النص المفهرس

صفحات 21-40

العلن
بها إلا أنه لا يريد بذكرها تلك المعاني
الشريفة (١).
٢. دعوة الأنبياء إلى الله تعالى
ومحاوراتهم لأقوامهم بين السرية
والجهرية.
تضمن القرآن الكريم العشرات من
مواضع دعوة الأنبياء أقوامهم إلى الله
تعالی، وما دار بینھم وبین أقوامهم من حوار
ومناظرة، وجدال، ولم ينص القرآن على
الجهر بذلك في أكثر المواضع، إلا أن الذي
يفهم من سياق الآيات أن تلك الدعوة غلب
عليها طابع الجهر.
وإذا ذهبنا نتتبع هذه المواضع تفصيلا
لطال بنا المقام في هذا الجانب، ولكن
يكفي أن نشير إلى أشهر مواطن الدعوة إلى
الله تعالى على لسان الأنبياء والرسل عليهم
السلام إجمالا على هذا النحو:
سيدنا نوح عليه السلام: دعا قومه إلى
الله تعالی سرًا وجھرًا، وأمضی قرونا
عديدة في دعوتهم رجاء هدايتهم،
وذکرهم بنعم الله تعالی علیھم، وذلك
في سورة الأعراف ((الآيات٥٩-٦٤))،
وسورة هود ((٢٥ - ٤٩)»، وسورة
الشعراء ((الآيات ١٠٥ - ١٢٢))، وسورة
نوح كاملة.
سيدنا هود عليه السلام: دعا قومه
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٥٦٨.
جهرة إلى عبادة الله تعالى وذكرهم
بنعمه عليهم، وحذرهم عذابه، فلم
يستجيبوا له فكان عاقبتهم السوء
في الدنيا والآخرة، وذلك في سورة
الأعراف ((الآيات ٦٥ - ٧٢))، وسورة
هود (٥٠ - ٦٠))، وسورة الشعراء
«الآيات ١٢٣ -١٤٠)).
سيدنا صالح عليه السلام: دعا قومه
إلى الله تعالى جهرًا وذكرهم بنعم
الله تعالى عليهم وحذرهم عذابه،
وحذرهم من التعرض للناقة بسوء، فلم
يأبهوا لدعوته، فكان جزاؤهم الهلاك
والدمار، وذلك في سورة الأعراف
(«الآيات ٧٣ -٧٩)»، وسورة هود
((الآيات ٦١-٦٨)، وسورة الشعراء
(«الآيات ١٤١ - ١٥٩)»، وسورة النمل
«الآيات٤٥-٥٣)).
سيدنا إبراهيم عليه السلام: ناظر النمروذ
بن كنعان فغلبه كما في سورة البقرة
((الآية ٢٥٨)»، ودعا قومه إلى عبادة الله،
وناظرهم في عبادتهم للأصنام كما في
سورة الأنعام ((الآيات ٧٤ -٨٣))، ودعا
أباه إلى الله وحاججه في كفره كما في
سورة مريم (الآيات ٤١ -٤٩))، ودعا
قومه إلى الله، وحاججهم في عبادة
الأصنام وفي اعتراضهم على تحطيمه
لها، کما ورد في أکثر من عشرین آیة من
www. modoee.com
٣٤٣

حرف العین
سورة الأنبياء ((الآيات ٥١ -٧٢))، و کل
صور الدعوة السابقة كانت جهارًا، إلا
ما کان من دعوته لأبيه وحواره معه،
حيث لم أقف على ما يفيد هل كان
ذلك سرًا أو جهرًا.
سيدنا لوط عليه السلام: ناظر قومه
جھرًا في إتیانهم الفاحشة والجهر بها،
فلم يستجيبوا له بل تمادوا في غيهم
وضلالهم، فدمر الله تعالى بيوتهم
وأموالهم، وأهلكهم، وذلك كما في
سورة الأعراف ((الآيات ٨٠ -٨٤)
وسورة هود ((الآيات ٧٧ -٨٨٣، وسورة
الشعراء ((الآيات ١٦ -١٧٥)»، وسورة
النمل ((الآيات٥٤-٥٨)).
سيدنا شعيب عليه السلام: دعا قومه
إلى الله تعالى جهرة، وبين لهم قبح
صنيعهم من قطع الطرقات، والتطفيف
في الكيل والبخس في الميزان، وأكل
أموال الناس بالباطل، وذلك في آیات
سورة الأعراف ((الآيات ٨٥ -٩٣))،
وسورة هود ((الآيات ٨٤-٩٥))،
وسورة الشعراء «الآيات١٧٦-١٩١)).
سيدنا موسى عليه السلام: وقصته في
الدعوة إلى الله تعالى والجهر بها،
ومحاوراته مع فرعون والسحرة،
ومحاوراته مع قومه مبسوطة في
مواضع عدة من کتاب الله تعالى، أشیر
إلی أبرزها بإيجاز:
١. حواره مع قومه بشأن ذبح البقرة في
الآيات ((٦٥ -٧٣)) من سورة البقرة.
٢. حواره معهم بشأن دخول الأرض
المقدسة وامتناعهم من ذلك في الآيات
(٢٠-٢٦)) من سورة المائدة.
٣. حواره مع فرعون وقصة السحرة
في الآيات ((١٠٣-١٢٦) من سورة
الأعراف، والآيات ((٧٦-٨١)) من
سورة يونس، والآيات ((١٠١-١٠٤)
من سورة الإسراء، والآيات ((٤٨ - ٧٣))
من سورة طه، والآيات ((١٨ - ٦٨)) من
سورة الشعراء.
٤. حواره مع قومه حين طلبوا اتخاذ
إله لهم في الآيات ((١٣٨ - ١٤١)) من
سورة الأعراف.
٥. حواره مع قومه وأخيه هارون حين
اتخذوا العجل معبودًا لهم خلال غيابه
على جبل الطور، وذلك في الآيات
(١٤٨-١٥٤)) من سورة الأعراف،
والآيات «٨٣-٩٨) من سورة طه.
سيدنا عيسى عليه السلام: أيد الله
تعالى سيدنا عيسى عليه السلام بنعمة
النطق في المهد، فجهر بالدعوة إلى الله
تعالى، وبين لقومه نعم الله تعالى عليه
من شفاء المرضى، وإحياء الموتى،
والبر بوالدته، وذلك كما في الآيات
٣٤٤
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

العلن
((٤٩-٥١)) من سورة آل عمران، رواية عن مجاهد: ﴿أَعْلَنَتُ لَمْ﴾ يقول:
(٣) .
صحت بهم .
والآيات (٣٠-٣٣) من سورة مريم.
٣. جهر سيدنا نوح عليه السلام
بالدعوة نموذجًا.
وهذا ما صرحت به آيات سورة نوح عليه
السلام ﴿قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتٌ قَوْبِى لَيْلًا وَنَّهَارً ) فَلَمْ
يَزِدْ هُمْ دُعَلِّىّ إِلَّا فِرَارًا ، وَإِ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ
لِتَغْفِّرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَيِعَهُمْ فِىَ ءَاذَانِمْ وَأَسْتَغْشَوْاْ
ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارً ا ثُمَّ إِنِ
دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ، ثُمَّ إِّ أَعْلَنْتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ
إِسْرَارًا ﴾ [نوح: ٥-٩].
ويلحظ في الآيات الكريمة مواطن
عدة وأساليب مختلفة قام بها نبي الله نوح
عليه السلام في الدعوة تعطي معنى العلن
والجهر، فدعوة الليل والنهار فيها سر
وعلن، وتغطية وجوههم وسد آذانهم إنما
يفيد العلنية في الدعوة، والجهر بالدعوة
واضح ومصرح به.
روي عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ
إِنِّ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ أي: بأعلى صوته(١)،
وروي عن مجاهد قال: الجهار الكلام
المعلن به (٢).
وذكر الطبري أن قوله: ﴿ثُمَّ إِّ أَعْلَتُ
لَكُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ يقول: صرخت لهم،
وصحت بالذي أمرتني به من الإنذار، وأورد
(١) انظر: المصدر السابق ٥٦٨/٢٧.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٣٠/٨.
وذكر الألوسي أن المراد بالآيات:
دعوتهم مرة بعد مرة وكرة غب كرة على
وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة وهو تعميم
لوجوه الدعوة بعد تعميم الأوقات، وقوله:
﴿ ثُمَّ إِنِّ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ يشعر بمسبوقية
الجهر بالسر وهو الأليق بمن همه الإجابة
لأنه أقرب إليها لما فيه من اللطف بالمدعو
فثم لتفاوت الوجوه؛ وإن الجهار أشد من
الإسرار والجمع بينهما أغلظ من الإفراد.
وحكى عن بعض الأجلة من العلماء أنه
ليس في النظم الجليل ما يقتضي أن الدعوة
الأولى كانت سرا فقط فكأنه أخذ ذلك من
المقابلة ومن تقديم قوله: ﴿لَيْلًا﴾ وذكرهم
بعنوان ((قومه)) وقوله: ﴿فِرَارًا﴾ فإن القرب
ملائم له وجوز کون: ﴿ثُمَّ﴾ علی معناها
الحقيقي وهو التراخي الزماني لكنه باعتبار
مبدأ كل من الإسرار والجهار ومنتهاه
وباعتبار منتهى الجمع بينهما لئلا ينافي
عموم الأوقات السابق(٤).
٤. جهر النبي محمد صلى الله عليه
وسلم بالدعوة.
اتفق العلماء على أن مرحلة جهر النبي
صلی الله علیه وسلم بالدعوة کان بموجب
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٣٢/٢٣.
(٤) جامع البيان، الطبري ٦٣٢/٢٣.
www. modoee.com
٣٤٥

حرفالعین
قول الله تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ
[الحجر: ٩٤](١)، وأنه صلى
٩٤
الْمُشْرِكِينَ
الله عليه وسلم أمر بالجهر بالدعوة بعد أن
كانت في السر، و کذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَنذِرْ
[الشعراء: ٢١٤].
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ آ
وكان الامتثال لذلك بأن قام عليه الصلاة
والسلام بجمع قريش على الصفا ونادى
عليهم بطنا بطنا وشعبا شعبا ودعاهم إلى
الله تعالى، فمنهم من استجاب ومنهم من
أعرض(٢).
أخرج البخاري بسنده عن ابن عباسٍ
رضى الله عنهما قال: لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ
عَشِيَتَكَ الْأَقْرَيِينَ﴾ صعد النبى صلى الله
عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: (پا
بنی فهر، يا بنى عديٍ) لبطون قريشٍ حتى
اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن
يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو
لهبٍ وقريشٌ فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم
أن خيلًا بالوادى تريد أن تغير عليكم، أكنتم
مصدقى). قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا
صدقًا، قال (فإنی نذیرٌ لکم بین یدی عذاب
شديدٍ). فقال أبو لهبٍ تبًا لك سائر اليوم،
(١) روح المعاني، الألوسي ٢٩/ ٧٢.
(٢) سمع أعرابي رجلاً يقرأ قول الله تعالى:
﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فسجد، فقيل له في ذلك
فقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام.
انظر: أعلام النبوة، الماوردي ص٢٧٥،
السيرة الحلبية، برهان الدين الحلبي ١/ ٤٧٥.
ألهذا جمعتنا فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ
وَتَبَّ ﴿ مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ, وَمَا كَسَبَ
٢)﴾ [المسد: ١-٢]. (٣).
وأخرج مسلم بسنده عن قبيصة بن
المخارق وزهير بن عمرو قالا: لما نزلت:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِنَ ﴾ قال: انطلق نبي
الله صلى الله عليه وسلم إلى رضمةٍ من
جبلٍ فعلا أعلاها حجرًا ثم نادى: (يا بنى
عبد منافاه إنی نذيرٌ إنما مثلی ومثلکم کمثل
رجلٍ رأی العدو فانطلق يربا أهله فخشى أن
يسبقوه فجعل يهتف يا صباحاه) (٤).
والحديث صريح الدلالة في أن النبي
صلی الله عليه وسلم قد صرخ جهارًا داعيًا
قومه ومحذرًا لهم.
ثانيًا: الإنفاق في سبيل الله تعالى:
الإنفاق في سبيل الله تعالى، ينقسم
إلى قسمين: الإنفاق الواجب، وهو الزكاة،
والإنفاق التطوع وهو الصدقة، وقد ورد في
القرآن الكريم ما يشير صراحة إلى موضوع
الجهر بالنفقة أو السر بها، وذلك في قول
الله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىّ
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ /٤٠٤، تفسير
السمر قندي ٢/ ٥٦٩، مفاتيح الغيب، الرازي
٥٣٨/٢٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١٦٧/٦، أعلام النبوة، الماوردي ص٢٧٥،
السيرة الحلبية، الحلبي ١/ ٤٥٧، الخصائص
الكبرى، السيوطي ٢٠٣/١.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير
باب وأنذر عشيرتك الأقربين، رقم ٤٧٧٠.
جَوَُّور
القرآن الكريمِ
٣٤٦

العلن
وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءِ فَهُوَ خَيْرٌلَكُمَّ
وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: ٢٧١]. (١).
وللمفسرين كلام طيب ولطائف تفسيرية
بليغة في هذه الآية الكريمة:
الأول: أن الإخفاء يجعل الصدقة أبعد
عن الرياء والسمعة، والمتحدث بصدقته
لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في
ملأ من الناس يطلب الرياء، والإخفاء
والسكوت هو المخلص منهما، وقد بالغ
قوم في قصد الإخفاء، واجتهدوا أن لا
یعرفهم الآخذ، فکان بعضهم يلقيه في يد
أعمى، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير، وفي
موضع جلوسه حیث يراه ولا يرى المعطي،
وبعضهم کان یشده في أثواب الفقير وهو
نائم، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على
يد غيره، والمقصود عن الكل الاحتراز عن
الرياء والسمعة والمنة، لأن الفقير إذا عرف
المعطي فقد حصل الرياء والمنة معًا وليس
في معرفة المتوسط الرياء.
الثاني: أن المتصدق إذا أخفى صدقته لم
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التفسير
باب في قوله وأنّذر عشيرتك الأقربين، رقم
٥٢٧.
یحصل له بین الناس شهرة ومدح وتعظیم،
فكان ذلك يشق على النفس، فوجب أن
یکون ذلك أکثر ثوابًا.
الثالث: ورود العديد من الأحاديث
الدالة على فضل إخفاء الصدقة، منها
ومن تلك اللطائف: الموازنة بين الإخفاء حديث: (سبعةٌ يظلهم الله فى ظله، يوم لا
والإظهار في الصدقات:
ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشابٌ نشأ فى
من جوانب أفضلية إخفاء الصدقة ما عبادة ربه، ورجلٌ قلبه معلقٌ فى المساجد،
يلي:
ورجلان تحابا فی الله اجتمعا علیه وتفرقا
علیه، ورجلٌ طلبته امرأةٌذات منصب وجمالٍ
فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق، أخفی
حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ
ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)(٢).
الرابع: أن إظهار الصدقة يوجب إلحاق
الضرر بالآخذ من وجوه، والإخفاء لا
يتضمن ذلك، فوجب أن يكون الإخفاء
أولى، ومن وجوه الضرر المترتبة على
الإظهار:
هتك عرض الفقير وإظهار فقره، وربما
٥
لا يرضى الفقير بذلك.
(٢) اختلف في قراءة: (فنعما هي) فقرأ نافع في
غير رواية ورش وأبو عمرو وعاصم في رواية
أبي بكر والمفضل: (فنعما) بكسر النون
وسكون (فنعما) بكسر النون والعين وقرأ
ابن عامر وحمزة والكسائي: (فنعما) بفتح
النون و کسر العين و کلهم شدد الميم.
انظر: السبعة في القراءات، ابن مجاهد
ص١٩٠، الحجة في القراءات، ابن زنجلة
ص١٤٦.
www. modoee.com
٣٤٧

حرفالعین
إخراج الفقير من هيئة التعفف وعدم الصدقات، فينتفع الفقراء بها فلا يمتنع،
والحال هذه أن يكون الإظهار أفضل.
السؤال، والله تعالى مدح ذلك في
قوله: ﴿يَحْبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَآءَ
مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا
يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة:
٢٧٣].
أن الناس ربما أنكروا على الفقير أخذ
تلك الصدقة، ويظنون أنه أخذها مع
الاستغناء عنها، فيقع الفقير في المذمة
والناس في الغيبة.
أن في إظهار الإعطاء إذلالًا للآخذ
وإهانة له وإذلال المؤمن غير جائز (١).
ولهذا تجد حكمة في قول الله تعالى:
﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وهي: الإشارة
إلى تفضيل صدقة السر على العلانية،
والمعنى: أن الله عالم بالسر والعلانية
وأنتم إنما تريدون بالصدقة طلب مرضاته،
فقد حصل مقصودكم في السر، فما معنى
الإبداء، فكأنهم ندبوا بهذا الكلام إلى
الإخفاء ليكون أبعد من الرياء(٢).
ومن جوانب أفضلية الإظهار ما يلي:
الأول: أن الإنسان إذا علم أنه إذا أظهرها،
صار ذلك سببًا لاقتداء الخلق به في إعطاء
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة
باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، رقم
٦٦٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة باب
فضل إخفاء الصدقة، رقم ٢٤٢٧.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٦١.
جوبيه
القرآن الكريمِ
هذا وقد حكى بعض المفسرين اتفاق
العلماء على أن: إخفاء صدقة التطوع أفضل
من إظهارها، وأن الخلاف جارٍ في الزكاة
المفروضة(٣) على نحو ما سيأتي ذكره في
موضعه.
وما أجمل ما ذكره ابن العربي: أنه ليس
في تفضيل صدقة العلانية على السر، ولا
تفضيل صدقة السر على العلانية حديث
صحيح ولكنه الاجماع الثابت، فأما صدقة
النفل فالقرآن ورد مصرحًا، أن الحال
في الصدقة تختلف بحال المعطي لها،
والمعطى إياها والناس الشاهدين لها.
أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السنة
وثواب القدوة؛ وهذا لمن قويت حاله
وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء، وأما
من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل،
وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من
احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها
مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال
الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم،
من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها
بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم
فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا
(٣) انظر: المصدر السابق ٧/ ٦٢.
٣٤٨

العلن
اليوم قليل(١).
ثالثًا: إقامة الحدود:
شرع الله تعالى الحدود جزاء للجرائم
التي يرتكبها البعض في حق الله تعالى،
وفي حق المجتمع، كجرائم الردة والسرقة،
والحرابة، والزنا، والقذف، وشرب الخمر،
ونبه سبحانه وتعالى على أن يكون تنفيذ
هذه العقوبات علنًا حتى تكون رادعًا لمن
تسول له نفسه أن يقدم على جريمة في حق
غيره.
قال تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالَّانِ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ
مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ إِن كُمْ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النور: ٢].
وقد اتفق الفقهاء على ضرورة الجهر
بإقامة الحدود، كما هو مبسوط في مواضعه
من كتب الفقه، وإن كان الحكم يختلف
عند بعضهم من الوجوب إلى السنية إلى
الاستحباب (٢).
قال الكاساني: ((ينبغي أن تقام الحدود
كلها في ملأ من الناس لقوله تبارك وتعالى
-عز اسمه -: ﴿وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ والنص وإن ورد في حد الزنا
لکن النص الوارد فیه یکون واردا في سائر
(١) انظر: معاني القرآن، النحاس ٣٠١/١، زاد
المسير، ابن الجوزي ٣٢٦/١.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٤٧٢.
الحدود دلالة» (٣)
٠
الحكمة من حضور طائفة من المؤمنين
إقامة الحد:
ذكر الكاسانى حكمًا تشريعية مختلفة من
إقامة الحدود علنا هي:
١. أن المقصود من الحدود كلها واحد
وهو زجر العامة وذلك لا يحصل إلا
وأن تكون الإقامة على رأس العامة لأن
الحضور ينزجرون بأنفسهم بالمعاينة
والغيب ينزجرون بإخبار الحضور
فيحصل الزجر للكل.
٢. أن فيه منع الجلاد من المجاوزة عن
الحد الذي جعل له؛ لأنه لو جاوز لمنعه
الناس عن المجاوزة.
٣. أن فيه دفع التهمة والميل فلا يتهمه
الناس أن يقيم الحد عليه بلا جرم سبق
ـه (٤).
.
وذكر السمرقندي أن في حضور الطائفة
ثلاث فوائد:
الأولى: أنهم يعتبرون بذلك ويبلغ
الشاهد الغائب.
والثانية: أن الإمام إذا إحتاج إلى الإعانة
(٣) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٧/ ٦١،
حاشية الدسوقي، محمد عرفة الدسوقي
٤ / ٣٢٠، نهاية المحتاج، الرملي ٤٣٢/٧،
المغني، ابن قدامة ١٣٣/١٠، شرح منهتى
الإرادات، البهوتي ٣/ ٣٤٠.
(٤) بدائع الصنائع، الكاساني ٧/ ٦١.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف العين
أعانوه.
والثالثة: لكي يستحي المضروب فيكون
زجرا له من العود إلى مثل ذلك الفعل (١).
ومن حكمة حضور الطائفة: أن حضور
الطائفة ليس بقصد الفضيحة، إنما ذلك
لِيُدْعَى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة، وهو
مروي عن نصر بن علقمة (٢).
وقد جرى خلاف في الطائفة المرادة والشافعي (١٠). وحجتهم أنه لا يكون شهادة
في الزنا دون أربعة شهداء فصاعدًا (١١).
في الآية من حيث العدد، وحاصل ما في
المسألة الأقوال التالية:
القول الأول: أن الطائفة معناها رجل
واحد فما فوق، حيث إن العرب تسمي
الواحد طائفة، وعليه فيكفي في شهود الحد
رجل واحد وهو أقل ما يطلق عليه طائفة،
وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد،
والحسن البصري، وعامر الشعبي(٣).
القول الثاني: أن الطائفة المراد بها رجل
واحد، وهو مروي عن إبراهيم النخعي،
وحماد بن أبي سلمة (٤).
القول الثالث: أن أقل الطائفة اثنان،
(١) المصدر السابق ٧/ ٦١.
(٢) تفسير السمر قندي ٢/ ٤٩٥.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٩،
الدر المنثور، السيوطي ١٢٦/٦.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٩٣، معاني
القرآن، النحاس ٤٩٦/٤، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ١٦٦/١٢، الدر المنثور،
السيوطي ٦/ ١٢٦.
وهو مروي عن عكرمة وعطاء(٥)، ومشهور
مذهب مالك (٦)
القول الرابع: أن أقل الطائفة ثلاثة، وهو
مروي عن قتادة وابن شهاب الزهري (٧).
القول الخامس: أن أقل الطائفة أربعة
رجال، وهو مروي عن أنس بن مالك، وابن
أبي زيد(٨)، وهو الأظهر من مذهب مالك(٩)
القول السادس: أن الطائفة عشرة رجال،
وهو مروي عن الحسن (١٢).
وما أجمل ما قاله الماوردي في تفسير
الطائفة: ((أما الطائفة فقد ورد القرآن بها
في مواضع يختلف المراد بها من الأعداد
لاختلاف ما اقترن بها من الأحكام، والمراد
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٩٤/١٩، الدر
المنثور، السيوطي ١٢٦/٦ ..
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ١٦٦.
(٧) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٦٦/١٢، مواهب الجليل، للحطاب
٣٩٩/٨.
(٨) انظر: جامع البيان، الطبري ٩٥/١٩، الدر
المنثور، السيوطي ١٢٦/٦.
(٩) انظر: المصادر السابقة.
(١٠) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٦٦/١٢، حاشية الدسوقي ٣٢٠/٤.
(١١) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١٢٦/٦،
الحاوي الكبير، الماوردي ٤٦٤/٢، مغني
المحتاج، الشربيني ٤ / ١٥٢.
(١٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٦/١٢،
الدر المنثور، السيوطي ١٢٦/٦.
٣٥٠
عَبُ النَِّّيـ
القرآن الكريم

العلن
بقوله تعالى: ﴿فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ ﴾
وقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَآَيِفَةُ أُخْرَى لَمْ
يُصَلُّوْفَلْيُصَلُواْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢].
أقلها ثلاثة: لأن المأمور فيها أن يصلي
بجماعة وأن تحرسه جماعة فكانت الطائفة
عبارة عن الجماعة، وأقل الجمع في
الإطلاق ثلاث وإنما يعبر عن الاثنين بلفظ
الجمع بدلیل لا بمطلق العبارة وظاهرها.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩].
فحمل على الفريقين والقبيلتين من
الناس، وقال تعالى: ﴿وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَايِفَةٌ
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
فحمل على الأربعة في الآيات لتعلقه
بالزنا ولا يثبت بأقل من أربعة، وقال
تعالى: ﴿فَلَوَلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِقَةٌ
لِيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢].
فحمل على الواحد لأن الإنذار يقع به
فكان ذكر الطائفة في هذا الموضع يختلف
حملا على ما يليق بها))(١).
قلت: المقصود من العلنية تحقيق
مصالح شرعية من الزجر والردع، والاشتهار
-أي: التشهير- والدعاء للمحدود، ونحو
ذلك مما سبق ذكره، ولهذا یذکر بعض فقهاء
القانون المعاصرين: أن علانية تنفيذ الحد
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /١٩٥، الدر
المنثور، السيوطي ١٢٦/٦.
ضرورية عملا بالآية الكريمة، وأن كثيرا من
القوانين الوضعية الأوربية والعربية تتفق مع
ما قرره القرآن من اشتراط العلانية في تنفيذ
عقوبة الإعدام خاصة، وأما في حد الزنا فإنه
كلما كان الحد رجمًا فالمفروض أن عدد
الرماة غير محدود وأنه يجب أن يكون من
الكثرة بحيث يقضى على المرجوم بسرعة،
أما فى الجلد فیکفی فی إقامة الحد شخص
واحد(٢).
رابعًا: العبادات:
العبادات كما هو معروف تشمل صنوفا
مختلفة، فمنها البدنية فقط كالصلاة والصيام،
ومنها المالية فقط كالزكاة، ومنها ما يجمع
بين البدنية والمالية كالحج، ويدخل في
العبادات الذکر من تسبيح وتکبیر وتحمید
وتهليل ودعاء واستغفار وقراءة القرآن، و کل
هذه العبادات يؤديها الإنسان سرًا وجهرًا.
قال الغزالي رحمه الله: ((كل عمل لا
يمكن إسراره كالحج والجهاد والجمعة
فالأفضل المبادرة إليه وإظهار الرغبة فيه
للتحريض بشرط أن لا يكون فيه شوائب
الرياء، وأما ما يمكن إسراره كالصدقة
والصلاة فإن كان إظهار الصدقة يؤذي
المتصدق عليه ويرغب الناس في الصدقة
فالسر أفضل؛ لأن الإيذاء حرام، فإن لم يكن
(٢) الحاوي الكبير، الماوردي ٤٦٤/٢-٤٦٥.
www. modoee.com
٣٥١

حرفالعین
فيه إيذاء فقد اختلف الناس في الأفضل)) (١). مما يجهر به الإمام في الجهرية، ويجهر به
المنفرد فى الجهرية كذلك، وما عدا ذلك
یسر به.
وقد ورد في القرآن الکریم ما یشیر إلی
ذلك، ونصت السنة النبوية على الجهر
ويقسم بعض الفقهاء الجهر والسر إلى
درجات أربعة: أدنى الجهر وأعلى الجهر،
وأدنى السر وأعلى السر.
بعبادات بعينها نظرًا لما للجهر من أثر في
العبادة وتعظيم لها، وأورد هنا طرفا من
جوانب العلن المحمود في العبادات على
النحو التالي:
١. العلن في الصلاة.
الصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشرع:
أقوال وأفعال مخصوصة مفتحة بالتكبير
مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة (٢).
وتنقسم الصلاة من حيث السرية
والجهرية إلى قسمين: صلوات سرية
وهي الظهر والعصر، والركعة الأخيرة من
المغرب، والركعتين الأخيرتين من العشاء،
وصلوات جهرية: وهي الفجر والركعتين
الأوليين من المغرب ومثلهما من العشاء،
وصلاة الجمعة، وما عدا الصلوات الخمس
فيه صلوات سرية وجهرية كما هو معروف
في مواضعه من كتب الفقه.
ولما كانت الصلاة مشتملة على أقوال
كالقراءة والتسبيح والتكبير والتشهد، فإن
من هذه الأقوال ما يجهر فيه ومنها ما يسر
به، فقراءة الفاتحة والسورة والتكبيرات
(١) انظر: التشريع الجنائي في الإسلام، عبد القادر
عودة ٢ / ٤٣٤ و ٤٨٥.
(٢) إحياء علوم الدين، الغزالي ٣١٧/٣.
جوية
القرآن الكريم
فأدنى الجهر: هو أن يسمع نفسه ومن
یلیه،وأعلی الجهر لا حد له، أو هو أقواه أو
المبالغة فیه جدًا.
وأدنى السر أن يحرك لسانه بالقراءة،
وأعلاه أن يسمع نفسه فقط(٣).
والآية الوحيدة في القرآن التي ورد
فيها ذكر الجهر في الصلاة والمخافتة بها
هي قول الله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهُ أَوِ أَدْعُواْ
الرَّحْمَنِّ ◌َيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىِّ وَلَا تَجْهَرْ
بِصَلَائِكَ وَلَا تُّنَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
[الإسراء: ١١٠].
ومن لطيف ما يتعلق بها عن الصاحبين
رضي الله عنهما ما رواه محمد بن سيرين
قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ
خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته،
فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي
ربي، عز وجل، وقد علم حاجتي. فقيل:
أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال:
أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان (٤) قيل
(٣) نهاية المحتاج، الرملي ٣٥٩/١.
(٤) انظر: حاشية ابن عابدين ٥٣٤،٥٣/١،
الهداية، مرغيناني ٥٤/١، مواهب الجليل،
٣٥٢

العلن
أحسنت. فلما نزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ
وَلَا تَُّافِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سِيلًا ﴾ قيل لأبي
بكر: ارفع شيئًا، وقيل لعمر: اخفض شيئًا(١).
وقد اختلف المفسرون والفقهاء في
المقصود بالصلاة في الآية هل القراءة أم
الدعاء على رأيين:
الرأي الأول: أن المقصود بالصلاة فيها
الدعاء، وهو رأي كثير من السلف، فأكثرهم
يحملون الآية على الدعاء وليس على قراءة
القرآن، حيث روي ذلك عن ابن عباس،
وعائشة، وعروة بن الزبير، ومجاهد، وسعيد
بن جبير، ومكحول، وعطاء رضوان الله
عليهم(٢).
الخطاب ٢٢٣/٢، حاشية الدسوقي
٢٤٣/٢.
(١) وسنٍ يوسن وسنًا فهو وسنٌّ وٍوسنان وميسانٌ
والأنثى وسنةً ووسنى وميسان، ورجل وسنان
ونعسان بمعنى واحد والسنة نعاسٌ يبدأ في
الرأس فإذا صار إلى القلب فهو نوم، والوسن
أول النوم، وفي الحديث: (وتوقظ الوسنان)
أي: النائم الذي ليس بمستغرقٍ في نومه.
انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٤٩/١٣.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب
في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، رقم
١٣٣١، والترمذي في سننه، كتاب الصلاة،
باب قراءة الليل، رقم ٤٤٧.
قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وصححه النووي في خلاصة الأحكام
٣٩١/١.
وانظر: جامع البيان، الطبري ١٢٤/١٥ حيث
انفرد بإخراجه عن محمد بن سيرين مرسلا
كما ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث
والآثار الواقعة في الكشاف، ٢٩٥/٢.
والآثار المروية عن هؤلاء الصحابة
والتابعين كثيرة في كتب السنة والتفسير، لا
يتسع المقام لسردها.
الرأي الثاني: أن المقصود بها القراءة في
الصلاة.
وبناء عليه جرى الخلاف في بعض
مسائل القراءة في الصلاة كجهر الإمام
بالبسملة في القراءة، حيث وصل الخلاف
فيها إلى سبعة أقوال، ولكن أشهرها ثلاثة
أوردها ببعض أدلتها على هذا النحو:
القول الأول: أن الإمام يجهر بالبسملة
في الصلاة استحبابًا.
وهو الشافعية وبعض المالكية وبعض
الحنابلة، وروي عن جمع من الصحابة
والتابعين وتابعيهم (٣).
واستدلوا بما يلي:
قول الله تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ
وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَخْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [طه:
١١٠]. ووجه الدلالة منها أنها تدل على
مشروعية الجهر بالبسملة إذا المراد
بخفض قراءته دون الجهر الشديد الذي
يبلغ أسماع المشركين (٤).
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٥٨٣، معاني
القرآن، النحاس ٢٠٦/٤-٢٠٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٢٩/٥.
(٤) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٦/١،
الذخيرة، القرافي ١٧٦/٢، المجموع،
النووي ٣٤١/٣، مغني المحتاج، الشربيني
١٥٧/١.
www. modoee.com
٣٥٣

حرفالعین
* ما روي عن ابن عمر، قال: صليت
خلف النبي صلی الله عليه وسلم، وأبي
بكرٍ، وعمر رضي الله عنهما فكانوا
يجهرون بـ ﴿إِسْمِالَّهِالرَّغْنِ الرَّحِيدِ﴾(١).
* ما روي عن نعيمٍ المجمر، أنه قال:
صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿نسيـ
الَّهِالرَّهِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ بأم القرآن حتى
بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الْمَآلِينَ ﴾
قال: آمین وقال الناس: آمين، ويقول
كلما سجد: الله أكبر وإذا قام من
الجلوس من اثنتين قال: الله أكبر، ثم
يقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني
لأشبهكم صلاةً برسول الله صلى الله
عليه وسلم(٢).
من المعقول أن البسملة آية من الفاتحة
فلها حكم باقي آياتها في الجهر
والإسرار، حيث دل الاستقراء على أن
السورة الواحدة بتمامها إما أن تكون
سرية أو جهرية، فأما أن يكون بعضها
جهر فهذا مفقود(٣).
(١) أحكام البسملة، الرازي ص٦٨.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه، رقم ١٢،
١/ ٣٠٥، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة
بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة والجهر
بها واختلاف الروايات في ذلك، وفيه أبو
الطاهر أحمد بن عيسى، وهو ضعيف الحديث
كما ذكره الغساني في تخريج الأحاديث
الضعاف من سنن الدار قطني ص ١٠٠.
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه، رقم ١٤،
١/ ٣٠٥، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة
القول الثاني: أنه يسن للإمام الإسرار
بالبسملة أي: إخفائها في الصلاة.
وهو مذهب الحنفية والمالكية في
الفرض، وجمهور الحنابلة، ورأي للإباضية،
وروي عن بعض الصحابة والتابعين (٤).
واستدلوا بما يلي:
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ
وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَخْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [طه:
١١٠]. ووجه الدلالة منها كما روي عن
سعید بن جبير قال: كان المشركون
يحضرون بالمسجد، فإذا قرأ رسول
الله صلی الله عليه وسلم: ((بسم الله
الرحمن الرحيم)) قالوا: هذا محمدٌ
يذكر رحمان اليمامة يعنون مسيلمة
فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن
الرحيم، ونزل: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ
وَلا تُخَافِتْبِهَا﴾، قال الترمذي الحكيم
أبو عبد الله: فبقي ذلك إلى يومنا هذا
علی ذلك الرسم وإن زالت العلة، كما
بقي الرمل في الطواف وإن زالت العلة،
وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن
زالت العلة (٥).
بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة والجهر
بها واختلاف الروايات في ذلك. وقال: إسناده
صحيح ورواته كلهم ثقات.
(٤) انظر: أحكام البسملة، الرازي ص٧٣.
(٥) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٦١/١،
حاشية ابن عابدين ١/ ٤٩٠، الذخيرة،
القرافي ١٧٦/٢، التاج والإكليل، المواق
جَوَسُولَةُ النفسية
الْقُرآن الكَرِيمِ
٣٥٤

العلن
حديث أنسٍ: كان النبي صلى الله
علیه وسلم، وأبو بكرٍ، وعمر يفتتحون
﴿الْعَمْدُّ لِّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾ قال:
قلت: ﴿ِسمِ اللهِالرّغْنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: خلفها
يقول: خلفها يقول: أسررها (١).
القول الخامس: أن الجهر بالبسملة
القياس على الاستعاذة بجامع أن واجب في الجهرية «الصبح وأوائل المغرب
كلاهما افتتاح للصلاة فيأخذ حكما
واحدًا.
القول السادس: أن البسملة لا يسر بها
بالمعقول أنه لو كان الجهر بالبسملة ولا يجهر في الصلاة مطلقا، فلا تقرأ.
ثابتًا لنقل متواترا أو مستفيضا كوروده
في سائر القراءة (٢).
القول الثالث: أن الإسرار بها والجهر
سواء.
وهو قول عند الحنابلة، وروي عن ابن
أبي ليلى والحكم(٣).
وهؤلاء نظروا إلى أدلة المثبتين للجهر
والمثبتين للسر، فأزالوا ما بينهما من
التعارض وجعلوا الأمر بالخيار.
١/ ٥٤٤، كشاف القناع، البهوتي ٣٣٥/١.
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١/ ٩٦، المجموع، النووي ٣٤٣/٣.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، رقم ٢٥٩٩،
كتاب الصلاة، باب قراءة بسم الله الرحمن
الرحيم.
وله شاهد عند البخاري بلفظ: عن أنسٍ أن
النبى صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ وَعُمر
رضى الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة
بـ(الحمد لله رب العالمين).
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب ما يقول بعد التكبير، رقم ٧٤٣.
(٣) المجموع ٣٤٣/٣.
أما بقية الأقوال الأخرى فهي:
القول الرابع: أن الإمام يجهر بها مطلقا
في الصلوات الجهرية والسرية. وهو مروي
عن بعض أهل البيت (٤).
والعشاء»، وهو مذهب الإمامية(٥).
وقد حكاه الشوكاني عن بعض العلماء
وهم النافين لكونها من القرآن مطلقا (٦).
القول السابع: أنه يجهر بها في حالات
معينة على تفصيل في تلك الحالات:
# أنه يجهر بها في النوافل فقط.
# أنه يجهر بها في صلاة الجنازة ونحوها
لأجل التعليم.
* أنه يجهر بها في المدينة المنورة.
وهذه الحالات كلها مروية عن بعض
الحنابلة (٧).
وسبب الخلاف في المسألة كما ذكره
بعض العلماء أمران:
الأمر الأول: تعارض الآثار الواردة
(٤) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٦١/١،
الإنصاف، المرداوي ٢/ ٣٧، نيل الأوطار،
الشوكاني ٢١٨/١.
(٥) نيل الأوطار، الشوكاني ٢١٨/٢.
(٦) انظر: نيل الأوطار، الشوكاني ٢١٨/٢، النيل
وشفاء العليل، أطفيش ١ / ١٣٥.
(٧) انظر: نيل الأوطار، الشوكاني ٢١٨/٢.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف العين
في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم
والصحابة.
الأمر الثاني: الخلاف الواقع في البسملة
هل هي آية من الفاتحة أم لا(١).
الرأي المختار: بعدما تقدم ذكره من
الأقوال في الجهر بالبسملة أو الإسرار بها
يمكن اختيار القول الثالث وهو: أن الجهر
بها والإسرار سواء، وذلك جمعا بين الأدلة
وإعمالا لأدلة المثبتين للجهر والنافين له،
حيث إن أدلة الفريقين كثيرة من الأحاديث
والآثار عن الصحابة والتابعين(٢).
أما بقية مسائل الجهر الأخرى في الصلاة
فهي على النحو التالي إجمالا:
٤. جهر الإمام بالتكبير والتسميع والسلام
كي يسمعه المأمومون الذين يصلون
خلفه وهذا الجهر سنة باتفاق الحنفية
والشافعية والحنابلة (٣)، وقال المالكية:
إنه مندوب لا سنة (٤).
٥. الجهر بالقراءة للإمام والمنفرد في
(١) انظر: الإنصاف، المرداوي ٣٧/٢.
(٢) انظر: مسائل مختارة من فقه العبادات،
ص ١٦٥ - ١٦٩.
(٣) انظر: المبسوط، السرخسي ١٥/١،
المجموع، النووي ٢٤٢/٣-٢٤٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢١٩/١.
(٤) انظر: البحر الرائق، ابن نجيم ٣١٩/١،
الشرح الكبير، الدردير ٣٩٩/١، الحاوي
الكبير، الماوردي ٢/ ٩٦، المغني، ابن قدامة
٥٤٢/١، الفقه على المذاهب الأربعة،
الجزيري ٢٨٩/١.
الركعتين الأوليين من صلاة المغرب
والعشاء وفي ركعتي الصبح والجمعة،
وهذا متفق عليه عند المالكية
والشافعية(٥). أما الحنفية فالجهر
واجب على الإمام وسنة للمنفرد (٦)،
وأما الحنابلة فيرون أن الجهر فيها
سنة للإمام، المنفرد مخير بين الجهر
والإسرار في الصلاة الجهرية (٧).
٦. الجهر في غير الفرائض كالوتر ونحوه
والنوافل ففيه تفصيل في المذاهب:
الحنفية: يجب الجهر على الإمام في
كل ركعات الوتر في رمضان وصلاة
العيدين والتراويح ويجب الإسرار
على الإمام والمنفرد في صلاة
الكسوف والاستسقاء والنوافل النهارية
أما النوافل الليلية فهو مخير فيها (٨).
المالكية: يندب الجهر في جميع
النوافل الليلية ويندب السر في جميع
النوافل النهارية إلا النافلة التي لها
خطبة كالعيد والاستسقاء فيندب الجهر
فيها (٩).
الشافعية: يسن الجهر في العيدين
٥
(٥) انظر: الشرح الكبير، الدردير ٣٩٩/١، الفقه
على المذاهب الأربعة، الجزيري ٢٨٩/١.
(٦) انظر: مواهب الجليل، الخطاب ٣٧٤/٢.
(٧) انظر: البحر الرائق، ابن نجيم ٣١٩/١.
(٨) انظر: كشاف القناع، البهوتي ٣٤٣/١.
(٩) انظر: البحر الرائق، ابن نجيم ٣١٩/١، الفقه
على المذاهب الأربعة، الجزيري ١/ ٣١٩.
مَشَوالَرُ النَّفْسَيْ
القرآن الكريم
٣٥٦

العلن
وكسوف القمر والاستسقاء والتراويح
ووتر رمضان وركعتي الطواف ليلا
أو صبحًا، والإسرار في غير ذلك إلا
نوافل الليل المطلقة فيتوسط فيها بين
الجهر مرة والإسرار أخرى (١).
الحنابلة: يسن الجهر في العيد
والاستسقاء والكسوف والتراويح
والوتر إذا وقع بعد التراويح ویسر فيما
يسر.
٢. العلن في الصيام.
يشير الإمام الغزالي إلى أن الإسرار
للأعمال فيه فائدة الإخلاص والنجاة من
الرياء، وفي الإظهار فائدة الإقتداء وترغيب
الناس في الخیر ولکن فیه آفة الریاء، وروی
عن الحسن قوله: (( قد علم المسلمون أن
السر أحرز العملین».
ولکن في الإظهار أيضا فائدة، والإظهار
قسمان:
أحدهما: في نفس العمل.
والآخر: التحدث بما عمل.
القسم الأول إظهار نفس العمل؛
كالصدقة في الملأ لترغيب الناس فيها،
وقال- أي الغزالي- إن سائر الأعمال تجري
هذا المجرى من الصلاة والصيام والحج
والغزو وغيرها (٢).
(١) انظر: مواهب الجليل، الخطاب ٢/ ٣٧٤.
(٢) انظر: المغني، ابن قدامة ١/ ٣٢٨، الفقه على
والصيام عبادة بدنية تشتمل على فرض
ونفل كما هو معروف، غير أنه يعد من
العبادات التي فيها سر بين العبد وربه جل
وعلا، وقد افترضه الله تعالى على الأمة
بهذه الآيات البينات من سورة البقرة.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَنَّقُونَ ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُم
فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَجِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ وَعَلَى
الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنِ
تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌلَّةٍّ، وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمٌّ
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٣٠) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ
فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ
اُلْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمْةٌ ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥].
وورد في السنة النبوية عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (قال الله: كل عمل ابن آدم
له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام
جنةٌ، وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث
ولا یصخب، فإن سابه أحدٌ، أو قاتله فليقل:
إنى امرؤٌ صائمٌ، والذى نفس محمدٍ بيده
لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ربح
المسك، للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر
فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه)(٣).
المذاهب الأربعة، الجزيري ٣١٩/١ ..
(٣) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ٣١٧/٣.
www. modoee.com
٣٥٧

حرفالعین
وعبارة: (فإنه لي وأنا أجزي به) فيها كلام بفسقه بالفطر فينبغي أن يعزر کما فعله سیدنا
طيب للمفسرين وغيرهم.
قال بعض المفسرين: ((إنما اختص
الصوم بأنه له، وإن كان كل العبادات له،
لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات:
أحدهما: أن الصوم منع من ملاذ النفس
وشهواتها، ما لا يمنع منه سائر العبادات،
والثاني: أن الصوم سر بين العبد وربه لا
یظهر إلا له، فلذلك صار مختصًا به، وما
سواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنعًا
ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم من
غیره(١).
ومما يحرم على المرء فعله الجهر بالفطر
في نهار رمضان إذا لم یکن لديه عذر شرعي
يبيح له الفطر، لما في ذلك من انتهاك لحرمة
الشهر الكريم، وهذا يستوجب الوعظ
والتذكير إن كان ممن يقبل ذلك أو كان
ظاهر الصلاح، أما إذا لم يكن كذلك فيعزر
كما ذكره بعض فقهاء المالكية(٢).
قال الدسوقي: ((من تعاطى المفطر ظاهرًا
فيوعظ إن كان ظاهر الصلاح وإلا عزر))(٣).
إما إن كان ممن لا يقبل الوعظ أو جهر
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصيام،
باب هل يقول إني صائم إذا شتم، رقم ١٩٠٤،
ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام باب فضل
الصيام، رقم ٢٧٦٢.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٣٥/١،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٢٧٤.
(٣) انظر: حاشية الدسوقي ٥١٢/١.
علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالنجاشي
الشاعر حین شرب الخمر في رمضان وجھر
بفسقه وفطره.
فقد روي أن عليا ضرب النجاشى
الحارثى الشاعر وشرب الخمر فى رمضان
فضربه ثمانين جلدة ثم حبسه وأخرجه من
الغد فجلده عشرين وقال: إنما جلدتك هذه
العشرين لجرأتك على الله وإفطارك فى
رمضان (٤).
وإذا وجدت ضرورة تدعو شخصًا
للفطر، کما لو رأی هلال شوال وحده، أو
حاضت امرأة أو نفست في نهار رمضان
فأفطرت فالأولى أن لا يجهرون بفطرهم
أمام الناس مراعاة لحرمة اليوم.
ففي حاشية قليوبي على المنهاج ((ويندب
إخفاء الفطر عند من جهل عذر المفطر)»(٥).
وقال الشرواني: ((ومتى رأى شوالا
وحده لزمه الفطر فإن شهد ثم أفطر لم يعزر
وإن ردت شهادته وإلا بأن أفطر ثم شهد
برؤيته سقطت شهادته وعزر وحقه إذا أفطر
أن يخفيه أي: الإفطار والظاهر أنه على وجه
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم ١٧٠٤٢،
٢٣١/٩، كتاب الأشربة، باب الشراب في
رمضان وحلق الرأس، والبيهقى في السنن
الكبرى، رقم ١٨٠٠١، ٣٢١/٨ عن أبي
مروان عن أبيه.
٣٥٨
القرآن الكريم

العلن
الندب»(١).
٣. العلن في الزكاة.
الزكاة عبادة مالية، فيها حق لله تعالى،
وحق للفقير أو المستحقين للزكاة، وهي من
العبادات التي تشتمل على تكافل وتراحم،
وتعاون، وتتعلق بالأموال الظاهرة كالماشية
والزروع والثمار ونحوها، والخفية كالأموال
النقدية والحلي ونحوهما، وقد جرى خلاف
في أفضلية العلن في الزكاة المفروضة أو
الخفاء على قولين:
يرى بعض المفسرين أن قول الله تعالى:
﴿إِن تُبْدُوأُ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىَّ وَإِن
تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَّرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
[البقرة: ٢٧١].
يشمل صدقة التطوع والزكاة، وعليه فقد
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن إظهار الزكاة أفضل،
وهو مروي عن ابن عباس وغيره، واختاره
أبو يعلى من الحنابلة(٢).
ومما يؤيد هذا القول ما يلي:
٧. أن الله تعالى أمر الأئمة بتوجيه السعاة
لطلب الزكاة، وفي دفعها إلى السعاة
إظهارها.
٨. أن في إظهارها نفي التهمة، روي أنه
(١) انظر: حاشية قليوبي على المنهاج ٨٣/٢.
(٢) انظر: حواشي الشرواني والعبادي على تحفة
المحتاج ٤٥٠/٣.
صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته
في البيت إلا المكتوبة فإذا اختلف
حكم فرض الصلاة ونفلها في الإظهار
والإخفاء لنفي التهمة، فكذا في الزكاة.
٩. أن إظهارها يتضمن المسارعة إلى أمر
الله تعالى وتكليفه، وإخفاءها يوهم
ترك الالتفات إلى أداء الواجب فكان
الإظهار أولی (٣).
القول الثاني: أن إخفاء الزكاة أفضل،
وهو مروي عن الحسن، وقتادة، ویزید بن
أبي حبيب (٤).
ويؤيده ما يلي:
١٠. أن إظهار زكاة الأموال توجب
إظهار قدر المال، وربما كان ذلك سببًا
للضرر، بأن يطمع الظلمة في ماله، أو
بكثرة حساده، وإذا كان الأفضل له
إخفاء ماله لزم منه لا محالة أن يكون
إخفاء الزكاة أولى.
١١. أن هذه الآية إنما نزلت في
أيام الرسول صلى الله عليه وسلم
والصحابة ما كانوا متهمين في ترك
الزكاة فلا جرم كان إخفاء الزكاة أولى
لهم لأنه أبعد عن الرياء والسمعة أما
الآن فلما حصلت التهمة كان الإظهار
(٣) انظر: معاني القرآن، النحاس ٣٠١/١،
مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٦٢، زاد المسير،
ابن الجوزي ٣٢٦/١.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٦٢.
www. modoee.com
٣٥٩

حرفالعین
أولى بسبب حصول التهمة(١).
قلت: وكلا القولين له وجهه، غير أنه
ينبغي أن يخلو الأمر في الحالتين من الرياء،
إذا الرياء يحبط ثواب الأعمال كما هو
معروف.
٤. العلن في الحج والعمرة.
تقدم ذکر کلام الغزالي بأن كل عمل لا
يمكن إسراره كالحج والجهاد والجمعة
فالأفضل المبادرة إليه وإظهار الرغبة فيه
للتحريض بشرط أن لا يكون فيه شوائب
الرياء (٢).
والحج والعمرة من العبادات التي لا
تخفی إذ هي سفر وارتحال ذهابا وإيابا، وما
يؤديه الحاج من مناسك يطلع عليه الغادي
والرائح، وكل هذا مما لا يمكن إخفاؤه،
فالجهر به أمر لا ينفك عنه.
ويشتمل الحج والعمرة على التلبية،
وهي مما يجهر به الرجال باتفاق العلماء(٣)،
أما النساء فلا يجهرن بها (٤).
فمما يؤيد رفع الصوت بالتلبية للرجال
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦٣/٧، زاد
المسير، ابن الجوزي ٣٢٦/١.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٦٢.
(٣) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ٣١٧/٣.
(٤) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ١٤٥/٢،
الذخيرة، القرافي ٢١٨/٣، الخرشي على
مختصر خليل ٣٢٥/٢، الحاوي الكبير،
الماوردي ٨٨/٤، نهاية المحتاج، الرملي
١/ ٤٨١، كشاف القناع، البهوتي ٤١٩/٢.
ما أخرجه مسلم عن ابن عباسٍ قال: سرنا
مع رسول الله صلی الله عليه وسلم بين
مكة والمدينة فمررنا بوادٍ فقال: (أيُّ وادٍ
هذا؟)، فقالوا: وادي الأزرق، فقال: (كأني
أنظر إلی موسی صلی الله علیه وسلم فذكر
من لونه وشعره شيئًا لم يحفظه داود واضعًا
إصبعیہ فی أذنیه له جؤارٌ إلی الله بالتلبية مارًّا
بهذا الوادي)، قال: ثم سرنا حتى أتينا على
ثنيةٍ فقال: (أيُّ ثنيةِ هذه؟)، قالوا: هرشى
أو لفتٌ، فقال: (كأني أنظر إلى يونس على
ناقةٍ حمراء علیه جبة صوفٍ خطام ناقته لیفٌ
خلبةٌ مارًا بهذا الوادي ملبيًا)(٥).
وما أخرجه مالك بسنده عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل
فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا
أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال)(٦).
ويستدل كذلك من المعقول بأن الحج
عبادة لها تحريم فيكون لها نطق كالصلاة(٧).
وأما عدم رفع صوت المرأة بالتلبية فقد
حكى ابن عبد البر إجماع العلماء على أن
(٥) انظر: مجمع الأنهر، شيخي زاده ٤٢١/١،
الذخيرة، القرافي ٢٣٣/٣، المغني، ابن قدامة
٣١٧/٣، كشاف القناع، البهوتي ٤٨٨/٢.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الإِسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى السماوات، رقم ٤٣٩.
(٧) أخرجه مالك في الموطأ رقم ٣٣٤/١،٧٣٦
عن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه.
وصححه ابن الملقن في البدر المنير ١٥٢/٦.
٣٦٠
القرآن الكريم

العلن
السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها وإنما
عليها أن تسمع نفسها (١).
وهذا ما عليه جمهور الفقهاء وفقهاء
السلف كما حكاه ابن قدامه عن عطاء
ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب
الرأي والحنابلة، وحُكي عن سليمان بن
يسار قوله: السنة عندهم أن المرأة لا ترفع
صوتها بالإهلال وإنما كره لها رفع الصوت
مخافة الفتنة بها ولهذا لا يسن لها أذان ولا
إقامة والمسنون لها في التنبيه في الصلاة
التصفيق دون التسبيح(٢).
٥. العلن في الذكر والدعاء.
ذكر الله تعالى ودعاؤه من العبادات،
فالذكر يتضمن التسبيح والتحميد والتكبير
والتهليل والاستغفار ونحو ذلك، والدعاء
يتضمن طلب الحوائج العامة والخاصة، من
المغفرة والرحمة، ومنافع الدنيا والآخرة،
والآيات التي تناولت الذكر والدعاء في
القرآن كثيرة، وقد تنوع فيها الخطاب بين
الجهر تارة والإخفاء تارة أخرى.
ففي شأن الذکر قال تعالى: ﴿ وَآذگُر
زََّّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةُ وَدُونَ اُلْجَهْرِ
مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْفَفِلِينَ
٢٠٥)
[الأعراف: ٢٠٥].
(١) الذخيرة، القرافي ٢١٨/٣.
(٢) إجماعات ابن عبد البر في مسائل العبادات،
عبد الله البوصي ٢/ ٨٧٢.
روي عن ابن جريج، قوله: ﴿ وَآُذكُر
رَّبِّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ﴾ قال: يؤمر
بالتضرع فى الدعاء والاستكانة، ويكره رفع
الصوت والنداء والصياح بالدعاء(٣).
وروي عن ابن زيد، في قوله: ﴿ وَاذْكُر
زَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةُ وَدُونَ اُلْجَهْرِ
مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
لا یجھر بذلك (٤).
قال الجصاص: ((الذكر على وجهين:
أحدهما: الفكر في عظمة الله وجلاله
ودلائل قدرته وآياته وهذا أفضل الأذكار إذ
به يستحق الثواب على سائر الأذكار سواه
وبه یتوصل إليه.
والذکر الآخر: القول، وقد يكون ذلك
الذکر دعاء، وقد یکون ثناء على الله تعالى،
ويكون قراءة للقرآن، ويكون دعاء للناس
إلى الله.
وجائز أن يكون المراد الذكرين جميعا
من الفكر والقول فيكون قوله تعالى:
﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ هو الفكر في
دلائل الله وآياته وقوله تعالى: ﴿وَدُونَ اُلْجَهْرِ
مِنَ الْقَوْلِ ﴾ فيه نص على الذكر باللسان وهذا
الذکر یجوز أن يريد به قراءة القرآن وجائز
أن يريد الدعاء فيكون الأفضل في الدعاء
الإخفاء)) (٥).
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٥٤/١٣.
(٤) انظر: المصدر السابق ٣٥٤/١٣.
(٥) أحكام القرآن، الجصاص ٣/ ٢٢٢.
www. modoee.com
٣٦١

حرف العين
ويرى الزمخشري: أن الخطاب عام في
الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح
والتهليل وغير ذلك (١).
وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه
وسلم یعم جمیع أمته وهو أمر من الله عز
وجل بذكره وتسبيحه وتقديسه والثناء عليه
بمحامده و الجمهور على أن الذکر لا یکون
في النفس ولا يراعى إلا بحركة اللسان (٢).
وقال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ.
زَكَرِيَّ ى إِذْ نَادَىْ رَبَّهُ نِدَاءُ خَفِيًّا ﴾
[مريم: ٢ - ٣].
وفي إخفاء النداء من نبي الله زکریا علیه
السلام لطائف ومعان سامية:
منها: ما ذكره ابن العربي من أن هذا
يناسب قوله: ﴿أَدْعُواْرَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُقْيَةً﴾،
وأن خفاءه لوجهين: أحدهما: أنه كان ليلا،
والثاني: لأنه ذكر في دعائه أحوالا تفتقر إلى
الإخفاء، كقوله: {وإني خفت الموالي من
ورائي}، وهذا مما یکتم ولا يجهر به(٣).
ومنها: ما ذكره الرازي وهو أن رفع
الصوت مشعر بالقوة والجلادة وإخفاء
الصوت مشعر بالضعف والانكسار وعمدة
الدعاء الإنكسار والتبري عن حول النفس
وقوتها والاعتماد على فضل الله تعالى
(١) الكشاف ٢/ ١٨١.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٥٦٦.
(٣) أحكام القرآن، ابن العربي ٣٤١/٥.
وإحسانه (٤)
.
هذا وقد تقدم القول بأن المقصود بقوله
تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُّنَافِتْ ◌ِهَا
وَأَبْتَخْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].
هو الدعاء عند كثير من فقهاء السلف.
وقد ورد الأمر بالدعاء في آيات كثيرة
في كتاب الله تعالى بعضها مطلق، وبعضها
مأمور فيه بالتضرع والخفية، قال تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى
وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (٥)﴾ [البقرة:
١٨٦].
وقيل: إن سبب نزولها أن قوما قالوا للنبي
صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه،
أم بعيد فنناديه ؟ فنزلت الآية (٥).
وقال عز من قائل: ﴿أَدّعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
[الأعراف: ٥٥].
ذكر السمر قندي والسمعاني أن المقصود
بالتضرع والخفية الخفض والسكون،
ويقال: ((خفية)) يعني: اعتقدوا عبادته في
أنفسكم لأن الدعاء معناه: العبادة، وقيل:
المقصود علانية وسرا، وقيل: المقصود أن
یکون السر مع الجهر في الدعاء بحیث يدعو
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥٢١/٢١٠.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٠٨/٢، لباب النقول في أسباب النزول،
السيوطي ص ١٧.
٣٦٢
◌َالنَّسَبَّـ
جَوَسوبر
القرآن الكريمِ