النص المفهرس

صفحات 21-40

العقل
به، ولكنه شاء أن يمن عليكم بهذا العلم في تدبر الأمثال))(٣).
لتهتدوا، وتكونوا خلائف في الأرض. فقد
عشت فیکم وبينکم سنين طويلة من عمري
لم أبلغکم خلالها شيئا، لأن الله لم یکن قد
أوحى إلي برسالته، فلما أوحى إلي، وأمرني
بأن أبلغكم أوامره فعلت، أليس لكم عقول
تميزون بها بين الحق والباطل؟»(١).
رابعًا: التدبر في آيات القرآن:
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم
من الآيات التي تبين لنا أن الغرض منها هو
التدبر والتأمل، وذلك ليزداد الإيمان بالله
وتقوى العقيدة، ونصل إلى مرتبة اليقين
بالله تعالى، ولا يعترينا شك في أي شيء
مما وصلنا على لسان نبينا محمد صلى
الله عليه وسلم، وأنه من لدن حكيم خبير،
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ
هَل لَّكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّنِ شُرَكَآءَ
فِ مَا رَزَقْتَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ
كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ
الْأَبَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الروم: ٢٨].
((﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يستعملون
عقولهم في تدبر الأمور، وتخصيصهم
بالذكر مع عموم تفصيل الآيات للكل لأنهم
المنتفعون بها)»(٢).
((﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستعملون عقولهم
(١) أيسر التفاسير، أسعد حومد، ١٣٨١/١.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧ / ٥٩.
((﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾ أي: ومثل هذا التفصيل البديع
بضرب الأمثال الكاشفة للمعاني، المقربة لها
إلى العقول، إذ تنقل المعقول إلى المحسوس
التي هي به ألصق، ولإدراكه أقرب-نفصل
حججنا وآياتنا لقوم يستعملون عقولهم في
تدبر الأمثال، واستخراج مغازيها ومراميها
للوصول إلى الأغراض التي لأجلها ضربت،
ولمثلها استعملت، فیستبین الرشد من الغى،
والحق من الباطل، ولأمر ما كثرت الأمثال
في جلاء الحقائق، وإيضاح ما أشكل منها
على الناظرين)) (٤).
الواجب استعمال العقول في التدبر
والتفکر للآيات والأمثال التي یضربها الله لنا
كي ننجو من الوقوع في المحظور، والخوف
كذلك لا يكون إلا منه سبحانه، فكل شيء
بیده، فلم نخاف المخلوقین وهم لا يملكون
لأنفسهم نفعًا ولا ضرّا، فكيف سيقومون
ينفعنا أو ضرنا؟! نسأل الله السلامة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبًافِيهِ
ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء: ١٠].
(﴿أَفْلاَ تَعْقِلُونَ﴾ إنكار توبيخي فيه
بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب والتأمل
في أحكامه))(٥).
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢٠٦/٤.
(٤) تفسير المراغي، ٢١/ ٤٤.
(٥) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٥٨/٦.
www. modoee.com
١١٣

حرفالعین
(وهذا کالحث على التدبر للقول؛ لأنهم
كانوا عقلاء، لأن التدبير من لوازم العقل،
فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل))(١).
قال تعالى: ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ اللّهُ مَا تَلَوَّتُهُ.
عَلَيْكُمْ وَلَّ أَدْرَنَكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِئْتُ
فِيكُمْ عُمُرًاً مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
﴾ [يونس: ١٦].
ء
((﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ أي :أفلا تستعملون
عقولكم بالتدبر والتفكر، فتعلموا أنه ليس
من طوق البشر، بل هو من عند الحكيم
العليم الواحد القهار)»(٢).
((فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم،
وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب، لجزمتم
جزما لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق
الذي ليس بعده إلا الضلال، ولكن إذا أبيتم
إلا التكذيب والعناد، فأنتم لا شك أنكم
ظالمون))(٣).
((أفلا تعقلون أنه ليس من قبلي، أي: أفلا
تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر فيه،
لتعلموا أنه ليس إلا من الله))(٤).
مما سبق نجد أننا لو تدبرنا كتاب الله
وآياته المسطورة والمنظورة بعقولنا وفطرتنا
السليمة، كما أمرنا ربنا تبارك وتعالى،
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل،
٤٥٣/١٣.
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة، ٢/ ٤٥٨.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٩.
(٤) التفسير المنير، الزحيلي، ١٢٧/١١.
واتبعنا التعاليم والمبادئ الموجودة في ديننا
الحنيف، لاهتدينا بأمر الله وكنا من الفائزين
في الدنيا والآخرة.
خامسًا: آثار المهلكين من الأمم
السابقة:
من وسائل تربية الله تعالى للبشر، ذكره
القصص لأخذ العبرة والامتثال لحكم الله
سبحانه وتعالى، فذكر لنا قصص الأمم
الغابرة التي حادت عن منهج الله سبحانه،
فبين الله عز وجل سنته فيهم وذلك بالخسف
والدمار وإنزال العذاب عليهم، وترك من
آثار ديارهم المدمرة للتدبر وليكونوا عبرة
لغيرهم.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا
رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىُّ أَفَلَمْ يَسِيرُوا
فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمُ وَلَدَارُ الْلَآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ أَفَلًا
[يوسف: ١٠٩].
١٠٩
تَعْقِلُونَ
((﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يعني: يتفكرون
ویعتبرون بهم فيؤمنون)»(٥).
(( فتتدبروا سنن الله في الغابرين؟ أفلا
تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع
القصير؟))(٦).
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ
وَيَأَلَيْلِّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ()﴾ [الصافات:
(١٣٧
(٥) لباب التأويل، الخازن، ٢ / ٥٦٠.
(٦) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٠٣٥/٤.
◌َرُ النَّسِّيـ
جوية
القرآن الكريمِ
١١٤

العقل
١٣٧-١٣٨].
والمعنى تمرون على منازلهم في الآخرة
ذهابکم إلی الشام ورجو عکم منه نهارًا وليلاً
أفلا تعقلون ما تشاهدونه في دیارهم من آثار
عقوبة الله النازلة بهم، فإن في ذلك عبرة
للمعتبرين وموعظة للمتدبرين (١).
«أي: أفلا تعتبرون بهم کیف دمر الله
عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟))(٢).
((﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ يقول: أفليس لكم
عقول تتدبرون بها وتتفكرون))(٣).
«أتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى تعتبروا
به وتخافوا أن یصیبکم مثل ما أصابهم» (٤).
ويظهر من خلال ما نقل من أقوال
المفسرين آنفًا أن معنى العقلان في الآيات
السابقة يدور حل الاعتبار والاتعاظ بما
تضمنه السنن الجارية من دروس في حياة
الأفراد والأمم، فلنعتبر مما حدث في الأمم
السابقة، وننظر إلى ما آلت إليه الأمم التي
حادت عن المنهج السليم، الذي أرسل الله
لهم به الرسل للهداية والنجاة من العقاب،
وتدبرنا ذلك في أنفسنا بعقولنا وبصائرنا،
ترانا ماذا كنا فاعلين؟
فالسعيد من وعظ بغيره، نسأل الله
السلامة في الدنيا والآخرة.
(١) جامع البيان، الطبري، ١٣ / ٣٨٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٨/٧.
(٣) جامع البيان، الطبري، ١٠٥/٢١.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٠٥/٧.
سادسًا: حقيقة الحياة الدنيا والحياة
في القرآن الكريم العديد من الآيات التي
يدعونا الله عز وجل من خلالها للمقارنة
بين الدنيا وشقائها، والدار الآخرة بنعيمها
والفوز بالجنة، والذي يتدبر الأمر هو الذي
يمتلك عقلًا واعيًا، ويحسن المقارنة فيترك
متاع الدنيا القليل الزائل ويعمل من أجل
النعيم الدائم في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَّ إِلََّ لَعِبٌ
وَلَهْوَّ وَلَكَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: ٣٢].
((﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا يكون لكم
عقول، بها تدركون، أي الدارين أحق
بالإيثار))(٥).
(( أفلا تعقلون إن الآخرة خير من الدنيا
فيعملون لها)» (٦).
(( نصيحة القرآن للعقلاء بأن لا يغتروا
بالحياة الدنيا، ويهملوا شأن الآخرة وهي
خیر للمتقين))(٧).
في الآية السابقة نلاحظ كيف أن القرآن
ينكر على الذين يعقلون كيف لا يتدبرون
الآيات، ويشغلون أنفسهم بالدنيا وما فيها
من مظاهر اللهو واللعب، ويتركون الإعداد
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٥٤.
(٦) لباب التأويل، الخازن، ١٠٩/٢.
(٧) أيسر التفاسير، الجزائري، ٢/ ٥٢.
www. modoee.com
١١٥

حرف العين
للآخرة التي هي خير وأبقى لمن أخلص في
طلبها واستعمل دنياه في تحصيلها.
قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
وَرِقُواْ الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدَنَ وَيَقُولُونَ
سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهٌ أَلَمْ يُؤْخَذْ
عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَبِ أَنْ لَا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
وَدَرَسُواْ مَافِيَةٍ وَالنَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
[الأعراف: ١٦٩].
١٦٩
أَفَلَا تَعْقِلُونَ
((﴿وَالنَّارُ الَْخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَنَّقُونَ﴾
لدوامها، وخلوص منافعها ولذاتها عن
المضار والآلام، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ ذلك حتى
تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي،
ولا تؤثرون الأدنى الفاني، على الأعلى
الباقي))(١).
(﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلموا ذلك، ولا
يستبدلوا الأدنى الحقير المؤدي إلى العقاب
بالنعيم الكبير المخلد في دار الثواب»(٢).
«﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ يعني: أفلا يعقل هؤلاء
الذين يرضون بعرض الدنيا أن ما في الآخرة
خير وأبقى لأنها دار المتقين))(٣).
(﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا يكون لكم
عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي
الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه،
والتقديم له على غيره. فخاصية العقل النظر
للعواقب.
(١) محاسن التأويل، القاسمي، ٣٤٤/٤.
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة، ٢/ ٢٧٧.
(٣) لباب التأويل، الخازن، ٢٦٥/٢.
وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع،
يفوت نعيمًا عظيمًا باقيًا فأنى له العقل
والرأي؟»(٤).
مما سبق نلاحظ أن القرآن الكريم ذكر
أن العاقل هو الذي يقارن بعقله بين الدنيا
ومتاعها الزائل، والآخرة ونعيمها الباقي
ويختار بعقله السليم ما هو خير له في دنياه
وآخرته، و الشقي من يؤثر الدنيا ومتاعها
القليل الزائل ويستبدلها بالخلود في الجنة
ونعیمھا المقیم، یبیع آخرته بعرض ومتاع
سقط لا قيمة له، مقارنة بما كان ينتظره في
الجنة لو أعد له واهتدى. نسأل الله السداد
والتوفيق.
سابعًا: الأمثال القرآنية:
ضرب المثل نوع من أنواع تقريب
العلم وفهمه لعقول الناس، وهو وسيلة من
الوسائل التعليمية التي نهجها القرآن منها
القصص والمثل وغيرها، وذلك لتقريب
الصورة للأذهان، والاستفادة من الأحكام
والأوامر والنواهي والتدبر والتفكر في
آيات الله، والحذر من الوقوع في المعصية،
والتعرض لغضب الله والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِ هَذَا الْقُرْءَانِ
لِلنَّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍّ وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ
جَدَلاً ﴾ [الكهف: ٥٤].
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٠٧.
١١٦
القرآن الكريم

العقل
((﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ أي: بَيَّنَا ﴿فِى هَذَا القرآن للناس من كل مثل، ووعظناهم فيه
اَلْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: ليتذكروا من كل عظة، واحتججنا عليهم فيه بكل
ويتعظوا))(١)
((﴿مِن كُلِّ مَثَلِ﴾ من کل خبر يحتاجون
إليه مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر
من مثل الرجلین، ومثل الحياة الدنيا، أو من
كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية
إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن
واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب،
ليتلقوه بالقبول)»(٢).
((﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ضربناه للناس: تقريبًا
لأنهامهم،»(٣).
(يخبر الله تعالى عن عظمة القرآن،
وجلالته، وعمومه، وأنه صرف فيه من
كل مثل، أي: من كل طريق موصل إلى
العلوم النافعة، والسعادة الأبدية، وكل
طريق يعصم من الشر والهلاك، ففيه
أمثال الحلال والحرام، وجزاء الأعمال،
والترغيب والترهيب، والأخبار الصادقة
النافعة للقلوب، اعتقادًا، وطمأنينة، ونورًا،
وهذا مما يوجب التسليم لهذا القرآن وتلقيه
بالانقياد والطاعة، وعدم المنازعة له في أمر
من الأمور)) (٤).
(يقول عز ذكره: ولقد مثلنا في هذا
(١) لباب التأويل، الخازن، ١٦٨/٣.
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة، ٢٨٢/٣.
(٣) أوضح التفاسير، الخطيب، ٣٥٩/١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٨٠.
حجة ليتذكروا فينيبوا، ويعتبروا فيتعظوا،
وينزجروا عما هم عليه مقيمون من الشرك
بالله وعبادة الأوثان))(٥).
وهكذا نرى أن الغاية من ضرب المثل
هو تقريب المعنى للأفهام، وتوضيح
الصورة لأخذ العبرة، والانقياد والطاعة
وزيادة الطمأنينة.
مَثَلُ اَلْفَرِيقَيْنِ
قوله تعالى:
كَالْأَعْمَىِ وَالْأَصَمِّ وَاَلْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ هَلْ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا نَذَّكَّرُونَ ﴾﴾ [هود: ٢٤].
((﴿َفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: بضرب الأمثال
وتدبرها)) (٦)
((﴿أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون
وتتعظون؟ والغرض التفريق بين أهل الطاعة
والإيمان، وأهل الجحود والعصيان))(٧).
((﴿أَفَلَا نَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون بضرب الأمثال
فترجعون عن غیکم)»(٨).
(﴿أَفَلَا نَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون بضرب
الأمثال والتأمل فيها)) (٩)، من الآية السابقة
نجد أن ضرب المثل كان للتدبر والاتعاظ.
(٥) جامع البيان، الطبري، ٤٨/١٨.
(٦) محاسن التأويل، القاسمي، ٨٦/٦.
(٧) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، ٢/ ٩.
(٨) البحر المديد، ابن عجيبة، ٢/ ٥٢١.
(٩) السراج المنير، الشربيني، ٥٢/٢، التفسير
المظهري، ٨٠/٥.
www. modoee.com
١١٧

حرف العين
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَبَعُوا
الْتَطِلَ وَ أَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبَعُواْ الْحَقِّ مِن ◌َّيْهِمْ كَذَلِكَ
يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ ﴾ [محمد: ٣].
((﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ﴾ أي: مثل
ذلك البيان الواضح، بين الله أمر كلٍّ من
الفريقين المؤمنين والكافرين بأوضح بيانٍ
وأجلى برهان؛ ليعتبر الناس ويتعظوا)) (١).
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن
دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾
[العنكبوت: ٤١].
((هذا المثل وغيره من الأمثال التي في
القرآن، نضربها للناس تنبيهًا لهم، وتقريبًا
لما بعد من أفهامهم)) (٢).
(أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم،
لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها
تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة،
فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي
(٣)
.
مصلحة لعموم الناس))
وهكذا نرى كيف ضرب الله تعالى المثل
لتقريب الصورة وسهولة الاستيعاب، وأخذ
العبرة من الأمثال.
(١) صفوة التفاسير، الصابوني، ٣/ ١٩١.
(٢) فتح القدير، الشوكاني، ٢٣٦/٤.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣١.
ثمار استعمال العقل
الحمد لله على نعمة العقل التي أنعم الله
تعالی بها علينا، فبه عرفنا الله ربنا وبه عبدناه،
ونسیر کذلك أمرنا في الحياة الدنيا، وبه ميزنا
عن سائر خلقه من الطيور والحيوانات، وبه
نميز بين الحق والباطل، وبواسطته تعلمنا
الحلال من الحرام، وتعلمنا العلوم الشرعية
والدنيوية، وبه جاهدنا أنفسنا والشيطان.
أولًا: الهداية:
((إن القرآن هو كتاب العقل، وأنه بأكمله
دعوة لتحرير العقل من عقاله، وأنه يدعونا
-بعبارات تختلف في أسلوبها وتتحد في
معناها - إلى استعمال العقل ووزن كل شيء
بمیزانه.
قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُّدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ
﴿﴿ أَفِ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ
﴾ [الأنبياء: ٦٦-٦٧].
٦٧
تَعْقِلُونَ (
((﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يعني: أليس لكم
عقل تعقلون به أن هذه الأصنام لا تستحق
العبادة؟))(٤).
(﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أن من ليس له
ذهن ولا قوة ولا منفعة ولا مضرة أن لا
تعبدوه)»(٥).
(٤) لباب التأويل، الخازن، ٢٢٩/٣.
(٥) تفسير السمر قندي، ٢/ ٤٣١.
١١٨
جوية
القرآن الكريمِ

العقل
وقوله: ((﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أليس عن منازعة الوهم والعادة، وفي ذلك دلالة
لكم عقل تعرفون هذا؟))(١).
«﴿أَفَلاتَعْقِلُونَ ﴾ أي: أفلا تتدبرون ما
أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ، الذي لا
يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟))(٢).
تعقلون قبح صنیعکم»(٣).
(﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: ألا تتفكرون فلا اهتدى لوحدانية الله عز وجل، فأكرمه
((﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تتدبرون ما وخشيته لله تعالى، وهذا فضل من الله ومنة
أنتم فيه من الضلال والكفر الذي لا یدین به
إلا كل جاهل ظالم فاجر))(٤).
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنُهُمُ اللّهُ
وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ١٨].
((قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أي:
المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم
الله في الدنيا والآخرة، ﴿وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ
الْأَلْبَبِ﴾ أي: ذوو العقول الصحيحة،
والفطر المستقيمة)»(٥).
(وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أي:
أرشدهم الله إلى الحق. وقوله: ﴿وَأُوْلَكَ
هُمْ أُوْلُواْأَلْبَبِ﴾ أي: أولو العقول))(٦).
لدینه،
(﴿أُوْلَيْكَ أَلَّذِينَ هَدَنُهُمُ اللَّهُ﴾
﴿وَأُوْلَبِكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ العقول السليمة
(١) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي
القاسم، ابن الوزير اليماني، ١١٤/١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٥١/٥.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧٦/٦.
(٤) التفسير المنير، الزحيلي، ١٧/ ٨٤.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/ ٩٠
(٦) تفسير السمعاني، ٤ / ٤٦٤.
على أن الهداية تحصل بفعل الله وقبول
النفس لها)»(٧).
مما سبق نجد أن الله سبحانه وتعالى
أكرم الإنسان بالعقل، وبهذا العقل السليم
الله تعالى بالهداية والعلم، مما زاد تقواه
لذوي العقول السليمة والفطرة الصافية.
ثانيًا: مطابقة العلم للعمل:
من العار أن يكون الإنسان متعلمًا لأمر
معين، ويعلمه لغيره، وهو أولى أن يقوم
بالعمل بما یعلم، قال صلى الله عليه وسلم
مادحًا من تعلم وعلم، أي: من عمل بعلمه،
فالإنسان العاقل هو من يقوم بالعمل بما
یعمل، عن عثمان رضى الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم من تعلم
القرآن وعلمه)(٨).
((قال الحكماء: العقل رائد الروح،
والعلم رائد العقل، وحياة المروءة الصدق،
وحياة الروح العفاف، وحياة الحلم العلم،
وحياة العلم الفهم، وحياة الفهم العمل،
وحياة العمل القبول))(٩).
(٧) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٣٩/٥.
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه،
رقم ٦،٥٠٢٧/ ١٩٢.
(٩) المجالسة وجواهر العلم، الدينوري،
www. modoee.com
١١٩

حرف العین
و(اقال بعض الحكماء: أفضل العقل أدنى أحوال المخاطبين، وزاد في تبكيتهم
بجملة حالية حاكية تلبسهم بالعلم والحكمة
الناهية عما هم عليه)) (٤).
معرفة الرجل نفسه، وأفضل العلم وقوف
الرجل عند علمه)) (١)
أَتَأْمُ ونَ النَّاسَ بِآلْبِرِ
قال تعالى:
وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ
﴾ [البقرة: ٤٤].
٤٤
((﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قيل: إن من وعظ
الناس يجتهد أن ينفذ موعظته إلى القلوب،
فإذا خالف قوله فعله کان ذلك سبب تنفیر
القلوب عن قبول موعظته)) (٢).
.
(العقل يحث صاحبه أن يكون أول
فاعل لما یأمر به، وأول تارك لما ینهى عنه،
فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن
الشر فلم يتركه، دل على عدم عقله وجهله،
خصوصا إذا كان عالما بذلك، قد قامت
عليه الحجة))(٣).
«وقال الحرالي: ولما كان فيهم من أشار
على من استهداه بالهداية لاتباع محمد
صلی الله عليه وسلم، ولم يهدوا أنفسهم
لما أرشدوا إليه غيرهم، أعلن تعالى عليهم
بذلك نظمًا لما تقدم من نقض عهدهم
ولبسهم وكتمهم بما ظهر من نقص عقولهم،
في أن يظهر طريق الهدى لغيره ولا يتبعه،
فأخرجهم بذلك عن حد العقل الذي هو
٣٣٢/٤.
(١) المصدر السابق، ٤/ ٤٩٣.
(٢) لباب التأويل، الخازن، ٤٢/١.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٥١.
((وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ استفهام عن
انتفاء تعقلهم استفهامًا مستعملًا في الإنكار
والتوبيخ، نزلوا منزلة من انتفى تعقله فأنكر
عليهم ذلك، ووجه المشابهة بين حالهم
وحال من لا يعقلون أن من يستمر به التغفل
عن نفسه وإهمال التفكر في صلاحها مع
مصاحبة شیئین یذكرانه، قارب أن يكون
منفيًّا عنه التعقل))(٥)
وهكذا نجد التقريع والذم لمن لا يعمل
بما يعلمه للناس.
◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ لِمَ
قال تعالى:
تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ
اَللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف:
٢-٣].
(تتناول ذم من قال ما لا يفعله على أي
وجه کان من مطلق أو مقید بشرط)»(٦).
(( هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي:
لم تقولون من الخير ما لا تفعلونه؟))(٧).
((أي: لم تقولون الخير وتحثون عليه،
وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه، وتنهون
عن الشر، وربما نزهتم أنفسكم عنه،
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١ /٩٢.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١/ ٤٧٧.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧٩/١٨.
(٧) فتح القدير، الشوكاني، ٢٦١/٥.
١٢٠
البَفيـ
جوية
القرآن الكريمِ

العقل
وأنتم متلوثون به ومتصفون به. فهل تليق وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم
بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة؟ أم من أكبر العمل به، وأنه نزول إلى أسفل سافلين،
وتسليط للشيطان علیه، وفيه أن اتباع الهوى،
وإخلاد العبد إلى الشهوات، يكون سببا
للخذلان)»(٤).
المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟
ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول
الناس إليه مبادرة، وللناهي عن الشر أن
يكون أبعد الناس منه))(١).
قال تعالى: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ
ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ
فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ
١٧٥
◌ِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَةٌ
فَثَلُهُ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ
يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكُهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ ( سَلَّهُ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ
مَن يَهْدِ
١٧٧
بِشَايَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ {
اَللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأَوْلَئِكَ هُمُ
[الأعراف: ١٧٥ - ١٧٨].
(١٧٨
أْخَسِرُونَ
((قال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن
عرض عليه الهدى فلم يقبله))(٢).
((أنه مال إلى الدنيا ورغب فيها وآثرها
على الآخرة واتبع هواه، أي: اتبع ما يهواه،
وترك العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه
الله، وهو حطام الدنيا))(٣).
((وفي هذه الآيات الترغيب في العمل
بالعلم، وأن ذلك رفعة من الله لصاحبه،
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٥٨.
(٢) لباب التأويل، الخازن، ٢٧٢/٢.
(٣) فتح القدير، الشوكاني، ٣٠٢/٢.
((هنا نفيٌّ بضرب المثل للمكذبين بآيات
الله المنزلة على رسوله الكريم بعد أن أیدها
بالأدلة العقلية والكونية، وهو مثل من آتاه
الله آیاته فکان عالمًا بها قادرًا على بيانها،
لكنه لا يعمل بها، بل يأتي عمله مخالفًا
لعلمه. لذا سلبه الله ما آتاه))(٥).
فالعمل المبارك المقبول هو ما كان عن
علم، كذلك العمل الطيب المبارك هو الذي
ينفع صاحبه ويعمل به، فيكون حجة له لا
عليه، ويرفع الله درجاته في الجنة.
ثالثًا: الامتناع عن المعاصي:
السعيد الذي منحه الله تعالى عقلًا
سلیمًا وقلبًا عامرًا بالتقوى والإيمان، فهو
يكون بعيدا كل البعد عن المعاصي؛ لأن
قلبه مضاء بنور الإيمان، وعقله النير وفطرته
السليمة يصد بهما كل خطرات الشيطان،
کذلك نفسه التي بين جنبيه تکون مطمئنة،
تدعوه للعمل الصالح والطاعة والسلوك
القويم الذي يرضي الله تعالى عنه، فلا
يسلك سبل الشيطان الملتوية، بل يبتعد عن
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٠٨.
(٥) تيسير التفسير، إبراهيم القطان، ٨٩/٢.
www. modoee.com
١٢١

حرفالعین
كل ما يغضب الله تعالى، اللهم الهم نفوسنا
تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت
وليها ومولاها، اللهم آمين.
قال تعالى: ﴿﴿ قُلْ تَعَالُوا أَتْلُ مَاحَزَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
وَالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ
إِمْلَقٍّ ◌َنَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمٌ وَلَا تَقْرَبُواْ
الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌَّ وَلَا
تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِيَّ ذَلِكُمْ
وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْنَعْقِلُونَ (١٥)﴾ [الأنعام: ١٥١].
﴿لَلَّكُوْ نَعْقِلُونَ﴾ أي: لكي تنتفعوا
بعقولكم (١).
((﴿لَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ أي: تستعملون
عقولكم التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن
مباشرة القبائح المذكورة)﴾(٢).
((وقوله: ﴿لَعَلَّكُهُنَعْقِلُونَ﴾ رجاء أن يعقلوا،
أي: يصيروا ذوي عقول؛ لأن ملابسة بعض
هذه المحرمات ينبئ عن خساسة عقل،
بحيث ينزل ملابسوها منزلة من لا يعقل،
فلذلك رجي أن يعقلوا))(٣).
(ذلكم وصاكم به الله، وأرشدكم،
لتعقلوا الخير والمنفعة في فعل ما أمر به،
وترك ما نهى عنه، إذ هو مما تدركه العقول،
وفي هذا تعريض بأن ما هم عليه لا يعقل له
(١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٣١٥/٤.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١٩٩/٣.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٨ ١٦٢/١.
معنى، ولا تظهر له فائدة عند ذوي العقول
الراجحة)) (٤).
(لعلكم تعقلون عن الله أوامره ونواهيه،
أي: ليعدكم لأن تعقلوا الخير والمصلحة
في فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه»(٥).
قال تعالى: ﴿أَمَّ مَانَيْنَهُمْ كِتَبَا مِن قَبْلِهِ.
فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ ( بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا
ءَابَآَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَزِهِم مُّهْتَدُونَ (٢)
وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلَّا
قَالَ مُتَّرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى
قَالَ أَوَلَوْ جِشُْكُمُ
ءَائَرِهِمْ مُقْتَدُونَ )
بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ ءَابَكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ
فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمّ فَأَنْظُرْ
٢٤
أُرْسِلْتُم بِ،كَفِرُونَ
وَإِذْ قَالَ إِبَهِيمُ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ®
لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٦) إِلَّا
الَّذِى فَطَرَنِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ [الزخرف:
٢١ -٢٧].
أنا أتبرأ مما تعبدون إلا من الله عز وجل،
ويجوز أن يكون ﴿إِلَّا ﴾ بمعنى لكن، فيكون
المعنى: لكن الذي فطرني فإنه سيهديني،
أي: سیرشدني لدينه ویوفقني لطاعته(٦).
(يعني: بريء من معبودكم، إلا الذي
خلقني، فإني لا أتبرأ منه، ﴿فَإِنَّهُسَيَهْدِینِ﴾
(٤) التفسير الواضح، محمد محمود الحجازي،
١/ ٦٨٢.
(٥) التفسير المنير، الزحيلي، ٩٨/٨.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي، ٦٢٩/٢٧.
١٢٢
صَوَسُورَةُ النَّفِيَّ
القرآن الكريم

العقل
يعني: يثبتني على دين الإسلام))(١).
((قال ذلك ثقة بالله وتنبيهًا لقومه أن
الهداية من ربه»(٢).
«لكن الذي فطرني هو معبودي الهادي
المنجي من العذاب، وفي هذا استدعاءٌ
لهم، وترغيبٌ في طاعة الله، وتطميع في
رحمته))(٣).
فصاحب العقل السليم والفطرة السليمة،
يمنع نفسه من ارتكاب المعاصي والوقوع
في المحرمات، وذلك لأن العقل معناه:
الكف والحبس، فهو يحبس صاحبه ويكفه
عن كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى.
رابعًا: البعد عن التقليد المذموم:
أرسل الله تعالى الرسل لهداية الناس
والأخذ بأيديهم من الظلمات إلى النور
وهداية قلوبهم بنور الإيمان، بعد ما كانت
مظلمة بظلمة الكفر، واتباعهم لتقاليد
الآباء الكفرية والشركية التي هي بعيدة كل
البعد عن شريعة الإسلام، ولكن بعضهم
رفضوا الانقياد لمنهج الله القويم، فكان
عقابهم جهنم وبئس المصير، فخسروا
الدنيا والآخرة، وشبههم الله تعالى بالأنعام
بل هم أضل سبيلاً؛ لتعطيلهم عقولهم عن
الفهم والإدراك، وصمهم لآذانهم، وطمس
(١) تفسير السمر قندي، ٢٥٥/٣.
(٢) النكت والعيون، الماوردي، ٢٢٢/٥.
(٣) الجواهر الحسان، الثعالبي، ١٧٨/٥.
أبصارهم عن نور الهداية والإيمان.
إن البشرية قد بلغت رشدها فأصبحت
تقاد بالعقل وحده، ولم يعد ينفع معها
مجرد الخوارق والقوارع الملجئة أو شبه
الملجئة، فجاء الإسلام دينًا منطقيًّا، رفع
من قيمة العقل،، ثم هو بعد ذلك يذم التقليد
وينعي على المقلدين لآبائهم وأحبارهم
(٤)
ورهبانهم (٤).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ
اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ تَتَّبِعُ مَا أَلْفَيَّنَا عَلَيْهِءَ ابَآءَنَاْ أَوْلَوْ كَانَ
ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ
١٧٠
بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَّهُ وَنِدَآَهُ صُّمُ بُكْمّ عُمْىٌّ فَهُمْلَا
يَعْقِلُونَ (١)﴾ [البقرة: ١٧٠ - ١٧١].
(﴿لَا يَمْقِلُونَ شَيْئًا﴾ يعني لا يعلمون
شيئا من أمر الدين، لفظه عام ومعناه خاص،
وذلك أنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا ﴿وَلَا
يَهْتَدُونَ ﴾ أي: إلى الصواب)) (٥).
فقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا
قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللهُ﴾ يعني: كفار قريش
من بني عبد الدار، قالوا: ﴿بَلْ تَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا
عَلَيْهِءَ ابَآءَنَآَ﴾ من عبادة الأصنام. فقال الله:
﴿أَوَّلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
شَيْئًا﴾ من التوحيد ومعرفه الرحمن ﴿وَلَا
يَهْتَدُونَ﴾ للحجة البالغة لا يعقلون شيئًا
(٤) انظر: مجلة البحوث الإسلامية، محمد حسين
الذهبي، ٥٩/١.
(٥) لباب التأويل، الخازن، ١٠٢/١.
www. modoee.com
١٢٣

حرف العين
من أمر الدين ولا يهتدون، معنى الآية في
أحد الأقوال: ومثل الذين كفروا في قلة
عقلهم وفهمهم عن الله عز وجل وعن
رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق
به من البهائم، التي لا تفقه من الأمر والنهي
غير الصوت، فكذلك الكافر في قلة فهمه
وسوء تفکره، الكافر ليس له من دعائه الآلهة
وعبادته الأوثان إلا العناء والبلاء، ولا ينتفع
منها بشيء فهم لا يعقلون (١).
«پقول تعالی ذکره لهؤلاء الكفار: فكيف
أيها الناس تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم
فتترکون ما یأمركم به ربکم، وآباؤكم لا
يعقلون من أمر الله شيئًا، ولا هم مصيبون
حقًّا، ولا مدركون رشدًا؟ وإنما يتبع المتبع
ذا المعرفة بالشيء المستعمل له في نفسه،
فأما الجاهل فلا يتبعه -فیما هو به جاهل-
إلا من لا عقل له ولا تمييز))(٢).
((معناه أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالًا
فيتابعوهم بغير حجة؟ فكأنه نهاهم عن
التقليد وأمرهم بالتمسك بالحجة))(٣).
((وفي هذا دلالة على ذم التقليد، وهو
قبول الشيء بلا دليل ولا حجة. وحكى
ابن عطية أن الإجماع منعقد على إبطاله
في العقائد. وفي الآية دليل على أن ما كان
عليه آباؤهم هو مخالف لما أنزل الله، فاتباع
(١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، ٢/ ٤٣.
(٢) جامع البيان، الطبري، ٣٠٧/٣.
(٣) تفسير السمر قندي، ١/ ١١٢.
أبنائهم لآبائهم تقلید في ضلال. وفي هذا
دليل على أن دين الله هو اتباع ما أنزل الله،
لأنهم لم یؤمروا إلا به»(٤).
وهكذا نجد كيف أن الله تعالى ذم
المقلدين للآباء أو الرؤساء الجهال،
والمعرضين عن اتباع منهج الله تعالى
وتعاليمه.
قال تعالى: ﴿ أَمْ مَانَيْنَهُمْ كِتَبًامِن قَبْلِهِ
فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ ( بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَاً
ءَابَآءَنَا عَلَى أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَى ءَاتَزِهِم مُّهْتَدُونَ ()
وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا
قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَاءَنَا عَلَى أَمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى
ءَائَرِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: ٢١-٢٣].
(وفي هذا دليل على إبطال التقليد،
لذمه إياهم على تقليد آبائهم وتركهم النظر
فيما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه
وسلم»(٥).
((أي: لم يأتوا بحجة عقلية أو نقلية بل
اعترفوا بأن لا سند لهم سوى تقليد آبائهم
الجهلة مثلهم»(٦).
((وهذا من أعظم الأدلة الدالة على
بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة
في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم،
ويتبعون آثارهم، ويقتدون بهم، فإذا رام
(٤) البحر المحيط في التفسير، أبو حيان،
٢/ ١٠٣.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٦/ ٧٥.
(٦) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٤٣/٨.
١٢٤
مَوَسُوحَرَا
القرآن الكريمِ

العقل
الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة،
أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها
وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نَیِّر، ولا
حجة واضحة، بل بمجرد قال وقيل لشبهة
داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة، قالوا
بما قاله المترفون من هذه الملل: إنا وجدنا
آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)»(١).
((أي: لم يأتوا بحجة عقلية، أو نقلية،
بل اعترفوا بتقلید آبائهم الجهلة، وقالوا: إنا
وجدنا آباءنا على حالة عظيمة تقصد، وإنا
مهتدون على أعمالهم، و کذلك، أي: والأمر
كما ذكر من عجزهم عن الحجة وتمسكهم
بالتقليد)) (٢).
((وهذا الاحتجاج من هؤلاء المشركين
الضالین، بتقلیدهم لآبائهم الضالين، ليس
المقصود به اتباع الحق والهدى، وإنما هو
تعصب محض، يراد به نصرة ما معهم من
الباطل))(٣).
« هذا الكلام مسوقًا مساق الذم لهم إذ
لم يقارنوا بین ما جاءهم به الرسول وبین ما
تلقوه من آبائهم، فإن شأن العاقل أن یمیز ما
یلقی إليه من الاختلاف ویعرضه على معيار
الحق)» (٤).
(ليست لهم حجة عقلية ولا حجة نقلية
(١) فتح القدير، الشوكاني، ٤ /٦٣٢.
(٢) مراح لبيد، محمد الجاوي، ٢/ ٣٨٢.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦٤.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٨٧/٢٥.
تبرر لهم أفعالهم، وإنما السبب الحقيقي
أنهم يقلدون آباءهم تقليد الأعمى مع
التعصب الشديد ولو كانوا على باطل))(٥).
((وهذا دليل على إبطال التقليد في العقائد
والأصول، لأن الله ذمهم على تقليد آبائهم،
وتر کهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول صلى
الله عليه وسلم))(٦).
((قال سبحانه عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْكُنَّا
نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكَا فِي أَسْحَبِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك:
١٠].
فقد كانت لديهم عقول وأسماع لزمتهم
بها الحجة عند الله تعالى))(٧).
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَّآ أَنْزَلَ
اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَاءَنَاْ أَوَلَوْ
كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
١)) [لقمان: ٢١].
( بین أن مجادلتهم مع كونها من غير
علم فهي في غاية القبح، فإن النبي صلى الله
علیه وسلم كان يدعوهم إلى كلام الله، وهم
يأخذون بکلام آبائهم، وبین کلام الله وکلام
العلماء بون عظيم، فكيف ما بين كلام الله
وكلام الجهال؟!»(٨).
(٥) التفسير الواضح، محمد محمود الحجازي،
٣٨٩/٣.
(٦) التفسير المنير، الزحيلي، ١٣٩/٢٥.
(٧) مقام العقل في الإسلام، د.محمد عمارة، ص
٧٦.
(٨) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل،
٤٥٥/١٥.
www. modoee.com
١٢٥

حرف العين
(﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَبَاءَنَا ﴾ أي:
وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله:
اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الشرائع
المطهرة، لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء
الأقدمين فيما اعتقدوه من دين. وهذا في
غاية القبح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم
يدعوهم إلى كلام الله الهادي إلى الحق
والخير، وهم يأخذون بكلام آبائهم. وهذا
منع صريح من التقليد في أصول العقيدة،
لذا وبخهم الله على سوء مقالتهم)»(١).
((فهذا هو سندهم الوحيد، وهذا هو
دليلهم العجيب! التقليد الجامد المتحجر
الذي لا يقوم على علم ولا يعتمد على
تفكير. التقليد الذي يريد الإسلام أن
يحررهم منه، وأن يطلق عقولهم لتتدبر
ويشيع فيها اليقظة والحركة والنور، فيأبوا
هم الانطلاق من إسار الماضي المنحرف،
ويتمسكوا بالأغلال والقيود.
إن الإسلام حرية في الضمير، وحركة
في الشعور، وتَطَلَّعٌ إلى النور، ومنهج جديد
للحياة، طليق من إسار التقليد والجمود.
ومع ذلك كان يأباه ذلك الفريق من الناس،
ويدفعون عن أرواحهم هداه، ويجادلون في
الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير» (٢).
وإِذا دعوا إلى اتباع وحي الله رجعوا إلى
(١) التفسير المنير، الزحيلي، ٢١/ ١٦٠.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٧٩٣/٥.
جوية
القرآن الكريمِ
التقليد المحض بغير حجة فسلكوا طريق
الآباء، فكان القائل منهم يقول: هم يتبعون
دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير (٣).
خامسًا: إدراك الحكمة من الأحكام
الشرعية:
لقد مَنَّ الله علينا بنعمة العقل، لنهتدي
به خلال رحلة الحياة، فعن طريقه نعبد الله
تعالى على بصيرة، حيث نتدبر الأحكام
الشرعية، نتعلمها ونفهمها ونتفقه ما بها من
أوامر ونواهٍ، فبإدراكنا الحكمة يزداد الیقین،
ويقوى الإيمان، وتتسع مدارك العقول كلما
استنار الإنسان بعلم الله تعالى وهدايته لنا.
((إن الآيات التشريعية التي تبين فضل
الله على الناس في تشريع الأحكام لهم
كثيرة تكفل القسم المدني من القرآن بها،
وجاءت وفق مبادئ الإسلام العظيم في
التيسير ورفع الحرج وغيرها، مما ميز
طبيعة التشريع الإسلامي عن غيره، وهنا
فنحن أمام مجموعة من الآيات المتحدثة
عن حكمة تحريم الخمر والميسر، وعن
مشروعية النفقة والصدقة، وعن أهمية سنة
الزواج، وهي أمور قليلة إن قورنت بمجموع
ما تحدث عنه القرآن في مسائل التشريع،
لكن طلب التفكير فيها ربما لأمور خفية قد
لا تدرك بمجرد العقل أو السمع، فلا بد من
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣٥٣/٤.
١٢٦

العقل
إعمال الفكر فيها))(١).
((القرآن العظيم جاء بهدایات كاملة تامة،
تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان
ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل
شيءٍ، خالق البشرية والخبير بما يصلحها
ويفسدها، وما ينفعها ويضرها، فإذا شرع
أمرًا جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة،
قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيُرُ
[الملك: ١٤].
١٤
ويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال
الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها
عن معالجة المشكلات البشرية، ومسايرة
الأوضاع والأزمنة والأحوال، مما يضطر
أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة
والنقص، فيلغون غدًا ما وضعوه اليوم؛ لأن
الإنسان محل النقص والخطأ، والجهل
لأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث
غدًا في أوضاع الإنسان وأحواله وفيما
يصلح البشرية في كل عصر ومصر))(٢).
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ
ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٢٤٢].
((أي: لكي تعقلوا ما بينت لكم من
الفرائض والأحكام وما فيه صلاحكم
(١) مصطلح التفكر كما جاء في القرآن الكريم،
مجلة الشريعة والقانون، د.محمد خازر
المجالي، ص ٥٢.
(٢) عقيدة المسلم في ضوء الكتاب والسنة،
القحطاني، ٥٠/١.
وصلاح دينكم))(٣).
((ولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة
المشتملة على الحكمة والرحمة امتن بها
على عباده فقال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ
لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾، أي:
حدوده، وحلاله وحرامه والأحكام النافعة
لكم، لعلكم تعقلونها فتعرفونها وتعرفون
المقصود منها، فإن من عرف ذلك أوجب له
العمل بها)»(٤).
«فكذلك أبين لكم سائر الأحكام في
آياتي التي أنزلتها على نبي محمد صلى الله
عليه وسلم في هذا الكتاب، لتعقلوا- أيها
المؤمنون بي وبرسولي - حدودي، فتفهموا
اللازم لكم من فرائضي، وتعرفوا بذلك
ما فيه صلاح دینکم ودنياكم، وعاجلكم
وآجلكم، فتعملوا به ليصلح ذات بينكم،
وتنالوا به الجزيل من ثوابي في معادكم» (٥).
((وعد بأنه سيبين لعباده من الدلائل
والأحكام ما يحتاجون إليه معاشًا ومعادًا.
لعلكم تفهمونها فتستعملون العقل فيها)» (٦).
((أي: مثل هذا التبيين الذي سبق من
الأحكام، يبين لكم في المستقبل ما بقي من
الأحكام التي يكلفها العباد. لعلكم تعقلون
ما يراد منكم من التزام الشرائع والوقوف
(٣) لباب التأويل، الخازن، ١ / ١٧٦.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٠٦.
(٥) جامع البيان، الطبري، ٢٦٦/٥.
(٦) أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٤٨/١.
www. modoee.com
١٢٧

حرف العين
عندها، لأن التبيين للأشياء مما يتضح للعقل عليه من الشرك وتحريم السوائب وغيرها،
بأول إدراك، بخلاف الأشياء المغيبات مما لا تعقل له فائدة، ولا تظهر للأنظار
الصحيحة فيه مصلحة)) (٤).
والمجملات، فإن العقل يرتبك فيها، ولا
یکاد یحصل منها على طائل)) (١).
قال تعالى: ﴿﴿ قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
وَ يَأْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ مِّنْ
إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌّ وَلَا تَقْرَبُواْ
اَلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَّ وَلَا
تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ
وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: ١٥١].
((أي: لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف في
الدين والدنيا)) (٢).
((أي: ليعدكم لأن تعقلوا الخير
والمصلحة في فعل ما أمر به وترك ما نهى
عنه)»(٣).
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ
قال تعالى:
وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
وَلَ عَلَ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ
أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَيِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَبِّكُمْ أَوْ
بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَيَكُمْ أَوْ
بُيُوتٍ أَعْسَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَنَّتِكُمْ
أَوْ بُوتِ أَخْوَ لِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَيْكُمْ أَوْ
مَا مَلَكْتُم مَّفَائِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ
لَيْسَ عَلَّكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا
أَوْ أَشْتَانًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوَّنًا فَسَلِمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ
تَِّيَّةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةٌ طَيْبَةٌ
كَذَلِكَ يُبَيِّنُّ اللّهُ لَكُمُ الَيَتِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [النور: ٦١].
«فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعًا
((أي: وصاكم الله بذلك لما فيه من
إعدادكم، وباعث الرجاء في أنفسكم لأن
نهى عنه وفعل ما أمر به، فإن ذلك مما
تدركه العقول الصحیحة بأدنی تأمل، وفيه
دليل على الحسن الذاتي وإدراك العقول له
بنظرها، وإذا هى عقلت ذلك كان عاقلا لها
ومانعا من المخالفة. وفیه تعریض بأن ما هم
يليق بذلك الزمان على لسان رسول من
تعقلوا ما فيه الخير والمنفعة في ترك ما رسله عليهم الصلاة والسلام، جعل ذلك
الشرع يطابق العقل السوي، والنور الضوي،
والمنهل الروي، والسبب القوي، من
تمسك به هدي ولم یزغ، حد فيه سبحانه
حدودًا، وأقام فيه زواجر، لتظهر حكمته،
ويتضح علمه وقدرته، فصارت شرائع متفقة
الأصول، مختلفة الفروع، بحسب الأزمنة،
(١) البحر المحيط في التفسير، أبو حيان
الأندلسي، ٥٥٥/٢.
إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام
(٢) مراح لبید، محمد الجاوي، ٣٥٤/١.
(٣) التفسير المنير، الزحيلي، ٩٨/٨.
(٤) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ١٦٦/٨.
مَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
١٢٨

العقل
بحسب الأزمان واحد مختار، وامتحانًا والأحكام الشرعية، ونوقن بأن الله تعالى
للعباد، تمييزًا لأهل الصلاح منهم من أهل
الفساد))(١).
((أي: ما في تضاعيفها من الشرائع
والأحكام، وتعملون بموجبها، وتحوزون
بذلك سعادة الدارين»(٢).
((تعليل لذلك التبيين برجاء تعقل آيات
الله سبحانه وفهم معانيها)»(٣).
((﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُّ اللَّهُ لَكُمُ
الْآَيَتِ﴾ الدالات على أحكامه الشرعية
وحكمها، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عنه
فتفهمونها، وتعقلونها بقلوبكم، ولتكونوا
من أهل العقول والألباب الرزينة، فإن معرفة
أحكامه الشرعية على وجهها، يزيد في
العقل، وينمو به اللب، لكون معانيها أجل
المعاني، وآدابها أجل الآداب، ولأن الجزاء
من جنس العمل، فكما استعمل عقله للعقل
عن ربه، وللتفکر في آیاته التي دعاه إليها،
زاده من ذلك» (٤).
((وكذلك يبين الله للناس آياته وحكمه
لعلهم يدركون المنهج الإلهي، ولعلهم
يعقلون ما في هذه الآيات والحجج)»(٥).
نجد أنه من الحكمة التدبر في الآيات
(١) نظم الدرر، البقاعي، ١٣/ ٣٢١.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٦ / ١٩٧.
(٣) فتح القدير، الشوكاني، ٤ / ٦٣.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧٥.
(٥) أيسر التفاسير، أسعد حومد، ١/ ٢٧٣٤.
حد الحدود ووضع القيود، والفرائض
والسنن لحكمة، بعضها أعلمنا بها، وبعضها
أخفى سرها ولا يعلمها إلا هو سبحانه لغاية
يريدها هو.
سادسًا: عدم اتباع الشيطان:
العاقل من ائتمر بأوامر الله عز وجل،
حيث نهانا عن اتباع الشيطان؛ لأنه عدو
لنا، ولا يريد لنا إلا الغواية والضلالة، لذا
علينا أن نكون دائمًا يقظين، وعقولنا وقلوبنا
متنبهة؛ لئلا يوقعنا في شركه، ونحن في غفلة
فنخسر دنيانا وأخرانا، نسأل الله السلامة.
﴿ أَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ
قال تعالى:
ءَدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ
وَأَنِ اعْبُدُونِّ هَذَا صِرَطُ مُسْتَقِيمٌ
مُّبِينَ
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُنْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُواْ
(٦١
﴾﴾ [يس: ٦٠-٦٢].
٦٢
تَعْقِلُونَ {
((أي: لا تطيعوا الشيطان في معصية
الله))(٦).
((قد رأيتم آثار الهالكين قبلكم بطاعة
الشيطان، أفلم تعقلوا ذلك؟!))(٧).
((قوله عز وجل: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِىّ
ءَدَمَ ﴾ أي: ألم آمركم وأوصيكم يا بني
آدم ﴿أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَانَ﴾ يعني: لا
تطيعوه فيما يوسوس ويزين لكم من معصية
(٦) معالم التنزيل، البغوي، ٢٣/٧.
(٧) زاد المسير، الجوزي، ٥٢٩/٣.
www. modoee.com
١٢٩

حرف العين
الله ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر
العداوة،﴿ وَآَنِ اعْبُدُونِ﴾ أي: أطيعوني
ووحدوني ﴿هَذَا صِرَّطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: لا
صراط أقوم منه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ
مِنكُمْ جِيلًاً كَثِيرًا﴾ أي: خلقًا كثيرًا ﴿أَفَلَمْ
تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني: ما أتاكم من هلاك
الأمم الخالية بطاعة إبليس)»(١).
هذا تقريع من الله للكفرة من بني آدم،
((﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ عداوة الشيطان
(٦)
لكم))(٦).
الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين،
وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم؛
واتبعتم الشيطان فیما أمركم به، أفما كان
لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من إذ أطعتم الشيطان في عبادة غير الله، أنه لا
عبادته وحده لا شريك له، وعدولكم إلى
اتباع الشيطان؟! (٢).
ألم أوصكم يا بني آدم أن لا تطيعوا
الشيطان فيما يوسوس به إليكم من
المعاصي، لأنه لكم عدو مبين واضح
العداوة، ولقد أضل الشيطان منكم يا بني آدم
أممًا كثيرة، أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم
﴿أَفَلَمَّ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ أنها لضلالهم، أو أفلم
تكونوا تعقلون شيئًا أصلًا، فلذلك كفرتم
کكفرهم واستحققتم العذاب مثلهم(٣).
((رجوع إلى بيان معاداة الشيطان مع
(١) لباب التأويل، الخازن، ١١/٤.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، بن كثير، ٥٨٤/٦.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء
بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر،
٣٨٠/٨.
ظهور عداوته ووضوح إضلاله لمن له أدنی
عقل ورأي)) (٤).
((فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله
وبعبادة غيره فهو تولية، فإن لم يقدر يأمره
بعبادة الله لأمر غير الله من رئاسة وجاه
وغيرهما فهو صد، وهو يفضي إلى التولية؛
لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على
ذلك الغير فتحصل التولية)» (٥).
((﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ أيها المشركون،
ينبغي لكم أن تطيعوا عدوكم وعدو الله،
وتعبدوا غير الله)) (٧).
((﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ استفهام تقريع
على تركهم الانتفاع بالعقل)) (٨).
((﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ عداوته وتعلموا
أن الواجب طاعة الله))(٩).
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى
الْأَرْضِ حَلَا طَيِّبًا وَلَا تَشَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنَّ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿ إِنَّمَا يَأْمُؤَّكُمْ بِالسُّوْءِ
وَاَلْفَحْشَآِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤ /٢٧٢.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٠١/٢٦.
(٦) فتح القدير، الشوكاني، ٤ / ٤٣٣.
(٧) جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ٥٤٣.
(٨) مدارك التنزيل، النسفي، ١٠٩/٣.
(٩) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤٧/١٥.
١٣٠
الْقُرْآن الكَرِيمِ

العقل
[البقرة: ١٦٨- ١٦٩].
٦٩
فهذا نهي عن اتباع وحي الباطل والشر،
لأنه من إغواء الشيطان، ثم بين كيفية عداوته
وفنون شره وإفساده فقال: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُّكُم
بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآِ﴾ أي: إنما يوسوس
الشيطان ويتسلط عليكم، كأنه آمر مطاع بأن
تفعلوا ما يسوؤكم في دنياكم وآخرتكم، وأن
تجترحوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن،
والتصرف في الأكوان بدون اتخاذ الأسباب
قد ضلوا ضلالًا بعيدًا واتبعوا أمر الشيطان،
ومثلهم من اتخذ رأي الرؤساء حجة في
الدين من غير أن يكون بيانًا أو تبليغًا لما
جاء عن الله، فهؤلاء قد أعرضوا عن سنن
الله، وأهملوا نعمة العقل، واتخذوا من دون
الله الأنداد، قال تعالى: ﴿مَنْ يُصْلِلِ اَللَّهُ فَلاَ
هَادِىَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦].
﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ أي:
ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه ما
لا تعلمون علم اليقين أنه شرعه لكم من
عقائد وشعائر دينية، أو تحليل ما الأصل فيه
التحريم، أو تحريم ما الأصل فيه الإباحة،
ففي كل ذلك اعتداء على حق الربوبية
بالتشريع، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان،
فإنه الأصل في إفساد العقائد وتحريف
الشرائع(١)، أي: لا تطيعوه. وهذا التوبيخ
يدخل فيه التوبيخ عن جميع أنواع الكفر
(١) انظر: تفسير المراغي، ٤٤/٢.
والمعاصي؛ لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة
له، فحذرتكم منه غاية التحذير، وأنذرتكم
عن طاعته، وأخبرتکم بما يدعوكم إليه.
﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: فلا كان لكم
عقل يأمركم بموالاة ربكم ووليكم الحق،
ويزجركم عن اتخاذ أعدى الأعداء لكم
وليا، فلو كان لكم عقل صحيح لما فعلتم
ذلك، فإذا أطعتم الشيطان وعاديتم الرحمن
وكذبتم بلقائه ووردتم القيامة دار الجزاء
وحق عليكم القول بالعذاب (٢).
(«وفرع عليه توبيخهم بقلة العقول بقوله:
﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾، فالاستفهام إنكاري
عن عدم کونهم يعقلون، أي: یدرکون، إذ
لو كانوا يعقلون لتفطنوا إلى إيقاع الشيطان
بهم في مهاوي الهلاك. وزيادة فعل الكون
للإيماء إلى أن العقل لم یتکون فیھم ولا هم
کائنون به)»(٣).
((ألا تطيعوه، والمراد: عبادة غير الله من
الآلهة الباطلة، مما زين به الشيطان وأمر به،
فهو لكم ﴿عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ بين العداوة، ﴿وَأَنِ
أَعْبُدُونِيِ﴾ وحدوني وأطيعوني، أي: ألم
أعهد إليكم بترك عبادة الشيطان، ويعبادتي.
﴿هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: طريق معتدل
قويم، وهو دين الإسلام، أفلم تكونوا تعقلون
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٦٩٨.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٤٩/٢٣.
www. modoee.com
١٣١

حرف العين
عداوة الشيطان وإضلاله لكم؟!))(١).
«لقد عهدت إلیکم یا بنى آدم عهدًا مؤكدا لا أخلاق له، ولا يحركون ساكنًا، فقد دأب
على ألسنة رسلي، أن لا تعبدوا الشيطان وأن
لا تستمعوا لوسوسته، وأن لا تتبعوا خطواته،
لأنه لكم عدو ظاهر العداوة، بحيث لا تخفی
عداوته على أحد من العقلاء)»(٢).
وهكذا نجد أن النجاة في مخالفة
الشيطان، ولا يكون ذلك إلا باستعمال
العقل السليم الذي يعرف الله ويخشاه
ويهتدي بهدي محمد صلى الله عليه وسلم.
سابعًا: الأدب والتوقير للرسول الكريم
والعلماء:
لقد أرسل الله تعالى لنا الرسل لتنير
عقولنا وقلوبنا بنور الهداية والإيمان،
لذا علينا اتباعهم بالحسنى واحترامهم
وتوقيرهم كما أمرنا ربنا سبحانه وتعالى،
لأننا عن طريقه صلی الله عليه وسلم وصلنا
القرآن، وتعرفنا على منهج الهداية والإيمان
والشريعة الصحيحة السليمة، وعرفنا كيف
نصد الشيطان ونستمر في طريق الهدى
والتقوى، وكيفية التعامل مع الآخرين من
أهل وأقارب وجيران.
أما الأدب مع الرسول صلى الله عليه
وسلم فقد أخل كثير من الناس بواجبهم
تجاهه، بل هم یرون الغارات تشن وبشکل
(١) التفسير المنير، الزحيلي، ٣٥/٢٣.
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي، ١٢ /٤٥.
مستمر ومبرمج من اليهود والنصارى ومن
أعداء الله يملؤون الصحف والمنتديات
الإلكترونية والكتب المدرسية الغربية
بسمومهم وهجومهم الموبوء وإساءاتهم
المتكررة، ولا زالوا منذ البعثة إلى يومنا هذا
يتعاونون على الإثم والعدوان على رسولنا
الكريم صلى الله عليه وسلم. وقد كشف
الله سبحانه حقيقتهم في القرآن الكريم،
وفضح حقدهم الدفين في الصد عن شريعة
خاتم الأنبياء والمرسلين.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ
أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ
كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ
لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: ٢].
﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ أي: إذا نطق
ونطقتم، ولا تجهروا له بالقول إذا كلمتموه؛
لأن رتبة النبوة والرسالة يجب أن توقر
وتجل، ولا يكون الكلام مع الرسول صلى
الله عليه وسلم كالكلام مع غيره، وکره
العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وبحضرة العالم، وفي
المساجد(٣).
«أمرهم أن يبجلوه ويفخموه ويعظموه،
ولا یرفعوا أصواتهم عنده، ولا ینادوه كما
(٣) انظر: البحر المحيط في التفسير، أبو حيان
الأندلسي، ٩/ ٥٠٧.
١٣٢
جَوَسُورَةُ النَّقِينَ
القرآن الكريم