النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الخَفْوة
عناصر الموضوع
مفهوم العفو
٤٤
العفو في الاستعمال القرآني
٤٦
الألفاظ ذات الصلة
٤٨
مشروعية العفو
٥٦
الترغيب في العفو
٦١
أنواع العفو
٦٥
أسباب العفو
٧٠
مراتب العفو
٧٩
مجالات العفو
٨٨
آثار العفو
٤٥
المُجَلَدُ الرَّبِعِ وَالْعَشْرُونْ

حرف العين
مفهوم العفو
أولًا: المعنى اللغوي:
العفو يطلق على معنيين أصليين: أحدهما: ترك الشيء. والآخر: طلبه.
فمن المعنى الأول: عفو الله تعالى عن خلقه، وذلك تركه إياهم فلا يعاقبهم فضلاً منه.
ومن المعني الثاني: قول: اعتفيت فلانًا، إذا طلبت معروفه وفضله، فهو القصد لتناول
الشيء(١).
والعفوأيضًا: خيار الشيء وأجوده، والعفو من الماء: ما فضل عن الشاربة وأخذ بلا كلفة
ولا مزاحمة، العفو من البلاد: ما لا أثر لأحد فيها بملك (٢).
فهذان هما المعنيان الأصليان للعفو، وعليهما يدور جميع معاني العفو، فيفسر في كل
مقام بما يناسبه.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
العفو اصطلاحًا: التجاوز عن الذنب وترك العقاب (٣).
وقال الراغب: العفو هو التجافي عن الذنب (٤).
والعفو: كف الضرر مع القدرة عليه، وكل من استحق عقوبة فتركها، فقد عفا (٥).
فالمعنى الاصطلاحي متفق مع المعنى الأول من المعنيين اللغويين للعفو.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥٦/٤، جمهرة اللغة، ابن دريد ٩٣٨/٢.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٧٢/١٥، الصحاح، الجوهري ٢٤٣١/٦، تاج العروس، الزبيدي
٣٩/ ٦٩.
(٣) انظر: تحفة الأحوذي، المباركفوري ١٤٣/٦.
(٤) المفردات، الراغب ص ٥٧٤.
(٥) انظر: الكليات، الكفوي ص ٥٩٨،٥٣.
٤٤
جوية
القرآن الكريمِ

العفو
العفو في الاستعمال القرآني
وردت مادة (عفو) في القرآن الكريم (٣٣) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١١
﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]
الفعل المضارع
١٢
﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ
[الشورى: ٢٥]
الفعل الأمر
٤
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل
عمران: ١٥٩]
المصدر
٢
[الأعراف:١٩٩]
﴿وَالْكَظِمِينَ الْفَيْطَ وَاَلْعَانِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل
اسم الفاعل
١
عمران: ١٣٤]
الصفة المشبهة
٥
﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا
[النساء: ٤٣]
وجاء العفو في الاستعمال القرآني على وجهين (٢):
أحدها: الصفح والمغفرة: ومن لوازمها الترك وعدم المؤاخذة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، يعني: صفح عنهم وترك مؤاخذتهم.
الثاني: الفضل والكثرة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ [البقرة:
٢١٩]. يعني: ما كثر من أموالهم وفضل عن حاجتهم.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٤٦٦، المعجم المفهرس
الشامل، عبد الله جلغوم، باب العین ص٧٧١.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٣٣٥-٣٣٦، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٤٣٧.
www. modoee.com
٤٥
m
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ

حرف العين
الألفاظ ذات الصلة
المغفرة:
١
المغفرة لغة:
أصل الغفر التغطية والستر، غفر الله ذنوبه أي: سترها، والغفر: الغفران، وقد غفره يغفره
غفرًا: ستره، وكل شيء سترته فقد غفرته(١).
المغفرة اصطلاحًا:
عرفها الكفوي بقوله: ((هي أن يستر القادر القبيح الصادر ممن تحت قدرته، حتى إن العبد
إن ستر عيب سيده مخافة عتابه لا يقال: غفر له))(٢)، والمغفرة من الله هي بأن يصون العبد
من أن يمسه العذاب يوم القيامة (٣).
الصلة بين العفو والمغفرة:
((أن الغفران يقتضي إسقاط العقاب، وإسقاط العقاب هو إيجاب الثواب، فلا يستحق
الغفران إلا المؤمن المستحق للثواب، ولهذا لا يستعمل إلا في الله، فيقال: غفر الله لك.
ولا يقال: غفر زيد. والعفو يقتضي إسقاط اللوم والذم، ولا يقتضي إيجاب الثواب، ولهذا
يستعمل في العبد، فيقال: عفا زيد عن عمرو. وإذا عفا عنه لم يجب عليه إثابته إلا أنه العفو
والغفران)» (٤)
الصفح:
٢
الصفح لغة:
صفح عنه يصفح صفحًا: أعرض عن ذنبه، وهو صفوح وصفاح أي: عفو، والصفوح:
الكريم؛ لأنه يصفح عمن جنى عليه، واستصفحه ذنبه: استغفره إياه وطلب أن يصفح له
عنه(٥).
الصفح اصطلاحًا:
((ترك التأنيب، وهو أبلغ من العفو، فقد يعفو ولا يصفح، وصفحت عنه: أوليته مني
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٥/٥.
(٢) الكليات ص٢٢٣.
(٣) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٥٢.
(٤) الفروق اللغوية، العسكري ص٢٣٥.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢/ ٥١٢.
جَوُور
الْقُرآن الكَرِيْمِ
٤٦

العفو
صفحة جميلة معرضا عن ذنبه بالكلية))(١).
الصلة بين العفو والصفح:
وقال الراغب: ((الصفح: ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو، وقد يعفو الإنسان ولا
یصفح)»(٢).
وقال البيضاوي: ((العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك تثريبه)) (٣).
٣
العقاب:
العقاب لغة:
العقاب مأخوذ من ((عقب)): العين والقاف والباء أصلان صحيحان: أحدهما يدل على
تأخير شيء وإتيانه بعد غيره، والأصل الآخر يدل على ارتفاع وشدة وصعوبة (٤).
العقاب اصطلاحًا:
العقاب هو جزاء الشر، والنكال أخص منه(٥)، أو هو ما يلحق الإنسان بعد الذنب من
المحنة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معًا (٦).
الصلة بين العفو والعقاب:
هما ضدان فالعفو ترك العقوبة، والعقاب إيقاعها.
(١) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢١٧.
(٢) المفردات ص ٢٨٢.
(٣) أنوار التنزيل ١/ ١٠٠.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/ ٧٧.
(٥) الكليات، الكفوي ص٦٥٤.
(٦) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي ٢/ ١١٩٢.
www. modoee.com
٤٧

حرف العین
مشروعية العفو
بين القرآن الكريم في كثير من آياته
مشروعية العفو، ورغب فيه، ومن ذلك:
قوله تبارك وتعالى مخاطبًا نبيه صلى الله
عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُنْ ◌ِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ
عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
ففي هذه الآية الكريمة أمر الله نبيه صلی
الله عليه وسلم بمعاملة العباد بخلق العفو،
قال عبد الله بن الزبير: (أمر نبي الله صلى
الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق
الناس) (١).
قال ابن عاشور عند تفسيره لهذه الآية:
«فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يعفو
ويصفح، وذلك بعدم المؤاخذة بجفائهم
وسوء خلقهم، فلا يعاقبهم ولا يقابلهم بمثل
صنيعهم))(٢).
فالذي ينبغي أن يعامل به الناس أن يأخذ
العفو، أي: ما سمحت به أنفسهم، وما سهل
عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم
ما لا تسمح به طبائعهم، بل یشکر من کل
أحد ما قابله به من قول وفعل جميل أو ما هو
دون ذلك، ویتجاوز عن تقصيرهم ويغض
طرفه عن نقصهم، ولا يتكبر على الصغير
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (خذّ العفو وأمر بالعرف)،
٦/ ٦١، رقم ٤٦٤٤.
(٢) التحرير والتنوير ٢٢٦/٩ - ٢٢٧.
لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير
لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة
بما تقتضيه الحال وتنشرح له صدورهم(٣).
وكل ذلك في المعاملات الشخصية
لا في العقيدة الدينية ولا في الواجبات
الشرعية؛ فليس في عقيدة الإسلام ولا شريعة
الله يكون التغاضي والتسامح، ولكن في
الأخذ والعطاء والصحبة والجوار، وبذلك
تمضى الحياة سهلة لينة. فالإغضاء عن
الضعف البشري والعطف عليه، والسماحة
معه واجب الكبار الأقوياء تجاه الصغار
الضعفاء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم
راع وهاد ومعلم ومرب، فهو أولى الناس
بالسماحة واليسر والإغضاء، وكذلك كان
صلى الله عليه وسلم، لم يغضب لنفسه قط،
فإذا كان في دين الله لم يقم لغضبه شيء،
وكل أصحاب الدعوة مأمورون بما أمر به
رسول الله صلی الله عليه وسلم، فالتعامل
مع النفوس البشرية لهدايتها يقتضي سعة
صدر وسماحة طبع ويسرًا وتيسيرًا في غير
تهاون ولا تفريط في دین الله (٤).
وهذه الآية تدل على عمومية العفو،
وأنه ليس خاصًا بالمسلمين فقط، بل يعم
جميع الناس؛ لأن: ((التعريف في العفو
تعريف الجنس، فهو مفيد للاستغراق إذا لم
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٣١٣.
(٤) انظر: ظلال القرآن، سيد قطب ١٤١٩/٣.
٤٨
مَ ش ◌َرُ الْمَّقِين
جوية
القرآن الكريمِ

العفو
يصلح غيره من معنى الحقيقة والعهد، ولا
يخرج عن هذا العموم من أنواع العفو أزمانه
وأحواله إلا ما أخرجته الأدلة الشرعية،
مثل العفو عن القاتل غيلة، ومثل العفو عن
انتهاك حرمات الله، والرسول أعلم بمقدار
ما يخص من هذا العموم، وقد يبينه الکتاب
والسنة، وألحق به ما يقاس على ذلك
المبين، وفي قوله: ﴿وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ضابط
عظيم لمقدار تخصيص الأمر بالعفو))(١).
ولم يفهم السلف من هذه الآية
الخصوصية، بل فهموا منها العموم(٢).
وأيضًا هذه الآية ليست منسوخة كما
أدعى بعضهم أنها منسوخة بالآيات الآمرة
بالقتال، بل هي محكمة؛ لأن من ادعى أنها
منسوخة لم يستند في دعواه إلی دلیل من
الكتاب أو من السنة.
وهذه الدعوى لم يعول عليها جهابذة
المفسرين، كابن جرير(٣) وابن عطية (٤) وابن
عاشور (٥)، ولم يذكروها إلا ليبينوا ضعفها.
ولأن العفو من مكارم الأخلاق التي جاء
الإسلام بالحث على تكميلها؛ فلا يدخلها
النسخ.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٦/٩-
٢٢٧.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ٢٢٧.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٩/٣.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٩١/٢.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٧/٩.
ومن الأدلة على مشروعية العفو: قوله
تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم:
﴿فَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي
اْلْأَمْيِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فقد أمر الله نبيه
صلی الله عليه وسلم بالعفو عن أصحابه ما
كان منهم يوم أحد مما يختص (٦) به. وأمره
أن يعفو عنهم ما لم يلزمهم من حكم أو
حد (٧).
قال ابن جرير: «یعني تعالی ذکره بقوله:
﴿فَعَفُعَنْهُمْ ﴾ فتجاوز یا محمد عن تباعك
وأصحابك من المؤمنين بك وبما جئت به
من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروهٍ في
نفسك)»(٨).
وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم بهذه الأوامر التي هي بتدریج بليغ،
وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ما له في
خاصته عليهم من تبعة، فلما صاروا في
هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم
من تبعة أيضًا، فإذا صاروا في هذه الدرجة
صاروا أهلًا للاستشارة في الأمور (٩).
وظاهر الأمر للوجوب، والفاء في قوله
تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ يدل على التعقيب،
فهذا يدل على أنه تعالى أوجب عليه أن يعفو
عنهم في الحال، ويدل أيضًا على إيجاب
(٦) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣٠٦/١.
(٧) تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ١/ ٣٣٠.
(٨) جامع البيان، الطبري ٣٤٣/٧.
(٩) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٥٣٣ - ٥٣٤.
www. modoee.com
٤٩

حرفالعین
العفو على الرسول عليه السلام، ولما آل
الأمر إلى الأمة لم يوجبه عليهم، بل ندبهم
إليه، فقال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾
[آل عمران: ١٣٤]، ليعلم أن حسنات الأبرار
سیئات المقربين(١).
وقد أخبر تبارك وتعالى بأنه قد عفا عن
الصحابة الذين خالفوا أمر رسوله صلى الله
عليه وسلم بملازمة الجبل، وتحذيرهم من
النزول منه مهما كانت الظروف والأحوال،
فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ﴾ [آل
عمران: ١٥٢].
قال ابن جرير: ((﴿وَلَقَدْ عَفَا
عَنكُمْ﴾ أيها المخالفون أمر رسول الله
صلی الله عليه وسلم، والتارکون طاعته فيما
تقدم به إليكم من لزوم الموضع الذي أمركم
بلزومه عنکم، فصفح لكم من عقوبة ذنبکم
الذي أتيتموه عما هو أعظم مما عاقبكم به
من هزيمة أعدائکم إیاکم، وصرف وجوهکم
عنهم، إذ لم يستأصل جمعكم))(٢).
ولا شك أن ترك الرماة للجبل ونزولهم
منه يعد مخالفة صريحة لأمر الرسول لهم
بملازمته، وارتكابا لنهيه بعدم النزول منه
مهما كانت الظروف والأحوال.
قال الرازي: ((واعلم أن الذنب لا شك
أنه كان كبيرة؛ لأنهم خالفوا صریح نص
الرسول، وصارت تلك المخالفة سببا
لانهزام المسلمين وقتل جمع عظيم من
أكابرهم، ومعلوم أن كل ذلك من باب
الكبائر، وأيضًا ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَمَن
يُؤَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، يدل على
كونه كبيرة، وقول من قال: إنه خاص في
بدر ضعيف؛ لأن اللفظ عام، ولا تفاوت
في المقصود، فكان التخصيص ممتنعا، ثم
إن ظاهر هذه الآية يدل على أنه تعالی عفا
عنهم من غير توبة؛ لأن التوبة غير مذكورة،
فصار هذا دليلًا على أنه تعالى قد يعفو عن
أصحاب الكبائر، وهذه الآية دالة على أن
صاحب الكبيرة مؤمن؛ لأنا بينا أن هذا
الذنب كان من الكبائر، ثم إنه تعالى سماهم
المؤمنين، فهذا يقتضي أن صاحب الكبيرة
مؤمن بخلاف ما تقوله المعتزلة)) (٣).
وقد غفر الله لهم ذلك لكثرة عدد العدو
وعددهم وقلة عدد المسلمين وعددهم (٤).
وأيضًا غفر لهم لعلمه بتوبتهم وندمهم،
كما يقول النسفي: ((﴿وَلَقَدْ عَفَا
عَنكُمْ﴾ حيث ندمتم على ما فرط
منكم من عصيان رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾
بالعفو عنهم وقبول توبتهم، أو هو متفضل
عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٠٨.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٩٨/٧.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٩/٩.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٦/٢.
٥
جوسين
القرآن الكريم

العفو
أو أديل عليهم؛ لأن الابتلاء رحمة كما أن
النصرة رحمة))(١).
ومن الأدلة على مشروعية العفو قوله
تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣].
(١) مدارك التنزيل، النسفي ٣٠١/١.
وانظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤٣/٢.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٤٩٤.
ففي هذه الآية أمر الله -عز ذكره- نبيه
محمدًا صلى الله عليه وسلم بالعفو عن
وقد يقال: إنه عفا الله عنهم؛ لأن هؤلاء القوم الذين هموا أن يبسطوا أيديهم
مخالفتهم تلك لم تكن عن نية سيئة أو إليه من اليهود. يقول الله -جل وعز- له:
اعف یا محمد عن هؤلاء اليهود الذين هموا
بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى
أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جرمهم
بترك التعرض لمكروههم، فإني أحب من
أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه(٣).
إصرار، بل کان عن اجتهاد منهم، کما أشار
إلى ذلك صاحب الظلال: ((عفا عما وقع
منکم من ضعف ومن نزاع ومن عصيان،
وعفا کذلك عما وقع منکم من فرار وانقلاب
وارتداد، عفا عنکم فضلًا منه ومنة، وتجاوزًا
وقد حث الله على العفو عنهم والحالة
هذه؛ لأن في ذلك مصالح عظيمة، قال ابن
كثير: ((وهذا هو عين النصر والظفر، كما
قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله
فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وبهذا يحصل
لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله
أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
اُلْمُحْسِنِينَ﴾ يعني به الصفح عمن أساء
إليك)) (٤).
عن ضعفكم البشري الذي لم تصاحبه
نية سيئة ولا إصرار على الخطيئة، عفا
عنكم؛ لأنکم تخطئون وتضعفون في دائرة
الإيمان بالله والاستسلام له، وتسلیم قیادكم
لمشيئته: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾
ومن فضله عليهم أن يعفو عنهم ما داموا
سائرين على منهجه، مقرين بعبوديتهم
له لا يدعون من خصائص الألوهية شيئًا
لأنفسهم، ولا يتلقون نهجهم ولا شريعتهم
ولا قيمهم ولا موازينهم إلا منه، فإذا وقعت
منهم الخطيئة وقعت عن ضعف وعجز أو
عن طيش ودفعة، فيتلقاهم عفو الله بعد
الابتلاء والتمحيص والخلاص»(٢).
والعفو عنهم من باب الإحسان إليهم،
حتى تهيج فيهم غريزة العرفان بالجميل،
فيستل ذلك الإحسان الحقد من قلوبهم،
ويفتحوا آذانهم وقلوبهم لكلمة الحق:
﴿فَإِّذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَّةٌ كَأَنَّهُ وَإِىُّ
حَمِيدٌ﴾ [فصلت: ٣٤]؛ لأن العداوة لا
تشتد إلا إذا وجد مؤجج لها من عداوة في
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٤/١٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٦٠.
www. modoee.com

حرف العین
المقابل، فعندما تعامل عدوك بالحسنى ولا سلف منهم من قيلهم لنبيكم صلى الله
عليه وسلم: ﴿وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّاً
بِأَلْسِنَئِهِمْ وَطَعْنَا فِىِ الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦].
ترد على عدائه بالعدوان فكم من الزمن
يصير عدوًا لك؟ إنه اعتدى مرة وسكت أنت
علیه، واعتدی ثانیة وسكت أنت علیه، لا بد
أنه یهدئ من نفسه(١).
ولا دليل ولا حجة لمن ذهب (٢) إلى
أن هذه الآية منسوخة بآية براءة: ﴿قَئِلُوا
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَّوْمِ اَلَآَخِ﴾
[التوبة: ٢٩].
فقد رد على من ذهب على ذلك جملة من
أئمة التفسير، كابن جرير (٣) وابن عاشور (٤)
ومحمد رشيد رضا(٥).
ومن الأدلة على مشروعية العفو قوله
تعالى: ﴿فَأَعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَقَّ يَأْتِىَ اَللَّهُ
بِأَمْرُِّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:
١٠٩].
ففي هذه الآية أمر الله تبارك وتعالى
بالعفو عن ذوي الإساءات من أهل الكتاب،
قال ابن جرير: «﴿فَاعقُوا﴾ فتجاوزوا عما
كان منهم من إساءة وخطأ في رأي أشاروا
به علیکم في دینکم، إرادة صدکم عنه،
ومحاولة ارتدادكم بعد إيمانكم، وعما
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٣٠١٣/٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠ / ١٣٤.
(٣) انظر: المصدر السابق ١٣٥/١٠.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/ ١٤٥.
(٥) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٢٣٦/٦ - ٢٣٧.
واصفحوا عما كان منهم من جهل في
ذلك حتى يأتي الله بأمره، فیحدث لکم من
أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد)» (٦).
وقال محمد رشيد رضا: ((أمر الله تعالى
المؤمنين بأن يقابلوا هذا الحسد وما ينبعث
عنه بما يليق بهم من محاسن الأخلاق،
فقال: ﴿فَأَعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ﴾، ولم يقل:
(فاعفوا واصفحوا عنهم)؛ لإرادة العموم،
أي: عاملوا جميع الناس بالصفح والعفو،
فإن هذا هو اللائق بشأن المؤمنين المتقين:
﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
اُلْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح
إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم
أصحاب القدرة والشوكة؛ لأن الصفح إنما
يطلب من القادر على خلافه، كأنه يقول:
لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة أهل الكتاب
مع باطلهم فإنکم علی قلتکم أقوى منهم بما
أنتم عليه من الحق، فعاملوهم معاملة القوي
العادل للقوي الجاهل، وفي إنزال المؤمنين
على ضعفهم منزل الأقوياء ووضع أهل
الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء إيذان
بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية،
(٦) جامع البيان، الطبري ٥٠٣/٢.
جَوْسُورَةَ النَّفْتَـ
القرآن الكريمِ
٥٢

الحفى
وأن العزة لهم ما ثبتوا على حقهم، ومهما
يتصارع الحق والباطل فإن الحق هو الذي
يصرع الباطل، وإنما بقاء الباطل في غفلة
الحق عنه))(١).
وهذه الآية أيضًا غير منسوخة کما هو قول
المحققين من أئمة التفسير، قال الشنقيطي
عند تفسيره لها: «هذه الآية في أهل الكتاب
كما هو واضح من السياق، والأمر في قوله:
﴿يَأَمْيِ﴾، قال بعض العلماء: هو واحد
الأوامر. وقال بعضهم: هو واحد الأمور.
فعلى القول الأول بأنه الأمر الذي هو ضد
النھي؛ فإن الأمر المذکور هو المصرح به في
قوله: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا
بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَلَا يَدِينُونَ بِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ
صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وعلى القول بأنه واحد الأمور فهو ما
صرح الله به في الآيات الدالة على ما أوقع
باليهود من القتل والتشريد كقوله: ﴿فَأَنَنهُمُ
اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم ◌ِأَيْدِيِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُواْ
يَتَأُوْلِىِ الْأَبْصَرِ﴾ [الحشر: ٢].
إلى غير ذلك من الآيات، والآية غیر
منسوخة على التحقيق))(٢).
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٣٤٧/١-
٣٤٨
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٤٢/١-٤٣.
ومن الأدلة على مشروعية العفو: قوله
تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية:
((وهذا في غاية الترفق والعطف على صلة
الأرحام، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ
وَلْيَصْفَحُواْ﴾ أي: عما تقدم منهم من الإساءة
والأذى، وهذا من حلمه تعالى وكرمه
ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم، وهذه
الآية نزلت في الصديق رضي الله عنه حین
حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة بعد
ما قال في عائشة ما قال، فلما أنزل الله
براءة أم المؤمنين عائشة وطابت النفوس
المؤمنة واستقرت وتاب الله على من كان
تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد
على من أقيم عليه؛ شرع - تبارك وتعالى
وله الفضل والمنة- يعطف الصديق على
قريبه ونسيبه وهو مسطح بن أثاثة، فإنه
كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينا لا
مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر رضي الله
عنه، وكان من المهاجرين في سبيل الله،
وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها وضرب
الحد عليها، وكان الصديق رضي الله عنه
معروفًا بالمعروف، له الفضل والأيادي على
الأقارب والأجانب، فلما نزلت هذه الآية:
﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فإن الجزاء من
جنس العمل، فكما تغفر عن المذنب إليك
www. modoee.com
٥٣

حرف العين
نغفر لك، وکما تصفح نصفح عنك، فعند
ذلك قال الصدیق: بلی والله إنا نحب يا
ربنا أن تغفر لنا. ثم رجع إلى مسطح ما كان
يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه
أبدا، في مقابلة ما كان، قال: والله لا أنفعه
بنافعة أبدا)»(١).
ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا
أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا
﴾ [النساء: ١٤٩].
قدِيرًا
قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية:
((فندب إلى العفو ورغب فيه، والعفو من
صفة الله تعالى مع القدرة على الانتقام، ففي
هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها.
وقيل: إن عفوت فإن الله يعفو عنك))(٢)
ومن الأدلة على مشروعية على العفو
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ
فَتِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنِّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ
مِّن رَّيِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة (١٧٨)].
فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ
شَىْءٌ ﴾ يعني الولي إذا أعطي شيئا من المال
فليقبله وليتبعه بالمعروف، وليؤد القاتل إليه
بإحسان، فندبه الله تعالى إلى أخذ المال إذا
سهل ذلك من جهة القاتل، وأخبر أنه تخفيف
منه ورحمة، کما قال عقیب ذکر القصاص
من سورة المائدة: ﴿فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩/٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/٦.
فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥].
فندبه إلى العفو والصدقة، وكذلك ندبه
بما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها
الجاني؛ لأنه بدأ بذكر عفو الجاني بإعطاء
الدية ثم أمر الولي بالاتباع، وأمر الجاني
بالأداء بالإحسان (٣).
وفي الختام لابد من الإشارة إلى أن
العفو ليس محمودا على إطلاقه، بل مقيد
بما إذا كان ثمة مصلحة من ورائه، كما يدل
على ذلك سياق الآيات الحاثة على ذلك،
كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ
فَاتَّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة:
١٧٨].
وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ﴾
[الشورى: ٤٠].
قال ابن سعدي: «وشرط الله في العفو
الإصلاح فيه؛ ليدل ذلك على أنه إذا كان
الجاني لا يليق العفو عنه وكانت المصلحة
الشرعية تقتضي عقوبته فإنه في هذه الحال
لا يكون مأمورًا به»(٤).
وأكد على ذلك ابن عثيمين بقوله: ((العفو
المندوب إليه ما كان فيه إصلاح؛ لقوله
تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ، عَلَى اللَّهِ﴾﴾
[الشورى: ٤٠]؛ فإذا كان في العفو إصلاح،
مثل أن يكون القاتل معروفًا بالصلاح ولكن
(٣) أحكام القرآن، الجصاص ١/ ١٨٤.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٦١.
٥٤
القرآن الكريم

العفو
بدرت منه هذه البادرة النادرة، ونعلم أو إخوته، فقال مخاطبا لهم: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ
عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمَّ وَهُوَ أَرْحَمُ
الرَّحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
يغلب على ظننا أنا إذا عفونا عنه استقام
وصلحت حاله؛ فالعفو أفضل لا سيما إن
كان له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك، وإذا علمنا
أن القاتل معروف بالشر والفساد، وإن عفونا
عنه لا يزيده إلا فسادًا وإفسادًا؛ فترك العفو
عنه أولی، بل قد یجب ترك العفو عنه»(١).
وقيده الماوردي بالتائب دون المصر،
فقال: ((أصلح بينه وبين أخيه، وهذا مندوب
إليه في العفو عن التائب دون المصر))(٢).
وأيضًا العفو الممدوح هو العفو عند
المقدرة، كما يقول إبراهيم النخعي: ((كانوا
یکرهون أن یستذلوا، فإذا قدروا عفوا»(٣).
والأنبياء والرسل عليهم السلام أوذوا
في سبيل الله أنی کثیرا، فصبروا وتحملوا
أذی قومهم، وليس ذلك في مرحلة الضعف
فحسب، بل في مرحلة القوة والقدرة
والتمكين؛ وذلك هو كمال العفو: ((العفو
عند المقدرة».
وهنا نورد مثالين فقط على عفو الأنبياء
وصفحهم:
المثال الأول: نبي الله يوسف عليه
السلام لما صار ملكا لمصر عفا وصفح عن
(١) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة
والبقرة، ٣٠١/٢-٣٠٢.
(٢) النكت والعيون، الماوردي ٢٠٧/٥.
(٣) علقه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم،
باب الانتصار من الظالم، ١٢٩/٣.
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال
يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾ يقول: لا
تعيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من
الحرمة وحق الأخوة، ولكن لكم عندي
الصفح والعفو (٤).
وكذلك يعقوب عليه السلام عفا عن
أبنائه الذین کادوا له ولا بنه یوسف، وذلك
حينما اعترفوا بخطئهم وطلبوا منه أن
يستغفر لهم، فقالوا: ﴿قَالُواْ يَتَأَبَنَا أَسْتَغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَآَ إِنَّا كُنَا خَطِعِينَ﴾ [ يوسف: ٩٧].
فعفا عنهم ولبى طلبهم، فقال: ﴿قَالَ
سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٨].
المثال الثاني: خاتم النبيين وإمام
المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،
فإن العفو والصفح من أجل صفاته، كما
جاء في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص
رضي الله عنهما، وفيه: (لم يكن النبي صلى
الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، ولا
صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة
السيئة، ولكن يعفو ويصفح)(٥).
وقد طبق ذلك عليه الصلاة والسلام في
(٤) جامع البيان، الطبري ١٦ / ٢٤٧.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، سورة الفتح، رقم ٤٨٣٨.
www. modoee.com

حرفالعین
حياته العملية، فقال لأهل مكة الذين ناصبوه
العداء وآذوه: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) (١).
وهكذا فعل الخلفاء الراشدون مع من
أساء إليهم، فقد عفا أبو بكر عن مسطح بعد
نزول قول الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَليَصْفَحُوَأْ
أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[النور: ٢٢].
والعفو سجية من سجايا عباد الله
المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ
يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧].
قال ابن كثير: ((أي: سجيتهم وخلقهم
وطبعهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس،
ليس سجيتهم الانتقام من الناس)) (٢).
وعفا عمر بن الخطاب رضي الله عنه
عن ذلك الأعرابي الذي أساء إليه: ﴿خُذِ
الْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِينَ﴾
[الأعراف: ١٩٩].
(١) القصة أخرجها البيهقي في السنن الكبرى،
١٩٩/٩، رقم ١٨٢٧٥، وهي قصة مشهورة
في كتب السير.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٩٢.
الترغيب في العفو
تعددت أساليب القرآن الكريم في
الترغيب في العفو والحث عليه والندب
إليه، ومن تلك الأساليب:
أولًا: أسلوب الطلب:
وذلك من خلال فعل الأمر؛ كما في قوله
تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
اْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
و قوله:
وَشَاوِرُهُمْ فِي الْأَمْيِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقوله: ﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣].
وقوله: ﴿فَأَعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ
بِأَمْيٌِّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:
١٠٩].
وقد سبق أن نقلنا كلام المفسرين في
السابق مما أغنی عن إعادته هنا.
ثانيًا: أسلوب التحضيض:
كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيُصْفَحُواْ
أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[النور: ٢٢].
ففي هذه الآية الكريمة حث الله عباده
المؤمنين على العفو عمن أساء إليهم،
وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح
جاء مبينا في مواضع أخر؛ كقوله تعالى:
٥٦
◌ُ النَّسِبـ
جوية
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

العفو
﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنِ زَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السََّّاءِ وَالضَّرَّآءِ
١٣٣
وَالْكَظِمِينَ الْفَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ
وَاَللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣-
١٣٤].
وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيط
والعفو عن الناس من صفات أهل الجنة،
وكفى بذلك حثا على ذلك، ودلت أيضًا
على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله
المتصفين به. وكقوله تعالى: ﴿إِن نُبِّدُوا
خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَقُوًّا
﴾ [النساء: ١٤٩].
قَدِيرًا
وقد بين تعالى في هذا الآية أن العفو
مع القدرة من صفاته تعالى، وكفى بذلك
حثا عليه، وكقوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ
الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥].
عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى:
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة:
﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]،
دليل على أن العفو والصفح عن المسيء
المسلم من موجبات غفران الذنوب،
والجزاء من جنس العمل، ولذا لما نزلت
قال أبو بكر: بلى والله نحب أن يغفر لنا رینا.
ورجع للإنفاق في مسطح، ومفعول: ﴿أَن
يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ محذوف؛ للعلم به، أي:
یغفر لكم ذنوبكم(١).
وقد اتفق الفقهاء على أن العفو والصفح
عن المسيء حسن ومندوب إليه؛ لقوله
تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾ والأمر هنا
للندب والإرشاد، وليس للوجوب؛ لأن
الإنسان يجوز له أن يقتص ممن أساء
إليه، فلو كان العفو واجبًا لما جاز طلب
القصاص(٢).
وهذه الآية وإن كان سبب نزولها خاصا
في أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلا أنها
عامة في الحث على العفو والصفح؛ لأن
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وفي قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ
أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوَّا قَدِيرًا﴾
[النساء: ١٤٩].
في هذه الآية الكريمة حذف متعلق
وكقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَيِنْ الأفعال الثلاثة؛ لإرادة العموم، كما أشار
إلى ذلك ابن عاشور: ((وحذف متعلق
الأفعال الثلاثة؛ لظهور أن المراد من
إلى غير ذلك من الآيات.
أولادكم وأزواجكم فيما يصدر منهم مما
يؤذيكم، ويجوز أن يكون حذف المتعلق؛
لإرادة عموم الترغيب في العفو.
وإنما يعفو المرء ويصفح ويغفر عن
المذنب إذا كان ذنبه متعلقا بحق ذلك المرء
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٤٨٧/٥ - ٤٨٨.
(٢) روائع البيان تفسير آيات الأحكام، الصابوني
١١٠/٢.
www. modoee.com
٥٧

حرف العين
وبهذه الأفعال المذكورة هنا مطلقة، وفي على مكارم الأخلاق(٣).
أدلة الشريعة تقییدات لها.
وجملة: ﴿فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيءٌ ﴾ دلیل
جواب الشرط المحذوف المؤذن بالترغيب
في العفو والصفح والغفر، فالتقدير: وإن
تعفوا وتصفحوا وتغفروا يحب الله ذلك
منكم؛ لأن الله غفور رحيم، أي: للذين
يغفرون ويرحمون، وجمع وصف رحيم
الخصال الثلاث))(١).
وقال المفسرون: جملة الجزاء تحريض
على العفو ببيان أن فيه تخلقًا بالكمال؛ لأن
صفات الله غاية الكمالات. والتقدير: ((إن
تبدو خيرًا)» إلخ تكونوا متخلقين بصفات
الله، فإن الله كان عفوًا قديرًا، وهذا التقدير
لا یناسب إلا قوله: «أو تعفوا عن سوء»، ولا
يناسب قوله: ﴿إِن تُبِّدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ إلا
إذا خصص ذلك بإبداء الخير لمن ظلمهم
وإخفائه عمن ظلمهم(٢).
﴿أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ﴾ لكم المؤاخذة
عليه، وهو المقصود، وذكر إبداء الخير
وإخفائه تشبيب له، ولذلك رتب عليه قوله:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوَّا قَدِيرًا﴾ أي: يكثر العفو
عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام،
فأنتم أولى بذلك، وهو حث للمظلوم على
العفو بعد ما رخص له في الانتصار حملا
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٥/٢٨.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/٦-٨.
وقد بين تعالى في هذا الآية أن العفو
مع القدرة من صفاته تعالى، وكفى بذلك
فاصفح الصَّفْح
حثا عليه، وكقوله تعالى:
الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، وكقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَّرُ
وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]،
إلى غير ذلك من الآيات (٤).
وقد ختم الله هذه الآية الكريمة ببعض
أسمائه الحسنى ليرشد عباده إلى التخلق
بها، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوا قَدِیًا
كأنه يقول لهم: اعفوا أيها الناس، فإن الله
عفو، فلله صفات يحب أن تكون في عباده،
وصفات لا يحب أن تكون إلا له وحده
سبحانه وتعالى، ومن الصفات التي يحب
الله أن تكون في عباده أنه: كريم يحب
الكرم، رحيم يحب من عباده الرحماء، عفو
يحب من عباده العافين عن الناس، فصفة
العفو يحبها سبحانه وتعالى في العباد، قال
النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله
عنها: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو
فاعف عني)(٥).
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ١٠٦.
(٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٤٨٨/٥.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٣٦/٤٢،
رقم ٢٥٣٨٤، والترمذي في سننه، أبواب
الدعوات، ٥٣٤/٥، رقم ٣٥١٣.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب، رقم ٣٣٩١.
٥٨
فَضْو
جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِير
القرآن الكريمِ

العفو
ثالثًا: أسلوب الترغيب:
فقد رغب الله تعالى في العفو في آيات
عديدة، كقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ
وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
في هذه الآية الكريمة مدح الله سبحانه:
من كظم غيظه وعفا عمن اجترم إليه،
وكظم الغيظ والعفو مندوب إليهما، موعود
بالثواب عليهما من الله تعالى (١).
قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية:
((العفو عن الناس أجل ضروب فعل الخير،
حيث يجوز للإنسان أن يعفو وحيث يتجه
حقه))(٢).
وقال الشنقيطي: ((وقد دلت هذه الآية
على أن كظم الغيط والعفو عن الناس من
صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثا على
ذلك، ودلت أيضًا على أن ذلك من الإحسان
الذي يحب الله المتصفين به))(٣)
وقال ابن جرير: ((وأما قوله: ﴿وَالْعَافِينَ
عَنِ النَّاسِ﴾ فإنه يعني: والصافحين عن
الناس عقوبة ذنوبهم إليهم وهم على الانتقام
منهم قادرون، فتارکوها لهم.
وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
فإنه يعني: فإن الله يحب من عمل بهذه
(١) أحكام القرآن، الجصاص ٤٨/٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٧/٤.
وانظر: المحرر الوجيز، ابن عطية
٥١٠/١.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٤٨٧/٥.
الأمور التي وصف أنه أعد للعاملين بها
الجنة التي عرضها السموات والأرض،
والعاملون بها هم محسنون، وإحسانهم هو
عملهم بها)»(٤).
وقال أبو السعود: ((وفي هذين الوصفين
إشعار بكمال حسن موقع عفوه عليه الصلاة
والسلام عن الرماة وترك مؤاخذتهم بما
فعلوا مخالفة أمره عليه السلام، وندب له
عليه السلام إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة
المشرکین بما فعلوا بحمزة رضي الله عنه،
حيث قال حين رآه قد مثل به: (لأمثلن
بسبعين مكانك)(٥).
وجاء الترغيب في العفو في قوله تعالى:
﴿فَأَعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ﴾ [البقرة: ١٠٩].
قال الشوكاني عند تفسيره لهذه الآية:
((وفيه الترغيب في ذلك والإرشاد إليه)) (٦)
أي: الترغيب في العفو والصفح.
وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ.
عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: ٤٠].
ففي هذه الآية تكفل الله تبارك وتعالى
بمكافأة المتصفين بالعفو، وكفى بذلك
ترغيبا! قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية:
(﴿قَمَنْ عَفَا﴾ عمن أساء إليه إساءته إليه،
فغفرها له ولم يعاقبه بها وهو على عقوبته
عليها قادر ابتغاء وجه الله، فأجر عفوه ذلك
(٤) جامع البيان، الطبري ٢١٥/٧.
(٥) إرشاد العقل السليم ٨٥/٢.
(٦) فتح القدير، الشوكاني ١٤٩/١.
www. modoee.com
٥٩

حرف العين
على الله، والله مثییه علیه ثوابه))(١).
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ بينه وبين خصمه
وفير
بالعفو والإغضاء، كما قال تعالى:
اَلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيمٌ﴾
[فصلت: ٣٤].
أمره في التعظيم (٢).
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: من
عنا عمن ظلمه وأصلح بالعفو بينه وبين
ظالمه، أي: أن الله سبحانه يأجره على
ذلك، وأبهم الأجر تعظيما لشأنه وتنبيها
على جلالته. قال مقاتل: فكان العفو من
الأعمال الصالحة (٣).
وفي جعل أجر العافي على الله ما
يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق
بما يحب أن يعامله الله به، فکما یحب ان
یعفو الله عنه فلیعف عنهم، و کما یحب ان
يسامحه الله فليسامحهم، فإن الجزاء من
جنس العمل (٤).
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ففي هذه الآية أخبر الله تبارك وتعالى
أن العفو سبب من أسباب حصول التقوى
(١) جامع البيان، الطبري ٥٤٨/٢١.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٦٠٧.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٦٢٠.
وانظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٧٣/٨.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧٦٢.
جوسى
القرآن الكريمِ
ودلیل علیھا، وکفی بذلك حثا علیه، قال
الشنقيطي: ((فانظر ما في هذه الآية من
الحض على مكارم الأخلاق من الأمر
بالعفو والنهي عن نسيان الفضل))(٥).
فإن قال قائل: وما في الصفح عن ذلك
﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وهو وعدمبهم، لا يقاس من القرب من تقوى الله، فيقال للصافح
العافي عما وجب له قبل صاحبه: فعلك
ما فعلت أقرب لك إلى تقوى الله؟ قيل
له: الذي في ذلك من قربة من تقوى الله
مسارعته في عفوه ذلك إلى ما ندبه الله إليه
ودعاه وحضه عليه، فكان فعله ذلك -إذا
فعله ابتغاء مرضاة الله، وإيثار ما ندبه إليه
على هوى نفسه- معلوما به؛ إذ كان مؤثرا
فعل ما ندبه إليه مما لم يفرضه عليه على
هوی نفسه، أنه لما فرضه علیه وأوجبه أشد
إيثارا، ولما نهاه أشد تجنبا. وذلك هو قربه
من التقوى(٦).
وقال ابن سعدي عند تفسيره لهذه الآية:
((رغب في العفو، وأن من عفا كان أقرب
لتقواه، لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر،
ولکون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من
الإحسان والمعروف وينسى الفضل الذي
هو أعلى درجات المعاملة؛ لأن معاملة
الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل
وإنصاف واجب، وهو أخذ الواجب وإعطاء
(٥) أضواء البيان، الشنقيطي ٥٠/٣.
(٦) جامع البيان، الطبري ١٦٤/٥.
٦٠

العفو
الواجب. وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما
ليس بواجب والتسامح في الحقوق والغض
مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ینسی
هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات،
وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة أو
مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل
والكرم)» (١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن
يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطًا
فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ:
إِلَّا أَن يَصَدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٣].
أَن
قال الراغب: ((وقوله:
يَصَدَّقُواْ﴾ أي: يعفوا عن الدية، فجعل
العفو عنها صدقة منهم؛ تنبيهًا على فضيلة
العفو وحثا عليه، وأنه جار مجرى الصدقة
في استحقاق الثواب الآجل به دون طلب
العوض العاجل، وهذا حكم من قتل في دار
الإسلام خطأ)) (٢).
وقوله: ﴿إلّا أن يصدّقُوا ﴾ أي: يتصدق
ورثة القتيل بالعفو عن الدية، فإنها تسقط،
وفي ذلك حث لهم على العفو؛ لأن الله
سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل
وقت(٣).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٠٦.
(٢) تفسير الراغب الأصفهاني ١٣٩٥/٣.
وانظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي
٤/ ٢٣، أنوار التنزيل، البيضاوي ٩/ ٩٠.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٩٥.
أنواع العفو
من خلال جمعنا لآيات العفو في القرآن
الكريم واستعراضنا لأقوال أئمة التفسير
حول هذه الآيات يمكننا أن نقسم العفو إلى
نوعین:
أولًا: عفو مطلق:
المقصود به عفو المجروح إن كان
باقيًا، أو وارثه إن كان هالكًا عن عقوبة
القصاص في القتل العمد، وما دونها من
الأطراف والجروح، فيعفون عفوًا مطلقًا
شاملًا، للقصاص والدية معًا، وهو ما يمكن
أن نسميه العفو دون مقابل؛ لقوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأَ
وَمَن قََّلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّ أَنْ يَصَدَّقُواْ﴾
[النساء: ٩٢].
ففي هذه الآية أخبر جل ثناؤه عباده
بحكم من قتل من المؤمنين خطأ، فقال:
﴿وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ﴾ فعليه تحرير
﴿رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ في ماله ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾
تؤديها عاقلته ﴿إِلَى أَهْلِهِ: إِلََّّ أَن يَضَدَّقُوا﴾
إلا أن يصدق أهل القتيل خطأ على من لزمته
دية قتیلهم، فيعفوا عنه ویتجاوزوا عن ذنبه،
فيسقط عنه(٤).
وقال تعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٣١.
www. modoee.com
٦١

حرفالعین
كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥].
﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ﴾ فهو كفارة للجارح،
فقد ذكر المفسرون أن هذه الآية تحتمل وأجر المجروح على الله عز وجل))(٢).
ثلاثة معان:
﴿فَمَنْ تَصَذَّفَ بِهِ﴾ أي: عفا عن
أحدها: أن تكون ﴿فَمَن﴾ للجروح أو القصاص ممن يستحقه سواء كان هو
ولي القتيل، ويعود الضمير في قوله: ﴿لے﴾
عليه أيضًا، ويكون المعنى أن من تصدق
المجروح إن کان باقيًا، أو وارثه إن كان
هالكًا ﴿فَهُوَ﴾ أي: التصدق بالقصاص
بجرحه أو دم وليه فعفا عن حقه في ذلك فإن ﴿كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ أي: ستارة لذنوب هذا
العافي (٣).
ذلك العفو كفارة له عن ذنوبه، ویعظم الله
أجره بذلك، ویکفر عنه.
والمعنى الثاني: أن تكون ﴿فَمَن﴾١٦
للجروح أو ولي القتيل، والضمير في
يعود على الجارح أو القاتل إذا
تصدق المجروح أو على الجارح بجرحه
وصفح عنه؛ فذلك العفو كفارة للجارح
عن ذلك الذنب، فكما أن القصاص كفارة
فكذلك العفو كفارة، وأما أجر العافي فعلی
الله تعالى، وعاد الضمير على من لم يتقدم
له ذكر؛ لأن المعنى يقتضيه.
والمعنی الثالث: أن تکون للجارح أو
القاتل والضمير في له يعود عليه أيضًا،
والمعنى: إذا جنی جان فجهل وخفي أمره،
فتصدق هو بأن عرف بذلك ومكن الحق من
نفسه؛ فذلك الفعل كفارة لذنبه (١).
قال ابن عباس: ((﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ
بِهِ﴾ فمن عفا وتصدق عليه فهو كفارة
للمطلوب وأجر للطالب. وقال أيضًا:
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٩٨/٢.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ﴾
أي: بالقصاص المتعلق بالنفس، أو بالعين،
أو بما بعدها ﴿فَهُوَ﴾ أي: فذلك التصدق،
عاد الضمير على المصدر؛ لدلالة فعله
عليه، وهو كقوله تعالى: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] (٤).
و کذلك عفو المجروح إن کان باقيًا، أو
وارثه إن کان هالگًا عن عقوبة الدية، فيما
إذا كان القتل لا يوجب غير ذلك، وذلك في
قتل الخطأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَّ
أَهْلِهِ: إِلَّا أَن يَضَدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٢].
قال أبو بكر بن العربي: ((أوجب الله
تعالى الدية في قتل الخطأ جبرا، كما أوجب
القصاص في قتل العمد زجرا، وجعل الدية
على العاقلة رفقا؛ وهذا يدل على أن قاتل
الخطأ لم يكتسب إثمًا ولا محرمًا، والكفارة
وجبت زجرًا عن التقصير والحذر في جميع
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٢/٣.
(٣) نظم الدرر، البقاعي ٦/ ١٥٥.
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٥٧/٧.
٦٢
ـةُ الَِّنَّة
جوببية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ