر بأخت أبى بكر حين ناحت)) (٤).
٣. مؤاخذة المجاهرين بالمعاصي في
ما يتعلق بحقوق الناس.
إذا فعل امرؤ معصية في حق آخر وستره
الله تعالی، ولکن جھر بها بعد ذلك، فحينئذ
ينبغي أن يؤاخذ به، ولا یعفی عنه، کما لو
ضربه أو قذفه أو سرق ماله ونحو ذلك، فإن
العاصي إذا أقر بذلك أو أعلنه أمام الناس
فينبغي أن يعاقبه الحاكم بما يناسب جرمه
في حق غيره، كما قال الشيخ إسماعيل
حقي: ((المجاهرون بالمعاصي لا يعافون
بل يؤخذون في الدنيا إن كانت مما يتعلق
بالحدود وأما في الآخرة فمطلقًا)) (٥).
٤. المجاهر بمعصيته تجوز الخطبة
على خطبته ولا حرمة له.
المعروف في الشرع أنه لا يجوز للإنسان
أن يخطب على خطبة أخيه حتى يذر
الخاطب الأول مخطوبته، فقد ورد في السنة
عن ابن عمر -رضى الله عنهما- کان يقول:
(٣) سبق تخريجه.
(٤) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٢٨٨/٨.
(٥) روح البيان، إسماعيل حقي ٤ /١٠٤.
www. modoee.com
٣٧٥

حرفالعین
(نھی النبى صلی الله عليه وسلم أن يبيع
بعضكم على بيع بعضٍ، ولا يخطب الرجل
على خطبة أخيه، حتی یترك الخاطب قبله،
أو يأذن له الخاطب)(١).
ولكن ذكر بعض العلماء أنه إذا كان
الخاطب الأول فاسقًا أو عاصيا، أو مجاهرا
بمعصيته فإنه لا حرمة في أن يخطب
علی خطبته من هو أفضل منه وأصلح(٢)،
فالمعصية الظاهرة أو المجاهرة بها أسقطت
حق صاحبها في هذا الأمر.
رابعًا: الفواحش القولية والفعلية:
حرم الله تعالى الفواحش بكل أنواعها،
خفية كانت أو ظاهرة، قولية أو فعلية، فقال
تعالى في معرض ذكر بعض المعاصي
المحرم اتيانها: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
وَالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْنُلُواْ أَوْلَدَكُم
مِنْ إِمَّلَقِّ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌّ وَلَا
تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
[الأنعام: ١٥١].
وقال جل شأنه مبينًا تحريم الفواحش
الظاهرة والباطنة: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيِ الْفَوَحِشَ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح
باب لا يخطب على خطبة أخيه، حتى ينكح
أو يدع، رقم ٥١٤٢.
(٢) وهو المذهب عند المالكية كما في: الذخيرة،
القرافي ٤ /١٩٨ كفاية الطالب الرباني، ابن
خلف المنوفي ٦٥/٢.
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطْنَ وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ
تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَنَّا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ
مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
فتضمنت الآية الأولى نهيا صريحا
عن إتيان تلك المحرمات، وفيما يخص
الفواحش جاء النهي صريحا عن الاقتراب
منها، وتضمنت الآية الثانية خبرًا في صورة
النهي عن إتيان الفواحش ما ظهر منها وما
بطن.
وذكر المفسرون تأويلات عدة في
المقصود بما ظهر منها وما بطن في
الموضعين، فذكر الماوردي على سبيل
المثال خمسة وجوه في آية الأنعام، ووجهان
في آية الأعراف(٣)، وذكر ابن الجوزي ستة
وجوه في آية الأعراف (٤).
ونظرا لاشتراك بعض هذه الأقوال فقد
تحصل لدي ثمانية أقوال من كلا الموضعين
على النحو التالي:
القول الأول: أن المراد بما ظهر منها الزنا
علنا، وما بطن الزنا سرًا. وهو مروي عن ابن
عباس وبه قال سعيد بن جبير.
قال الطبري: ((﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ
اَلْفَوَِشَ﴾ يعني: الزنا ﴿مَا ظَهَرَ﴾ يعني:
العلانية، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ في السر وكانوا
يتكرمون عن الزنا في العلانية، ويفعلونه في
(٣) النكت والعيون ٢١٩/٢١٨٦/٢.
(٤) زاد المسير ٢/ ١٩٠-١٩١.
٣٧٦
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

العلن
السر(١).
الأمهات، ﴿
سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله
عنهما وبه قال علي بن الحسين.
القول الثالث: أن ﴿مَاظَهَرَ﴾ نكاح الأبناء
نساء الآباء والجمع بين الأختين وأن تنكح
المرأة على عمتها أو خالتها، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾
الزنا، وهو مروي عن ابن عباس أيضا.
القول الرابع: أن ﴿مَاظَهَرَ﴾ الزنا، ﴿وَمَا
بَطَنَ﴾ العزل. قاله القاضي شريح.
القول الخامس: أن ﴿مَاظَهَرَ﴾ طواف
الجاهلية عراة، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا. قاله
مجاهد.
شرب الخمر، ﴿ومابطنَ﴾ الزنا. وهو قول
الضحاك.
القول السابع: أن ﴿مَا ظَهَرَمِنْهَا﴾:
نكاح ذوات الحوانيت، ﴿وَمَابَطْنَ﴾: ذوات
الاستسرار، قاله ابن عباس، والحسن
البصري، والسدي.
القول الثامن: أنه عام في جميع المعاصي
وهذا قول قتادة، ثم في ﴿مَاظَهَرَمِنْهَا وَمَا
بطنَ﴾ قولان:
أحدهما: أن الظاهر العلانية والباطن
السر قاله أبو سليمان الدمشقي.
(١) جامع البيان ٣٨٩/١.
والثاني: أن ﴿مَاظَهَرَ﴾ أفعال الجوارح
والباطن اعتقاد القلوب قاله الماوردي (٢).
القول الثاني: أن ﴿مَاظَهَرَ﴾ نكاح
الزنا. وهذا رواه
﴿وَمَا بَطَنَ ﴾
وعلى جهة الإجمال فإن الفواحش
يحرم إتيانها سرا أو جهرًا، ويحرم الجهر
بها أمام الناس إذا ابتلي المرء بإتیانها، وما
أجمل ما ذكره ابن العربي على جهة العموم
في تفسيرها بقوله: ((إن كل فاحشة ظاهرة
للأعین، أو ظاهرة بالأدلة، کما ورد النص فیه
أو وقع الإجماع علیه، أو قام الدليل الجلي
به، فينطلق عليها اسم الظاهرة، والباطنة كل
ما خفي عن الأعين، ويقصد به الاستتار عن
الخلق؛ أو خفي بالدليل؛ كتحريم نكاح
المتعة والنبيذ على أحد القولين ونحو ذلك
في الصنفين؛ فإن النبيذ وإن كان مختلفا
القول السادس: أن ﴿مَاظَهَرَ﴾ منها فيه فإن تحريمه جلي في الدليل، قوي في
التأويل))(٣).
وفي الحديث الصحيح عن عمرو بن
مرة عن أبي وائلٍ عن عبد الله رضى الله
عنه قال: قلت أنت سمعت هذا من عبد الله
قال: نعم، ورفعه قال: (لا أحد أغير من الله،
فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن،
ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، فلذلك
مدح نفسه)(٤).
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١٩٠/٣ -
١٩١.
(٣) أحكام القرآن، ابن العربي ٤ / ٤.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
سورة الأنعام، باب (ولا تقربوا الفواحش)،
www. modoee.com
٣٧٧

حرف العين
وفي موطن ثالث في قصة الإفك تجد
الوعيد الشديد في انتظار من يحب إشاعة
الفواحش والجهر بها بين المؤمنين نظرًا لما
يترتب على إشاعتها من فساد في المجتمع،
فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ
الْفَحِشَةُ فِ اُلَِّينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمُ فِ
الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[النور: ١٩].
والآية نزلت في واقعة الإفك المعروفة
التي نال فيها المنافقون من السيدة عائشة
رضي الله عنها، وكان غرضهم الخبيث
التشهير بها فأنزل الله تعالى براءتها من فوق
سبع سماوات في آيات تتلى إلى يوم القيامة.
والمقصود بحب إشاعة الفاحشة: حب
ظهور الزنا وإذاعته كما ذكره غير واحد من
المفسرين (١).
المفسرين أن الله سبحانه لما بين ما على
أهل الإفك وما على من سمع منهم، وما
ينبغي أن يتمسكوا به من آداب الدين أتبعه
بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ﴾
رقم ٤٦٣٧، ومسلم في صحيحه، كتاب
التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم
الفواحش، رقم ٢٧٦٠.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٤/١٩،
تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٥٠، زاد المسير،
ابن الجوزي ٢٢/٦، معالم التنزيل، البغوي
٢٥/٦، مفاتيح الغيب، الرازي ١٤٨/٢٣،
أحكام القرآن، الجصاص ١٦٣/٥.
ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا
الذم كما شارك فيه من فعله ومن لم ینکره،
وليعلم أن أهل الأفك كما عليهم العقوبة
فيما أظهروه، فكذلك يستحقون العقاب
بما أسروه من محبة إشاعة الفاحشة في
المؤمنین، وذلك يدل على وجوب سلامة
القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح
والقول عما يضربهم (٢).
ولو رجعنا إلى السنة النبوية لوجدنا
الكثير من النصوص التي تبين ضرورة
حماية المجتمع من نشر الفاحشة بالقول
والفعل، وتبين لزوم سلامة المسلم من
لسان غيره ويده، وتحذر من تتبع عورات
الناس وإفضاح أمورهم، وكشف سرائرهم،
ومن ذلك:
ما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو
والمقصود في الآية كما ذكره بعض رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من
لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله
عنه)(٣).
وما روي عن ابن عمر قال: (صعد رسول
الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤٨/٢٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الوحي، باب المسلم من سلم المسلمون من
لسان ويده، رقم ١٠، ومسلم في صحيحه،
كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأى
أموره أفضل، رقم ٧٠١.
٣٧٨
جوبيـ
القرآن الكريم

العلن
بصوتٍ رفيعٍ فقال: (يا معشر من قد أسلم وبعض أتباعهم من الداخل في العمل على
نشر الفواحش بشتى الطرق والوسائل،
من إنتاج أعمال يسمونها فنية ((كالأفلام
والمسرحيات والمسلسلات)» التي تقدم
عربًا وفحشًا، وتبث سموما من الفجور
والإباحية في المجتمع، وتقتحم على الناس
بيوتها في أجهزة الإعلام المختلفة.
بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا
المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم
فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله
عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو فى
جوف رحله) قال: ونظر ابن عمر يومًا إلى
البيت أو إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم
حرمتك والمؤمن أعظم حرمةٌ عند الله
منك)(١).
رأينا كيف أن هذه الآية الكريمة نزلت
في واقعة معينة، وهي واقعة الإفك، وكيف
أن إشاعة الفواحش في العرب قديما كانت
تقتصر غالبا على إشاعة الزنا، وشرب
الخمر، ولعب الميسر ونحوها، ويمكن
القول إن الآية وإن كانت واردة في واقعة
خاصة إلا أنه يمكن تعميم حكمها على
كل الفواحش القولية والفعلية، وذلك لأن
المجتمع المسلم یتأذی من کل ما یشینه قولا
وعملا، سواء أكان في النفس أم في العرض
أم في غير ذلك.
وفي العصر الحاضر تعددت وسائل
نشر الفواحش وإشاعاتها في المجتمعات
المختلفة، وتفنن أعداء الأمة من الخارج،
(١) أخرجه أحمد في مسنده رقم ١٩٧٩١،
٤/ ٢٢٠، وأبو داود في سننه، كتاب، باب في
الغيبة، رقم ٤٨٨٢.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
١٢٤٨/٧، رقم ٣٤٢٠.
ووجدت الصحف والمجلات والجرائد
المختلفة التي تنشر صورا فاضحة، أو
دعایات فجة تشتمل على إساءات واضحة،
تؤذي السمع والبصر، بل وتخصصت بعض
هذه الوسائل في الإباحية، وما يسمونها
في بعض الصحف أو الجرائد ((صفحة
الحوادث)» يتفشى في كتابها ومحرريها - إلا
من رحم ربي - مرض حب التضخيم من
الحادثة ونشر تفاصيل الجريمة على العرض
أو على النفس وصفا يسيء لمشاعر القارئ
والمشاهد، وصفا تشعر معه وأنت تقرأ
الواقعة كما لو أن المحرر أو كاتب الخبر
کان مع المجرم حین تنفيذ جريمته، وهذا لا
يصب في مصلحة المجتمع بقدر ما يضره.
ومع تطور التقنية ووسائل الاتصال
والمواقع الإليكترونية ((شبكة الإنترنت)»
يبتلى المجتمع بوجود المئات من المواقع
الإباحية المفتوحة على شبكات التواصل
الإجتماعية ((الفيس بوك)) ونحوها، وعلى
الشبكة العنكبوتية (الإنترنت))، ویتم تبادل
www. modoee.com
٣٧٩

حرف العين
معلومات وعناوين هذه المواقع، أو إرسالها كف الجوارح والقول عما يضر بهم))(١).
وقال الرازي: ((لا شك أن ظاهر قوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ [النور: ١٩].
إلى عناوين أناس معينين أو مجهولين،
مما نشر الفساد والفحش في المجتمعات
الغربية، وبعض المجتمعات الإسلامية
بصورة لا ینکر وجودها أحد.
وكل ما سبق ذكره يؤدي إلى الإضرار
بالمجتمع في جوانب مختلفة أخلاقيا
واجتماعيا وثقافيا واقتصاديًا، حيث يفسد
أجيالا من أبناء الأمة، ویولد عندهم حب
الرذيلة، وإلف المعصية، وينشر الجريمة،
ويسهل الطرق إلى ارتكاب الفاحشة.
وهذا كله يحتاج إلى وقفة حاسمة من
المجتمع المسلم عامة، ومن القائمين على
أمور المسلمين خاصة في المجتمعات
الإسلامية، وقفة تحمي المجتمع من هذه
الموبقات، وتطهره من هذه الشرور، تضع
نصب أعينها هذه الآيات الكريمة التي تنهى
عن نشر الفواحش، وتحذر من الاقتراب
منها أو إتيان أبوابها.
قال الجصاص: ((أبان الله بهذه الآية
وجوب حسن الاعتقاد في المؤمنين ومحبة
الخير والصلاح لهم فأخبر فيها بوعيد من
أحب إظهار الفاحشة والقذف والقول
القبيح للمؤمنين وجعل ذلك من الكبائر
التي يستحق عليها العقاب وذلك يدل على
وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب
يفيد العموم وأنه يتناول كل من كان
بهذه الصفة، ولا شك أن هذه الآية نزلت
في قذف عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب فوجب إجراؤها على
ظاهرها في العموم، ومما يدل على أنه لا
يجوز تخصيصها بقذفة عائشة قوله تعالى
في: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فإنه صيغة جمع ولو
أراد عائشة وحدها لم يجز ذلك، والذين
خصصوه بقذفة عائشة منهم من حمله على
عبدالله بن أبي، لأنه هو الذي سعى في
إشاعة الفاحشة)) (٢).
خامسًا: الأسرار الزوجية:
العلاقة بين الزوجين لها قدسيتها
ومكانتها في الإسلام، وتتمتع بخاصية
السرية والكتمان، ومراعاة الأدب والحياء
ونحو ذلك من الأخلاقيات الإسلامية،
ولهذا كلف الزوجان بالحفاظ على هذه
العلاقة وعدم كشف أسرارها للغير إلا
للضرورة القصوى من نحو التنازع في
القضاء أو العلاج.
وقد ورد في السنة التحذير من إفشاء
الزوجين أسرار الزوجية لاسيما ما يتعلق
(١) أحكام القرآن، الجصاص ١٦٣/٥.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٤٨/٢٣.
٣٨٠
صَوْنُو
القرآن الكريم

العلن
بالمعاشرة، فقد روى مسلم عن أبي سعيد أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم والرجال والنساء قعودٌ عنده فقال:
الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (إن من أشر الناس
عند الله منزلةً يوم القيامة الرجل یفضی إلى
امرأته وتفضى إليه ثم ينشر سرها)(١).
(لعل رجلًا يقول ما يفعل بأهله ولعل امرأةً
تخبر بما فعلت مع زوجها؟)، فأرم القوم
فقلت: إي والله يا رسول الله إنهن ليقلن
وإنهم ليفعلون، قال: (فلا تفعلوا فإنما مثل
ذلك مثل الشيطان لقي شيطانةً فى طريقٍ
فغشيها والناس ينظرون)(٣).
وأخرج أبو داود والطبراني من حديث
طويل عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن
النبي أقبل على الرجال فقال: (هل منكم
الرجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه وألقى
عليه ستره واستتر بستر الله؟)، قالوا: نعم،
قال: (ثم يجلس بعد ذلك فيقول: فعلت
کذا فعلت كذا)، قال: فسكتوا، قال: فأقبل
على النساء فقال: (هل منكن من تحدث؟)،
فسکتن، فجئت فتاةٌ -قال مؤملٌ فی حدیثه
فتاةٌ کعابٌ- علی إحدی ر کبتيها وتطاولت
لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليراها،
ویسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله إنهم
ليتحدثون وإنهن ليتحدثنه، فقال: (هل
تدرون ما مثل ذلك؟)، فقال: (إنما ذلك مثل
شيطانةٍ لقيت شيطانًا فى السكة فقضى منها
حاجته والناس ينظرون إليه)(٢).
وفي رواية لأحمد عن أسماء بنت يزيد:
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب تحريم إفشاء سر المرأة، رقم ٣٦١٥.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب
ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابة
أهله، رقم ٢١٧٦.
وضعه الألباني في ضعيف أبي داود ٢٢٥/٢.
والحديث يدل على تحريم إفشاء أحد
الزوجين لما يقع بينهما من أمور الجماع
وذلك لأن كون الفاعل لذلك بمنزلة شيطان
لقي شيطانة فقضى حاجته منها والناس
ينظرون من أعظم الأدلة الدالة على تحريم
نشر أحد الزوجين للأسرار الواقعة بينهما
الراجعة إلى الوطء ومقدماته، وهذا التحريم
هو في نشر أمور الاستمتاع ووصف
التفاصيل الراجعة إلى الجماع وإنشاء ما
يجري من المرأة من قول أو فعل حالة
الوقاع، وأما مجرد ذكر نفس الجماع فإن
لم يكن فيه فائدة ولا إليه حاجة فمكروه
لأنه خلاف المروءة ومن التكلم بما لا يعني
ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه فإن
كان إليه حاجة أو ترتب عليه فائدة فلا كراهة
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٥٦/٦، رقم
٢٧٦٢٤، ورواية أحمد فيها شهر بن حوشب
وهو على ضعفه حديثه حسن كما ذكره
الهيثمي في مجمع الزوائد ٤ / ٥٤٠، وأخرجه
الطبراني رقم ٢٠٤٣٥ في الكبير ١٢٦/٢٤.
www. modoee.com
٣٨١

حرف العین
في ذكره، وذلك نحو أن تنكر المرأة نكاح
الزوج لها وتدعي عليه العجز عن الجماع أو
نحو ذلك (١).
قال النووي: ((وفي هذا الحديث تحریم
إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من
أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك وما
يجري من المرأة فیه من قول أو فعل ونحوه،
فأما مجرد ذكر الجماع فإن لم تكن فيه
فائدة ولا إليه حاجة فمكروه، لأنه خلاف
المروءة وقد قال صلى الله عليه وسلم:
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا
أو ليصمت) وإن كان إليه حاجة أو ترتب
عليه فائدة؛ بأن ينكر عليه إعراضه عنها،
أو تدعي عليه العجز عن الجماع، أو نحو
ذلك فلا كراهة في ذكره كما قال صلى الله
عليه وسلم: (إني لأفعله أنا وهذه)، وقال
صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: (أعرستم
الليلة)(٢).
(١) عون المعبود، المباركفوري ١٥٨/٦.
(٢) شرح صحيح مسلم ٨/١٠-٩ بتصرف يسير.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأفعله
أنا وهذه) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب
الحيض باب نسخ ((الماء من الماء)) ووجوب
الغسل بالتقاء الختانين، رقم ٨١٣.
وقوله صلى الله عليه وسلم (أعرستم
الليلة) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
العقيقة،باب تسمية المولود غداة يولد، لمن
لم یعق عنه، وتحنیکه، رقم ٥٤٧٠، ومسلم
في صحيحه، كتاب الآداب، باب استحباب
تحنيك المولود عند ولادته، رقم ٥٧٣٧.
قال المناوي: ((والقصد بالحديث
التحذير من ذلك وبيان أنه من أمهات
المحرمات الدالة على الدناءة وسفساف
الأخلاق))(٣).
هذا وإفشاء الأسرار الزوجية يترتب عليه
آثار سيئة في العلاقة الزوجية، وكذا على
نفوس المستمعين لهذه الأسرار، لا يتسع
المقام لسرده، وهو يوقع صاحبه في مخالفة
الشرع، سواء أكان زوجًا أو زوجه، حیث
نص القرآن الكريم على مؤاخذة المرء بکل
ما يلفظ من قول، فقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن
قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
سادسًا: الأخبار الحربية:
الحرب مشروعة في الإسلام لنشر
دين الله عز وجل بعد إنذار غير المسلمين
بالدخول في الإسلام أو دفع الجزية،
ومشروعة للدفاع عن الأوطان والأنفس كما
هو معروف، والحرب لها وضعها الخاص
من الترتيب والكتمان وحسن التخطيط، مما
يتطلب من المجاهدين وغيرهم المحافظة
على أسرارها، وعدم إفشاء أمورها حتى لا
يصل الخبر للعدو فیکید ويحتاط.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث
أصحابه على ذلك، ويحذرهم قولًا وعملًا
من إشاعة أخبار الجهاد حفاظاً على سلامة
(٣) فيض القدير، المناوي ٤ /٤١٦.
٣٨٢
القرآن الكريمِ