النص المفهرس

صفحات 21-40

العدل
الخلطاء موسوم بسمة الظلم إلا المؤمنين، خامسًا: بيان عاقبة أهل العدل:
وإنهم القليل. و﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَقَلِلٌ
مَّاهُمْ﴾ مزيدة للإبهام، وفيه تعجيب من
قلتهم)) (١).
وقال الجصاص: ((قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ
كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَِّ لَبْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وهو
يعني الشركاء يدل على أن العادة في أكثر
الشركاء الظلم والبغي، ويدل عليه أيضًا
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَقَلِلٌ
مَّاهُمْ﴾))(٢).
وقال الألوسي: ((إن كثيرًا من الخلطاء
ليبغي بعضهم على بعضٍ إلا الذين آمنوا
وعملوا الصالحات إشارة إلى أن النفوس
مجبولة على الظلم وسائر الصفات الذميمة،
وإلى أن الذين تزكت أنفسهم قليل جدًا
بالنسبة إلى الآخرين)) (٣).
وقال السعدي: ((هذه عادة الخلطاء
والقرناء الكثير منهم، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ
اٌلُْلَطَلِ لَيْفِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ لأن الظلم
من صفة النفوس ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾ فإن ما معهم من الإيمان
والعمل الصالح يمنعهم من الظلم، ﴿وَقَلِلٌ
[سبأ: ١٣])) (٤).
مَّاهُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ
الشَّكُورُ﴾
(١) غرائب القرآن ورغائب الفرقان ٥٨٩/٥.
(٢) أحكام القرآن ٢٥٥/٥.
(٣) روح المعاني ١٢/ ٢٢١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٧١٢.
ما أجمل العاقبة الحميدة لأهل العدل!
إذ بين المولى إكرامهم وإعزازهم في
الدنيا والآخرة، ففي الدنيا لهم التمكين
وميراث الكتاب، فقال الله عز وجل:
أَوْرَقْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا
فَمِنْهُمْ ظَاِّمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ
سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
اَلْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
هذه الآية نص على توريث واصطفاء
من فيه نوع ظلم، فمن باب أولى أهل العدل
والإحسان، وكما هو مفهوم من جزأي الآية
الآخرین.
قال الكرجي القصاب: ((بشارة كبيرة
لهذه الأمة؛ إذ قد وعدوا على اختلاف
أحوالهم من الظلم والقصد والمسابقة معًا
بالجنة)) (٥).
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:
١٤٣]. فالوسط: العدل (٦).
قال سيد قطب: ((إنها الأمة الوسط
التي تشهد على الناس جميعًا، فتقيم بينهم
العدل والقسط، وتضع لهم الموازين
والقيم تصوراتها وقيمها وموازينها، وهي
(٥) النكت الدالة على البيان في أنواع العلوم
والأحكام ٣/ ٧٠٥.
(٦) الرياض الأنيقة، السيوطي ص ١٨٣.
www. modoee.com
١٧٥

حرفالعین
شهيدة على الناس، وفي مقام الحكم العدل دون غيرهم ممن ظلموا أنفسهم أو غيرهم،
بينهم)»(١).
وقال ابن عاشور: «الله تعالی جعل هذه
الأمة وسطًا، وعلمنا أن الوسط هو الخيار
العدل الخارج من بين طرفيه إفراط وتفريط،
علمنا أن الله تعالى أكمل عقول هذه الأمة
بما تنشأ عليه العقول من الاعتقاد بالعقائد
الصحيحة، ومجانبة الأوهام السخيفة التي
ساخت فيها عقول الأمة)) (٢).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ
إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَكُمُ اْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَّدُونَ﴾
[الأنعام: ٨٢].
قال محمد رشيد رضا: ((لا يخفى أن
الأمن في الآية مقصورٌ على الذين آمنوا ولم
يلبسوا إيمانهم بظلمٍ، فإذا حمل العموم فيها
على إطلاقه وعدم مراعاة موضوع الإيمان
يكون المعنى: الذين آمنوا ولم يخلطوا
إيمانهم بظلمٍ ما لأنفسهم - لا في إيمانهم
ولا في أعمالهم البدنية والنفسية من دينيةٍ
ودنيويةٍ، ولا بغيرهم من المخلوقات من
العقلاء والعجماوات- أولئك لهم الأمن
من عقاب الله تعالى الديني على ارتكاب
المعاصي والمنكرات، وعقابه الدنيوي
على عدم مراعاة سننه في ربط الأسباب
بالمسببات، كالفقر والأسقام والأمراض،
(١) في ظلال القرآن ١/ ١٣١٠ - ١٣١.
(٢) التحرير والتنوير ١٩/٢.
فإن الظالمين لا أمان لهم، بل كل ظالم
عرضةٌ للعقاب، وإن كان الله تعالى لسعةً
رحمته لا يعاقب كل ظالم على كل ظلم،
بل يعفو عن کثیر من ذنوب الدنیا، ویعذب
من يشاء، ويغفر لمن يشاء في الآخرة ما دون
الشرك به.
وهذا المعنى في تفسير الآية صحيحٌ في
نفسه، ويترتب عليه أن الأمن المطلق من
الخوف من عقاب الله الديني والدنيوي
أو الشرعي والقدري جمیعًا لا يصح لأحدٍ
من المكلفين، دع خوف الهيبة والإجلال
الذي يمتاز به أهل الکمال، وقد صح إسناد
الخوف إلى الملائكة والأنبياء)» (٣).
وحصر المولى عز وجل الفلاح
لأهل العدل المقسطين، فقال: ﴿إِنَّهُلَا
يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥].
قال محمد رشيد رضا: ((قد تقدم شرح
هذا المعنى في تفسير: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ
يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اْأَمْنُ وَهُم
مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
من هذه السورة، وإذا كان فلاح الظالمين
لأنفسهم وللناس بالأولى منتفيًا بشرع الله
وسنته العادلة؛ انحصر الفلاح والفوز في
أهل الحق والعدل الذين يقومون بحقوق
الله وحقوق أنفسهم، ومن يرتبط معهم في
(٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٧ /٤٨٤.
بَرُ النَِّّيَّـ
جوية
القرآن الكريم
١٧٦

العدل
شئون الحياة، وهذا لا يكمل إلا لرسل الله من الحق والعدل، وبإهلاك الظالمين مهما
وجندهم من المؤمنين الصالحين، ألم تر تكن أسماؤهم وألقابهم، إذا نازعهم البقاء
من هم أقرب إلى الحق والعدل أو النظام
قومه أولًا كأكابر مجرمي مكة المستهزئين منهم» (١).
كيف نصر الله رسوله على الظالمين من
به؟
وغیر هذه الآيات کثیر جدًا، مما توضح
ثم على سائر مشركي العرب، ثم نصر الفلاح لأهل العدل، وحسن عاقبتهم في
الدنيا والآخرة، سواء كانت صريحة أم
ضمنية، كقوله تعالى: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ
ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهُ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾
[الأنعام: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ كَيَّفَ كَانَ عَقِبَةُ
الفَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩].
أصحابه على أعظم أمم الأرض وأقواها
جندًا، وأعظمها ملكًا، وأرقاها نظامًا،
كالرومان والفرس؟ ثم نصر من بعدهم
من المسلمين من كل أمةٍ وشعبٍ على من
ناوأهم وقاتلهم من أهل الشرق والغرب
في الحروب الصليبية والفتوح العثمانية
وغيرها بقدر حظهم من اتباع ما جاء به من
الحق والعدل، فلما ظلموا أنفسهم، وظلموا
الناس، وصار حظهم من هداية دينهم نحوًا
مما كان من حظ أهل الكتاب قبلهم من
هداية رسلهم أو أقل، ولم يعد لهم مزيةٌ ثابتةٌ
في هذا السبب المعنوي للنصر والفلاح.
بل انحصر الفوز في الأسباب المادية
والفنية، وسائر الأسباب المعنوية، كالصبر
والثبات، والعدل والنظام ونرى كثيرًا
من الجاهلين بالإسلام يقولون: ما بال
المسلمين قد أضاعوا ملكهم إذا كان الله قد
وعد بنصرهم؟
وجوابه: أن الله تعالى لم يعد قط بنصر
من یسمون مسلمین - کیفما کانت حالهم-،
وإنما وعد بنصر من ينصره، ويقيم ما شرعه
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤٨٣/٧-
١٠٥/٨،٤٨٤.
www. modoee.com
١٧٧

حرف العين
مجالات العدل
يدخل العدل في مجالات كثيرة في
الحياة، ومن ذلك:
أولًا: مجال الأحكام:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وکل عمل
يؤمر به فلابد فيه من العدل، فالعدل مأمور
به في جميع الأعمال، والظلم منهي عنه
نهيًا مطلقًا؛ ولهذا جاءت أفضل الشرائع
والمناهج بتحقیق هذا كله وتكمیله، فأوجب
الله العدل لكل أحد على كل أحد في كل
حال))(١).
ومن صور اهتمام الإسلام بالجانب
العملي والميدان التطبيقي للعدل المأمور
به في حياة الأفراد والجماعات البشرية
المنتشرة على وجه البسيطة ما يلي:
اشتراط العدل («العدالة)) في الشهادة
والشهود (٢):
(١) الرد على المنطقيين ٤٢٥/١.
(٢) قال بعض العلماء: العدالة صفة توجب
مراعاتها الاحتراز عما يخل بالمروءة عادة
ظاهرًا، فالمرة الواحدة من صغائر الهفوات،
وتحريف الكلام لا تخل بالمروءة ظاهرًا،
لاحتمال الغلط والنسيان والتأويل، بخلاف
ما إذا عرف منه ذلك وتكرر، فيكون الظاهر
الإخلال، ويعتبر عرف كل شخص وما يعتاده
من لبسه، وتعاطيه للبيع، والشراء وحمل
الأمتعة، وغير ذلك، فإذا فعل ما لا يليق به
لغیر ضرورة، قدح وإلا فلا.
انظر المصباح المنير، الفيومي ٤٤/٢ - ٤٥،
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوةٌ
وَلْيَكْتُبِ بَّيْنَكُمْ كَائِبُ بِلْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَاِبُ
أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ
الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ
شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْضَعِيفًا
أَوْلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِلْعَدَّلِ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
قال الطبري: ((يعني بذلك جل ثناؤه:
وليكتب كتاب الدين إلى الأجل المسمى
بين الدائن والمدين ﴿كَاتِبُ بِلْعَدْلِ﴾
يعني: بالحق والإنصاف في کتابه الذي یکتبه
بينهما، بما لا يتحيف ذا الحق حقه، ولا
يبخسه، ولا يوجب له حجة على من عليه
دينه فيه بباطل، ولا يلزمه ما ليس عليه)) (٣)
وقال الماوردي: ((وعدل الكاتب ألا
یزید فیه إضرارًا بمن هو عليه، ولا ينقص منه
إضرارًا بمن هو له)) (٤).
وقال الزجاج: ((ومعنى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ.
بِالْعَدْلِ﴾ أي: الذي يقوم بأمره؛ لأن الله أمر
ألا نؤتي السفهاء الأموال، وأمر أن يقام لهم
بها، فقال: ﴿وَأَرْزُقُوهُمْ فِهَا وَاُكْسُوهُمْ﴾ [النساء:
٥]. فوليه الذي يقوم مقامه في ماله لو كان
مميزًا)) (٥).
لسان العرب، ابن منظور ٢٨٣٨/٥-٢٨٣٩.
(٣) جامع البيان ٦/ ٥١.
(٤) النكت والعيون ٣٥٥/١.
(٥) معاني القرآن وإعرابه ١/ ٣٦٣.
صَوَسُو ◌َة النَّفِيَّة
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
١٧٨

العدل
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا
قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ
أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا
فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهُوَى أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن
تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيًا﴾
[النساء: ١٣٥].
هذه الآية الكريمة تبين أن إنصاف المرء
أخاه في النسب أو الدين قد يكون أمرًا
معقولًا تقره الطبائع السليمة، والفطر النقية،
أما إنصاف العدو، وتبرئة ساحته مع مخالفته
لنا في الدين فهذا ما لا يستطيعه إلا من تربى
على مائدة الإسلام، وتشبع بروح العدل
والإنصاف التي جاء بها القرآن، فهذه الآية
تعلمنا أن المیل في العدل بسبب الغضب أو
عاطفة القرابة، أو بسبب الخشية من إنسان
ما، أو التودد إلى ضعیف یجب أن یبعد تمامًا
من دائرة العدل عند مباشرته.
وصمام الأمان في إبعاده تذكر الله،
واستحضار جلاله في القوامة على الناس،
والحكم فيما بينهم.
قال ابن كثير: «أي: لا يحملنكم بغض
قوم على ترك العدل؛ فإن العدل واجب
علی کل أحد في کل حال. وقد قال بعض
السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل
أن تطيع الله فيه))(١).
وقال أبو عبيدة والفراء: ((أي: لا
(١) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٧.
يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى
الباطل، والعدل إلى الظلم))(٢).
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ
الضَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَبْلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ
مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾
[المائدة: ٩٥].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: يحكم
بذلك الجزاء الذي هو مثل المقتول من
الصید من النعم عدلان منکم، يعني: فقيهان
عالمان من أهل الدين والفضل)) (٣).
وقال الزجاج: ((أي: من أهل ملتكم،
فعلى قاتل الصيد أن يسأل فقيهين عدلين
عن جزاء ما قتل)) (٤).
وقال الشعراوي: «هم الذین لا یمیلون
عن الحق، ويقيمون الميزان، ويأمرنا الحق
أن نحكم بالإنصاف؛ لنكون من ذوي العدل،
أي: أن الإنسان حین یواجه خصمین، فهو
يعطي نصفه لخصم، ونصفه الآخر للخصم
الثاني، فلا یمیل بالهوی ناحية أحدهما، ولا
يدير الإنسان وجهه إلى الخصم أكثر مما
یدیره للآخر.
وإن سأل أحد: كيف نأتي بذوي العدل؟
ونقول: انظر إلى عدالتهما في نفسيهما، ولنر
تصرفات الإنسان، هل هي مستقيمة أو لا؟
وهل هو مسرف أو معتدل سواء في الطعام
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٤٥.
(٣) جامع البيان ١٠/ ٢٢.
(٤) معاني القرآن وإعرابه ٢٠٧/٢.
www. modoee.com
١٧٩

حرف العین
أو الغضب أو في أي لون من ألوان السلوك؟ صلحت، صلح المجتمع، وإذا فسدت فلا
ومن كان مأمونًا على نفسه فهو مأمون على سبيل لصلاح المجتمع، ومن هذه الآيات:
غیرہ))(١).
وقال تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ
اَلْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدّلٍ مِّنْكُمْ﴾ [المائدة:
١٠٦].
قال الطبري: ((﴿أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ
يقول: ذوا رشد وعقل وحجى من
المسلمين» (٢).
وقال ابن قتيبة: ((رجلان عدلان من
المسلمين تشهدونهما على الوصية)» (٣).
وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ
مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
قال الطبري: («هما اللذان يرضى دينهما
وأمانتهما)) (٤)
٠
وقال ابن عطية: ((العدل حقيقة الذي لا
يخاف إلا الله»(٥).
ثانيًا: الحياة الأسرية والاجتماعية:
خص المولى عز وجل هذا الجانب
باهتمام بالغ؛ فذكر آيات كثيرة في غاية
الوضوح تؤسس الأسرة على أسس العدل
والحق؛ لأن الأسرة نواة المجتمع، فإذا
(١) تفسير الشعراوي ٦/ ٣٤٠٠.
(٢) جامع البيان ١١/ ١٥٤.
(٣) تأويل مشكل القرآن ص٢١٩.
(٤) جامع البيان ٤٤٤/٢٣.
(٥) المحرر الوجيز ٣٢٤/٥.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى
اٌلْيَ فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآَ مَثْنَى وَثُلَثَ
وَرُبَعٌ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَتَكُمْ
ذَلِكَ أَدْفَ أَلَّا تَعُولُواْ﴾ [النساء: ٣].
قال ابن قتيبة: ((أي: فإن علمتم أنكم لا
تعدلون بين اليتامى يقال: أقسط الرجل: إذا
عدل ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(المقسطون في الدنیا على منابر من لؤلؤ يوم
القيامة)(٦).
ويقال: قسط الرجل: إذا جار بغير ألف،
ومنه قول الله: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ
حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]))(٧).
وقال الطبري: ((اختلف أهل التأويل في
تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن
خفتم يا معشر أولياء اليتامى أن لا تقسطوا
في صداقهن فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهن
صدقات أمثالهن؛ فلا تنكحوهن، ولكن
انكحوا غيرهن من الغرائب اللواتي أحلهن
(٦) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في مسنده،
٤٩٩/١١، رقم ٦٨٩٧.
وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب فضيلة الإمام العادل، ١٤٥٨/٣، رقم
١٨٢٧ بلفظ: (إن المقسطين عند الله على
منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل،
وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم
وأهليهم، وما ولوا).
(٧) غريب القرآن ١١٩/١.
مُؤَ الَةُ النَّسَيَّة
القرآن الكريم
١٨٠

العدل
الله لکم وطیبهن، من واحدة إلى أربع، وإن
خفتم أن تجوروا - إذا نكحتم من الغرائب
أكثر من واحدة- فلا تعدلوا فانكحوا منهن
واحدة، أو ما ملكت أيمانكم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: النهي
عن نكاح ما فوق الأربع حذارًا على أموال
الیتامی أن یتلفها أولياؤهم؛ وذلك أن قریشًا
كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء
والأكثر والأقل، فإذا صار معدمًا؛ مال على
مال یتیمه الذي في حجره فأنفقه، أو تزوج
به، فنهوا عن ذلك، وقيل لهم: إن أنتم خفتم
على أموال أيتامكم أن تنفقوها؛ فلا تعدلوا
فيها من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من
مؤن نساٹکم، فلا تجاوزوا فیما تنکحون من
عدد النساء على أربعٍ، وإن خفتم أيضًا من
الأربع أن لا تعدلوا فَي أموالهم؛ فاقتصروا
على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم (١).
(١) أخرج البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب الترغيب في النكاح، ٢/٧، رقم
٥٠٦٤، ومسلم في صحيحه، كتاب التفسير،
٢٣١٣/٤، رقم ٣٠١٨ عن عروة أنه سأل
عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ
خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُواْ فِي الِّْكَ فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمِّنَ
النِّسَلُهِ مَثْنَى وَتُكَثَ وَرُبَعَّ فَإِنْ خِقْتُمْ أَلََّ نَعْدِلُواْفَوَنِدَةً أَوْ
مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ ذَلِكَ أَدْفَ أَلَّ تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].
قالت: يا ابن أختي اليتيمة تكون في حجر وليها
فيرغب في مالها وجمالها، يريد أن يتزوجها
بأدنى من سنة صداقها فنهوا أن ينكحوهن
إلا أن يقسطوا لهن فيكملوا الصداق، وأمروا
بنكاح من سواهن من النساء.
قال سيد قطب في ظلال القرآن ٥٧٧/١-
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن القوم
كانوا يتحوبون في أموال اليتامى أن لا يعدلوا
فيها، ولا يتحوبون في النساء أن لا يعدلوا
فيهن، فقيل لهم: كما خفتم أن لا تعدلوا
في اليتامى؛ فكذلك فخافوا في النساء أن
لا تعدلوا فيهن، ولا تنكحوا منهن إلا من
واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك،
٥٧٨: ((وحديث عائشة رضي الله عنها
يصور جانبًا من التصورات والتقاليد التي
كانت سائدة في الجاهلية، ثم بقيت في
المجتمع المسلم، حتى جاء القرآن ينهى
عنها ويمحوها، بهذه التوجيهات الرفيعة،
ويكل الأمر إلى الضمائر، وهو يقول: ﴿وَإِنّ
خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِي الْيَ﴾ فهي مسألة تحرج
وتقوى وخوف من الله إذا توقع الولي ألا
يعدل مع اليتيمة في حجره، ونص الآية مطلق
لا يحدد مواضع العدل، فالمطلوب هو العدل
في كل صوره وبكل معانيه في هذه الحالة،
سواء فيما يختص بالصداق، أو فيما يتعلق
بأي اعتبار آخر، كأن ينكحها رغبة في مالها،
لا لأن لها في قلبه مودة، ولا لأنه يرغب رغبة
نفسية في عشرتها لذاتها، وكأن ينكحها وهناك
فارق كبير من السن لا تستقيم معه الحياة، دون
مراعاة لرغبتها هي في إبرام هذا النكاح، هذه
الرغبة التي قد لا تفصح عنها حياء أو خوفًا من
ضياع مالها إذا هي خالفت عن إرادته ... ، إلى
آخر تلك الملابسات التي يخشى ألا يتحقق
فيها العدل ... ، والقرآن يقيم الضمير حارسًا،
والتقوى رقيبًا، وقد أسلف في الآية السابقة
التي رتب عليها هذه التوجيهات كلها قوله:
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
فعندما لا يكون الأولياء واثقين من قدرتهم
على القسط مع اليتيمات اللواتي في
حجورهم، فهناك النساء غيرهن، وفي المجال
متسع للبعد عن الشبهة والمظنة)).
www. modoee.com
١٨١

حرفالعین
وإن خفتم أن لا تعدلوا أيضًا في الزيادة
على الواحدة؛ فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون
أن تجوروا فیھن من واحدة، أو ما ملكت
أيمانكم.
وقال آخرون: معنى ذلك: فكما خفتم
في اليتامى؛ فكذلك فتخوفوا في النساء أن
تزنوا بهن، ولكن انكحوا ما طاب لكم من
النساء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإن خفتم
ألا تقسطوا في الیتامی، اللاتي أنتم ولا تهنفلا
تنكحوهن، وانکحوا أنتم ما حل لکم منهن.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي
ذكرناها في ذلك بتأويل الآية قول من قال:
تأويلها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى
فكذلك فخافوا في النساء فلا تنكحوا منهن
إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيه منهن، من
واحدة إلى الأربع، فإن خفتم الجور في
الواحدة أيضًا فلا تنكحوها، ولكن علیکم
بما ملكت أيمانكم؛ فإنه أحرى أن لا تجوروا
علیھن.
وإنما قلنا: إن ذلك أولى بتأويل الآية؛
لأن الله جل ثناؤه افتتح الآية التي قبلها
بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقها
وخلطها بغيرها من الأموال، فقال تعالى
ذكره: ﴿وَءَاتُواْ الْنَ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ
بِالَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا
كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢].
ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا الله في ذلك
فتحرجوا فیه، فالواجب علیهم من اتقاء الله،
والتحرج في أمر النساء مثل الذي عليهم من
التحرج في أمر اليتامى، وأعلمهم كيف
التخلص لهم من الجور فيهن، كما عرفهم
المخلص من الجور في أموال اليتامى،
فقال: انكحوا إن أمنتم الجور في النساء
على أنفسكم ما أبحت لکم منهن وحللته،
مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم أيضًا الجور
على أنفسكم في أمر الواحدة، بأن لا تقدروا
على إنصافها فلا تنكحوها، ولكن تسروا
من المماليك؛ فإنكم أحرى أن لا تجوروا
عليهن؛ لأنهن أملاككم وأموالكم، ولا
يلزمكم لهن من الحقوق کالذي يلزمكم
للحرائر، فيكون ذلك أقرب لكم إلى
السلامة من الإثم والجور.
ففي الكلام -إذا كان المعنى ما قلنا-
متروك، استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام
عن ذكره؛ وذلك أن معنى الكلام: وإن خفتم
أن لا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا
فيها، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في
حقوق النساء التي أوجبها الله علیکم، فلا
تتزوجوا منهن إلا ما أمنتم معه الجور مثنى
وثلاث ورباع، وإن خفتم أيضًا في ذلك
فواحدة، وإن خفتم في الواحدة فما ملكت
أيمانكم، فترك ذکر قوله: فکذلك فخافوا أن
لا تقسطوا في حقوق النساء بدلالة ما ظهر
١٨٢
جَوَسُوع
القرآن الكريم

العدل
من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً أَوْمَا
مَلَكَتْ آَيْمَنْكُمْ﴾)»(١).
وقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ أَلِنِّسَاءُ صَدُقَئِنَّ
◌ِلَّةٌ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُوهُ هَنْيَئًا
تَّرِيقًا﴾ [النساء: ٤].
في هذه الآية الكريمة نهي عن مظلمة تقع
على المرأة حین یؤکل صداقها من أقاربها،
ولا تعطى إياه، وهو حق لها خالص لا سبيل
لوالد ولا لأخ عليه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
اَلْيَتَمَى ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
قال البغوي: ((﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
اُلْيَمَعَى ظُلْمًا﴾ أي: حرامًا بغير حقٍ ﴿إِنَّمَا
يأْكُلُونَ فِيبُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أخبر عن مآله، أي:
عاقبته تكون كذلك»(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَِّي تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ
فَعِظُوهُنَّ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِىِ الْمَضَاجِعِ
وَأَضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ
سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾
[النساء: ٣٤].
قال محمد رشيد رضا: ((معنى:
أَفَلا
(١) جامع البيان ٧/ ٥٣١ - ٥٣٩.
وفي الآية أحكام أخرى، انظر: الجامع في
أحكام القرآن القرطبي وتفاسير الأحكام.
(٢) معالم التنزيل ١/ ٥٧٣.
وانظر: الوسيط ١٦/٢، والوجيز ص٢٥٤
كلاهما الواحدي.
نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ لا تطلبوا طريقًا
للوصول إلى إيذائهن بالقول أو الفعل،
فالبغي بمعنى الطلب، ويجوز أن يكون
بمعنى تجاوز الحد في الاعتداء، أي: فلا
تظلموهن بطريقٍ ما، فمتى استقام لكم
الظاهر فلا تبحثوا عن مطاوي السرائر ﴿إنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ فإن سلطانه
عليكم فوق سلطانكم على نسائكم، فإذا
بغيتم عليهن عاقبكم، وإذا تجاوزتم عن
هفواتهن کرمًا وشمما تجاوز عنکم.
قال الأستاذ (٣): أتى بهذا بعد النهي عن
البغي؛ لأن الرجل إنما يبغي على المرأة
بما يحسه في نفسه من الاستعلاء عليها،
وكونه أكبر منها وأقدر، فذكره تعالی بعلوه
وكبريائه وقدرته عليه؛ ليتعظ ويخشع،
ويتقي الله فيها، واعلموا أن الرجال الذين
يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادةً في
بيوتهم إنما يلدون عبيدا لغيرهم، يعني: أن
أولادهم يتربون على ذل الظلم، فيكونون
كالعبيد الأذلاء لمن يحتاجون إلى المعيشة
معهم)) (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى
النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى
(٣) أراد به أستاذه محمد عبده فقد تأثر به، ونقل
عنه كثيرًا في تفسيره بقوله: قال الأستاذ،
أو قال الإمام، حتى قال محمد عبده عنه:
((صاحب المنار ترجمان أفكاري)).
(٤) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٦٣/٥.
www. modoee.com
١٨٣

حرف العين
عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَآءِالَّتِى لَا
تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ
لِلْيَتَعَى بِالْقِسْطِ، وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِهِ، عَلِيمًا ﴾ [النساء: ١٢٧].
عن عائشة رضي الله عنها في قول الله
تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ فِى
يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ
وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ قالت: «هذا في
اليتيمة التي تكون عند الرجل لعلها أن تكون
شریکته في ماله وهو أولی بها، فیرغب عنها
أن ينكحها فيعضلها لمالها ولا ينكحها
غيره؛ كراهية أن يشركه أحد في مالها)) (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ
تَعْدِ لُواْبَيْنَ اَلْنِسَآَهِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ
كُلَّ اَلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ، وَإِن
تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ [النساء ١٢٩].
قال الشنقيطي: ((قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ
أَلَّا نَعْدِلُواأَفَوَجِدَةً ﴾ الآية [النساء: ٣].
هذه الآية الكريمة تدل على أن العدل بين
الزوجات ممکنٌ، وقد جاء في آیة أخری ما
يدل على أنه غير ممكنٍ، وهو قوله تعالى:
﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَلَهُ وَلَوْ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب من قال: لا نكاح إلا بولي، ١٦/٧، رقم
٥١٢٨، ومسلم في صحيحه، كتاب التفسير
٢٣١٥/٤، رقم ٣٠١٨.
[النساء: ١٢٩].
حَرَصْتَمْ
والجواب عن هذا: أن العدل بينهن
الذي ذكر الله أنه ممكنٌ هو العدل في توفیة
الحقوق الشرعية، والعدل الذي ذكر أنه
غير ممكنٍ هو المساواة في المحبة والميل
الطبيعي؛ لأن هذا انفعالٌ لا فعلٌ، فليس
تحت قدرة البشر، والمقصود أن من كان
أميل بالطبع إلى إحدى الزوجات فليتق الله
وليعدل في الحقوق الشرعية، كما يدل عليه
قوله: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ اَلْمَيْلِ﴾))(٢).
وقوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَابِهِمْ هُوَ
أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. ﴿أَقْسَطُ﴾
أي: أعدل(٣).
قال الطبري: ((دعاؤكم إياهم لآبائهم
هو أعدل عند الله، وأصدق وأصوب من
دعائکم إیاهم لغیر آبائهم ونسبتکموهم إلى
من تبناهم، وادعاهم وليسوا له بنين)) (٤).
وقال سيد قطب: ((وإنه لقسط وعدل
أن يدعى الولد لأبيه، عدلٌ للوالد الذي
نشأ هذا الولد من بضعة منه حية، وعدلٌ
للولد الذي يحمل اسم أبيه، ويرثه ویورثه،
ويتعاون معه، ويكون امتدادًا له بوراثاته
الكامنة، وتمثيله لخصائصه، وخصائص
(٢) دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ص
٥٥.
(٣) معاني القرآن، النحاس ٣٢٢/٥، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ /٢١٥.
(٤) جامع البيان ٢٠/ ٢٠٧.
١٨٤
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

العدل
آبائه وأجداده، وعدلٌ للحق في ذاته الذي من فعل ﴿أَدْعُوهُمْ لَِبَابِهِمْ﴾ أي: الدعاء
يضع كل شيء في مكانه، ويقيم كل علاقة للآباء، وجملة: ﴿هُوَ أَقْسَطُ ﴾ استئنافٌ
بيانيٌّ، كأن سائلًا قال: لماذا لا ندعوهم
للذين تبنوهم؟ فأجيب ببيان أن ذلك القسط،
فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة، أي: هو
قسطٌّ كاملٌ، وغيره جورٌ على الآباء الحق
والأدعياء؛ لأن فيه إضاعة أنسابهم الحق.
على أصلها الفطري، ولا يضيع مزية على
والد ولا ولد، كما أنه لا يحمل غير الوالد
الحقيقي تبعة البنوة، ولا يعطيه مزایاها، ولا
يحمل غير الولد الحقيقي تبعة البنوة ولا
يحابيه بخيراتها! وهذا هو النظام الذي يجعل
التبعات في الأسرة متوازنة، ويقيم الأسرة
على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع،
وهو في الوقت ذاته يقيم بناء المجتمع على
قاعدة حقيقية قوية بما فيها من الحق ومن
مطابقة الواقع الفطري العميق.
وكل نظام يتجاهل حقيقة الأسرة الطبيعية
هو نظام فاشل ضعيف، مزور الأسس، لا
یمکن أن یعیش! ونظرًاللفوضى في علاقات
الأسرة في الجاهلية، والفوضى الجنسية
كذلك التي تخلف عنها أن تختلط الأنساب،
وأن يجهل الآباء في بعض الأحيان، فقد
يسر الإسلام الأمر -وهو بصدد إعادة تنظيم
وقال الطاهر بن عاشور: ((وضمير ﴿هُوَ
أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ عائدٌ إلى المصدر المفهوم
(١) في ظلال القرآن ٢٨٢٥/٥.
والغرض من هذا الاستئناف تقرير ما
دل عليه قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمّْ
ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَِكُمْ وَالَّهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ وَهُوَ
يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]؛ لتعلم
عناية الله تعالى بإبطال أحكام الجاهلية
في التبني، ولتطمئن نفوس المسلمين من
المتبنين والأدعياء ومن يتعلق بهم بقبول
هذا التشريع الذي يشق عليهم إذ ينزع منهم
إلفّا ألفوه)) (٢).
وقال الشعراوي: ((المعنى: إن كنتم
جعلتم من العدل والمحبة أن تكفلوا
هؤلاء الأولاد، وأن تنسبوهم إليكم، فهذا
الأسرة، وإقامة النظام الاجتماعي على عدل بشريٌّ، لكن حكم الله أعدل وأقسط،
أساسها-؛ فقرر في حالة عدم الاهتداء إلى وشرفٌ لرسول الله أن يرد الله حكمه إلى
معرفة الآباء الحقيقيين مكانًا للأدعياء في
الجماعة الإسلامية، قائمًا على الأخوة في
الدين، والموالاة فيه))(١).
حکم ربه، وشرفٌ لرسول الله أن یکون له
الأصل في المسألة، وأنه یحکم، فیرد الله
حکمه إلی حکمه، فهذا تکریم لرسول الله.
فقوله تعالى: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾
يعني: أن فعل محمد كان قسطًا وعدلًا
(٢) التحرير والتنوير ٢١/ ٢٦١.
www. modoee.com
١٨٥

حرف العین
بقانون البشر، وقد جاء محمد ليغير قوانين
البشر بقوانین رب البشر، وبهذا خرج سیدنا
رسول الله من هذا المأزق)» (١).
ثالثًا: العقوبات والقصاص:
قال تعالى: ﴿يَتَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ اَلْقَفْلِىّ الْخُرُّ بِالْخُرِّ وَاَلْعَبْدُ
بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ
شَىْءٌ فَأَنِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ
ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةُ فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ
ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ () وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ
حَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٧٩
[البقرة: ١٧٨-١٧٩].
قال ابن كثير: ((يقول الله تعالى: كتب
عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون،
حركم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم
بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى
من قبلکم، وغیروا حکم الله فيهم.
فأمر الله بالعدل في القصاص، ولا
يتبع سبيل المفسدين المحرفين المخالفين
لأحكام الله فيهم كفرًا وبغيًا))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَغْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
قال السعدي: ((النهي عن الاعتداء
يشمل أنواع الاعتداء كلها، من قتل من
(١) تفسير الشعراوي ١٢٠٣٨/١٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٢١٠/١.
لا يقاتل من النساء والمجانين والأطفال
والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى، وقتل
الحيوانات، وقطع الأشجار ونحوها لغير
مصلحة تعود للمسلمين))(٣).
وقال تعالى: ﴿الشَّهُ لَلْقَرَمُ بِالشَّهْرِ الْخَرَامِ
وَالْخُمَتُ قِصَاصُ فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَعْتَدُ واْعَلَيْهِ
بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].
﴿وَاْرُمَتُ قِصَاصٌ﴾ أي: متساوية (٤).
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ
وقال تعالى:
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ
بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ يِالسِّنِ
وَاُلْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾[المائدة: ٥
قال القاسمي: «حکم الله سبحانه وتعالى
في دماء المسلمين أنها كلها سواء، خلاف ما
عليه أهل الجاهلية)) (٥)
٠
رابعًا: العدل بين الجنسين:
جعل الإسلام المرأة عضوًا في المجتمع
الإسلامي مساويًا للرجل، ففي آيات كثيرة
نجد النساء يذكرن إلى جانب الرجال،
ويخاطبن كما يخاطبون.
وقد حل الإسلام بهذه المساواة مشكلة
الطبقات في المجتمع الإنساني التي قامت
على أسس توجب لظلم.
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٩.
(٤) محاسن التأويل، القاسمي ٦٠/٢.
(٥) المصدر السابق.
١٨٦
القرآن الكريم

العدل
قال تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِ لَّ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا
طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنَّىٌّ بَعْضُكُم
مِنْ بَعْضِ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ
وَأُوَذُواْ فِي سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأَ كَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
سَيْئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَدُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهُّ وَاَللّهُ عِندَهُ حُسْنُ
الثَّوَابِ ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
السَمَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾
[النساء: ١٢٤].
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ
وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟"
أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
ء
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ
طَيِّبَةً فِى جَنَّتِ عَلْدٍ وَرِضْوَنٌ مِّنَ اللَّهِ
أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ﴾ [التوبة:
٧١-٧٢].
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنْقَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً
طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
الْمُسْلِمِينَ
وَإِنَّ
وقال تعالى:
وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِينَ
وَالْقَِئَاتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَِّنَ
وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ
وَالصَّبِرَاتِ
وَالصَّنَِّمِينَ
وَالْمُتَصَدِّقَتِ
وَالْمُتَصَدِّقِينَ
نُرُوجَھُمْ
وَاْحَفِظِينَ
وَالصَّنَّبِمَتِ
وَالْحَفِظَتِ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَغْفِرَةً وَأَجْرًا
عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أُكْتَسَبُواْ
فَقَدِ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِثْمَّا قُّبِينًا﴾ [الأحزاب:
٥٨].
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ فَلاَ
يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ
يُرْزَقُونَ فِيَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].
﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
وقال تعالى:
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمد: ١٩].
قال محمد رشيد رضا: ((المقصد التاسع
من فقه القرآن: إعطاء النساء جميع الحقوق
الإنسانية والدينية والمدنية.
كان النساء قبل الإسلام مظلوماتٍ
وقال تعالى: ﴿الَِّيَّةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ ممتهناتٍ مستعبداتٍ عند جميع الأمم وفي
مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ إِن جميع شرائعها وقوانينها، حتى عند أهل
www. modoee.com
١٨٧

حرفالعین
الكتاب، حتى جاء الإسلام، وأكمل الله ما أعطاهن الإسلام من الحقوق والعناية
دينه ببعثة خاتم النبيين محمدٍ عليه أفضل والكرامة، أفليس هذا كله من دلائل كونه
من وحي الله العليم الحكيم الرحيم لمحمد
النبي الأمي المبعوث في الأميين؟ بلى، وأنا
عن ذلك من الشاهدين المبرهنين، والحمد
للە رب العالمين»(١).
الصلاة والسلام، فأعطى الله النساء بکتابه
الذي أنزله علیه، وبسننه التي بین بها كتاب
الله تعالى بالقول والعمل، جميع الحقوق
التي أعطاها للرجال، إلا ما يقتضيه اختلاف
خامسًا: العدل بين المؤمنين والكافرين:
طبيعة المرأة ووظائفها النسوية من الأحكام،
مع مراعاة تكريمها والرحمة بها والعطف
علیھا.
قد أبطل الإسلام كل ما كان عليه العرب
والعجم من حرمان النساء من التملك، أو
التضييق عليهن في التصرف بما يملكن،
واستبداد أزواج المتزوجات منهن بأموالهن،
فأثبت لهن حق الملك بأنواعه والتصرف
بأنواعه المشروعة، فشرع الوصية والإرث
لهن كالرجال، وزادهن ما فرض لهن على
الرجال من مهر الزوجية والنفقة على المرأة
وأولادها وإن كانت غنيةً، وأعطاهن حق
البيع والشراء والإجارة والهبة والصدقة
وغير ذلك.
ويتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها
كالدفاع عن نفسها بالتقاضي وغيره من
الأعمال، وأن المرأة الفرنسية لا تزال
إلى اليوم مقيدةٌ بإرادة زوجها في جميع
التصرفات المالية، والعقود القضائية.
وجملة القول: أنه ما وجد دينٌ ولا شرعٌ
ولا قانونٌ في أمةٍ من الأمم أعطى النساء
قال ابن القيم: ((فصل: النوع الثاني
عشر(٢): إنكاره سبحانه أن يسوى بين
المختلفين، أو يفرق بين المتماثلين، وأن
حکمته وعدله یأبى ذلك، أما الأول فکقوله:
أَفَتَجْعَلُ اَلْسُْلِمِينَ كَأْمُجْرِمِينَ { مَا لَكُوْ كَيْفَ
تَمَكُمُونَ ﴾
[القلم: ٣٥ - ٣٦].
فأخبر أن هذا حكم باطل جائر يستحيل
نسبته إليه، كما يستحيل نسبة الفقر والحاجة
والظلم إليه، ومنكرو الحكمة والتعليل
یجوزون نسبة ذلك إلیه، بل يقولون بوقوعه؟
وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ
الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].
وقال: ﴿أَمَّ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ
أَنْ أَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
سَوَاءٌ تَخْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءُ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١١/ ٢٣٢ -
٢٣٦.
(٢) من أنواع الأصل الخامس: أنه سبحانه حكيم
لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة
وحکمه.
١٨٨
جوبي
القرآن الكريم

العدل
[الجاثية: ٢١].
فجعل سبحانه ذلك حكمًا سيئًا يتعالى
ويتقدس عن أن يجوز عليه)) (١).
وقال محمد رشيد رضا: ((تدل آياتٌ على
الحساب والجزاء العام بالقسط على حسب
تأثير الأعمال في النفوس، فمن دسى نفسه
وأبسلها، لا یمکن أنیکون عندالله کمن زکی
نفسه وأسلمها، ولا یمکن أن یقول عاقلٌ: إن
نفوس من لم تبلغهم الدعوة الصحيحة تكون
سواءً مهما اختلفت عقائدهم وأخلاقهم
وأعمالهم، فإن هذا مخالفٌ لحكم العقلِ
وإدراك الحس، إذ لم توجد ولا توجد أمةٌ
إلا وفيها الصالحون والطالحون، والأبرار
والفجار، والذین یؤثرون ما يرونه من الهدى
على داعية الشهوة والهوى والعكس، فهل
يكون الفريقان عند الحكم العدل سواءً؟
﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَاَلَّيِّبُ﴾[ المائدة:
١٠٠].
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْنَى وَالْأَصَّ
وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا
نَذَّكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤]))(٢).
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ
وقال كذلك:
أَيَدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل
عمران: ١٨٢] أي: ذلك العذاب إنما يصيبكم
بعملكم، ويكونه تعالى عادلًا في حكمه
(١) شفاء العليل ص١٩٩.
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٦/ ٦٢.
وفعله لا يجور ولا يظلم، فيعاقب غير
المستحق للعقاب، ولا يجعل المجرمين
کالمتقين، والكافرين كالمؤمنين، فلو
كان سبحانه ظلامًا لجاز ألا يذوقوا ذلك
العذاب على كفرهم به، واستهزائهم بآياته،
وقتلهم لأنبيائه بأن يجعلوا مع المقربين
في جنات النعيم؛ وإذا لكان الدين عبثًا
﴿أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُنَّقِينَ كَالْغُجَّارِ﴾
[ص: ٢٨].
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ
◌َجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
سَوَآءَ تَخْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمُّ سَلَّمَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[الجاثية: ٢١].
﴿أَفَتَجْعَلُ الْشُعْلِمِينَ كُْجْرِمِينَ (٥) مَا لَكُوْ كَيْفَ
تَّحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥-٣٦].
فالاستفهام الإنكاري في هذه الآيات
يدل على أن ترك تعذيب أولئك الكفرة
الفجرة هو من المساواة بين المحسن
والمسيء، ووضع الشيء في غير موضعه،
وناهيك به ظلمًا کبیرًا) (٣).
وقال الشنقيطي: («نفى الله سبحانه عن
حكمه وحكمته التسوية بين المختلفين في
الحكم، فقال تعالى: ﴿أَفَتَجْعَلُ الْسُتِلِينَ كْتُجْرِمِينَ
﴿﴿ مَا لَكُكَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥-٣٦].
وأخبر أن هذا حكمٌ باطلٌ في الفطر
(٣) المصدر السابق ٢١٨/٤.
www. modoee.com
١٨٩

حرف العين
والعقول، لا تليق نسبته إليه سبحانه، وقال سادسًا: عدل بين المؤمنين وتفاضلهم
في الدرجات:
تعالى: ﴿أَمّ حَسِبَ أَلَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ
أَن ◌َّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
سَوَاءٍ تَّخْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَلَّمَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[الجاثية: ٢١].
وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَِلُوا الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ
اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].
أفلا تراه كيف ذكر العقول، ونبه الفطر
بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره،
وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في
الحكم»(١).
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ
وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا
١٩
اْحُرُورُ ١) وَمَا يَسْتَوِى الْأَحَُّْ وَلَ الْأَمْوَتُ﴾ [فاطر:
١٩ - ٢٢].
وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ
النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ
اٌلْفَآيِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠].
ومثل هذه الآيات كثير، كما هو معلوم،
ومذكور في كتب الوجوه والنظائر(٢).
(١) أضواء البيان ٤/ ١٨٤.
(٢) انظر أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن
غرائب آي التنزيل، الرازي ص ٤١٠، نزهة
الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ١٢١ -
١٥٣، البرهان في علوم القرآن، الزركشي
٤٢٨/٣ - ٤٢٩.
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَّنْ أَنفَقَ مِن
قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَبِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ
أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىِّ وَاللهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [الحديد: ١٠].
أي: لا یکونون سواء.
قال ابن العربي: ((من سبق أكرم عند الله
مرتبةً، وأوفی أجرًا، ولو لم یکن للسابق من
الفضل إلا اقتداء التالي به، واهتداؤه بهدیه،
فیکون له ثواب عمله في نفسه، ومثل ثواب
من اتبعه مقتديًا به؛ قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (من سن سنةً حسنةً في الإسلام كان
له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة،
لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا)»(٣).
وقال كذلك: ((نفى الله سبحانه المساواة
بين من أنفق من قبل فتح مكة وبین من أنفق
بعد ذلك؛ لأن حاجة الناس كانت قبل الفتح
أکثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على
المنافقين أشق، والأجر على قدر النصب،
إذا ثبت انتفاء المساواة بين الخلق وقع
التفضيل بين الناس بالحكمة والحكم؛ فإن
التقدم والتأخر يكون في الدين، ويكون في
أحکام الدنيا» (٤).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب
من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى
أو ضلالة، ٤ / ٢٠٦٠، رقم ٢٦٧٤.
(٤) أحكام القرآن ٢/ ٥٧٣، ١٧٨/٤.
١٩٠
جوبيبو
القرآن الكريمِ

العدل
وقال ابن عثيمين: ((﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُم بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَ
، وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
[النساء: ٩٥].
مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَثَلَ﴾ دين الإسلام
دين العدل في العمل والجزاء، وانتبه دين
العدل في العمل والجزاء، وليس كما يقول
المحدثون: ((إنه دين المساواة)) هذا غلط
عظيم، لكن يتوصل به أهل الآراء والأفكار
الفاسدة إلى مقاصد ذميمة، حتى يقول:
المرأة والرجل، والمؤمن والكافر سواء، ولا
فرق، وسبحان الله! إنك لن تجد في القرآن
کلمة المساواة بين الناس، بل لابد من فرق،
بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة ﴿قُلْ هَلْ
يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
وآيات كثيرة».
وقال أيضًا: ((﴿أُوْلَيْكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ
أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ﴾ وذلك لأن الأولين
أنفقوا وقاتلوا وسبقوا إلى الإسلام، وكان
الإسلام في حاجة لهم ولإنفاقهم؛ فكانوا
أفضل ممن أنفق من بعد و قاتل، والله سبحانه
وتعالی یجزي بالعدل بين عباده، ولكن لما
كان تفضيل السابقين قد يفهم منه أن لا فضل
للاحقين قال: ﴿وَكُلُّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَ﴾ أي:
كلٌّ من الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا،
والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعدهم الله
الحسنى يعني: الجنة)) (١).
وقال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
(١) تفسير سورة الحديد ص ٣٨١-٣٨٤.
وقال تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَاً وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا
السَّيِئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤].
سابعًا: العدل في عدم تحمل أحد وزر
غيره:
﴿لَهَامًا
قال الجصاص: ((قوله تعالى:
كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
هو مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ
نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقوله: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى
وَأَنَّ سَعْيَهُ: سَوْفَ يُّرَى﴾ [النجم: ٣٩-
٤٠].
وفيه الدلالة على أن كل واحد من
المكلفين فأحكام أفعاله متعلقةٌ به دون
غيره، وأن أحدًا لا يجوز تصرفه على غيره،
ولا يؤاخذ بجريرة سواه، فهذا هو العدل
الذي لا يجوز في العقول غيره))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
[الأنعام: ١٦٤].
(٢) أحكام القرآن ٢٧٩/٢.
www. modoee.com
١٩١

حرفالعین
قال ابن العربي: ((المعنى لا تحمل جاههم في الآخرة؛ لذلك جاء القرآن يبالغ
نفسٌ مذنبةٌ عقوبة الأخرى؛ وإنما تؤخذ كل في تقرير قاعدة ارتباط السعادة بالعمل
نفسٍ منهم بجريرتها التي اكتسبتها، کما قال
تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾
[البقرة: ٢٨٦]))(١).
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتَّ لَهَا
مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤، ١٤١].
تكررت هذه الآية الكريمة في موطنین
من كتاب الله؛ ولهذا التكرار سر جمال،
يوضحه لنا محمد رشيد رضا، فيقول:
((﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَّكُمْ
مَا كَسَبْتُمٌّ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وإنما
تسئلون عن أعمالكم، وتجازون عليها، فلا
ينفعكم ولا یضرکم سواها، وهذه قاعدةٌ
يثبتها كل دينٍ قويمٍ، وكل عقلٍ سليمٍ، ولكن
قاعدة الوثنية القاضية باعتماد الناس في
طلب سعادة الآخرة، وبعض مصالح الدنيا
على كرامات الصالحين تغلب مع الجهل
كل دينٍ وكل عقلٍ، ومع الجهل التقليد
المانع من النظر في الأدلة العقلية والدينية
جميعًا، اللهم إلا مكابرة الحس والعقل،
وتأويل نصوص الشرع، تطبيقًا لهما على ما
يقول المقلدون المتبعون.
وقد أول المؤولون نصوص أديانهم
تقريرًا لاتباع رؤسائهم والاعتماد على
(١) المصدر السابق ٣٠٠/٢.
والكسب وتبيينها، ونفي الانتفاع بالأنبياء
والصالحين لمن لم يتأس بهم في العمل
الصالح؛ ولذلك أعاد هذه الآية بنصها
في مقام محاجة أهل الكتاب المفتخرين
بسلفهم من الأنبياء العظام، المعتمدين على
شفاعتهم وجاههم، وإن قصروا عن غيرهم
في الأعمال.
وفائدة الإعادة تأكيد تقرير قاعدة بناء
السعادة على العمل دون الآباء والشفعاء،
بحيث لا يطمع في تأويل القول طامعٌ،
والإشعار بمعنَى يعطيه السياق هنا وهو: أن
أعمال هؤلاء المجادلين المشاغبين من أهل
الكتاب مخالفةٌ لأعمال سلفهم من الأنبياء،
فهم في الحقيقة على غير دينهم)) (٢).
وقال كذلك: ((القاعدة الحادية
والثلاثون(٣): أن عمل كل إنسانٍ له أو
علیه لا يجزی إلا به، ولا یجزی به سواه،
فلا ينفعه عمل غيره ولا يضره؛ وذلك
قوله تعالى في خاتمة هذه السورة: ﴿لَهَامًا
كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]» (٤).
﴿وَلِكُلِّ دَرَحَتُ تِمَّا عَمِلُواْ
وقال تعالى:
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤٠٣/١-
٤٠٤.
(٣) من الأصول والقواعد الشرعية العامة في
سورة البقرة.
(٤) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١/ ١٠١.
١٩٢
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

العدل
وَلِيُوَّهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
١٩].
وقال تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُوسَعَةٍ مِنْ سَعَنِهِ،
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمََّ ءَالَنْهُ اَللَّهُ لَا
يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلََّ مَآ ءَاتَنِهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ
يُتْرًا﴾ [الطلاق: ٧].
مع
ولا تتعارض هذه الآيات وأمثالها
قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةٌ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥].
فجواب ذلك: أن الناس إذا تظاهروا
بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن
یغیره، فإذا سکت عنه؛ فکلھم عاصٍ، هذا
بفعله، وهذا برضاه به.
وقد جعل الله في حكمه وحكمته
الراضي بمنزلة العامل؛ فانتظم الذنب
بالعقوبة، ولم يتعد موضعه(١).
ثامنًا: العدل في القول:
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ أَلْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ
بِاَلْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ
فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ
ذَالِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[الأنعام: ١٥٢].
في هذه الآية يحذر المولى عز وجل
النفوس الضعيفة التي تطبق ميزان العدل،
وتشهد بالحق على الآخرين، وإذا كانت
(١) أحكام القرآن، ابن العربي ٣٩١/٢ - ٣٩٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٩٣/٧.
[الأحقاف: القضية تمسهم أو تمس أقاربهم؛ فسرعان ما
يميلون عن العدل، ويزيغون عن الحق.
قال ابن كثير: ((يأمر الله تعالى بإقامة
العدل في الأخذ والإعطاء، كما توعد على
تركه في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾
[المطففين: ١]))(٢).
تاسعًا: العدل مع الخصوم:
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىْ عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
قال الراغب الأصفهاني: ((قد يوجد في
الاعتداء ما ليس بفساد، وهو مقابلة المعتدي
بفعله، نحو: ﴿فَمَّنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُ واْعَلَيْهِ
بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وهذا الاعتداء ليس
بإفساد، بل هو بالإضافة إلى ما قوبل به
عدل، فلولا كونه جزاءً لكان إفسادًا» (٣).
قال ابن كثير: ((قوله: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُ واعَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ أمر
بالعدل حتى في المشركين)» (٤).
وقال سيد قطب: ((ويسمى دفع الظالمين
ومناجزتهم عدوانًا، من باب المشاكلة
اللفظية، وإلا فهو العدل والقسط، ودفع
العدوان عن المظلومين» (٥).
وقال الشعراوي: ((ولكسر حدة الغل أباح
(٢) تفسير القرآن العظيم ٢/ ١٩٠.
(٣) تفسير الراغب ١/ ٢٠٧.
(٤) تفسير القرآن العظيم ١/ ٥٢٧.
(٥) في ظلال القرآن ١٩١/١.
www. modoee.com
١٩٣

حرف العين
لك الحق سبحانه وتعالى أن تعتدي على من ٥٤]» (٣).
اعتدى عليك بمثل ما اعتدى؛ لأنه سبحانه
وتعالى لا يريد لك أن تظل في حالة غليان
بالغضب أو القهر بما يمنعك من العمل، بل
يريد الحق سبحانه أن تتوجه بطاقاتك إلى
أداء عملك.
ولذلك لا يلزمك الحق سبحانه إلا بحكم
العدل، فيقول عز وجل: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ
فَعْتَدُ واْعَلَيَّهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾)»(١).
وقال كذلك: ((ویثور سؤال: من القادر
على تحقيق المثلية بعدالة؟ ونجد على سبيل
المثال إنسانًا ضرب إنسانًا آخر صفعة على
الوجه، فبأية قوة دفع قد ضرب؟ وفي أي
مکان ضرب؟ ولذلك نجد أن رد العدوان
على درجة المثلية المتساوية أمر صعب،
وما دام المأمور به: أن أعتدي بمثل ما
اعتدي به علي؛ ولن أستطيع تحقيق المثلية،
ولربما زاد الأمر على المثلية؛ وبعد أن كنت
المعتدى عليه صرت المعتدي؛ بذلك يكون
العفو أقرب وأسلم» (٢).
وقال الكرماني: ((سمى الثانية اعتداءً
للمزاوجة ولها نظائرها، منها: ﴿اَللّهُ يَسْتَهْزِئُ
﴾ [البقرة: ١٥].
وَحَزَّوَاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَّةٌ﴾ [الشورى: ٤٠].
﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اَللَّهُ﴾ [آل عمران:
(١) تفسير الشعراوي ٦٣٥٨/١٠.
(٢) المصدر السابق ٢٧٦١/٥ -
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمّتَ فَأَحْكُمْ
بَيْنَهُم بِالْقِسْطٍ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
[المائدة: ٤٢].
﴿بَلْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل (٤).
وقال البيضاوي: ((أي بالعدل الذي
أمر الله به ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
فیحفظهم، ویعظم شأنهم» (٥).
وقال ابن كثير: «أي: بالحق والعدل، وإن
كانوا ظلمةً خارجين عن طريق العدل)» (٦).
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ
بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَيِنِ صَبَّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
لِلصَّبِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].
قال البيضاوي: ((لما أمره بالدعوة وبين
له طرقها، أشار إليه وإلى من يتابعه بترك
المخالفة، ومراعاة العدل مع من يناصبهم؛
فإن الدعوة لا تنفك عنه، من حيث إنها
تتضمن رفض العادات، وترك الشهوات،
(٣) غرائب التفسير وعجائب التأويل ٢٠٤/١.
وانظر: إعجاز القرآن، الباقلاني ص ٢٧١،
النكت في القرآن الكريم، الماوردي ص
١٧٩، خصائص التعبير القرآني وسماته
البلاغية، د.عبد العظيم المطعني ٤٣٩/٢.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٣٣٤، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ١٧٧/٢، معالم
التنزيل، البغوي ٥٤/٢، المحرر الوجيز،
ابن عطية ١٩٥/٢، فتح القدير، الشوكاني
٤٩/٢.
(٥) أنوار التنزيل ٢/ ١٢٧.
(٦) تفسير القرآن العظيم ١١٧/٣.
١٩٤
جوبيـ
القرآن الكريمِ