النص المفهرس

صفحات 21-40

العفو
الأمور))(١).
وقال أيضًا: ((أوجب الله تعالى الدية
لأولياء القتيل: ﴿إِلََّ أَن يَصَدَّقُواْ﴾ بها على
القاتل، والاستثناء إذا تعقب جملا عاد إلى
جميعها إذا صلح ذلك فيها، وإلا عاد إلى
ما يصلح له ذلك منها، والذي تقدم الكفارة
والدية، والكفارة حق الله سبحانه، ولا
تقبل الصدقة من الأولياء؛ لأن الصدقة من
المتصدق عليه لا تنفذ إلا فيما يملكه)) (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِلََّّ أَنْ يَصَدَّقُواْ﴾
معناه أن الدية تجب على قاتل الخطأ لأهل
المقتول، إلا أن يعفوا عنها ويسقطوها
باختيارهم فلا تجب حينئذ؛ لأنها إنما
فرضت لهم؛ تطييبًا لقلوبهم، وتعويضًا عما
فاتهم من المنفعة بقتل صاحبهم، وإرضاء
لأنفسهم عن القاتل؛ حتى لا تقع العداوة
والبغضاء بينهم، فإذا طابت نفوسهم بالعفو
عنها حصل المقصود، وانتفى المحذور؛
لأنهم يرون أنفسهم بذلك أصحاب فضل،
ويرى القاتل لهم ذلك، وهذا النوع من
الفضل والمنة لا يثقل على النفس حمله كما
يثقل عليها حمل منة الصدقة بالمال، وقد
عبر عنه بالتصدق للترغيب فيه(٣).
(١) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٦٠٠.
(٢) المصدر السابق ١/ ٦٠٢.
(٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢٧١/٥-
٢٧٢.
ثانيًا: عفو مقید:
المقصود به عفو المجروح إن کان باقيًا،
أو وارثه إن كان هالكًا عن عقوبة القصاص
في القتل العمد، أو ما دون ذلك من
الأطراف والجروح، فيعفون عفوًا مشروطًا
مقيدًا بدفع الجاني أو عاقلته الدية للمجروح
إن کان باقیّا أو إلی وارثه إن کان ھالگا مقابل
عفوهم عن الجاني، وهو ما يمكن أن يطلق
عليه العفو عن القصاص مقابل الدية؛ لقوله
تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأَنْبَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن
رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ﴾
[البقرة: ١٧٨].
يعني الولي إذا أعطي شيئًا من المال
فليقبله، وليتبعه بالمعروف، وليؤد القاتل
إليه بإحسان.
فندبه الله تعالى إلى أخذ المال إذا سهل
ذلك من جهة القاتل، وأخبر أنه تخفيف منه
ورحمة، كما قال عقيب ذكر القصاص من
سورة المائدة: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ
كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة:
فندبه إلى العفو والصدقة، وكذلك ندبه
بما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها
الجاني؛ لأنه بدأ بذكر عفو الجاني بإعطاء
الدية ثم أمر الولي بالاتباع، وأمر الجاني
بالأداء بالإحسان (٤).
(٤) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٨٤/١
www. modoee.com
٦٣

حرف العين
ومقصد الآية الترغيب في الرضا بأخذ الدم)» (٢).
العوض عن دم القتيل بدلًا من القصاص؛
لتغییر ما كان أهل الجاهلية یتعیرون به من
أخذ الصلح في قتل العمد، ويعدونه بيعًا لدم
مولاهم.
وهذا كله في العفو على قتل العمد،
وأما قتل الخطأ فإن شأنه الدية عن عاقلة القتيل) (٣).
القاتل (١).
١٧٨].
أي: شيء من العفو؛ لأن عفا لازم.
وفائدته الإشعار بأن بعض العفو كالعفو التام
في إسقاط القصاص.
وقيل: ((عفا)) بمعنى ترك، وشيء مفعول
به، وهو ضعيف، إذ لم يثبت عفا الشيء
بمعنى تركه، بل أعفاه. و((عفا)) يعدى
بـ((عن)) إلى الجاني وإلى الذنب، قال الله
تعالى: ﴿عَفَا اَللَّهُ عَنكَ﴾ [التوبة: ٤٣]،
وقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥].
فإذا عدي به إلى الذنب عدي إلى الجاني
باللام، وعليه ما في الآية، كأنه قيل: ((فمن
عفي له عن جنايته من جهة أخيه، يعني ولي
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٢٥٤.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٢/٢.
والمقصود بـ(عاقلة القاتل) عصبته من
الرجال الذكور، ففي قتل الخطأ الدية تجب
على العاقلة كل حسب قرابته وحاله، أما في
قتل العمد فتكون واجبة على الجاني نفسه.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١٢٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب كتابة العلم، رقم ١١٢.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٥٥/٢.
٦٤
جوبيه
القرآن الكريمِ
والعفو عن القصاص مقابل الدية ليس
على سبيل الوجوب والإلزام، بل على سبيل
الجواز والتخيير؛ لما جاء في حديث أبي
هريرة رضي الله عنه، وفيه: (فمن قتل فهو
بخير النظرين: إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل
وهذا من فضل الله على هذه الأمة، كما
وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ
مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ لأن أهل
التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير
ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم
یکن لهم قود ولا دية، فجعل الله تعالى ذلك
تخفيفا لهذه الأمة، فمن شاء قتل، ومن شاء
أخذ الدية، ومن شاء عفا (٤).

العفو
أسباب العفو
تحدث القرآن الكريم عن أسباب العفو
الدنيوية والأخروية حاثا للعباد على الأخذ
بها؛ لنيل رضا الله تعالى، ومحبة الخلق،
وسوف نبين هذه الأسباب فيما يأتي:
أسباب العفو كثيرة، منها:
١. كرم النفس.
فمن كانت نفسه كريمة فإنه سيعفو
ويصفح كما عفا أنبياء الله ورسله عن
أقوامهم، ومن ذلك عفو يوسف عليه
السلام عنه إخوته وقوله لهم: ﴿لَا تَثْرِیبَ
عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ
الرَّحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
وعفو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
عن أعدائه، فضلا عن أتباعه وأصحابه.
فإنه سيعفو ويصفح.
٢. استشعار الأجر.
فقد جاءت آيات كثيرة تبين أن للعفو
أجورا عظيمة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ
تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة:
٤٥].
فبين القرآن أن العفو عن القصاص
صدقة، وأن من عفا كفر الله من ذنبه بقدر
ما عفا.
وقال تعالى: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ
وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن:
١٤].
فبينت الآية أن من عفا وصفح فقد نال
مغفرة الله، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ
وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِتُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ
[النور: ٢٢].
فقد بينت هذه الآية أن العفو والصفح
سبب لنيل مغفرة الله؛ ولذلك لما استشعر
أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا الأجر
العظيم عفا عن مسطح.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى
اُللَّهِإِنَّهُ لَا يُحِبُّ اَلنَّكْلِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠].
فقد بينت الآية أن الله تبارك وتعالى هو
من يتولى مكافأة من عفا وأصلح.
فإذا استشعر العبد هذه الفضائل وجعلها
نصب عينيه كانت مدعاة له للتحلي بالعفو
وأيضًا من علم أن الجاني أهلا للعفو؛ والصفح والإحسان.
٣. امتثال أمر الله وأمر رسوله صلى
الله عليه وسلم.
لما سبق في الآيات السابقة أن الصحابة
رضوان الله عليهم لما امتثلوا أمر الله وأمر
رسوله صلی الله عليه وسلم عفا الله عنهم،
وأنزل في ذلك آيات تتلى إلى يوم القيامة.
٤. التوبة.
فهي أعظم سبب من أسباب عفو الله
على العبد؛ فهو سبحانه عفو يحب العافين
www. modoee.com
٦٥

حرف العين
عن الناس، تواب يحب التوابين؛ ولذلك لما لَنَا وَأَرْحَيْنَأَ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
تاب بنو إسرائيل تاب عليهم وعفا عنهم، كما اُلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
في قوله تعالى عنهم: ﴿ثُمَّ أَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِنْ
بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا
مُوسَى سُلْطَنَّا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١٥٣].
وفي هذه الآية الكريمة لم يبين سبحانه
وتعالى سبب عفوه عنهم ذنب اتخاذ العجل
إلها، ولكنه بينه في سورة البقرة بقوله:
﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ
لَكُمْ عِنْدَ بَارِيكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ
الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤](١).
وقد ذكر المفسرون أن في قوله تعالى:
﴿فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ﴾ استدعاء إلى التوبة،
والمعنى: أن أولئك الذين أجرموا لما تابوا
عفونا عنهم؛ فتوبوا أنتم نعف عنكم(٢).
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَّعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:
٥٣].
فمن تاب في الدنيا توبة صادقة تاب الله
عليه وعفا عنه في الآخرة.
٥. الدعاء.
فهو من أهم أسباب عفو الله على العبد؛
كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ٣٢١.
(٢) لباب التأويل، الخازن ٤٤٣/١.
(فقد طلبوا من ربهم أن يعفو لهم عن
تقصير إن كان منهم في بعض ما أمرهم به
من فرائضه، فيصفح لهم عنه ولا يعاقبهم
عليه))(٣).
فيستفاد من هذه الآية الكريمة: «أنه ينبغي
للإنسان سؤال الله العفو؛ لأن الإنسان لا
يخلو من تقصير في المأمورات؛ فيسأل الله
العفو عن تقصيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ
عَنَّا﴾، وسؤال الله المغفرة من ذنوبه
التي فعلها؛ لقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْلَنَا﴾ لأن
الإنسان إن لم يغفر له تراكمت عليه الذنوب
ورانت على قلبه، وربما توبقه وتهلكم»(٤).
قال الألوسي عند تفسيره لهذه الآية:
«فهو تعليم منه تعالى لعباده كيفية الدعاء
والطلب منه، وهذا من غاية الكرم ونهاية
الإحسان، يعلمهم الطلب؛ ليعطيهم،
ويرشدهم للسؤال؛ لیثیبهم»(٥).
وقد استجاب الله لهم، كما جاء ذلك
مفسرا في حديث أبي هريرة رضي الله
عنه قال: (لما نزلت على رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ
(٣) جامع البيان، الطبري ٦/ ١٤٠.
(٤) تفسير القرآن الكريم، سورتي الفاتحة والبقرة،
ابن عثيمين ٣/ ٤٦٠.
(٥) روح المعاني، الألوسي ٦٧/٢.
٦٦
القرآن الكريمِ

العفو
يُحَاسِبِكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَخْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن
يَشَكَةُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيٌ﴾ [البقرة:
٢٨٤].
اشتد ذلك على أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله
صلی الله عليه وسلم ثم بر کوا على الركب،
فقالوا: أي رسول الله، کلفنا من الأعمال ما
نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة،
وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (أتريدون
أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم:
سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا
غفرانك ربنا وإليك المصير)، قالوا: سمعنا
وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما
اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله
في إثرها: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن
رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَكُتُهِ.
وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾
[البقرة: ٢٨٥].
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل
الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَاَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا
لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَِّينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾) قال: نعم.
(﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ,
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾) قال: نعم. (﴿رَبَّنَا
وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ،﴾) قال: نعم.
(﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا
فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾)قال:
نعم)(١).
الشاهد قوله: ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا﴾
قال: (قد فعلت).
فبينا أن الله قد استجاب للصحابة
دعوتهم، ولبی طلبهم، وعفا عنهم، وتجاوز
عنهم.
بل إن العبد الصادق في إيمانه المخلص
في دعائه إذا دعا الله أن يعفو أولياء المجني
علیه على الجاني استجاب الله له، كما جاء
في حديث أنس رضي الله عنه: (أن الربيع
وهي ابنة النضر كسرت ثنية (٢) جاريةٍ (٣)
فطلبوا الأرش (٤)، وطلبوا العفو، فأبوا،
فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم
بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية
الربيع يا رسول الله؟! لا والذي بعثك بالحق
لا تکسر ثنیتھا. فقال: (یا أنس، کتاب الله
القصاص) (٥)، فرضي القوم وعفوا، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما
يطاق، رقم ١٢٥.
(٢) مفرد ثنايا، وهي مقدم الأسنان.
(٣) الجارية: هي المرأة الشابة هنا، لا الأمة.
(٤) الأرش: دية الجراحة أو الأطراف.
(٥) أي حكم كتاب الله تعالى القصاص، وهو أن
تكسر السن مقابل السن.
www. modoee.com
٦٧

حرف العين
من لو أقسم على الله لأبره (١))(٢).
٧. كرم الله على عباده وتفضله
علیھم.
فقد بين القرآن أن الله سبحانه ذو فضل
عظيم يتفضل على عباده بالعفو، كما في
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ
ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
ففي هذه الآية أخبر الله تبارك وتعالى
بتفضله سبحانه وتعالى بالعفو عن الذين
خالفوا أمر رسول الله صلی الله علیه وسلم،
والتاركين طاعته فيما تقدم به إليكم من لزوم
الموضع الذي أمركم بلزومه عنكم، فصفح
لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتيتموه عما هو
أعظم مما عاقبكم به من هزيمة أعدائكم
إياكم، وصرف وجوهكم عنهم، إذ لم
يستأصل جمعكم (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾
حيث ندمتم على ما فرط منكم من عصيان
رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿وَاُللَّهُ ذُو
فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالعفو عنهم وقبول
توبتهم، أو هو متفضل عليهم في جميع
الأحوال، سواء أديل لهم أو أديل عليهم؛
(١) لصدقه وإخلاصه، ولذلك فقد حقق الله
رغبته.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح،
باب الصلح في الدية، رقم ٢٧٠٣.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٩٨/٧.
لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة (٤).
٨. السيرة الحسنة وعدم تعمد الوقوع في
الخطأ.
كما في عفو الله سبحانه عن الرماة الذي
خالفوا أمر رسول الله صلی الله عليه وسلم
بملازمة الجبل وعدم النزول منه مهما كانت
الظروف، إلا أنهم لما رأوا أن الرسول صلى
الله عليه وسلم ومن معه قد انتصروا وأن
كفار قريش قد انهزموا نزلوا من الجبل،
فحصل ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم
ولمن معه من الصحابة، فانقلب النصر إلى
هزيمة بسبب ذلك، إلا أن الله تبارك وتعالى
عفا عن ذلك، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا
عَنكُمْ ﴾ ذلك أن هذا الخطأ كان عن
اجتهاد ولم یکن عن تعمد.
٩. من كان له عذر ((ذوو الأعذار)).
﴿فَأُوْلَكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ
عَفَوَا غَفُورًا
﴾ [النساء: ٩٩].
قال الحسن: ﴿عَسَى﴾ من الله واجبة،
وقيل: إنها بمنزلة الوعد؛ لأنه لا يخبر بذلك
عن شك. وقيل: إنما هذا على شك العباد،
أي: كونوا أنتم على الرجاء والطمع (٥).
١٠. الموعظة.
وعظ المجني عليه وحثه على العفو:
(٤) مدارك التنزيل، النسفي ٣٠١/١.
(٥) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٣١٤/٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٤/٢.
٦٨
القرآن الكريم

العفو
فقد كان من هدي رسول الله صلى الله عليه ١٩٩]، فعفا عنه عمر بن الخطاب رضي الله
عنه لما سمع هذه الآية.
وسلم الحث على العفو والأمر به، كما في
حديث أنس رضي الله عنه: (ما رأيت النبي
صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه
قصاص إلا أمر فيه بالعفو) (١).
وكل آيات القرآن الكريم الواردة في خلق
العفو تشير إلى أنه ينبغي وعظ المجني عليه
بالعفو عن الجاني؛ إذ كان أهلا لذلك، ومن
تلك الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ
وَأَوْلَدِ كُمْ عَدُوَّالَّكُمْ﴾ [التغابن: ١٤].
نزلت في وعظ أولياء الأمور على العفو
عمن تحت أيديهم من زوجات وأولاد
وخدم، وما أشبه ذلك.
ولما نزل قول الله تعالى في شأن أبي بكر
الصديق رضي الله عنه ومسطح: ﴿وَلْيَحْفُواْ
وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمُ﴾ [النور: ٢٢].
کانت موعظة بليغة له؛ فما كان منه رضي
الله عنه إلا أن عفا عن مسطح.
ولما أخطأ أعرابي على عمر بن
الخطاب رضي الله عنه فهم به، فوعظه أحد
الحاضرين بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ
بَلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَِهِلِينَ﴾ [الأعراف:
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٣٧/٢٠، رقم
١٣٢٢٠، وأبو داود في سننه، كتاب الديات،
باب الإمام يأمر بالعفو في الدم، رقم ٤٤٩٧،
والنسائي في سننه، كتاب القسامة، باب الأمر
بالعفو في القصاص، رقم ٤٧٨٤.
ولما وعظ أحد الخلفاء بقوله تعالى:
﴿وَالْكَظِمِينَ اَلْفَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ
النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:
١٣٤] من قبل أحد جواریه عفا عنها.
١١. العفو عن الغير.
والعفو اسم من أسماء الله تبارك وتعالى
الحسنى، وصفة فعلیة من صفاته العلى، فهو
سبحانه عفوٌ يحب العفو، بل العفو أحب
إليه من العقوبة، وبما أنه تبارك وتعالى عفو
يحب العفو فإنه يعفو عمن يعفو عن الناس.
قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ
أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فمن عفا عن أخيه في
الدنيا عفا الله عنه في الآخرة؛ لأن: ((الجزاء
من جنس العمل، فكما تغفر ذنب من أذنب
إليك يغفر الله لك، وكما تصفح يصفح
عنك»(٢).
وإذا عفا أولياء المجني عليه ((المقتول))
عن الجاني ((القاتل)) عن عقوبة القصاص،
وكذلك الجاني كانت جنايته دون القتل فعفا
عن المجني؛ کفر الله عنه من ذنوبه بقدر ما
عفا، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ
◌ِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥].
فقد سئل عبد الله بن عمرو بن العاص
عن هذه الآية، فقال: ((يهدم عنه من ذنوبه
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩/٦.
www. modoee.com
٦٩

حرفالعین
بقدر ما تصدق به»(١).
ويؤيد ذلك ما جاء في حديث المحرر
بن أبي هريرة، عن رجل من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (من أصيب بشيء في
جسده فتر که لله کان کفارة له)(٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦٢/١٠.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٢٩٨٣.
وحسنه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب، رقم ٢٤٦١.
مراتب العفو
للعفو ثلاث مراتب، وهي:
أولًا: ترك المعاقبة:
مرتبة ترك المعاقبة هي المعنى الأوَّلي
المتبادر إلى الذهن، كما يدل على ذلك
المعنى الاصطلاحي للعفو فهو باختصار:
(ترك المؤاخذة بالذنب))(٣).
والمؤاخذة: المعاقبة كما في دعاء
الصالحين: ﴿رََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ﴾ أي: لا
تعاقبنا (٤) ﴿إن نَسِينَآ﴾ أمرك ونهيك
أَوْ
أَخْطَأْنَا﴾ أي: ففعلنا خلاف الصواب،
تفریطًا ونحوه(٥).
والمعنى: ((اعف عن إثم ما يقع منا
على هذين الوجهين، أو أحدهما)) (٦) وترك
المعاقبة یکون بالفعل والقول، أو هما معا.
وكما يدل على ذلك سياق الآيات
الواردة في الحث على العفو، كقوله تعالى:
﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ ﴾ [المائدة: ١٣].
ففي هذه الآية حث الله نبيه صلى الله
عليه وسلم على العفو، وترك معاقبة من
أرادوا به وبأصحابه سوءًا من اليهود، قال
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٧١.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ١١٩.
(٥) محاسن التأويل، القاسمي ٢٤٤/٢.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٣١/٣.
والمقصود بالوجهين: الخطأ والنسيان، أو
أحدهما.
٧٠
القرآن الكريمِ

العفو
ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية: ((يقول
الله جل وعزله: اعف يا محمد عن هؤلاء
اليهود الذين هموا بما هموا به من بسط
أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح
لهم عن جرمهم بترك التعرض لمكروههم،
فإني أحب من أحسن العفو والصفح إلى من
أساء إليه))(١).
والحث على العفو عنهم في هذه الآية
إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة فإن الله
سیتولی حسابهم، كما قال ابن جرير: «اعف
عن هؤلاء الذين هموا ببسط أيديهم إليك
وإلى أصحابك واصفح، فإن الله عز وجل
من وراء الانتقام منهم، وسينبئهم الله عند
ورودهم عليه في معادهم بما كانوا في الدنيا
يصنعون من نقضهم میثاقه، ونکثهم عهده،
وتبدیلهم كتابه، وتحريفهم أمره ونهيه،
فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم))(٢).
وفي قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ فقد عفا صلى
الله عليه وسلم عن الرماة الذين خالفوا
أمره، وارتكبوا نهيه، وتجاوز عنهم، وترك
معاقبتهم.
وفي قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ
عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف:
فقد فهم منها الصحابة رضوان الله عليهم
أنها تحث على العفو عن الجاهلين والتجاوز
(١) جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٣٤.
(٢) المصدر السابق ١٠/ ١٤٠.
عنهم، وترك معاقبتهم كما يدل على ذلك
حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:
(قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على
ابن أخيه الحر بن قيسٍ، وكان من النفر الذين
يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس
عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا، فقال
عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي هل لك وجهٌ
عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه؟ قال:
سأستأذن لك علیه، قال ابن عباسٍ: فاستأذن
الحر لعیینة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه،
قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا
الجزل، ولا تحکم بیننا بالعدل، فغضب عمر
حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير
المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله
عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ
عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها
عمر حین تلاها علیه، و کان وقافًا عند کتاب
الله (٣).
قال ابن الجوزي: المعنى: «أنه وقف عند
سماعها عن إمضاء ما هم به من العقوبة)) (٤).
بل عملوا بما دلت عليها، وطبقوها في
حياتهم العملية، قال ابن حجر: ومعنى ((ما
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن: سورة الأعراف باب (خذ العفو وأمر
بالعرف)، رقم ٤٦٤٢.
(٤) كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن
الجوزي ١ / ١١١.
www. modoee.com
٧١

حرف العين
جاوزها)) ما عمل بغير ما دلت عليه، بل عمل يعاقبوهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِن تَعْفُواْ
وَتَصْفَحُواْ﴾(٢) الآية.
بمقتضاها؛ ولذلك قال: ((وكان وقافا عند
کتاب الله» أي: يعمل بما فيه ولا يتجاوزه،
وفي هذا تقوية لما ذهب إليه الأكثر أن هذه
الآية محكمة.
((قال الطبري بعد أن أورد أقوال السلف
في ذلك: وإن منهم من ذهب إلى أنها
منسوخة بآية القتال والأولى بالصواب أنها
غير منسوخة؛ لأن الله أتبع ذلك تعليمه
نبيه محاجة المشركين، ولا دلالة على
النسخ، فكأنها نزلت لتعريف النبي صلى
الله عليه وسلم عِشْرَةَ من لم يؤمر بقتاله
من المشركين، أو أريد به تعليم المسلمين
وأمرهم بأخذ العفو من أخلاقهم فيكون
تعليما من الله لخلقه صفة عِشْرَةً بعضهم
بعضًا فیما ليس بواجب، فأما الواجب فلا بد
من عمله فعلًا أو تركًا))(١).
وجاء ذكرها كذلك في قوله تعالى:
﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤].
فقد نزلت في قوم من أهل مكة أسلموا،
وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم،
فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فأتوا
المدينة، فلما قدموا على رسول الله صلى
الله عليه وسلم رأوهم قد فقهوا فهموا أن
(١) انظر فتح الباري ٢٥٩/١٣.
جوبيين
القرآن الكريم
وهذه الآية وإن كانت نزلت في شأن قوم
مخصوصين إلا أن «العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب)) وبالتالي فهي عامة كما
يقول القرطبي: ((وخصوص السبب لا يمنع
عموم الحكم»(٣).
ففي هذه الآية حث الله تبارك وتعالى
أولياء الأمور من الآباء والأزواج على العفو
عن الضعفاء من زوجات وأولاد وخدم،
وترك معاقبتهم، قال النسفي: ((﴿وَإِن
تَعْفُوا﴾ عنهما أي: الزوجات والأولاد إذا
اطلعتم منهم على عداوة، ولم تقابلوهم
بمثلها»(٤).
وقيد ذلك الألوسي بالذنوب القابلة
للعفو، فقال عند تفسيره لهذه الآية: ((﴿وَإِن
تَعْفُواْ﴾ عن ذنوبهم القابلة للعفو بأن تكون
متعلقة بأمور الدنيا، أو بأمور الدين لكن
مُقارنة للتوبة بأن لم تعاقبوهم عليها)) إلى
أن قال: ((ولما كان التكليف هاهنا شاقًا؛ لأن
كما يدل على ذلك سبب نزول هذه الآية الأذى الصادر ممن أحسنت إليه أشد نكاية
وأبعث على الانتقام ناسب التأكيد في قوله
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب ومن سورة التغابن، رقم ٣٣١٧.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨/ ١٤٢.
(٤) مدارك التنزيل ٣ / ٤٩٣.
٧٢

العفو
سبحانه: ﴿وَإِن تَعْفُواْ﴾ إلخ))(١).
وجاء ذكرها أيضًا في قول يوسف
لإخوته كما حكى الله عنه أنه قال لهم:
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُلَكُمْ وَهُوَ
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
كما يدل على ذلك سياق قصة يوسف
عليه السلام مع إخوته، وقد فهم منها ذلك
أحد الأمراء وعمل بمقتضاها، كما روي
في الأثر عن مالك بن دينار قال: ((أتينا منزل
الحكم بن أيوب ليلا وهو على البصرة
أمير، وجاء الحسن -وهو خائف- فدخلنا
معه عليه، فما كنا مع الحسن إلا بمنزلة
الفراريج، فذكر الحسن قصة يوسف عليه
السلام وما صنع به إخوته، فقال: باعوا
أخاهم وأحزنوا أباهم، وذكر ما لقي من کید
النساء ومن الحبس، ثم قال: أيها الأمير، ماذا
صنع الله به؟ أدائه منهم، ورفع ذكره، وأعلی
كلمته، وجعله على خزائن الأرض، فماذا
صنع يوسف حين أكمل الله له أمره وجمع
له أهله؟ قال: ﴿لَا تَقْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَّ
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾
[يوسف: ٩٢].
یعرض للحكم بالعفو عن أصحابه، قال
الحكم: فأنا أقول: لا تثريب عليكم اليوم
ولو لم أجد إلا ثوبي هذا لواریتکم تحته»(٢).
(١) روح المعاني، ٣٢١/١٤.
(٢) إحياء علوم الدين، الغزالي ١٨٤/٣.
وأيضًا يدل على ذلك قصة يعقوب عليه
السلام مع أبنائه، فإنهم لما ظهرت حقيقة
فعلهم، طلبوا من أبيهم العفو والمغفرة،
فقالوا: ﴿يَبَنَا أُسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا
خَطِينَ﴾ [يوسف: ٩٧].
فلبى طلبهم، وقال: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ
لَكُمْ رَبِيِّ إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف:
٩٨].
وجاء ذكرها كذلك في قوله تعالى:
﴿وَالْكَظِمِينَ اَلْفَيْظَ﴾ و((أصل الكظم:
شد رأس القربة عند امتلائها، ويقال: فلان
كظيم أي: ممتلئ حزنا، والغيظ هيجان الطبع
عند رؤية ما ينكر، والمراد: والمتجرعين
للغيظ الممسكين عليه عند امتلاء نفوسهم
منه، فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم
ولا يبدون له ما يكره، بل يصبرون على ذلك
مع قدرتهم على الإنقاذ والانتقام، وهذا هو
الممدوح)»(٣).
ومعنى هذه الآية كما يقول الرازي:
((الذين يكفون غيظهم عن الإمضاء، ويردون
غيظهم في أجوافهم، وهذا الوصف من
أقسام الصبر والحلم، وهو كقوله: ﴿وَإِذَا مَا
غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]))(٤).
والمقصود أنهم: ((لا يعملون غضبهم في
الناس، بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون
(٣) روح المعاني، الألوسي ٢٧٢/٢ - ٢٧٣.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٣٦٧.
www. modoee.com
٧٣

حرفالعين
ذلك عند الله عز وجل))(١). ((وكل من يعفو الإنسان ولا يصفح))(٥).
استحق عقوبة فترکت له فقد عفي عنه»(٢).
وجاء ذكرها أيضًا في قوله: ﴿ وَلَا تُطِعِ
اُلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى
اَللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨].
وذكر الماوردي عند تفسيره لقوله تعالى:
قال القرطبي: ((فأمره تبارك وتعالى بترك ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ﴾ وجهين:
معاقبتهم، والصفح عن زللهم»(٣).
ثانيًا: الصفح:
الصفح هو: ((إزالة أثر الذنب من النفس،
يقال: صفحت عن فلان، إذا أعرضت عن
ذنبه، وقد ضربت عنه صفحا، إذا أعرضت
عنه وتر کته»(٤).
والصفح أبلغ من العفو وأعلى درجة منه،
كما يدل على ذلك سياق الآيات القرآنية
الواردة في ذلك، فقد جاءت بالحث على
العفو أولًا، ثم أعقبت ذلك بالصفح مما يدل
على أن الصفح أبلغ من العفو وأعلى درجة
منه.
وهذا ما ذهب إليه الألوسي، فقال:
((العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك
التثريب والتأنيب، وهو أبلغ من العفو إذ قد
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٦/٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ / ٢٠٧.
(٣) المصدر السابق ٢٠٢/١٤.
(٤) التفسير المنير، وهبة الزحيلي ١/ ٢٦٩.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٧١/٢.
وقال الراغب: ((والصفح: ترك التثريب،
وهو أبلغ من العفو وقد يعفو الإنسان ولا
يصفح))(٦).
أحدهما: أن العفو عن الأفعال والصفح
عن الأقوال.
الثاني: أن العفو ستر الذنب من غير
مؤاخذة، والصفح الإغضاء عن المكروه(٧).
وقال بعضهم: ((والصفح ترك التقريع
باللسان، والاستقصاء في اللوم»(٨).
وقد جاء ذكر هذه المرتبة -كما هو
الحال في بقية المراتب- في عدة آيات،
كقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ ﴾ وفي
قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْفُواْ
وَتَصْفَحُواْ﴾ قال ابن جرير عند تفسيره
لهذه الآية: ((وتصفحوا لهم عن عقوبتكم
إياهم على ذلك، وتغفروا لهم غير ذلك من
الذنوب)) (٩).
((﴿وَتَصْفَحُواْ﴾
وقال البيضاوي:
بالإعراض، وترك التثريب عليها
(٥) روح المعاني، الألوسي ٣٥٦/١.
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٨٦.
(٧) النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٨٤.
(٨) روح البيان، إسماعيل حقي ٢٠٤/١.
(٩) جامع البيان، الطبري ٤٢٥/٢٣.
٧٤
جوسين
القرآن الكريمِ

الحفى
﴿وَتَغْفِرُواْ﴾ بإخفائها وتمهيد معذرتهم تعالى عن عباده الصالحين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
اُلْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا ﴾ [الفرقان: ٦٣].
فيها))(١).
وجاء ذكرها صراحة في آيات أخرى
مستقلة، كقوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ
الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥].
ففي هذه الآية أمر الله جل وعلا نبيه
عليه الصلاة والسلام في هذه الآية الكريمة
أن یصفح عمن أساء الصفح الجميل، أي:
بالحلم والإغضاء.
وقال علي وابن عباس: الصفح الجميل:
الرضا بغير عتاب. وأمره صلى الله عليه
وسلم يشمل حكمة الأمة؛ لأنه قدوتهم،
والمشرع لهم(٢).
وفي أمره صلى الله عليه وسلم- بالصفح
عنهم- بذلك إشارة إلى أنه عليه الصلاة
والسلام قادر على الانتقام منهم، فكأنه قيل:
أعرض عنهم، وتحمل أذیتهم، ولا تعجل
بالانتقام منهم، وعاملهم معاملة الصفوح
الحليم (٣).
وجاء ذكرها أيضًا في قوله تعالى:
﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمٌ﴾ [الزخرف: ٨٩].
أي: اصفح عنهم ما يأتيك من أذيتهم
القولية والفعلية، واعف عنهم، ولا ییدر
منك لهم إلا السلام الذي يقابل به أولو
الألباب والبصائر الجاهلين، كما قال
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢١٩/٥.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ٣١٣.
(٣) روح المعاني، الألوسي ٧/ ٣٢٠.
أي: خطابا بمقتضى جهلهم: ﴿قَالُواْ
سَلَمًا﴾ فامتثل صلى الله عليه وسلم
لأمر ربه، وتلقى ما يصدر إليه من قومه
وغيرهم من الأذى، بالعفو والصفح، ولم
یقابلهم علیه إلا بالإحسان إليهم والخطاب
الجميل (٤).
وكثير من أهل العلم يقول: إن قوله تعالى:
﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُّلْ سَلَمْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
[الزخرف: ٨٩]، وما في معناه منسوخ بآيات
السيف، وجماعات من المحققين يقولون:
هو ليس بمنسوخ.
والقتال في المحل الذي يجب فيه القتال
والصفح عن الجهلة والإعراض عنهم
وصف کریم، وأدب سماوي، لا يتعارض
مع ذلك، والعلم عند الله تعالى(٥).
وقد أشار ابن سعدي إلي قید مهم عند
تفسيره لقوله: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾
فقال: ((أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد
والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي
ليس بجميل وهو الصفح في غير محله، فلا
يصفح حيث اقتضى المقام العقوبة، كعقوبة
المعتدين الظالمين الذين لا ينفع فيهم إلا
العقوبة)) (٦).
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٧١.
(٥) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٧١/٧.
(٦) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٣٥.
www. modoee.com
٧٥

حرف العين
ثالثًا: الإحسان:
جاء ذكر هذه المرتبة في آيات عدة،
منها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِ النََّّآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْفَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ
النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:
١٣٤].
تتضمن هذه الآية الإحسان إلى المسيء
بالعفو عنه، وهذه المرتبة أعلى مراتب العفو.
والإحسان له معان عديدة ليس المقام
مقام ذکرها، ولکن نذکر ما يهمنا.
قال الرازي: ((واعلم أن الإحسان إلى
الغیر: إما أن یکون بإيصال النفع إلیه، أو
بدفع الضرر عنه.
أما إيصال النفع إليه، فهو المراد بقوله:
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِىِ السََّّآءِ وَالضَّرَآءِ ﴾
وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في
الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة
أخرى، وهو المراد بكظم الغيظ، وإما في
الآخرة وهو أن يبرئ ذمته عن التبعات
والمطالبات في الآخرة، وهو المراد بقوله
تعالى: ﴿وَأَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾))(١).
ومن معاني الإحسان: مقابلة الإساءة
بالإحسان، قال الثوري: («الإحسان أن
تحسن إلى المسيء، فإن الإحسان إلى
المحسن تجارة»(٢).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٣٦٧.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ١ / ٥٠٨.
ومن معانيه: الإنعام على الغير، كما في
قول الشاعر(٣):
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسان إحسان
وهذا المعنى أشار إليه الألوسي
عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾ ((ويمكن أن يقال: الإحسان
هنا بمعنى الإنعام على الغير على وجه عار
عن وجوه القبح، وعبر عنهم بذلك؛ للإشارة
إلى أنهم في جميع تلك النعوت محسنون
إلى الغير لا في الإنفاق فقط))(٤).
وأشار إليه الفيروز آبادي بقوله:
((والإحسان يقال على وجهين:
أحدهما: الإنعام على الغير، أحسن إلى
فلان.
والثاني: إحسان في فعله وذلك إذا علم
علمًا حسنًا، أو عمل عملًا حسنًا والإحسان
أعم من الإنعام)) (٥).
وهذه المراتب الثلاث قد دل عليها سياق
الآيات الكريمة الواردة في العفو - كما سبق
أن أوردنا ذلك- ودل عليها أيضًا ما جاء في
الواقعة التي حصلت لجارية مع سيدها.
فقد روي في الأثر عن ميمون بن مهران
أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها
(٣) قصيدة عنوان الحكم، أبو الفتح البستي، ص
٣٦.
(٤) انظر: روح المعاني ٢٧٣/٢ - ٢٧٤.
(٥) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤٦٥/٢.
٧٦
القُرآن الكَرِيْمِ

الحفى
مرقة حارة، وعنده أضياف، فعثرت فصبت
المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت
الجارية: يا مولاي، استعمل قوله تعالى:
﴿وَالْكَظِمِينَ اَلْفَيْظَ﴾ قال لها: ((قد
فعلت)) فقالت: اعمل بما بعده: ﴿وَالْعَافِينَ
عَنِ النَّاسِ﴾ فقال: ((قد عفوت عنك))
فقالت الجارية: ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
قال میمون: «قد أحسنت إليك، فأنت حرة
لوجه الله تعالى))(١).
فهذه الواقعة تبين مراتب العفو الثلاث
ابتداءً بأدناها وانتهاءً بأعلاها، فأدناها: ترك
المعاقبة، وهي المرتبة الأولى فإن سيد هذه
الجارية لما عثرت وصب المرق عليه؛ هم
بضربها؛ فطلبت منه أن يمتثل قول الله تعالى:
﴿وَالْكَظِمِينَ الْفَيْظَ﴾ فامتثل ذلك،
وترك ضربها، فلما فعل ذلك؛ طلبت منه
المرتبة الوسطى، وهي مرتبة: الصفح عنها،
فقالت له: اعمل بما بعدها: ﴿وَأَلْعَافِينَ
عَنِ النَّاسُِ﴾ فامتثل ذلك، فصفح عنها، ثم
﴿ وَاللهُ
طلبت منه المرتبة العليا، فقالت له:
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فامتثل ذلك فأعتقها،
وجعلها حرة لوجه الله تعالی.
وقد أشار إلى هذا المعنى مجموعة من
علماء التفسير، منهم محمد رشيد رضا
حيث يقول: ((فالعفو مرتبة فوق مرتبة كظم
الغیظ، إذ ربما یکظم المرء غیظه علی حقد
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٧/٤.
و ضغينة.
وهناك مرتبة أعلى منهما، وهي ما أفاده
قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
فالإحسان وصف من أوصاف المتقين، ولم
يعطفه على ما سبقه من الصفات، بل صاغه
بهذه الصیغة تمییزًا له بكونه محبوبًا عند الله
تعالى لا لمزيد مدح من ذكر من المتقين
المتصفين بالصفات السابقة، ولا مجرد
مدح المحسنين الذي يدخل في عمومه
أولئك المتقون - كما قيل- فالذي يظهر
لي هو ما أشرت إليه من أنه وصف رابع
(٢)
للمتقين (٢).
وأكد على ذلك ابن سعدي عند تفسيره
لقوله تعالى: ﴿وَاَلْكَظِمِينَ الْفَيْطَ﴾
فقال: ((أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية
توجب غيظهم وهو امتلاء قلوبهم من
الحنق الموجب للانتقام بالقول والفعل،
هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية،
بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ،
ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم.
﴿وَالْعَافِينَ عَنِ اَلنَّاسِ﴾ يدخل في
العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء
إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم؛
لأن العفو ترك المؤاخذة مع المسامحة
عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى
بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤ / ١١١.
www. modoee.com
٧٧

حرف العين
الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد وأطهر من الحقد والضغن؛ لذلك يستمر
النص؛ ليقرر النهاية الطليقة لذلك الغيظ
الكظيم في نفوس المتقين إنها العفو
والسماحة والانطلاق.
الله رحمة بهم، وإحسانا إليهم، وكراهة
لحصول الشر علیهم، ولیعفو الله عنه،
ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد
الفقير، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ
فَأَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ﴾﴾ [الشورى: ٤٠].
ثم ذكر حالة أعم من غيرها، وأحسن
وأعلى وأجل وهي الإحسان، فقال تعالى:
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ والإحسان
نوعان: الإحسان في عبادة الخالق،
والإحسان إلى المخلوق، فالإحسان في
عبادة الخالق فسرها النبي صلى الله عليه
وسلم بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن
لم تكن تراه فإنه يراك) (١).
وأما الإحسان إلى المخلوق، فهو
«إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع
﴾(٢).
الشر الديني والدنيوي عنهم))
وأشار أيضًا إلى ذلك صاحب الظلال:
((وكظم الغيظ هو المرحلة الأولى، وهي
وحدها لا تكفي، فقد يكظم الإنسان غيظه
ليحقد ويضطغن، فيتحول الغيظ الفائر إلى
إحنة غائرة، ويتحول الغضب الظاهر إلى
حقد دفين، وإن الغيظ والغضب لأنظف
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم
عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم
الساعة، رقم ٥٠.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٤٩.
إن الغيظ وقر على النفس حين تکظمه،
وشواظ يلفح القلب، ودخان يغشى الضمير،
فأما حين تصفح النفس ويعفو القلب،
فهو الانطلاق من ذلك الوقر، والرفرفة في
آفاق النور، والبرد في القلب، والسلام في
الضمير.
﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ والذين
يجودون بالمال في السراء والضراء
محسنون، والذين يجودون بالعفو
والسماحة بعد الغيظ والكظم محسنون،
﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ﴾ والحب هنا هو
التعبير الودود الحاني المشرق المنير، الذي
يتناسق مع ذلك الجو اللطيف الوضيء
الکریم»(٣).
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ٤٧٥.
٧٨
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

العفو
مجالات العفو
بين القرآن الكريم مجالات العفو،
وسوف نتناولها بالتوضيح في الآتي:
أولًا: العفو في المجالات الاجتماعية:
حث القرآن الكريم العباد على العفو
والصفح عما يحصل بينهم ومن ذلك:
عفو الزوج عما له من حقوق لدى
زوجته، وعفو الزوجة عما لها من
حقوق لدی زوجها.
عفوها عن الصداق: المهر.
قال تعالى: ﴿وَءَاتُوْلِنِسَآءَ صَدُقَتِنَّ ◌ِحْلَةٌ
فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُهُ هَنْيَامَّيِقَاءَ
[النساء: ٤].
فالصداق حق خاص من حقوق الزوجة
على زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْلِنِسَآءُ
صَدُقَئِنَّ غِلَةَ ﴾ [النساء: ٤].
ففي هذه الآية الكريمة أمر الله الأزواج
بإيتاء الزوجات صداقهن، وجعل ذلك حقا
من حقوقهن الخاصة، فللزوجة أن تتصرف
فيه كيفما شاءت وفق الضوابط الشرعية،
ومن ذلك تهبه لزوجها كله أو بعضه؛ لقوله
تعالى: ﴿فَإِن طِبَّنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُوهُ
هَنِيثَاقَِّنًا﴾ [النساء: ٤].
قال الرازي: ((اعلم أنه تعالى لما أمرهم
بإيتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول
إبرائها وهبتها له؛ لئلا يظن أن عليه إيتاءها
مهرها وإن طابت نفسها بتركه»(١).
وقال ابن سعدي: ((﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىءٌ
مِنْهُ﴾ أي: من الصداق ﴿نفسًا﴾ بأن سمحن
لكم عن رضا واختيار بإسقاط شيء منه، أو
تأخيره أو المعاوضة عنه ﴿فَكُلُوهُ هَنْبَكَمَّيًِّا﴾
أي: لا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة))(٢).
فإذا عفت الزوجة عن صداقها - كله أو
بعضه- لزوجها فله أخذ ذلك، والمهر لا
يجب لها كاملًا إلا إذا دخل بها، وأما إذا عقد
عليها، ثم طلقها قبل أن يدخل بها وجب
لها نصف الصداق؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ
لَمُنَّ فَرِيضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ
أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ أُلِنِّكَاحْ وَأَنْ تَعْفُواْ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُّ وَلَا تَنسَوْ اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وتشطير الصداق والحالة هذه أمر مجمع
علیه بين العلماء لا خلاف بينهم في ذلك،
فإنه متی کان قد سمی لھا صداقا ثم فارقها
قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمى
من الصداق (٣).
وبما أن ذلك حقًا لها فلها أن تتصرف
فيها كيفما شاءت، ومن ذلك أن تعفو عنه
لزوجها، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَن
يَعْفُونَ ﴾ أي: اللواتي وجب لهن عليكم
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٩٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٦/١.
www. modoee.com
٧٩

حرف العين
نصف تلك الفریضة، فیتر کنه لكم، ويصفحن
لکم عنه تفضلا منھن بذلك علیکم، إن کن
ممن يجوز حكمه في ماله وهن بالغات
رشيدات، فيجوز عفوهن حينئذ ما عفون
وقال ابن العربي: «أذن الله تعالی لهن في
إسقاطه بعد وجوبه؛ إذ جعله خالص حقهن
یتصرفن بالإمضاء والإسقاط کیف شئن إذا
ملكن أمر أنفسهن في الأموال ورشدن»(٢).
وقال الرازي: ((المعنى: ﴿إِلََّّ أَن
يَعْفُونَ﴾ المطلقات عن أزواجهن فلا
يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما
رآني ولا خدمته، ولا استمتع بي فکیف آخذ
منه شيئا؟!))(٣).
وقال ابن سعدي: ((أي: إذا طلقتم
النساء قبل المسيس، وبعد فرض المهر،
فللمطلقات من المهر المفروض نصفه،
ولكم نصفه. هذا هو الواجب ما لم يدخله
عفو ومسامحة، بأن تعفو عن نصفها
لزوجها، إذا كان يصح عفوها» (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّآ أَن يَعْفُونَ ﴾ يدل
على بطلان قول من يقول: ((إن البكر إذا
(١) جامع البيان، الطبري ٥/ ١٤١.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٢٩٣/١.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٤٧٩.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٠٦.
عفت عن نصف الصداق بعد الطلاق أنه لا
يجوز))؛ لأن الله تعالى لم يفرق بين البكر
والثيب في قوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ ﴾ ولما
كان قوله وابتداء خطابه حين قال تعالى:
عنكم من ذلك، فيسقط عنكم ما كن عفون ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ
فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ عامًا
لكم عنه منه. وذلك النصف الذي كان
وجب لهن من الفريضة بعد الطلاق (١)
٠
في الأبكار والثيب وجب أن يكون ما عطف
عليه من قوله تعالى: ﴿إِلَّّ أَنْ يَعْفُونَ)
عامًا في الفريقين منهما، وتخصيص الثيب
بجواز العفو دون البكر لا دلالة عليه(٥).
وأما ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن
المقصود بقوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني:
الرجال، فھو قول شاذ لم يتابع علیه(٦).
والعفو في هذه الآية بمعنى: الترك
والصفح، والاستثناء منقطع؛ لأن عفو المرأة
عن النصف الذي وجب لها عليه ليس
من جنس الأخذ، والمعنى إلا أن يتركن
النصف الذي وجب لهن عند الزوج، ولم
تسقط النون مع ((أن))؛ لأن جمع المؤنث
في المضارع على حالة واحدة في الرفع
والنصب والجزم، فهي ضمير وليست
بعلامة إعراب فلذلك لم تسقط؛ ولأنه لو
سقطت النون لاشتبه بالمذكر (٧).
* عفو الزوج عن ذلك النصف الذي
(٥) أحكام القرآن، الجصاص ٥٣٦/١.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٨٧.
(٧) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٥/٣ -
٢٠٦.
٨٠
القرآن الكريمِ

الحفى
أعطاه لزوجته.
قال تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُواْلَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ
النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، كما
مال إلى ذلك جملة من أئمة التفسير، كابن
جرير الطبري، والراغب، وابن أبي السعود،
وابن الجوزي، وابن كثير، والجصاص،
والألوسي، والنسفي، والشوكاني، وابن
سعدي، وابن عثيمين(١).
وقد استدلوا على ذلك بشواهد عدة
منها:
١. ما روى في الأثر عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (ولي عقدة
النكاح الزوج)(٢). فالحديث نص في
أن عقدة النكاح بید الزوج.
٢. أن ذلك ما فهمه السلف من هذه الآية
وعملوا بمقتضاه؛ فقد روي أن جبير
(١) انظر: جامع البيان ١٥٨/٥، تفسير الراغب
الأصفهاني ١/ ٤٩١، زاد المسير ٢١٤/١،
تفسير القرآن العظيم ١/ ٤٨٧، أحكام القرآن
١/ ٥٣٤، إرشاد العقل السليم ٢٣٥/١، روح
المعاني ٥٤٧/١، مدارك التنزيل ١٩٩/١،
فتح القدير ١/ ٢٩٢، تيسير الكريم الرحمن،
ص ١٠٦، تفسير القرآن الكريم، سورتي:
الفاتحة والبقرة ٣/ ١٧٢.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ٢٦٢/٢،
والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٤١٠.
وصحح الألباني وقفه على علي رضي
الله عنه، في إرواء الغليل، رقم ١٩٣٥.
ابن مطعم رضي الله عنه تزوج امرأة
من بني نصر فطلقها قبل أن يدخل بها
فأرسل إليها بالصداق كاملًا، وقال: أنا
أحق بالعفو منها، قال الله تعالى: ﴿إِلَّآّ
أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ
اَلْنِّكَاحِ﴾ وأنا أحق بالعفو منها(٣).
٣. أن الذي بيد الولي هو عقد النكاح، فإذا
عقد حصلت العقدة؛ لأن بناء الفعلة
يدل على المفعول، كالأكلة واللقمة،
وأما المصدر فالعقد كالأكل واللقم،
ثم من المعلوم أن العقدة الحاصلة بعد
العقد في يد الزوج لا في يد الولي.
٤. أن قوله تعالى: ﴿الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ
التگاحِ ﴾ معناه: الذي بيده عقدة نكاح
ثابت له لا لغيره؛ کما أن قوله: ﴿وَنَھَى
النّفْسَ عَنِ الْمَوَىِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾
[النازعات: ٤٠-٤١]، أي: نهى النفس
عن الهوى الثابت له لا لغيره، كانت
الجنة ثابتة له، فتكون مأواه.
٥. أن الله تعالى ذكر الصداق في هذه الآية
ذکرًا مجملًا من الزوجين، فحمل على
المفسر في غيرها، وقد قال الله تعالى:
﴿ وَءَاتُواْ أَلْنِسَآءَ صَدُقَئِنَّ عِلَةٌ فَإِن ◌ِبْنَ
لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُهُ هَنِيَهَا تَرِيِّنَا﴾
[النساء: ٤] فأذن الله تعالى للزوج في
قبول الصداق إذا طابت نفس المرأة
(٣) أخرجه الدار قطني في سننه ٤ /٤٢١.
www. modoee.com
٨١

حرف العين
وَإِنْ أردتَّمُ
بتركه. وقال أيضًا:
أُسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ
إِحْدَ دُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاً
أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَئًا وَإِثْمَّا قُّبِينًا﴾
[النساء: ٢٠]، فنهى الله تعالى الزوج أن
يأخذ مما أتى المرأة إن أراد طلاقها.
٦. قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ
[البقرة: ٢٣٧]. يعني النساء: ﴿أَوْ يَعْفُوَأْ
الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يعني:
الزوج، معناه يبذل جميع الصداق،
يقال: عفا بمعنى بذل، كما يقال: عفا
بمعنی أسقط. ومعنى ذلك وحكمته:
أن المرأة إذا أسقطت ما وجب لها من
نصف الصداق تقول هي: لم ينل مني
شيئًا ولا أدرك ما بذل فيه هذا المال
بإسقاطه، وقد وجب إبقاء للمروءة
واتقاء في الديانة. ويقول الزوج: أنا
أترك المال لها؛ لأني قد نلت الحل
وابتذلتها بالطلاق فتركه أقرب للتقوى،
وأخلص من اللائمة.
٧. أنه تعالى قال: ﴿وَلَا تَنسَوأُ اَلْفَضْلَ
بَيْنَكُمْ﴾ وليس لأحد في هبة مال لآخر
فضل، وإنما ذلك فيما يهبه المفضل
من مال نفسه، وليس للولي حق في
الصداق (١). فإن قيل: إن العفو في الترك
(١) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٢٩٤/١،
مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٤٧٩، أحكام
القرآن، الجصاص ١/ ٥٣٠ -٥٣٥.
لا في الإعطاء، والزوج هو المعطي،
فکیف یصح منه العفو؟! قیل: إن ذلك
في العفو عن الشيء لا في العقوبة، وقد
يقال: عفا فلان بکذا إذا بذل، والصداق
المفروض تستحق المرأة أخذه بالعقد،
فإن أخذته وإلا ففي حكم المأخوذ،
فإذا عفا به كملا، فكأنه قد عفي عنه (٢).
ولم يقتصر القرآن الكريم على إباحة عفو
کلُّ من الزوجين عما له، أو علیه للآخر، بل
ذهب إلى حثهما على ما هو أكمل، فرغبهما
جميعًا في العفو فقال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧].
خطاب للرجال والنساء جميعًا إلا أن
الغلبة للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث،
وسبب التغليب أن الذكورة أصل والتأنيث
فرع في اللفظ وفي المعنى، أما في اللفظ
فلأنك تقول: قائم، ثم ترید التأنيث،
فتقول: قائمة. فاللفظ الدال على المذكر هو
الأصل، والدال على المؤنث فرع علیه، وأما
في المعنى فلأن الكمال للذكور والنقصان
للإناث؛ فلهذا السبب متى اجتمع التذكير
والتأنيث كان جانب التذكير مغلبًا.
ومعنى الآية: عفو بعضكم عن بعض
أقرب إلى حصول معنى التقوى، وإنما كان
الأمر كذلك لوجهين:
الأول: أن من سمح بترك حقه فهو
(٢) تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٤٩١.
٨٢
لِلْقُرآن الكَرِيمِ