النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
العلاقات الإجتماعِيَّةُ
مــ
عناصر الموضوع
مفهوم العلاقات الاجتماعية
١٤٤
الألفاظ ذات الصلة
١٤٦
العلاقات الأسرية
١٤٨
العلاقة مع المجتمع
١٥٤
العلاقة الدينية
١٥٨
العلاقة بين الحاكم والمحكوم
١٦٤
التكافل الاجتماعي
١٦٧
الانحراف المجتمعي وعلاجه
١٧٧
المُجَلَدَ الرّايعِ وَالعشْرُونْ

حرف العين
مفهوم العلاقات الاجتماعية
أولًا: المعنى اللغوي:
يقال: عَلِقِ المرأة عَلْقًا وعَلَاقة، وتعلق بها، وعلق بها، وهو الحب اللازم للقلب(١).
((والعلاقة، بالكسر: هي علاقة القوس والسوط ونحوهما، وبالفتح: علاقة المحبة
والخصومة ونحوهما، فالمفتوح يستعمل في الأمور الذهنية، والمكسور في الأمور
الخارجية»(٢).
وقال الجرجاني: ((العلاقة: بكسر العين، يستعمل في المحسوسات، وبالفتح، في
المعاني، وفي الصحاح: العلاقة، بالكسر: علاقة القوس والسوط، ونحوهما، وبالفتح،
علاقة الخصومة والمحبة، ونحوهما))(٣).
فالعلاقات ((بالفتح)) هي: الصلات التي تربط كل فرد من أفراد الأسرة، وكل أسرة بأسرة،
و کل بلد ببلد.
وأصل مادة (جمع) تدل على تضام الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعًا (٤).
والمجتمع: جماعة من الناس تربطها روابط ومصالح مشتركة وعادات وتقاليد وقوانين
واحدة(٥).
وعلم الاجتماع: علم يبحث في نشوء الجماعات الإنسانية ونموها وطبيعتها وقوانينها
ونظمها.
ويقال: هذا الباب جماع هذه الأبواب الجامع لها الشامل لما فيها، وفلان جماع لبني
فلان يأوون إليه ويعتمدون على رأيه، والجماع كل ما اجتمع وانضم بعضه إلى بعض،
وجماع الجسد الرأس، وجماع الثريا ما اجتمع من كواكبها (٦).
وسميت الجمعة جمعة؛ لاجتماع الناس فيها، أو لما جمع فيها من الخير(٧).
(١) انظر: إيضاح شواهد الإيضاح، القيسي ١/ ٤١٧.
(٢) الكليات، الكفوي ص ٦٥٣.
(٣) التعريفات ص ١٥٥.
(٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٧٩/١.
(٥) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر ٣٩٦/١
(٦) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١٣٥/١.
(٧) انظر: كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، أبو بكر الحصني ص ١٤١.
١٤٤
القرآن الكريمِ

العلاقات الاجتماعية
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الاجتماعي: هو الرجل المزاول للحياة الاجتماعية، كثير المخالطة للناس (١).
وبناءً على ذلك يمكن تعريف العلاقات الاجتماعية اصطلاحًا: بأنها الروابط والآثار
المتبادلة بين الأفراد في المجتمع، والتي تنشأ نتيجة اجتماعهم وتبادل مشاعرهم واحتكاكهم
ببعضهم بعضًا، ومن تفاعلهم في بوتقة المجتمع.
(١) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ١٣٥.
www. modoee.com
١٤٥

حرف العين
الألفاظ ذات الصلة
الصلات الاجتماعية:
١
الصلات لغةً:
((وصل)) الواو والصاد واللام: أصلٌ واحدٌ يدل على ضم شيءٍ إلى شيءٍ حتى يعلقه.
ووصلته به وصلًا، والوصل: ضد الهجران(١).
الصلات اصطلاحًا:
وَصْلُ الآخرين، بأداء حقوقهم الدينية والدنيوية كاملةً(٢).
الصلة بين الصلات والعلاقات الاجتماعية:
الصلات الاجتماعية لا تكون إلا خيرًا، وأما العلاقات الاجتماعية فقد تكون خیرًا وقد
تکون شرًّا.
الروابط الاجتماعية:
٢
الروابط الاجتماعية لغةً:
الراء والباء والطاء أصلٌ واحدٌ يدل على شدِّ وثبات، وربطت الشيء أربطه، وأربطه ربطًا
إذا شددته(٣).
الروابط الاجتماعية اصطلاحًا:
هي العلاقات والروابط بين الناس والتي تقوم على أساس التناصح والتكافل، والتراحم
والتعاون، لتقوية بنية الأمة (٤).
الصلة بين الروابط الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية:
الروابط الاجتماعية فيها قوة وتماسك، وأما العلاقات الاجتماعية فلا يشترط فيها ذلك.
الصداقة:
٣
الصداقة لغة:
الصداقة: صدق الاعتقاد في المودة، وذلك مختص بالإنسان، وقوله: ﴿وَلَ صَدِيقٍ حِيم
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١١٥/٦، مجمل اللغة، بن فارس ص ٩٢٧
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤١٦.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٧٨/٢، جمهرة اللغة، ابن دريد ص٣١٥
(٤) انظر: المصادر السابقة.
◌َ التَّـ
جوبيو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
١٤٦

العلاقات الاجتماعية
[الشعراء ١٠١].
١٠١
إشارة إلى قوله: ﴿الْأَخِلَّاَءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف
٦٧](١) .
الصداقة اصطلاحًا:
قوة المودة مأخوذة من الشيء الصدق وهو الصلب القوي، وقال أبو علي رحمه الله:
الصداقة اتفاق القلوب على المودة، ولهذا لا يقال: إن الله صديق المؤمن كما يقال: إنه
حبيبه وخلیله(٢).
الصلة بين الصداقة والعلاقات الاجتماعية:
الصداقة لا تقوم إلا على المحبة والمودة، وأما العلاقات الاجتماعية فلا يشترط فيها
ذلك.
الهجران:
٤
الهجران لغةً:
الهجر: المصارمة والقطع، يقال: هجر صاحبه هجرًا وهجرانًا، ومنه هجرة المهاجرين،
لأنهم هجروا قبائلهم وعشائرهم(٣).
الهجران اصطلاحًا:
الابتعاد والنأي بالنفس عن الآخرين (٤).
الصلة بين الهجران والعلاقات الاجتماعية:
الهجران يعني قطع العلاقات، والعلاقات الاجتماعية تعني وصلها.
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٨٠.
(٢) الفروق اللغوية، العسكري ص ١٢١.
(٣) انظر: إيضاح شواهد الإيضاح، القيسي ١/ ٢٦١.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧١/٥.
www. modoee.com
١٤٧

حرف العین
العلاقات الأسرية
إن دیننا الحنيف دین کمال وشمول، جاء
بما فیه خير وصلاح البشرية جمعاء، ولا أدل
على ذلك من اهتمام الإسلام بالعلاقات التي
تكون المجتمع الواحد المتماسك والدولة
المتماسكة؛ بدءًا من الأسرة، وانتهاءً بالأمة
كلها، فقد جاء الإسلام بالعلاقات التي تربط
الأسرة ببعضها، وتربط المجتمع ببعضه؛
حيث أمر الإسلام ببر الوالدين، وصلة
الرحم، وحسن الجوار، وبذل الإحسان،
والعطف على المحتاج، والمؤاخاة بين
المسلمین، وغير ذلك مما فيه صلاح الدنيا
والآخرة.
وعند غياب الدين نجد أن المشكلات
تنبع، والخلافات تزداد، والأحقاد تنتشر،
والخصومات تطفو على السطح، وكل
إنسان ضد الثاني ضمن الأسرة الواحدة،
بين الزوجين وبين الشريكين وبين الأخوين
وبين الحيين وبين المدینتین.
هذا قانون العداوة والبغضاء، كما قال
تعالى: ﴿فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ،
فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءُ إِلَى يَوْمِ
اَلْقِيَمَةِ ﴾ [المائدة: ١٤].
أولًا: الأسرة نواة المجتمع:
تعتبر الأسرة نواة المجتمع وركيزته
الأساسية، فهو يصلح بصلاحها وتماسكها،
ويفسد بتفككها وانحلالها. لذا اهتم
الإسلام ببنائها على أسس متينة، تكفل قوتها
واستمراريتها، لأداء دورها الفعال في تربية
الأجيال وإعدادهم ليكونوا أعضاء صالحين
نافعین لدينهم ووطنهم ومجتمعهم.
قال تعالى: ﴿يَيُّهَا النَّاسُ أَنَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى
خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالًا كَثِيراً وَنِسَاءُ وَتَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِى قَسَآءَ لُونَ بِهِ
وَالْأَرْحَمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:
١].
أي: أيها الناس، احذروا ربكم في أن
تخالفوه فیما أمرکم وفیما نھاکم، فیحل بکم
من عقوبته ما لا قبل لكم به؛ فإنه المتوحد
بخلق جميع الأنام من شخص واحد، معرفًا
عبادہ کیف کان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس
الواحدة، ومنبههم بذلك على أن جميعهم
بنو رجل واحد وأم واحدة، وأن بعضهم من
بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجب
وجوب حق الأخ على أخيه، لاجتماعهم في
النسب إلى أب واحد وأم واحدة، وأن الذي
يلزمهم من رعاية بعضهم بعضًا -وإِنْ بَعُدَ
التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم-
مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب
الأدنى، وعاطفًا بذلك بعضهم على بعض،
ليتناصفوا ولا يتظالموا، وليبذل القوي من
نفسه للضعيف حقه بالمعروف على ما ألزمه
١٤٨
الْقُرآن الكَرِيْمِ

العلاقات الاجتماعية
الله له(١).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ
بَشَرَا فَجَعَلَهُ نَسَبًّا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا )﴾
[الفرقان: ٥٤].
أي: خلق الإنسان من نطفة ضعيفة،
فسواه وعدله، وجعله كامل الخلقة، ذكرًا
أو أنثى، کما يشاء، فجعله نسبًا وصهرًا، فهو
في ابتداء أمره ولد نسیب، ثم یتزوج فیصیر
صھرًا، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات،
وكل ذلك من ماء مهين (٢).
ثانيًا: العلاقة الزوجية:
إن العلاقات الزوجية في الإسلام متينة
ومهمة؛ لأنها تبنى على ميثاق أخذه الله
عز وجل على الرجال والنساء، كما أخذته
النساء على الرجال.
فإن الله تعالى قال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ.
وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ
مِنكُم مِّيثَقًّا غَلِيظًا ﴾ [النساء: ٢١].
أي: إن المرأة قد أخذت هذا الميثاق
الغليظ على هذا الرجل، وهذا الميثاق
الغليظ تجب المحافظة عليه، وحينئذٍ فإن
للعلاقات الزوجية شروطها وآدابها؛ لتكون
هذه العلاقة وثيقة ومتينة، وذلك حينما
يكون الزواج بتراضٍ، ويا حبذا لو كان
بنظر إلى المخطوبة! وهكذا تَوافرُ الصفات
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥١٢/٧، ٥١٣.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٧/٦.
التي دعا إليها الإسلام، وحينئذٍ تبنى
العلاقات الزوجية على المودة والرحمة،
كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ
مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ
بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: ٢١].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم ◌ِّن نَّفْسِ
وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾
[الأعراف: ١٨٩].
أي: ومن آياته الدالة على قدرته ورحمته
أن خلق النساء لكم من جنس الرجال،
وجعل بَدْءَ خلق المرأة من جسد الرجل،
ليتحقق الوفاق ويكتمل الأنس، وجعل بين
الجنسين المودة - أي: المحبة- والرحمة
- أي: الشفقة - ليتعاون الجنسان على أعباء
الحياة، وتدوم الأسرة على أقوى أساس
وأتم نظام، ويتم السكن والاطمئنان والراحة
والهدوء، فإن الرجل يمسك المرأة ويتعلق
بها إما لمحبته لها، أو لرحمة بها بأن يكون
لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو
للألفة بينهما وغير ذلك (٣).
وقال تعالى: ﴿﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّنِ
نَفْسِ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَاً
فَلَمَّا تَفَشَّنَهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِّهِ
فَلَمَّا أَثْقَلَتِ دَعَواْ اللَّهَ رَبَّهُمَا لَيِنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحًا
لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ (٥﴾ [الأعراف: ١٨٩].
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٦٩/٢١، ٧٠.
www. modoee.com
١٤٩

حرف العين
أي: هو الذي خلقكم أيها الرجال
والنساء، المنتشرون في الأرض على
کثرتکم وتفرقکم من أبیکم آدم أبي البشر
صلى الله عليه وسلم، وخلق من آدم زوجته
حواء لأجل أن یسکن إليها؛ لأنها إذا كانت
منه حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما
يقتضي سكون أحدهما إلى الآخر، فانقاد
(١)
كل منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ
أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ
بَنِينَ وَحَفَدَةٌ وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَتِ أَفَبِالْبَطِلِ
يُؤْمِنُونَ وَيِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ [النحل:
٧٢].
يخبر تعالى عن منته العظيمة على عباده،
حيث جعل لهم أزواجا ليسكنوا إليها،
وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم
أعینهم ويخدمونهم، ویقضون حوائجهم،
وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، ورزقهم
من الطيبات من جميع المآكل والمشارب،
والنعم الظاهرة التي لا يقدر العباد أن
يحصوها(٢).
ومن أجل تحقيق السكن والمودة بين
الزوجين أمر الله النساء أن يلتزمن البيوت
ليتفرغن لوظيفتهن الأسمى ألا وهي رعاية
الزوج والأولاد، فقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِی
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٣١١.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٤٤٤.
بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى
[الأحزاب: ٣٣].
أي: والزمن بیوتکن، ولا تخرجن منها
إلا لحاجة، ولا تظهرن محاسنکن، كما
كان يفعل نساء الجاهلية الأولى في الأزمنة
السابقة على الإسلام، وهو خطاب للنساء
المؤمنات في كل عصر (٣).
وقد جعل الإسلام للمرأة حقوقا على
الزوج كما للزوج على المرأة حقوقًا، فقال
تعالى: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَئِنَّ بِالمعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ
عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
أي: لهن من حقوق الزوجية على الرجال
بمثل ما للرجال علیھن، فیحسن عشرتها بما
هو معروف من عادة الناس أنهم يفعلونه
لنسائهم، وهي كذلك، تحسن عشرة زوجها
بما هو معروف من عادة النساء أنهن يفعلنه
لأزواجهن من طاعة، وتزین، وتحبب ونحو
ذلك، وللرجال عليهن منزلة ليست لهن،
وهي قيامه عليها في الإنفاق، وكونه من
أهل الجهاد والعقل والقوة، وله من الميراث
أکثر مما لها، و کونه يجب عليها امتثال أمره،
والوقوف عند رضاه (٤).
ومن حسن العشرة أن يصبر الزوج
على زوجه، وأن لا يظلمها فيأكل مالها،
أو يطلقها لأتفه الأسباب، كما قال تعالى:
(٣) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير
١/ ٤٢٢.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٧٢/١.
١٥٠
جَوَسُو
القرآن الكريمِ

العلاقات الاجتماعية
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا
مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَآْ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاأُ إِنَّ
اُللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ [النساء: ٣٥].
تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهَاً وَلَا تَعْضُّلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ
بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ
◌َُّهِّنَقْ وَعَاشِرُ وهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ
فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا
كَثِيرًا ﴾ [النساء: ١٩].
هنا أمر من المولى عز وجل للرجال
بأن يحسنوا معاشرة زوجاتهم من خلال
المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج
أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة
الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان،
وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة
والكسوة ونحوهما، وبين تعالى أن إجبار
الزوج نفسه على معاشرتها وإمساكها
والإحسان إليها -مع عدم محبته لها-
فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق
الجميلة، وربما أن الكراهة تزول وتخلفها
المحبة، كما هو الواقع في ذلك، وربما
رزق منها ولدًا صالحًا نفع والديه في الدنيا
والآخرة، وهذا كله مع الإمكان في الإمساك
وعدم المحذور، فإن كان لا بد من الفراق،
وليس للإمساك محل، فليس الإمساك
بلازم(١).
فحين تفقد المودة وتفقد الرحمة بين
الزوجين وتتعسر الحياة فهنا يأتي دور
الحكمين، كما قال عز وجل: ﴿وَإِذْخِفْتُمْ
(١) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٢٨٣/١.
أي: وإن خفتم الشقاق بين الزوجين
والمباعدة والمجانبة فابعثوا برجلين
مکلفین مسلمین عدلین عاقلین یعرفان ما
بين الزوجين، ويعرفان الجمع والتفريق،
فينظران ما ينقم كل منهما على صاحبه، ثم
يلزمان كلا منهما ما يجب، فإن لم يستطع
أحدهما ذلك، أقنعا الزوج الآخر بالرضا
بما تيسر من الرزق والخلق، ومهما أمكنهما
الجمع والإصلاح فلا یعدلا عنه.
فإن وصلت الحال إلى أنه لا يمكن
اجتماعهما وإصلاحهما إلا على وجه
المعاداة والمقاطعة ومعصية الله، ورأيا أن
التفريق بينهما أصلح، فرقا بينهما (٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ
كُلَّ مِّن سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا
﴾ [النساء: ١٣٠].
١٣٠
أي: وإن يتفرقا أي الزوج والمرأة
بالطلاق، بأن لم يتفق الصلح بينهما، فاختارا
الفرقة يغن الله كلا منهما، أي: يجعله
مستغنيًا عن الآخر من غناه وجوده وقدرته،
وفيه زجر لهما عن المفارقة رغمًا لصاحبه،
وتسلية لهما بعد الطلاق (٣).
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٧٧.
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٦٥/٣.
www. modoee.com
١٥١

حرف العين
ثالثًا: العلاقة مع الأقارب:
إن من العلاقات الاجتماعية صلة الرحم،
والمراد بصلة الرحم: القرابة غير الوالدين،
ولهم حقٍّ كبير أيضًا في الإسلام، ولذلك
فإن الله تعالى لعن الذين يقطعون الرحم،
فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّمُواْ أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ
[محمد: ٢٢ - ٢٣].
أولو الأرحام: هم أصحاب القرابة،
جمع رحم، وأصله رحم المرأة الذي هو
موضع تكوين الولد من بطنها، ويسمى به
الأقارب؛ لأنهم في الغالب من رحم واحد،
وفي اصطلاح علماء الفرائض: هم الذين
لا يرثون بفرض ولا تعصيب وهم عشرة
أصناف: الخال والخالة، والجد للأم، وولد
البنت، وولد الأخت، وبنت الأخ، وبنت
العم، والعمة، والعم(١).
ولقد حث المولى عز وجل عباده
المؤمنين على النفقة على الأقارب
والمساكين وجعل ذلك سببًا في مغفرة
الذنوب، فقال تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْالْفَضْلِ
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ
وَأَلْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ
أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
١٠ / ٠١٠٢
﴾ [النور: ٢٢].
أي: لا يحلف أهل الفضل في الدين
وأصحاب الغنى واليسار على منع إعطاء
أقاربهم من الفقراء والمهاجرين ما كانوا
يعطونهم إياه من الإحسان لذنب فعلوه،
وليعفوا عما كان منهم من جرم، وليصفحوا
عما بدر منهم من إساءة، ولیعودوا إلى ما
كانوا عليه من الإنعام والإحسان؛ ألا تحبون
أيها المؤمنون أن يغفر الله لكم على عفوكم
وصفحکم وإحسانكم إلى من أساء إليكم؟
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه
وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه:
((والله لا أنفق على مسطحِ شيئًا أبدًا بعد ما
قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ
أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ﴾ إلى قوله
اغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فقال أبو بكرٍ: بلى والله إني
لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطحٍ
الذي كان يجري عليه)) (٢)(٣)
.
كما حث المولى عز وجل المؤمنين
على الوصية للأقارب الفقراء، وجعل ذلك
من أوصاف المتقين، فقال تعالى: ﴿ كُتِبَ
عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَّرَكَ خَيْرًا
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب تعديل النساء بعضهم بعضًا،
١٧٦/٣، رقم ٢٦٦١، ومسلم في صحيحه،
كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول
توبة القاذف، ٢١٢٩/٤، رقم ٢٧٧٠.
(٣) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٣٠٥/٢.
١٥٢
جَوْسُوعَرَ النَّفْسَنِيْ
القرآن الكريمِ

العلاقات الاجتماعية
اَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا
عَلَى الْمُنَّقِينَ ﴾ [البقرة: ١٨٠].
ففي هذه الآية شرع الله شريعة فيها
صلاح الأسرة وحفظ كيانها وهى شريعة
الوصية، فعلى من ظهرت أمامه أمارات
الموت وعلم أنه ميت لا محالة، وكان ذا مال
يعتد به أن يجعل من ماله نصيبًا لأقاربه غير
الوارثين وليراع في ذلك ما يحسن ويقبل
في عرف العقلاء، فلا يعطى الغني ويدع
الفقير، بل يؤثر ذوى الحاجة ولا يسوي إلا
بینِ المتساوین في الفاقة، و کان ذلك الفرض
حقًّا واجبًا على من آثر التقوى واتبع أوامر
الدين(١).
ولقد أمر الله بإعطاء ذي القربى الحق
الذي أوجبه عليهم بسبب القرابة والرحم
في أكثر من آية، كما قال تعالى: ﴿ وَءَاتِ ذَا
اُلْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ
تَبْذِيرًا (٦)﴾ [الإسراء: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيَتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِفُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: ٩٠].
﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ.
وقال تعالی:
وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ
يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْلِحُونَ )﴾
(١) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر ص ٤٠.
[الروم: ٣٨].
وقال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآَيِ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيَّ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: ٩٠].
www. modoee.com
١٥٣

حرف العين
العلاقة مع المجتمع
إن الإنسان كائن اجتماعي لا يمكن عزله
عن الآخرين، فقد نشأت بينه وبين أفراد
المجتمع علاقات مختلفة نتيجة التفاعل،
وتبدأ علاقة الفرد بأسرته أولًا ثم المجتمع
الذي يحيط به ثم نطاق القبيلة، وكلما اتسع
نطاق المجتمع تنوعت وزادت علاقاته
الاجتماعية، وبهذا يمكن القول بأن وظيفة
العلاقات العامة وجدت مع وجود الإنسان
نفسه.
ولقد حث القرآن الكريم على مراعاة
العلاقة مع المجتمع باعتبار أن تماسك
المجتمع وتوحده سبيل للقوة والعزة
الحقيقية:
والمنعة، فقال تعالى مبينًا أو صاف المؤمنين
◌َّيْسَ أَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبَّ مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ
وَءَاتَ الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْفَ وَاَلْيَتَمَىِّ
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِلِينَ وَفِىِ الْرِقَابِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُّونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ
وَأَلْفََّّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسُِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
١٧٧ ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
في هذه الآية تنبيه عظيم للمسلم الذي
يقصر إسلامه على الصلاة ولا يبالي بعدها
ما ترك من واجبات وما ارتكب من منھیات،
فبين تعالى لهم الطاعة الحق في دعوى
الإيمان والإسلام والإحسان بأنه من التزم
أركان الإيمان وأداء الفرائض -وعلى وجه
الخصوص فريضتي الصلاة والزكاة وهما
من أعظم أركان الإسلام- وأنفق المال في
سبيل الله مع حبه له وضنه به على من لا
یرجو منه جزاء ولا مدحًا ولا ثناء؛ کالأقارب
والمساكين وأبناء السبيل والسائلين من
ذوي الخصاصة والمسغبة، وفي تحرير
الأرقاء وفكاك الأسر مع أدامة الصلاة على
الوجه الأكمل في أدائها وأدى زكاة ماله
على المستحقين لها، ومن صفاتهم الوفاء
بالعهود والصبر في أصعب الظروف وأشد
الأحوال.
وهذا هو مبدأ الإحسان وهو مراقبة الله
تعالی والنظر إليه وهو یزاول عبادته، ومن
هنا قرر تعالى أن هؤلاء هم الصادقون في
دعوى الإيمان والإسلام، وهم المتقون
بحق غَضَبَ اللهِ وأليمَ عذابه، جعلنا الله
منهم، فقال تعالى مشيرًا لهم بلام البعد
وكاف الخطاب لبعد مكانتهم وارتفاع
درجاتهم(١).
أولًا: العلاقة مع الجيران:
حقُّ الجيران حقّ فرضه الإسلام، فجاء
الأمر الصريح بالإحسان إلى الجار، واقتران
(١) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري
١٥٣/١.
١٥٤
جوبي
القرآن الكريمِ

العلاقات الاجتماعية
حقِّهِ بتوحيد الله عز وجل وعدم الشرك به، عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل
یوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سیورثه)(٢).
وهذا من أقوى الأدلة على اهتمام الإسلام
بحقوق الجار وتعظیم شأنه، کما قال سبحانه
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فلا يؤذي جاره) (٣).
﴿ وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
وتعالى:
بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ
وَالْجَارِ الْجُنُّبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦].
قرن تعالى عبادته بالإحسان بالوالدين
في غير موضع من كتابه الكريم؛ لما لهما
على الابن من فضل يعجزه وفاؤه فقال هنا:
واعبدوا الله وحده ولا تجعلوا معه شریگا
في الألوهية والعبادة، وأحسنوا إلى الوالدين
إحسانًا لا تقصير فيه، وإلى أقربائكم وإلى
اليتامى، والذين افتقروا بسبب عجزهم
أو ذهاب الكوارث بأموالهم، وبالجار
القريب النسب والجار الأجنبي والرفيق
لك في عمل أو طريق أو جلوس، والمسافر
المحتاج الذی لا قرار له في بلد معين، وبما
ملكتم من الأرقاء فتيانًا وفتيات، إن الله لا
يحب من كان متعاليًا على الناس، لا تأخذه
بهم رحمة، كثير التمدح بنفسه(١).
وقد أوصى جبريل الأمين الرسول
الکریم صلوات الله تعالی وسلامه عليهما
بالجار حتى ظن النبي أنه سيورثه؛ فعن ابن
(١) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر ص ١١٤ .
وعن أبي شريحِ العدوي، قال: سمعت
أذناي، وأبصرت عيناي، حين تكلم النبي
صلى الله عليه وسلم فقال: (من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)(٤).
وعن أبي شريح، أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن،
والله لا يؤمن) قيل: من يا رسول الله؟ قال:
(الذي لا يأمن جاره بوائقه)(٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الآدب،
باب الوصاة بالجار، ٨/ ١٠، رقم ٦٠١٥،
ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب الوصية بالجار، ٢٠٢٥/٤،
رقم ٢٦٢٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب الوصاة بالنساء، ٢٦/٧، رقم ٥١٨٥،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب
الحث على إكرام الجار، ٦٨/١، رقم ٤٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا
يؤذ جاره، ١١/٨، رقم ٦٠١٩، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب الحث على
إكرام الجار، ١ /٦٨، رقم ٤٧.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه، ١٠/٨، رقم
٦٠١٦.
www. modoee.com
١٥٥

حرفالعین
ثانيًا: العلاقة مع الضيوف:
ومن العلاقات الاجتماعية في القرآن
العلاقة مع الضيوف، فقد جعل الإسلام
آدابًا للزيارة ودخول البيوت ينبغي على
المسلمين التخلق بها منها قوله تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُوتَ النَّبِيِّ
إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنَّهُ
وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ
وَلَا مُسْتَئِنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْزِى
النَّبِىَّ فَيَسْتَحِي، مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِ مِنَ
اُلْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
أي: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله إذا
دعيتم إلى وليمة في بيت النبي صلى الله
عليه وسلم فلا تدخلوا البيت إلا إذا علمتم
أن الطعام قد تم نضجه، وانتهى إعداده، إذ
قبل ذلك يكون أهل البيت في شغل عنكم،
وقد يلبسن ثياب البذلة والعمل، فلا يحسن
أن تروهن وهن على هذه الحال، إلى أنه ربما
بدا من إحداهن ما لا يحل النظر إليه، ولكن
إذا دعاكم الرسول صلى الله عليه وسلم
فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله، فإذا
أكلتم الطعام الذي دعيتم إلى أكله فتفرقوا
واخرجوا ولا تمكثوا فيه لتتبادلوا ألوان
الحديث وفنونه المختلفة؛ فإن ذلك الليث
والاستئناس والدخول على هذا الوجه كان
يؤذى النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه كان
یمنعه من قضاء بعض حاجه، إلى ما فيه من
تضييق المنزل على أهله، لكنه كان يستحيي
من إخراجکم ومنعکم مما يؤذيه، والله لم
يترك الحق وأمركم بالخروج، وفى هذا
إيماء إلى أن اللبث يحرم على المدعو إلى
طعام بعد أن يطعم إذا كان في ذلك أذى
لرب البيت، ولو كان البيت غير بيت النبي
صلى الله عليه وسلم فالتثقيل مذموم في کل
مکان، محتقر لدى كل إنسان (١).
هذه الآية وإن كانت تتعلق بدخول بيوت
النبي صلى الله عليه وسلم خاصة إلا أنها
من الآداب العامة التي ينبغي على المسلمين
التحلي بها لما فيها من الخير والتيسير على
المسلمين.
كما ينبغي على الضيف أن يتأدب بآداب
دخول البيوت، فلا يدخل إلا بعد السلام
والاستئذان والاستئناس من صاحب الدار.
قال تعالى: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْ خُلُواْ
بُيُوتًا غَيّرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ
عَلَى أَهْلِهَأَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَُّونَ
[النور: ٢٧].
٢٧
يرشد الباري عباده المؤمنين، أن لا
يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم بغير استئذان، فإن
في ذلك عدة مفاسد: منها ما ذكره الرسول
صلی الله علیه وسلم، فعن سهل بن سعدٍ،
قال: (اطلع رجلٌ من جحرٍ في حجر النبي
صلی الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله
١٥٦
جوب
القرآن الكريمِ
(١) تفسير المراغي ٢٩/٢٢.

العلاقات الاجتماعية
عليه وسلم مدرّى يحك به رأسه، فقال: (لو المحارم، ويحفظوا فروجهم من كل منكر
أعلم أنك تنظر، لطعنت به في عينك، إنما
جعل الاستئذان من أجل البصر)(١).
كالنظر واللمس والزنى، وقد قدم تحريم
النظر على حفظ الفروج التي هي المقصود
الأساسي من الكلام ليعلم الناس جميعًا ما
للنظر من خطر وأثر، وأنه رسول الشهوة،
وبريد الزنى، وبذرة الفسق والفجور،
وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم الممتثلون
المنتفعون بهذا. ذلك أزكى لهم وأطهر،
وأبعد عن الشك وأنفى للريبة، وأبقى للنفس
طاهرة زكية بعيدة عن الخطر(٣).
فبسبب الإخلال به، يقع البصر على
العورات التي داخل البيوت، فإن البيت
للإنسان في ستر عورة ما وراءه، بمنزلة
الثوب في ستر عورة جسده، ومنها: أن ذلك
يوجب الريبة من الداخل، ويتهم بالشر سرقة
أو غيرها، لأن الدخول خفية يدل على الشر،
ومنع الله المؤمنين من دخول غير بيوتهم
حتى يستأذنوا، وسمي الاستئذان استئناسًا؛
لأن به يحصل الاستئناس، وبعدمه تحصل
الوحشة، وتسلموا على أهلها(٢).
ومن الآداب الإسلامية التي أمر الله
بها عباده المؤمنين بأن يتحلوا عند دخول
البيوت غض البصر، فلا يقف أمام باب
البيت عند الاستئذان، ولا ينظر إلى عورات
البيت عند الدخول.
قال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ
أَبْصَرِهِمْ وَنَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُّ إِنَّ
اَللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [النور: ٣٠].
أي: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم،
ويكفوها عن النظر إلى الأجنبيات غير
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر،
٨/ ٥٤، رقم ٦٢٤١.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٠٥٦٥
ثالثًا: العلاقة التجانسية:
لا شك أن صفة التجانس والانسجام بين
الناس هو وسيلة للتقارب وزيادة المحبة بين
الناس، وعامل مساعد في توثيق العلاقات
الاجتماعیة بین الناس.
﴿اَلْقَبِيِشَتُ لِلْخَبِيثِنَ
قال تعالى:
وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِشَتِ وَالطَّيِّبَتُ لِلَّيِّبِينَ
وَالَِّبُونَ لِلَِّبَتِّ أُوْ لَكَ مُبَّهُونَ مِمَّا يَقُولُونَ
لَهُم ◌َّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [النور: ٢٦].
أي: النساء الزواني الخبيثات للخبيثين
من الرجال، والخبيثون الزناة من الرجال
للخبيئات من النساء؛ لأن اللائق بكل
واحد ما يشابهه في الأقوال والأفعال، ولأن
التشابه في الأخلاق والتجانس في الطبائع
من مقومات الألفة ودوام العشرة. وعلى هذا
(٣) انظر: التفسير الواضح، محمد الحجازي
٢/ ٦٧٤.
www. modoee.com
١٥٧

حرفالعین
يكون المراد بالخبيثات والطيبات النساء،
أي: شأن الخبائث من النساء يتزوجن
الخبائث من الرجال، وشأن أهل الطيب من
النساء يتزوجن الطيبين من الرجال، ويجوز
أن يكون المراد من الخبيثات الكلمات
التي هي القذف الواقع من أهل الإفك،
والمعنى: الخبيثات من قول أهل الإفك
للخبيثين من الرجال، وبالعكس: والطيبات
من قول منكري الإفك للطيبين من الرجال
وبالعكس(١).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ )﴾
[التكوير: ٧].
أي: الأرواح قرنت بأجسادها، أو إذا
النفوس صنفت: كل نفس مع من يشاكلها
من أجناسها(٢).
ولقد خلق الله عز وجل الأرواح وجعلها
کالجنود المجندة ما تعارف منها ائتلف، وما
تناكر منها اختلف، كما جاء في الصحيحين
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت
النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (الأرواح
جنودٌ مجندةٌ فما تعارف منها ائتلف، وما
تناكر منها اختلف) (٣).
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٩٦/١٨.
(٢) انظر: أوضح التفاسير، محمد الخطيب
٧٣٥/١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة، ٤ / ١٣٤،
رقم ٣٣٣٦، ومسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة والآداب، باب الأرواح جنود مجندة،
العلاقة الدينية
فرق الإيمان بالله، بين المؤمنين
والمشركين، وجعل ولاء المؤمن للمؤمنين
عامة، أیا کان لونهم وجنسهم، وأیا کانت
درجة القرابة في النسب بينهم وبينه، على
حين قطع ولاءه لأهله، وأقرب المقربين إليه
إذا لم يكونوا من المؤمنين بالله وبرسول
الله.
أولًا: الأخوة الإيمانية:
قال تعالى: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ
بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
١٠
[الحجرات: ١٠].
هذا عقدٌ عقده الله بين المؤمنين، أنه إذا
وجد من أي شخص کان، في مشرق الأرض
ومغربها، الإيمان بالله، وملائكته، و کتبه،
ورسله، واليوم الآخر، فإنه أخ للمؤمنين،
أخوة توجب أن يحب له المؤمنون ما
يحبون لأنفسهم، ویکرهون له ما یکرهون
لأنفسهم، ولهذا جاء الأمر من النبي صلى
الله عليه وسلم بالوفاء بحقوق الأخوة
الإيمانية.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لا
تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا
تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعضٍ،
٢٠٣١/٤، رقم ٢٦٣٨.
١٥٨
القرآن الكريمِ

العلاقات الاجتماعية
وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو حصلت الرحمة، حصل خير الدنيا والآخرة،
ودل ذلك على أن عدم القيام بحقوق
المؤمنين، من أعظم حواجب الرحمة (٣).
المسلم، لا یظلمه ولا یخذله، ولا يحقره،
التقوى هاهنا) ويشير إلى صدره ثلاث
مراتٍ (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه
المسلم، كل المسلم على المسلم حرامٌ،
دمه، وماله، وعرضه)(١).
وقال صلی الله عليه وسلم في حديث
آخر عن أبي موسى رضي الله عنه، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن
للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وشبك
بين أصابعه)(٢).
ولقد أمر الله ورسوله، بالقيام بحقوق
المؤمنين، بعضهم لبعض، وبما به يحصل
التآلف والتوادد، والتواصل بينهم، کل هذا
تأیید لحقوق بعضهم على بعض، فمن ذلك،
إذا وقع الاقتتال بينهم -الموجب لتفرق
القلوب وتباغضها وتدابرها- فليصلح
المؤمنون بين إخوانهم، وليسعوا فيما به
یزول شنآنهم.
ثم أمر بالتقوى عموما، ورتب على القيام
بحقوق المؤمنين وبتقوى الله الرحمة، وإذا
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب تحريم ظلم المسلم، ٤ /١٩٨٦
رقم ٢٥٦٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم
والغصب، باب نصر المظلوم، ١٢٩/٣ رقم
٢٤٤٦، ومسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب تراحم المؤمنین، ١٩٩٩/٤
رقم ٢٥٨٥.
ولقد حث المولى عز وجل نبيه صلى
الله عليه وسلم على الرحمة وعدم الغلظة
في تعامله مع الآخرين؛ مبينا أن الفظاظة
وغلظة القلب من أكبر العوامل على نفرة
الناس من حوله فقال تعالى: ﴿فِمَارَحْمَةٍ مِّنَ
اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْكُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ
مِنْ حَوْلِكٌ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِيِ آلْأَّمِّيِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُتَوَكِّلِينَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
أي: فبرحمة مِنَ الله لك ولأصحابك
- أيها النبي - مَنَّ الله عليك فكنت رفيقًا بهم،
ولو كنت سيئ الخلق قاسي القلب لانصرف
أصحابك من حولك، فلا تؤاخذهم بما كان
منهم في غزوة أحد، واسأل الله أن يغفر
لهم، وشاورهم في الأمور التي تحتاج إلى
مشورة، فإذا عزمت على أمر من الأمور
- بعد الاستشارة- فامضه معتمدًا على الله
وحده، إن الله يحب المتوكلين عليه (٤)
وفي مقابل الحث على الأخوة والرحمة
التي تفضي إلى تماسك المجتمع وقوته
حذر المولى عز وجل من تقديم محبة
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٨٠٠.
(٤) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير
٧١/١.
www. modoee.com
١٥٩

حرف العين
القرابة وزخارف الدنيا ومتاعها الزائل
على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيل
الله؛ فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَتَّخِذُوْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِن
أَسْتَحَبُواْ أَلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنْ وَمَن يَتَوَلَّهُم
قُلْ إِن
مِنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَجُلٌ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ
كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ
مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ
حَّى يَأْتِى اَللَّهُ بِأَمْيِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الْفَسِقِينَ ﴾[التوبة: ٢٣-٢٤]
يحذر المولى عز وجل المؤمنين إلى
ما قد يدخل عليهم من مشاعر القرابة
نحو أهليهم الذين خلفوهم وراءهم من
المشرکین، تلك المشاعر التي قد تبلغ حد
الجور على حق المسلمين على المسلم،
من إخاء وموالاة، فجاء النهي واقعًا على
الولاء والإيثار، وتغليب مصلحتهم على
مصالح المؤمنين، ولم يتضمن النهى عن
المشاعر والأحاسيس؛ لأن ذلك أمر لا
تحتمله النفوس، وإن كانت تحتمله بعض
النفوس، فإن ذلك لم يكن إلا عن مشقة
ومعاناة وحرج، الأمر الذي برئت منه
الشريعة الإسلامية السمحاء، ولقد وضع
الله المسلمين في مواجهة التجربة والاختبار
لإيمانهم، واختيار ما يحبون وما يؤثرون.
فالإيمان في جانب والآباء والأبناء
والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال
والديار في جانب آخر، وعلى المؤمن أن
يختار بين الإيمان بالله ورسوله والجهاد في
سبیله، وبين أهله، وماله ودياره.
فإذا آثر الإيمان على الولد والأهل
والمال والموطن، كان على الصفة التي
يتحقق بها الإيمان الذي يقبله الله منه،
ويرضاه له، وإن كان العكس، وآثر الولد
والأهل والمال والموطن، على الإيمان بالله
ورسوله والولاء للمؤمنين، والجهاد في
سبيل الله، فهو أقرب إلى الجبهة المعادية
للإسلام، منه إلى الجبهة الموالية له، جاء في
الصحیح عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله
عنه: (جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله
علیه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف تقول
في رجلٍ أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرء مع
من أحب)(١) (٢).
وحذر المولى عز وجل من الفرقة آمرًا
المؤمنين بالوحدة والتمسك بالدين فقال
تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب علامة حب الله عز وجل، ٣٩/٨ رقم
٦١٦٩، ومسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب المرء مع من أحب، ٢٠٣٤/٤
رقم ٢٦٤٠.
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ٧٢١/٥- ٧٢٥
١٦٠
مَوَسُولَةُ الَفي
القرآن الكريم

العلاقات الاجتماعية
تَفَتَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءُ
فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَانًا وَكُنتُمْ
عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنَقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ ()﴾ [آل
عمران: ١٠٣].
أي: وتمسکوا جميعًا بکتاب ربکم وهدي
نبیکم، ولا تفعلوا ما يؤدي إلى فرقتكم.
واذكروا نعمة جليلة أنعم الله بها عليكم: إذ
كنتم - أيها المؤمنون- قبل الإسلام أعداء،
فجمع الله قلوبكم على محبته ومحبة
رسوله، وألقى في قلوبكم محبة بعضكم
لبعض، فأصبحتم بفضله إخوانا متحابين،
وكنتم على حافة نار جهنم، فهداكم الله
بالإسلام ونجاکم من النار. وكما بَيَّنَ الله
لكم معالم الإيمان الصحيح، فكذلك يُبَيِّنُ
لکم کل ما فيه صلاحکم؛ لتهتدوا إلى سبيل
الرشاد، وتسلكوها، فلا تضلوا عنها (١).
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِيْنَهُمْ
وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمّ إِلَى
[الأنعام:
اللَّهِ ثُمّ يُكَبِثُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ()﴾
١٥٩].
أي: إن الذين فرقوا الدين الحق الواحد
بالعقائد الزائفة والتشريعات الباطلة،
وصاروا بسبب ذلك أحزابًا، تحسبهم جميعًا
وقلوبهم مختلفة، لست مؤاخذًا بتفرقهم
(١) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير
٦٣/١
وعصیانهم ولا تملك هدایتهم، فما عليك
إلا البلاغ، والله - وحده - هو الذى يملك
أمرهم بالهداية والجزاء، ثم يخبرهم يوم
القيامة بما كانوا يفعلونه في الدنيا ويجازيهم
عليه(٢).
كما نهى الله عن السخرية والهمز واللمز
بالمؤمنين والتنابز بالألقاب، فقال تعالى:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَو
أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا فِسَلَةٌ مِّن نِسَآءٍ عَوَ أَنْ يَكُنَّ
غَيْرٌ مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِنُواْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ
بِئْسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمَنَّ وَمَن لَّمْ يَتُّبْ
فَأُوْلَئِكَ هُ الَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: ١١].
كما حذر من سوء الظن والتجسس
والغيبة؛ لأنها من الكبائر التي حرمها الله
سبحانه وتعالى وتتنافى مع الأخوة الإيمانية،
فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًاً مِّنَ
اُلَِّنِّ إِنَّ بَعْضَ الَّنِّ إِنْرٌ وَلَا تَتَّسُواْ وَلَا يَغْتَب
تَعْضُكُمْ بَعْضَاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ
أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهْتُمُوَةٌ وَأَنَّقُواْ الله إِنَّ اللّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ
١٢﴾ [الحجرات: ١٢].
ثانيًا: العلاقة مع غير المسلمين:
أرست الشريعة الإسلامية قواعد
التعامل مع غير المسلمين على أساس
العقيدة والأخلاق والحق والعدل والوفاء،
وأقامت القاعدة العامة في مركز أهل الذمة
(٢) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر ص ٢٠٢
www. modoee.com
١٦١

حرف العين
والمستأمنين الأجانب في الدولة بما يترتب المعاملات، فقال: إنما ينهاكم الله عن
عليها من حقوق في حرية التعبد وعدم موالاة هؤلاء الذين عادوكم، وهم صناديد
الإكراه في الدين، وفي رعاية العهد والوفاء
بالمواثيق، وفي عصمة الدم والعرض، وفي
الحقوق الاجتماعية.
الكفر من قریش وأشباههم ممن هم حرب
على المسلمين، وعاونوا الذين قاتلوكم
الحماية والدفاع عن المحرمات، وفي سائر وأخرجوكم على ذلك، وهم سائر أهل
مكة ومن دخل معهم في عهدهم، ينهاكم
الله عن اتخاذهم أولياء وأنصارًا لكم،
ويأمركم بمعاداتهم. ثم أكد الوعيد على
موالاتهم، فأبان أن من يتولهم ويناصرهم،
فأولئك الذين ظلموا أنفسهم، لأنهم تولوا
من يستحق العداوة، لكونه عدوًّا لله تعالى
ولرسوله صلی الله عليه وسلم ولکتابه(١).
وإذا أردنا أن نجمل تعليمات الإسلام في
معاملة المخالفین له -في ضوء ما یحل وما
یحرم- فحسبنا آیتان من كتاب الله، جدیرتان
أن تكونا دستورًا جامعًا في هذا الشأن، وهما
قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَكُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ
فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ
إِلَتْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿ إِنَّمَا يَتَنَّكُمُ اللهُ
عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ
وَظَهَرُ واْعَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَنَوَكُمْ فَأَوْلَكَ هُمُ
القَّالِمُونَ ﴾ [الممتحنة: ٨-٩].
أي: لا یمنعكم الله من البر والإحسان
وفعل الخير إلى الكفار الذين سالموكم ولم
يقاتلوكم في الدين كالنساء والضعفة منهم،
كصلة الرحم، ونفع الجار، والضيافة، ولم
پخرجوکم من دیارکم، ولا یمنعکم أيضا
من أن تعدلوا فيما بينكم وبينهم، بأداء ما
لهم من الحق، كالوفاء لهم بالوعد، وأداء
الأمانة، وإيفاء أثمان المشتريات كاملة غير
والآية تنفي ما كان عالقًا بالأذهان -وما
يزال- أن المخالف في الدین لا يستحق بًّا
منقوصة، إن الله يحب العادلين، ويرضى ولا قسطًا، ولا مودة ولا حسن عشرة. فبين
عنهم، ويمقت الظالمين ويعاقبهم.
ثم حدد الله تعالى موضع النهي في
(١) انظر: التفسير
١٣٥،١٣٦/٢٨
المنير، الزحيلي
١٦٢
القرآن الكريمِ
فالآية الأولى لم ترغب في العدل
والإقساط فحسب إلى غير المسلمين
الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين، ولم
يخرجوهم من ديارهم -أي: أولئك الذين لا
حرب ولا عداوة بینهم وبین المسلمین- بل
رغبت الآية في برهم والإحسان إليهم، والبر
كلمة جامعة لمعاني الخير والتوسع فيه،
فهو أمر فوق العدل، وهي الكلمة التي يعبر
بها المسلمون عن أوجب الحقوق البشرية
عليهم، وذلك هو ((بر الوالدين)).