النص المفهرس
صفحات 21-22
العطاء ارتقاء وشيء من المشقة عند الصعود، وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنَّ وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ المائدة: ٢]. ولكن في هذا الارتقاء الشاق لذات لا يظفر بها من اتبعوا أهواء نفوسهم، المنحدرين إلی أدناس الأخلاق وقبائح السلوك، مما یجدون فیه بعض متع زائلة منغصة بالأكدار والآلام(١). ٢. يعود الفرد على الإيثار. ويتضح ذلك من خلال قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ فَأَوْلَكَ هُمُ اٌلْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. إن تربية النفوس على حب العطاء إقامة سد واق يمنع الأنفس عن الجنوح الخطير في مجال حب التملك والأثرة، فإنه متى جنحت النفس هذا الجنوح الخطير كان حب التملك غاية بنفسه، وليس مجرد وسيلة لتحقيق منافع الحياة ومصالحها، وعندئذ يستأثر بالإنسان داء الجمع والمنع، حتی یعیش حياته كلها جَمَّاعًا للمال، دون أن ينتفع بما یجمع منه، ثم تأخذ يد المنون فتعزله عن وظيفة حارس صندوق أو خازن مال، ليلقى حسابه العسير على ما جمع ومنع، فلا هو انتفع ولا هو نفع(٢). ٣. التعاون على البر والتقوى. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِّ وَاَلنَّقْوَىّ (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ٤٢٦٣. (٢) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها ٣٧٧/٢. قال القرطبي: («ندب الله تعالى إلى التعاون بالبر، وقرنه بالتقوى له، لأن في التقوی رضا الله، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته))(٣)، فالعطاء هو أحد أنواع البر بين الناس. إن اكتساب العطاء يولد في الفرد شعورًا بأنه جزء من الجماعة وحب التعاون، ولیس فردًا منعزلًا عنهم إلا في حدود مصالحه ومسئولياته الشخصية، فهو بهذا الشعور النبيل يجد نفسه مدفوعًا إلى مشاركتهم في عواطفهم مشاركة وجدانية ومشاركة مادية، فيفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويتألم عندما يتألمون، وینشرح صدره إذا وجدهم منشرحين، ويساهم معهم في الأعمال العامة، ويعين منهم ذا الحاجة بجسمه، أو ماله، أو شفاعته في الحق، أو عواطفه ومشاعره وتعبيراتها (٤). ومتی کان هذا المعنى متبادلًا بين أفراد الجماعة استطاعت أن تمثل في واقعها معنى الجسدية الواحدة للجماعة، التي إذا اشتكى عضو منها تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما جاء في الحديث الصحيح من (٣) الجامع لأحكام القرآن، ٦/ ٤٧. (٤) انظر: ظلال القرآن، سيد قطب ٧٤/١. www. modoee.com ٣٤٩ حرف العين حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه مُحِبُّونَْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [ آل عمران: ٩٢]. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه شيءٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(١) أبرز النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحدیث عنصرین رئیسین، وهما: الأول: التواد، أي: التحابب، وهذا العنصر بمثابة الروح التي تسري في الأجساد المادية، فتعقد الصلة التامة بين أعضاء الجسد السارية فيه، حتى يشعر كل عضو بأنه جزء لا يتجزأ من وحدة كلية. الثاني: التراحم، وهذا العنصر يبرز بالمشاركة الوجدانية والمادية في الآلام والمسرات، والأحزان والأفراح، وهذه المشاركة صورتها العطاء، وحقيقتها الانفعال العاطفي النبيل نحو الآخرين. وإذا كان التواد بمثابة الروح التي تسري في الأجساد، فإن عنصر التراحم بمثابة الأغذية التي تمد الأجساد بشروط الحياة للمحافظة على بقاء الروح فيها (٢). ٤. التعود على نيل درجة البر ورضا الرحمن عز وجل. قال تعالى: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين، رقم ٢٥٨٦، ١٩٩٩/٤. (٢) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها ٣٧٦/٢. جوبيية القرآن الكريمِ فالعطاء بشتى أنواعه - لاسيما العطاء مما يحب الإنسان - يوصله إلى رضا الرحمن تبارك وتعالى، والمعنى: لن تنالوا حقيقة البر، ولن تبلغوا ثوابه الجزيل الذي يوصلكم إلى رضا الله، وإلى جنته التي أعدها لعباده الصالحين، إلا إذا بذلتم مما تحبونه وتؤثرونه من الأموال وغيرها في سبيل الله(٣). موضوعات ذات صلة: الإنفاق، البر، التطوع، الخير، الرزق، الزكاة، العلم، المَنّ (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٠٥/٣. ٣٥٠