النص المفهرس

صفحات 21-40

العزم
تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ [البقرة: ١٤٨، وجزم النية - وهو أن لا يعتريها وقفة ولا
تأخير - هو غاية منازل الصديقين، وصديقية
والمائدة: ٤٨].
العبد بحسب رسوخه في هذا المقام، و کلما
وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
زَّبِّكُمْ وَجَثَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
ازداد قربه وعلا مقامه قوي عزمه وتجرد
صدقه، فالصادق لا نهاية لطلبه ولا فتور
لقصده، بل قصده أتم و طلبه أكمل.
وقوله تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَلِوَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ﴾ [الحديد: ٢١].
سادسًا: الثبات:
من أخلاق صاحب العزم الصادق أنه
لا ينصرف عن بغيته حتى يبلغها أو يقطع
به دونها لعذرٍ قاهرٍ، أو لحينٍ باهرٍ، وقد أمر
الله عز وجل نبيه صلی الله عليه وسلم أن
يستمر في عقد قلبه على طاعة مولاه مواظبًا
على العبادة حتى يأتيه الموت، فقال تعالى:
﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَقِينُ﴾ [الحجر:
٩٩].
ووجه كون أهل العزم أكثر الناس
ثباتًا، وأبعدهم عن الانتكاس والفتور أنهم
تمرسوا بمراقبة خطراتهم، وتجريد قصدهم.
وتجريد القصد وجزم النية والجد فى الطلب
هو عين كمال العبد، وهو متضمن للصدق
والإخلاص والقيام بالعبودية. والاجتهاد
في تجريد القصد وتخليصه من كل شائبة
نفسانية أو طبيعية، وتجريده لمراد المحبوب
وحده، والجد في طلبه وطلب مرضاته،
قال تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ
اَلْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
واليقين هنا الموت باتفاق أهل الإسلام،
فجاء صلی الله عليه وسلم إذ جاءه وإرادته
وقصده ونيته فى الذروة العليا ونهاية كمالها
وتمامها(١).
وصاحب العزم الصادق لا يفتأ يستعين
على هواه بالتجرد من الحول والقوة،
والتضرع إلى الله بالدعاء بالثبات، فهو أبعد
الناس عن الخذلان، هجيراه في السلم:
﴿رَبَِّ لَا تُرِعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَّدُنكَ
رَحْمَةُ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ ا رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ
النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيَةٍ إِنَّ اللّهَ لَا يُخْلِفُ
اَلْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٨-٩].
وعند عزم الأمر: ﴿رَبَّنَا أَفْرِعٌ عَلَيْنَا
صَبْرًا وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠].
فکان أثبت الناس قدمًا، وأصدقهم عزمًا.
يشيب شعره ولا تشيب عزيمته. بعكس
من اشتهر بالتواني والفتور والكسل، ولم
(١) انظر: طريق الهجرتين ص٢٢٤.
www. modoee.com
٣٠١

حرفالعین
یتمرس بالعزم، تراه شابًا في بدنه، وشيخًا
في عزيمته وهمته.
عوامل قوة العزم
يتفاوت العزم قوة وضعفًا بقدر حظ
صاحبه من مادة حياة القلب، وقوة الباعث
والمنادي، ووجود المساعد والحادي،
ويقدر أخذه من أسباب النجاح والتوفيق.
فإذا اجتمع له من جملة العوامل المذكورة
ما یجیز به أنجح وأفلح، وإلا خاب وخسر.
وفيما يأتي نتناول أهم العوامل المؤثرة على
العزم قوةً، ولا يخفى أن انتفاءها أو ضعفها
يضعف العزم ويحط بالهمة، وبضدها تتميز
الأشياء.
أولًا: الإيمان بالله:
تقدم أن العزم من باب الإرادات فهو من
أعمال القلوب، والقلب للأعضاء كالملك
المتصرف فى الجنود، فتصدر كلها عن
أمره، يستعملها فيما شاء، وتكتسب منه
الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من
العزم أو يحله (١)، فمتى كان القلب حيًا
متيقظًا صح العزم، وتمت الإرادة، ومتى
كان ميتًا أو مريضًا لم يستقم له عزمٌ في
خيرٍ. وقد ضرب الله عز وجل مثلًا للمؤمن
والكافر بالحي والميت فقال: ﴿أَوَمَن كَانَ
مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي
النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ اُلُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِچٍ مِنْهَا
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَلِفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
(١) انظر: إغاثة اللهفان، ابن القيم ١/ ٥.
٣٠٢
قَضوري
جوبيـ
القرآن الكريم

العزم
ينعكس أثره على عمل الظاهر فيتميز العازم
الحازم من المرتاب الشاك الحيران، يقول
شيخ الإسلام: ((والقرآن يبين أن إيمان
القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه، كقوله
تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَيَالِرَّسُولِ وَأَطَعْنَا
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِقٌ مِنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ
بِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِذَا دُهُوّا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمْ
بَّنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم ◌ُعْرِضُونَ () وَإِن يَكُن ◌َُّ الْحَقُّ
يَأْتُوَاْ إِلَيْهِ مُدْعِنِينَ * أَنِ قُلُوِبِهِم مَّرَضُ أَمِ آَرْتَابُواْ أَمْ
يَخَافُونَ أَنْ يَحِفَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ, بَلْ أُوْلَكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوّاً
إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْسَمِعْنَا وَأَعْنَاً
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧ - ٥١].
فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة
الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى
الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا؛
فبين أن هذا من لوازم الإيمان»(١).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله
صلی الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير
وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي
کل خير)(٢).
والقوة المحمودة ها هنا هي القوة
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٧/ ٢٢١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب
في الأمر بالقوة وترك العجز، رقم ٢٦٦٤.
الإيمانية، وعلى قدرها تكون القوة فى
[الأنعام: ١٢٢].
فهل للميت من إرادةٍ فضلاً عن أن الطاعة، فإن وافقت قوة في البدن كان
يكون له عزمٌ؟! ولا شك أن إيمان القلب صاحبها أكثر عملًا، وأطول قيامًا، وأكثر
صيامًا وجهادًا وحجًا. وقد تكون القوة
إشارة إلى عزيمة النفس والحزم، فيكون أتم
إقدامًا على العدو فى الجهاد، وأشد عزيمة
فى تغيير المنكر، والصبر على إيذاء العدو،
واحتمال المكروه والمشاق فى ذات الله، أو
تكون القوة بالمال والغنى فيكون أكثر نفقة
فی سبیل الخیر، وأقل میلا إلی طلب الدنیا،
والحرص على جمع شىء فيها. وكل هذه
الوجوه ظاهرة فى القوة(٣).
وهي متلازمة؛ لأن قوة الطاعة تأتي
على قدر الهمة والعزيمة، ومثل ذلك يقال
في القوة المالية؛ إذ إن المال لا يكون قوة
ممدوحةً إلا إذا أنفق في أبواب الخير،
والجود بالمال فرعٌ عن الجود بالنفس
والبدن، فآل الأمر إلى أن القوة الممدوحة
هي القوة الإيمانية التي يتولد عنها قوةٌ في
العزم.
والقوة الإيمانية أن يعمل المؤمن بعزائم
الشرع في مواطنها، وأن لا يجبن على الأخذ
برخص الشرع في مواطنها، وأن لا يترك
المسلمين من يده حفاظًا لدينهم، واهتمامًا
بهم، ذكرهم وأنثاهم، عالمهم وجاهلهم.
(٣) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، القرطبي
١٥٧/٨، شرح صحيح مسلم، النووي
٢١٥/١٦.
www. modoee.com
٣٠٣

حرف العين
وأما المؤمن الضعيف فعلى ضد ذلك يكون ثانيًا: العلم ووضوح الغاية:
قانعًا بأن يسلم بنفسه (١). وهو ما ينشأ عنه
نوعٌ من الحرص والإحجام عن مواطن
الرفعة، ومظان السمو، وقبض اليد عن
مواطن العطاء.
والمنافق إنما يؤتى انتقاض عزمه من ثلمة
یقینه، إذ لا یزال شاگًا حائرًا مترددًا متذبذبًا،
فلا يتصور أن ينعقد له عزمٌ، أو یصح له فعلٌ.
وهؤلاء موصوفون بقوله تعالى: ﴿مُذَبَّذَیِينَ
بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ
اُللَّهُ فَكَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣].
وبقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَعْذِنُكَ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ
فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥].
وبقوله تعالى: ﴿قُلّ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَايِنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَ نَا اللّهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتَهُ الشَّيَاطِينُ فِ الْأَرْضِ
حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُهُ إِلَى الْهُدَى أَقْتِنَا قُلْ
إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىّ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ
اٌلْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١].
والقدر المشترك بين هذه الآيات أنها
تصور حالة الكافر والمنافق من الحيرة
والريبة والاضطراب، فهو أبعد ما يكون عن
العزم.
(١) الإفصاح عن معاني الصحاح، ابن هبيرة
٠٤٤/٨
العالم أبصر الناس بالعواقب، وعلى
قدر علمه تكون بصيرته، وعلى قدر بصيرته
تکون عزيمته.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
[فاطر: ٢٨].
الْعُلَمَوَأ
ويقول تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ
الَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِىّ
إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦].
وبدلالة المفهوم فإن الذين لم يؤتوا العلم
لا يرونه كذلك، فهم يتقلبون في شكهم
وريبهم وضلالهم. ولا شك أن التفكر في
ثمرات الأمر ومغباته يأطر القلوب الصافية
والألباب الواعية على الجد والاجتهاد، وأن
البصيرة بالعواقب تورث اليقظة والعزيمة،
وكما قيل: البصيرة ما خلصك من الحيرة (٢).
وإن عقل العاقل وعلمه لم يزل به من هم
إلى همٍ، ومن عزمٍ إلى عزمٍ؛ حتى ينضي بدنه
كما ينضي المسافر بعيره في تطلاب المآثر
والمفاخر والمحامد، في الوقت الذي يتمتع
فيه الجاهل على وثير أمن المغبات، وفاره
دواب الشهوات.
إن عدم وضوح الأهداف والغايات فرعٌ
عن الجهل وضعف الإيمان بالله. وقد شبه
الله عز وجل الكفار بالأنعام، بل جعلهم
أضل من الأنعام، ذلك أن الأنعام تأكل
(٢) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ١٤٣/١.
٣٠٤
جوسين
الْقُرآن الكَرِيْمِ

العزم
فمن كانت الدنیا همه و طلبته ونیته، يعمل
وتتمتع، وربما كان القصاب يشحذ سكينه
أمامها، فهي لا ترى أبعد من أنفها، ولا لها ويسعى في تحصيلها، لا يوقن بمعادٍ،
تطمح إلی أکثر من کومة الکلإ بین یدیھا.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا
مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا
وَلَهُمْ أَعْيُنٌّ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ
بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلَ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ
الْفَفِلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ
كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَّى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ.
يقول سيد قطب: ((إن الفارق الرئيسي
وهدفًا وتصورًا خاصًا للحياة يقوم على
أصولها الصحيحة المتلقاة من الله خالق
الحياة، فإذا فقد هذا کلہ فقد أهم خصائص
الإنسان المميزة لجنسه، وأهم المزايا التي
من أجلها كرمه الله))(١).
فلا هم لمن كان كذلك إلا تحصيل
عاجل الأمر، ولو بتفویت آجله، وإيثار فانیه،
ولو بتضييع باقيه.
يقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ
عَبَّلْنَا لَهُ، فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ.
جَهَتَّمَ يَصْلَنِهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا ) وَمَنْ أَرَادَ
اُلْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَكَ
كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٢٩٠.
ولا يرجو ثوابًا، ولا يخاف عقابًا عجل الله
له فيها ما يشاء من توسيع وتقتيرٍ، لا ينال
منها إلا ما قدره الله عز وجل له، ثم هو في
الآخرة في عذاب جهنم مذمومٌ مدحورٌ.
وقيد الأمر تقييدين، أحدهما: تقييد
المعجل بمشيئته. والثاني: تقييد المعجل
له بإرادته، وهكذا الحال ترى كثيرًا من
هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا
بعضًا منه، و کثیرًا منهم يتمنون ذلك البعض
وقد حرموه، فاجتمع علیهم فقر الدنيا وفقر
بين الإنسان والحيوان أن للإنسان إرادةً الآخرة، وأما المؤمن التقي فقد اختار مراده
وهو غنى الآخرة، فما يبالي أوتي حظًّا من
الدنیا أو لم یؤت، فإن أوتي فيها، وإلا فربما
كان الفقر خيرًا له، وأعون على مراده (٢).
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي
صلی الله عليه وسلم قال: (من كانت الدنيا
همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين
عینیه، ولم یأته من الدنيا إلا ما کتب له، ومن
كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل
غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)(٣).
ومن أحب الدنيا كره الموت إذا عَمَّر
الفانية وخرب الباقية، فكره الانتقال من
(٢) الكشاف، الزمخشري ٦٥٦/٢.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢١٥٩٠.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٩٥٠.
www. modoee.com
٣٠٥

حرف العين
العمران إلى الخراب. وحقيقة كره الموت
کره لقاء الله، ومن كره الموت وأساء الظن
بالله جمع کل أسباب الجبن.
الظن بالله، وأهل الشجاعة والجود هم أهل
حسن الظن بالله كما قال بعض الحكماء
في وصيته: عليكم بأهل السخاء والشجاعة
فإنهم أهل حسن الظن بالله، والشجاعة جُنةٌ
للرجل من المكاره، والجبن إعانة منه لعدوه
على نفسه، فهو جندٌ وسلاحٌ يعطيه عدوه
لیحاربه به))(١).
والجبان حريصٌ على الحياة وإن
حقرت، لا يصدق له عزمٌ علی مکرمة، ولا
صبرٌ عن معرة يقول تعالى في وصف اليهود:
﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْةٍ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا
هُوَ بِمُزَّحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة:
٩٦].
وموقفهم من أمر موسى عليه السلام
لهم بدخول الأرض المقدسة یصور جبنھم،
وترددهم، ووهنهم يقول لهم موسى:
يَلِقَوْمِ ادْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أَلَتِىِ كَبَ
اللَّهُ لَكُمْ وَلَ نَْئِدُواْ عَلَى أَدْبَارِكٍُ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ
قَالُواْ يَمُوسَىَّ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ
نَّدْ خُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنِ يَخْرُ جُواْ مِنْهَا
فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ قَالَ رَجُلَانٍ مِنَ الَّذِينَ
يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيْهِمَا أَدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ
اَلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ
فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ( قَالُواْ يَمُوسَى
قال ابن القيم: ((والجبن خلق مذمومٌ عند
جميع الخلق، وأهل الجبن هم أهل سوء إِنَّا لَن تَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ
أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا قَعِدُونَ﴾
[المائدة].
فكان جزاؤهم من جنس عملهم؛ إذ
تمادوا في ترددهم وحیرتهم، فضرب عليهم
التيه أربعين سنةٍ: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ
أَرْبَعِينَ سَنَةٌ يَتِيهُونَ فِىِ الْأَرْضَِّ فَلَا تَأْسَ
عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦].
وهم وأشباههم من المنافقين مؤنثي
العزم إن أجبروا على معركةٍ لا يقاتلون إلا
من وراء حصونهم، أو من خلف جدرهم:
﴿لَا يُقَيِّلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ قُرِى ◌ُّحَصَّنَةٍ
أَوْ مِن وَرَِّ جُدُرٍّ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ
جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَفَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَعْقِلُونَ ﴾ [الحشر: ١٤].
فهذه الحال التي جمعتهم هم وإخوانهم
من المنافقين؛ تبين ما يفعله حب الدنيا
والحرص عليها في قلب المرء.
وقد حذر الله عز وجل المؤمنين من أن
يركنوا إلى الدنيا، فيتثاقلوا عن الجهاد، قال
تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ
إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّاقَلْتُمْ إِلَى
الْأَرْضَِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ
(١) الفروسية، ابن القيم ص ٤٩١.
جَوَسُ حَر النفسية العضوي
القرآن الكريمِ
٣٠٦

العزم
الْآَخِرَةُ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنَّا فِ أو أن يفهم إلا بإذنه ومشيئته(٢). فهو سبحانه
اُلْأَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].
فلما صار كثيرٌ من المسلمين إلى ما
حذروا منه سلط عليهم أعداؤهم لا عن قلةٍ،
ولكن لحبهم الدنيا وكراهيتهم الموت.
عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلی الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعی
عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة
على قصعتها). قال: قلنا: يا رسول الله، أمن
قلة بنا يومئذ؟ قال: (أنتم يومئذ کثیرٌ، ولکن
تكونون غثاء كغثاء السيل، تنتزع المهابة من
قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن).
قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: (حب الحياة
وكراهية الموت)(١).
ثالثًا: الدعاء:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ مَامَنُواْ
قال تعالى:
أُسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ
وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٤].
ذلك خبرٌ من الله عز وجل أنه أملك
لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها
إذا شاء، حتی لا یقدر ذو قلب أن يدرك به
شيئًا من إيمان أو كفر، أو أن يعي به شيئًا،
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٢٣٩٧.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٩٥٨.
يحول بين المرء وإرادته؛ لأن الأمر لا يكون
بإرادة العبد، وإنما يكون بإرادة الله تعالى(٣).
وهو سبحانه القادر أن يقلب قلب العبد
فیفسخ عزائمه، ویغیر نیاته ومقاصده، فلما
كان كذلك لم يكن للعبد حيلةٌ إلا أن يلهج
بالدعاء إلى مقلب القلوب أن يثبتها.
وقد صح بذلك الخبر عن النبي صلى
الله عليه وسلم فعن أنس رضي الله عنه
قال: (کان النبي صلی الله عليه وسلم يكثر
أن يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على
دینك). قال: فقلنا يا رسول الله، آمنا بك،
وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟! قال:
فقال: (نعم إن القلوب بين أصبعين من
أصابع الله عز وجل يقلبها)(٤).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِّ أَنْفُسِكُمْ
أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١].
يقول أبو بكر الوراق: ((يعني: في تحويل
الحالات، وضعف القوة، وقهر المنة،
وعجز الأركاب، وفسخ الصريمة، ونقض
العزيمة» (٥).
قال الثعلبي: ((قالت الحكماء: من كان
(٢) جامع البيان، الطبري ١١/ ١١٢.
(٣) تفسير السمر قندي ٢/ ١٥.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٢١٠٧.
وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح، رقم ١٠٢.
(٥) الكشف والبيان، الثعلبي ٩/ ١١٣.
www. modoee.com
٣٠٧

حرفالعین
اليوم على حالة وغدًا أخرى فليعلم أن والعزيمة على الرشد)) وأصل الشكر صحة
تدبیره إلی سواه))(١).
وسئل سفيان الثوري: بم عرفت ربك؟
قال: ((بفسخ العزم، ونقض الهمة))(٢).
وعن أحمد بن أبي الحواري قال:
التقى حكيمان من الحكماء، فقال أحدهما
لصاحبه: بم عرفت ربك؟ قال: بفسخ
العزم، ومنع الهم، لما عزمت فأزالني القدر،
وهممت فحال بيني وبين همي، فعلمت أن
المستولي على قلبي غيري(٣).
وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: (إذا كنز الناس الذهب والفضة،
فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إنى أسألك
الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد،
وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن
عبادتك، وأسألك قلبا سلیمًا، وأسألك لسانًا
صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك
من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك
أنت علام الغيوب) (٤).
قال ابن القيم: «الدین مداره على أصلين:
العزم والثبات وهما الأصلان المذكوران في
الحديث ((اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر
(١) المصدر السابق ١٠/ ١٦٢.
(٢) حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني ٥٢/٧.
(٣) العظمة، أبو الشيخ الأصبهاني ١/ ٣٣٢.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٧١١٤ .
وحسنه محققو المسند بمجموع طرقه.
العزيمة، وأصل الصبر قوة الثبات، فمتى
أيد العبد بعزيمة وثباتٍ؛ فقد أيد بالمعونة
والتوفيق)» (٥).
وقال: ((وهاتان الكلمتان هما جماع
الفلاح، وما أتي العبد إلا من تضييعهما أو
تضييع أحدهما، فما أتي أحدٌ إلا من باب
العجلة والطیش واستفزاز البداءات له، أو
من باب التهاون والتماوت وتضيع الفرصة
بعد مواتاتها، فإذا حصل الثبات أولًا،
والعزيمة ثانيًا أفلح كل الفلاح، والله ولي
التوفيق)) (٦)
وينفسخ العزم بتشعب الهم، واستيلاء
الحزن على القلب، والعجز عن الاضطلاع
بالأمر، والكسل عنه، ولذا كان النبي صلى
الله علیه وسلم یستعید من ذلك کثیرًا، عن
أنس رضي الله عنه أنه کان یسمع النبي صلى
الله عليه وسلم كثيرًا يقول: (اللهم إني أعوذ
بك من الهم والحزن، والعجز والكسل،
والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة
الرجال)(٧).
قال ابن القيم: ((والمقصود أن النبى
صلى الله عليه وسلم جعل الحزن مما
(٥) عدة الصابرين ص ١١٠.
(٦) مفتاح دار السعادة ١ / ٤٤٦.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب من غزا بصبيٍ للخدمة، رقم
٢٨٩٣.
جَوَسُولَة التقنية
القرآن الكريم
٣٠٨

العزم
يستعاذ منه، وذلك لأن الحزن يضعف
القلب ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا
شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن،
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المجادلة: ١٠].
والاستخارة استفعال من الخير، ومعناها
فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه أن يسأل العبد ربه عز وجل التوفيق إلى خير
من نهوضه وسيره وتشميره)) (١).
رابعًا: الاستخارة والاستشارة:
عظم النبي صلى الله عليه وسلم أمر
الاستخارة، وبلغ من اهتمامه بها أنه كان
يعلمها للصحابة رضي الله عنهم كما
يعلمهم السورة من القرآن، وكان يأمرهم بها
في الأمور كلها.
فعن جابر رضي الله عنه قال: (كان النبي
صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في
الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن
يقول: (إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع
ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم
إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك،
وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا
أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب،
اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في
ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل
أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك
لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي
(١) طريق الهجرتين ص ٢٧٩.
في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في
عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني
عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني.
قال: ويسمي حاجته)(٢).
الأمرين (٣).
قال ابن بطال: ((يجب على المؤمن رد
الأمور كلها إلى الله، وصرف أزمتها والتبرؤ
من الحول والقوة إليه، وينبغى له أن لا
يروم شيئًا من دقيق الأمور وجليلها، حتى
يستخير الله فيه ويسأله أن يحمله فيه على
الخير ويصرف عنه الشر؛ إذعانًا بالافتقار
إليه فى كل أمر والتزامًا لذلة العبودية له،
وتبرگًا باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم
فى الاستخارة؛ ولذلك كان النبى صلى
الله عليه وسلم يعلمهم هذا الدعاء كما
يعلمهم السورة من القرآن؛ لشدة حاجتهم
إلى الاستخارة فى الحالات كلها، كشدة
حاجتهم إلى القراءة فى كل الصلوات)) (٤).
ونقل ابن حجر أن ترتيب الوارد على
القلب على مراتب: الهمة ثم اللمة ثم الخطرة
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد،
باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، رقم
١١٦٢.
(٣) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين،
ابن الجوزي ٥١/٣، شرح المشكاة، الطيبي
١٢٤٥/٤.
(٤) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ١٠/ ١٢٣.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف العين
ثم النية ثم الإرادة ثم العزیمة، فالثلاثة الأولى
لا يؤاخذ بها بخلاف الثلاثة الأخرى، فقوله:
((إذا هم)) يشير إلى أول ما يرد على القلب
يستخير، فيظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما
هو الخير، بخلاف ما إذا تمكن الأمر عنده
وقويت فيه عزيمته وإرادته، فإنه يصير إليه
له ميلٌ وحبٌ؛ فَيُخْشَى أن يخفى عنه وجه
الأرشدية لغلبة ميله إليه. ويحتمل أن يكون
المراد بالهم العزيمة؛ لأن الخاطر لا يثبت
فلا يستمر إلا على ما يقصد التصميم على
فعله وإلا لو استخار في كل خاطر لاستخار
فيما لا يعبأ به فتضيع عليه أوقاته(١).
وأما الاستشارة فهي استنباط المرء
الرأي من غيره فیما یعرض له من مشكلات
الأمور، ویکون ذلك في الأمور التي يتردد
المرء فيها بين فعلها وتركها(٢).
ومن الأخذ بأسباب الحزم والعزم
استشارة ذوي العلم السديد، والفهم
الرشيد، وقد أمر الله عز وجل نبيه صلى
الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه رضي
الله عنهم فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَنِّيِّ﴾ [آل
عمران: ١٥٩].
وعن الضحاك بن مزاحم قال: ((ما أمر
الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم
(١) فتح الباري ١١/ ١٨٥.
(٢) الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب
الأصفهاني ص ٢١٠.
بالمشورة إلا لما علم فيها من الفضل)» (٣).
وعن الحسن: ((ما شاور قومٌ قط إلا هدوا
لأرشد أمورهم»(٤).
وفي رواية قال: ((والله ما استشار قومٌ
قط إلا هدوا لأفضل ما بحضرتهم. ثم تلا:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾﴾ [الشورى: ٣٨]))(٥).
((وعن سفيان أن الشورى نصف العقل.
قال: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه
يشاور حتى المرأة))(٦).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: ما رأيت
من الناس أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من
رسول الله صلی الله علیه وسلم(٧).
قال البخاري: ((المشاورة قبل العزم
والتبين؛ لقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
[آل عمران: ١٥٩].
فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم
یکن لبشر التقدم على الله ورسوله، وشاور
النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد
في المقام والخروج، فرأوا له الخروج، فلما
لبس لأمته وعزم قالوا: أقم فلم يمل إليهم
(٣) جامع البيان، الطبري ١٨٩/٦.
(٤) المصدر السابق ٦/ ١٩٠.
(٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.
وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد
ص ١١٤.
(٦) انظر: تفسير ابن المنذر ٤٦٨/٢، تفسير ابن
أبي حاتم ٣/ ٨٠١.
(٧) جزء من حديث أخرجه عبد الرزاق في مصنفه
٣٣٠/٥، رقم ٩٧٢٠.
٣١٠
مَوْسُورَة النَّفْسِيَّة
القرآن الكريم

العزم
بعد العزم، وقال: ((لا ينبغي لنبى يلبس لامته
فیضعها حتی یحکم الله)»(١).
قال ابن عطية: ((والشورى من قواعد
الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير
أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا
خلاف فيه. وصفة المستشار في الأحكام
أن یکون عالمًا دینًا، وقل ما يكون ذلك إلا
في عاقل، فقد قال الحسن بن أبي الحسن:
ما كمل دين امرئ لم يكمل عقله، وصفة
المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً
مجربًا وادًّا في المستشير، والشورى بركة،
وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
الخلافة -وهي أعظم النوازل- شوری،
وقال الحسن: والله ما تشاور قوم بينهم إلا
هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم، وكان
صلی الله عليه وسلم یشاور أصحابه، وقد
قال في غزوة بدر: أشيروا علي أيها الناس،
في اليوم الذي تكلم فيه المقداد، ثم سعد بن
عبادة. ومشاورته صلی الله عليه وسلم إنما
هي في أمور الحروب والبعوث ونحوه من
حدٍ فتلك قوانین شرع)»(٢).
وقال: ((والشورى مبينة على اختلاف
الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف
(١) صحيح البخاري ص ١٨١٨ . والحديث
أخرجه أحمد ح ١٤٧٨٧، وصححه محققو
المسند.
(٢) المحرر الوجيز ٥٣٤/١.
ويتخير، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء
منه، عزم عليه وأنفذه متوكلا على الله، إذ
هي غاية الاجتهاد المطلوب منه))(٣).
قال الراغب: ((المشاورة حصن من
الندامة وأمنٌّ عن الملامة، وقيل: الأحمق
من قطعه العجب عن الاستشارة، والاستبداد
عن الاستخارة، والرأي الواحد كالخيط
السحيل، والرأيان كالخيطين والثلاثة إصرار
لا ینقض»(٤).
وقيل: شاور من جرب الأمور، فإنه
يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء، وأنت
تأخذه مجانًا (٥).
وقال قتادة: ((أمر الله عز وجل نبيه
صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في
الأمور، وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب
لأنفس القوم، وإن القوم إذا شاور بعضهم
بعضًا، وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على
أرشده)) (٦).
وعن الحسن قال: «قد علم الله عز وجل
أنه ليس به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن
أشخاص النوازل، وأما في حلال أو حرام أو به من بعده))(٧).
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف
مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحي
(٣) المصدر السابق.
(٤) الذريعة إلى مكارم الشريعة ص ٢١٠.
(٥) أدب الدنيا والدين، الماوردي ص ٣٠٣.
(٦) جامع البيان، الطبري ١٨٨/٦-١٨٩.
(٧) تفسير ابن المنذر ٢/ ٤٦٧.
www. modoee.com
٣١١

حرفالعین
من الله أو إلهامه إياه صواب ذلك. وأما
أمتهفإنهم إذا تشاوروا مستنین بفعله في ذلك
على تصادق وتوخٍ للحق وإرادة جميعهم
للصواب، من غیر میل إلی هوی، ولا حید
عن هدی فالله مسددهم وموفقهم(١).
وفي المشاورة اجتماع العقول والأذهان،
وإذا اجتمعت كانت إلى استدراك الحق
والصواب أسرع وأبلغ مما لو انفرد كل عقل
بنفسه(٢).
وفي المشاورة أيضًا ترك الملامة؛ لأنه
يقال: فعلت كذا بمشاورتكم، والمشاور إذا
لم ينجح أمره، علم أن امتناع النجاح محض
قدر، فلم يلم نفسه(٣).
ومنها أنه قد يعزم على أمر فيبين له
الصواب في قول غيره، فيعلم عجز نفسه
عن الإحاطة بفنون المصالح (٤).
وفي المشاورة تطییب نفوس المشاورین،
والرفع من مقدارهم بصفاء قلب المشاور
لهم، حيث أهلهم للمشاورة. وفي المشاورة
اختبار عقول المشاورين؛ فيظهر للمشاور
مقدار فهومهم، وتنوع ملكاتهم؛ فينزلهم
منازلهم(٥).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩١/٦.
(٢) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٩/ ١٣٣.
(٣) انظر: تفسير السمر قندي ١/ ٢٦٠، زاد المسير
٣٤٠/١.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٠٩، زاد
المسير، ابن الجوزي ١/ ٣٤٠.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٠٩/٩، البحر
ومدح الله عز وجل المؤمنين بقوله:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
أي: لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا
عليه، وفي ذلك اجتماع الكلمة والتحاب
واتصال الأيدي، والتعاضد على الخير،
فالشورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول
وسببٌ إلى الصواب (٦).
وعن عمر بن عبد العزيز قال: ((إن
المشورة والمناظرة بابا رحمةٍ ومفتاحا
بر کة، لا یضل معهما رأي، ولا یفقد معهما
حزم»(٧).
وقال الماوردي: ((اعلم أن من الحزم
لكل ذي لبٍ ألا يبرم أمرًا ولا يمضي عزمًا
إلا بمشورة ذي الرأي الناصح، ومطالعة ذي
العقل الراجح)»(٨).
وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم!
قال: نحن ألف رجل وفينا حازمٌ، ونحن
نطيعه فكأنا ألف حازم (٩).
خامسًا: الأخذ بالأسباب:
من أسباب ضعف العزم ترك الأخذ
بالأسباب، فيستصعب القاعد ما هو مقدمٌ
المحيط، أبو حيان ٤٠٨/٣ - ٤٠٩.
(٦) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج
٤/ ٤٠١، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٩/٥،
أحكام القرآن، ابن العربي ٤ / ٩١.
(٧) انظر: أدب الدنيا والدين، الماوردي ص
٣٠٠.
(٨) المصدر السابق.
(٩) المصدر السابق.
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
٣١٢

العزم
عليه من مهمات الأمور، وكلما فوت فرصة وقال بعض الحكماء: ((لا ينبغي لأحدٍ أن
يدع الحزم لظفرٍ ناله عاجزٌ، ولا يرغب في
التضييع لنكبة حلت على حازمٍ»(٣).
المبادرة ثبطه سبق السابقين، واتساع البون
بينه وبينهم، فلا يرى إلا في المتأخرین،
فيعين على نفسه شيطانها. وقد نعى الله عز
وجل على المنافقين ترك الأخذ بالأسباب
فقال: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوِجَ لَأَعَدُوا لَهُ عُدَّةً
وَلَكِنْ كَرِهَ اَللَّهُ أَنْعَانَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ
أَقْعُدُواْ مَعَ الْقَهِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].
وأخذهم العدة يكون بصدق العزم،
ونشاط النفس، وبإعداد السلاح والزاد
والراحلة للسفر، ونفقة الأهل في الحضر (١).
فتركهم الاستعداد وأخذ العدة دليلٌ على
إرادتهم التخلف(٢).
ومن الأخذ بالأسباب الاستخارة
والاستشارة، والمغلوب على الاستخارة
والاستشارة أعجز عما سواهما من عظائم
الاستعداد. ولعل ما كان يستصعبه مما هو
مقدمٌ عليه صائرٌ إلى يسرٍ وسهولةٍ بمشورة
بعض أهل الرأي والعقل والحزم. فترك
ذلك مؤدٍ إلى ضعف العزم.
والأخذ بالأسباب يقطع على الشيطان
فتح باب التحسر والندامة إن لم يقدر
للمرء بلوغ ما عزم عليه، قال مسلمة بن عبد
الملك: ((ما أحمدت نفسي على ظفرٍ ابتدأته
بعجزٍ، ولا لمتها على مكروه ابتدأته بحزم»
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٦٨/٢.
(٢) تفسير السمر قندي ٦٣/٢
سادسًا: التوكل والتفويض:
يقول تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ هُمْ
وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ
اَللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
أي: فإذا قطعت الرأي على شيء بعد
الشورى فتوكل على الله في إمضاء أمرك
على الأرشد لا على المشورة، ولا تظن أنك
تنال منالا تحبه إلا بتوفیق الله، إن الله يحب
المتوكلين عليه. والتوكل: الاعتماد على الله
والتفويض في الأمور إليه (٤).
فالعبد يحتاج إلى الاستعانة بالله والتوكل
عليه في تحصيل العزم، وفي العمل بمقتضى
العزم بعد حصول العزم(٥).
فالتوكل على الله أدعى إلى قوة العزيمة،
فإن العبد إذا أيقن أن معه قاهر الكون رفعته
تلك الفكرة، وجعلته أقوى الناس، وأقدرهم
علی صعاب الأمور، لا كما يظنه المنتكسون
الجاهلون الكسالى اليائسون من روح الله،
حيث جعلوا التوكل ذريعة إلى البطالة،
(٣) انظر: مكارم الأخلاق، الخرائطي ص ٣٠٥.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩١/٦، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٨٣/١، مدارك
التنزيل، النسفي ٣٠٦/١.
(٥) مجموع رسائل ابن رجب ١/ ٣٧٢.
www. modoee.com
٣١٣

حرفالعین
فباؤوا بغضب على غضب(١).
سوء الظن بالله، واليأس من روح الله،
فإذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة ولذلك كان اليأس من روح الله كفرًا.
فيجب ألا يقع الاعتماد عليه، بل يجب أن
يكون الاعتماد على إعانة الله وتسديده
وعصمته، والمقصود أن لا يكون للعبد
اعتمادٌ على شيء إلا على الله في جميع
الأمور، ودلت الآية على أنه ليس التوكل
أن يهمل الإنسان نفسه كما يقوله بعض
الجهال، وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيًا
للأمر بالتوكل، بل التوكل هو أن يراعي
الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعول
بقلبه عليها، بل يعول على عصمة الحق (٢).
قال القرطبي: ((قال المهلب: وامتثل
هذا النبي صلی الله عليه وسلم من أمر ربه
فقال: (لا ينبغي لنبي يلبس لأمته أن يضعها
حتی یحکم الله) أي: ليس ينبغي له إذا عزم
أن ينصرف؛ لأنه نقض للتوكل الذي شرطه
الله عز وجل مع العزيمة. فلبسه لأمته صلى
الله علیه وسلم حین أشار عليه بالخروج
يوم أحد من أكرمه الله بالشهادة فيه، وهم
صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بدر .... دالٌ
على العزيمة))(٣).
ومن أخطر أمراض القلوب التي تضاد
التوكل، فتحول بين المرء وبين كل خير:
(١) محاسن التأويل ٢٦٣/٥.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤١٠.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨٤/٥-
٣٨٥.
يقول تعالى على لسان نبيه يعقوب
عليه السلام: ﴿وَلَا تَأْيَِّسُواْ مِنْ زَّوْجِ اللَّهِ
إِنَّهُ لَا يَأْكَسُ مِن رَّوْجِ اَللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾
[يوسف: ٨٧].
ومن علامات سوء الظن بالله التطير
والتشاؤم، وكان الرجل منهم في الجاهلية
يكون في الشأن الخطير، والحدث الجلل،
فیحدث له ما یتطير به، فینفرط عقد عزمه،
وتفتر همته. ولذلك نهي المؤمنون عن
الطيرة، بل بلغ التحذير منها أن عدها
النبي صلى الله عليه وسلم شركًا (٤)، وهي
سوء ظنٍ بالله، وفرارٌ من قضائه، وهي من
الشرك؛ لأن العرب كانوا يعتقدون أن ما
يتشاءمون به يؤثر في حصول المكروه،
وملاحظة الأسباب في الجملة شركٌ خفيٌّ،
فكيف إذا انضم إليها جهالة فاحشة وسوء
اعتقاد في الله؟! ومن اعتقد أن غیر الله ينفع
أو يضر استقلالًا فقد أشرك(٥).
يقول ابن القيم: ((وقد كانت عائشة أم
(٤) عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ((الطيرة شرك)).
أخرجه أحمد في مسنده، ٢١٣/٦، رقم
٣٦٨٧، وأبو داود في سننه، كتاب الطب،
باب في الطيرة، رقم ٣٩١٠.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٤٢٩.
(٥) انظر: فيض القدير، المناوي ٤ /٢٩٤.
٣١٤
القرآن الكريم

العزم
المؤمنين رضي الله عنها تستحب أن تتزوج
المرأة أو يبنى بها في شوال وتقول: ما
تزوجني رسول الله صلی الله علیه وسلم إلا
في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني؟!
مع تطير الناس بالنكاح في شوال، وهذا
فعل أولى العزم والقوة من المؤمنين الذين
صح توكلهم على الله واطمأنت قلوبهم
إلى ربهم ووثقوا به، وعلموا أن ما شاء الله
كان وما لم يشأ لم يكن، وأنهم لن يصيبهم
إلا ما كتب الله لهم، وأنهم ما أصابهم من
مصيبة إلا وهي في كتاب من قبل أن يخلقهم
ويوجدهم، وعلموا أنه لا بد أن يصيروا
إلى ما کتبه وقدره، ولا بد أن يجري علیھم،
وأن تطيرهم لا يرد قضاءه وقدره عنهم، بل
قد يكون تطيرهم من أعظم الأسباب التي
يجري عليهم بها القضاء والقدر؛ فيعينون
على أنفسهم، وقد جرى لهم القضاء والقدر
بأن نفوسهم هي سبب إصابة المکروہ لهم،
فطائرهم معهم.
إليه العالمون به وبأمره فنفوسهم أشرف من
ذلك، وهممهم أعلى، وثقتهم بالله وحسن
ظنهم به عدةٌ لهم، وقوة وجنةٌ مما يتطير به
المتطيرون ويتشاءم به المتشائمون، عالمون
أنه لا طیر إلا طیره، ولا خیر إلا خیرہ، ولا
إله غيره، له الخلق والأمر، تبارك الله رب
العالمين»(١).
ومن أمثلة تأثر العزم بسوء الظن بالله:
الإنفاق والصدقة في سبيل الله، فإن سوء
الظن في حصول البركة والزيادة بالنفقة
يورث خشية الفقر، وهو يورث التقتير
والبخل والشح.
﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
قال تعالى:
وَيَأْمُرُكُمٍ بِالْفَحْشَدِ وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً
مِّنْهُ وَفَضْلاً وَ اَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
ولا جرم أن من استجاب لهذه الوساوس
حصل له سوء الظن والتكذيب بوعد الله؛
فغل يديه إلى عنقه. وعدد ابن القيم فوائد
الصدقة فذكر منها أنها توجب الثقة بالله،
وحسن الظن به كما أن البخل سوء الظن
بالله(٢).
ومن التفويض والتوكل ألا يتحدث
المرء أنه فاعلٌ ما هو عازمٌ علیه حتى يستثني
ويعلق الأمر على مشيئة الله عز وجل.
قال تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ
وأما المتوكلون على الله المفوضون ذَلِكَ غَدًا إِلََّ أَن يَشَآءَ اللّهُ﴾ [الكهف:
٢٣-٢٤].
وهذا إرشاد من الله عز وجل لرسوله الله
صلى الله عليه وسلم إلى الأدب فيما إذا عزم
على شيء لیفعله في المستقبل أن يرد ذلك
إلى مشيئة الله عز وجل علام الغيوب، الذي
(١) مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٦١.
(٢) عدة الصابرين، ابن القيم ص ٢٥٤.
www. modoee.com
٣١٥

حرف العین
يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان لحصول الفعل المرغوب على أحسن وجه
وأقربه، فإن القصد منها العمل بما يتضح
كيف كان يكون(١). وقال ابن العربى: ((وهذا
عزمٌ من الله لعبده على أن يدخل قولًا وعقدًا
في مشيئة ربه، فما تشاؤون إلا أن يشاء الله،
وقول ذلك أجدر في قضاء الأمر، ودرك
الحاجة)»(٢).
منها، ولو کان المراد حصول التوكل من أول
خطور الخاطر لما كان للأمر بالشورى من
فائدة. وهذه الآية أوضح آية في الإرشاد إلى
معنى التوكل الذي حرف القاصرون ومن
کان على شاكلتهم معناه، فأفسدوا هذا الدين
سابعًا: المبادرة وترك التسويف:
من ميناء))(٣).
أرشد الله عز وجل إلى المبادرة إلى
العمل بما استبان فيه الرشد مما عزم عليه
فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمِّ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال ابن عاشور: المراد: ((التوكل حقيقته
الاعتماد، وهو هنا مجاز في الشروع في
الفعل مع رجاء السداد فيه من الله، وهو
شأن أهل الإيمان، فالتوكل انفعال قلبي
عقلي يتوجه به الفاعل إلى الله راجيًا الإعانة
ومستعيذًا من الخيبة والعوائق، وربما رافقه
قول لساني وهو الدعاء بذلك. وبذلك يظهر
أن قوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ﴾ دليل على جواب
(إذا) وفرع عنه.
والتقدير: فإذا عزمت فبادر ولا تتأخر
وتوكل على الله؛ لأن للتأخر آفات، والتردد
يضيع الأوقات، ولو كان التوكل هو جواب
((إذا)) لما كان للشورى فائدة؛ لأن الشورى
كما علمت لقصد استظهار أنفع الوسائل
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٨/٥.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٢٢٨/٣.
وعن أحمد بن عاصم الأنطاكي قال:
((وأنفع الحزم ما طرحت به التسويف للعمل
عند إمكان الفرصة وانتهاز البغية في أيام
المهلة، وعند غفلة أهل الغرة)»(٤).
وقال ابن القيم: ((وأول مراتب تعظيم
الأمر التصديق به، ثم العزم الجازم على
امتثاله، ثم المسارعة إليه والمبادرة به رغم
القواطع والموانع، ثم بذل الجهد والنصح
في الإتيان به على أكمل الوجوه))(٥).
والتسويف سمة بارد الحس عديم
المبالاة، الذي كلما همت نفسه بخيرٍ
وتشوفت إليه وعزمت عليه أعاقها بالتسويف
حتى يفجأه الموت. ومن علامات التسويف
كثرة الجدال في الأمر، وافتراض المسائل
وتشقيقها؛ فرارًا من العمل.
يقول ابن رجب: ((فأما إن كانت همة
(٣) التحرير والتنوير ١٥١/٤.
(٤) انظر: حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني
٩/ ٢٨٣.
(٥) الصواعق المرسلة ٤ / ١٥٦١.
٣١٦
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ

العزم
السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى ثامنًا: التحرز من المعاصي:
فرض أمور قد تقع وقد لا تقع فإن هذا مما
يدخل في النهي، ويثبط عن الجد في متابعة
الأمر، وقد سأل رجلٌ ابن عمر عن استلام
الحجر، فقال له: رأيت النبي صلى الله عليه
وسلم يستلمه ويقبله. فقال له الرجل: أرأيت
إن غلبت عنه؟ أرأيت إن زوحمت؟ فقال له
ابن عمر: ((اجعل (أرأيت) باليمن، رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه
ويقبله))، ومراد ابن عمر أن لا يكون لك
همّ إلا في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه
وسلم، ولا حاجة إلى فرض العجز عن ذلك
أو تعسره قبل وقوعه، فإنه يفتر العزم على
التصميم عن المتابعة» (١)
ومن الفوائد المستنبطة من حديث الثلاثة
الذين خلفوا عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الجهاد: أن الرجل إذا سنحت له
فرصة القربة والطاعة فالحزم كل الحزم في
انتهازها والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها
والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته
وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم
والهمم سريعة الانتقاض قلما ثبتت، والله
سبحانه يعاقب من فتح له بابًا من الخير
فلم ينتهزه، بأن يحول بین قلبه وإرادته، فلا
یمکنه بعد من إرادته عقوبة له(٢).
(١) جامع العلوم والحكم ص ٩٢.
(٢) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ٥٠٢/٣-٥٠٣.
من أسباب ضعف القلب كثرة المعاصي؛
يقول تعالى: ﴿كَلَّا بَلٌّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
قال قتادة: ((هو الذنب على الذنب، حتى
يرين على القلب فيسود))(٣).
وعن الحسن قال: الذنب على الذنب
حتى يموت قلبه (٤)، وقال: غشيت على
قلوبهم فهوت بها فلا يفزعون، ولا
يتحاشون(٥).
فهم قد غطى على قلوبهم الرين علاها
كما يعلو الصدأ الحديد، فلا يبصرون
رشداً ولا یخلص إلى قلوبهم خیرٌ؛ بسبب
إصرارهم على الكبائر وتسويف التوبة.
قال القشيري: ((وإن قسوة القلب تحصل
من اتباع الشهوة، والشهوة والصفوة لا
تجتمعان فإذا حصلت الشهوة رحلت
الصفوة. وموجب القسوة هو انحراف
القلب عن مراقبة الرب. ويقال: موجب
القسوة أوله خطرة، فإن لم تتدارك صارت
فكرة، وإن لم تتدارك صارت عزيمة، فإن
لم تتدارك جرت المخالفة، فإن لم تتدارك
بالتلافى صارت قسوة، وبعدئذ تصير طبعًا
(٣) انظر: تفسير عبد الرزاق ٤٠٤/٣، جامع
البيان، الطبري ٢٤/ ٢٠٣.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٢٠١.
(٥) انظر: المصدر السابق ٢٤/ ٢٠٣.
www. modoee.com
٣١٧

حرفالعين
ورينًا))(١).
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(تعرض الفتن على القلوب كالحصير
عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة
سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة
بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض
مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات
والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز
مجخیًا لا یعرف معروفًا، ولا ینکر منكرًا، إلا
ما أشرب من هواه)(٢).
قال القاضي عياض: ((وقوله: ((على
قلبين أبيض مثل الصفا)» ليس تشبيهه بالصفا
لما تقدم من بياضه، لكن أخذ في وصف
آخر من شدته على عقد الإيمان وسلامته من
الخلل وأن الفتن لم تلصق به، ولم تؤثر فيه
کالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق
به شيء، بخلاف الآخر الذي شبهه بالكوز
الخاوي الفارغ من الإيمان، كما قيل في
قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]
قيل: لا تعي خيرًا))(٣).
فكثرة المعاصي من أسباب فتور الهمة
وقصور العزم عن الخير.
(١) لطائف الإشارات ٥٣٩/٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبًا، رقم
١٤٤.
(٣) إكمال المعلم ١ / ٤٥٣.
تاسعًا: مجاهدة الشيطان:
قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
وَيَأْمُّرُ كُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
أي: یخوفکم به ویوسوس إلیکم، فلا
تخرجون الزكاة (٤).
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إن للشيطان لمةً، وللملك لمة، فأما لمة
الشيطان فإیعادٌ بالشر وتکذیب بالحق، وأما
لمة الملك فإیعاد بالخير وتصدیق بالحق،
فمن وجد ذلك فليحمد الله، ومن وجد
الأخرى فليتعوذ من الشيطان)، ثم قرأ:
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾))(٥).
قال ابن رجب: ((من صدق العزيمة يئس
منه الشيطان، ومتى كان العبد مترددًا طمع
فيه الشيطان وسوفه ومناه. يا هذا كلما رآك
الشيطان قد خرجت من مجلس الذکر کما
دخلت، وأنت غير عازم على الرشد فرح بك
إبليس، وقال: فديت من لا يفلح))(٦).
(٤) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
١/ ٨٩٤.
(٥) أخرجه الترمذي ح ٢٩٨٨ في التفسير، باب
ومن سورة البقرة، وابن حبان في صحيحه
ح ٩٩٧، وفي سنده من اختلط، وأخرجه
الطبري بسنده موقوفًا على ابن مسعود رضي
الله عنه ٦/٥-٨، قال الأرنؤوط: ((وهذا
إسناد صحيح، وقد أعل بالوقف، وأجيب بأن
له حكم الرفع، لأنه لا يعلم بالرأي ولا يدخله
القیاس)».
(٦) مجموع رسائل ابن رجب ٣٧٧/١.
٣١٨
مُؤَسُولَةُ الَّي
جوبيـ
القرآن الكريم

العزم
بالهوى، فيأتيه من أضعف جهات عزيمته،
فإن المرء قد يكون ذا عزيمةٍ ماضيةٍ، ولكنه
أمام داعي هواه لا صبر له قال تعالى:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
وفي المراد بضعف الإنسان ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الضعف في أصل الخلقة.
قال الحسن: هو أنه خلق من ماءٍ مھین.
والثاني: أنه قلة الصبر عن النساء، قاله
طاوس، ومقاتل.
والثالث: أنه ضعف العزم عن قهر
الھوی، وهذا قول الزجاج، وابن کیسان(١).
فلما رأى إبليس منه هذا الضعف ﴿ قَالَ
أَرَدَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّنَهُ إِلَّا قَلِيلًا!
[الإسراء: ٦٢].
قال الرازي: (فإن قیل: کیف ظن إبليس
هذا الظن الصادق بذرية آدم؟ قلنا: فيه
وجوه: الأول: أنه سمع الملائكة يقولون:
﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠].
فعرف هذه الأحوال. الثاني: أنه وسوس
إلى آدم فلم يجد له عزمًا، فقال: الظاهر أن
أولاده یکونون مثله في ضعف العزم)»(٢).
والوسوسة إذا استحكمت من القلب
أفسدت كل عزمٍ، ونقلته إلى الشك والحيرة،
(١) زاد المسير ص ٣٩٥.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٣٦٧.
وإن الشيطان ليستعين على ابن آدم التي قد تفسد على العبد اعتقاده وعبادته، فلا
عجب أن تكررت وجوه الاستعاذة؛ إشعارًا
بعظم خطر المستعاذ منه في قوله تعالى:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ
﴿ إِلَهِ النَّاسِ ج مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ
الْخَنَّاسِ نَ الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ
النَّاسِ ) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾
[الناس: ١- ٦].
فلما كانت مضرة الدين، وهي آفة
الوسوسة، أعظم من مضرة الدنيا وإن
عظمت، جاء البناء في الاستعاذة منها
بصفات ثلاث: الرب والملك والإله، وإن
اتحد المطلوب، وفي الاستعاذة من ثلاث:
الغاسق والنفاثات والحاسد بصفة واحدة
وهي الرب، وإن تكثر الذي يستعاذ منه (٣).
قال الشيخ عطية سالم: ((ولقد علم عدو
المسلمین أن أخطر سلاح على الإنسان هو
الشك، ولا طريق إليه إلا بالوسوسة، فأخذ
عن إیلیس مهمته وراح یوسوس للمسلمين
في دينهم وفي دنياهم، ويشككهم في
قدرتهم على الحياة الكريمة مستقلين
عنه، ويشككهم في قدرتهم على التقدم
والاستقلال الحقيقي، بل وفي استطاعتهم
على الإبداع والاختراع؛ ليظلوا في فلكه
ودائرة نفوذه، فيبقى المسلمون يدورون
في حلقة مفرغة، يقدمون رِ جْلًا ويؤخرون
(٣) البحر المحيط، أبو حيان ١٠/ ٥٧٩.
www. modoee.com
٣١٩

حرف العين
أخرى. والمتشكك في نتيجة عمل لا يقدم اُلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّتِ يُرِيدُونَ
وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ
عليه أبدًا، بل ما يبنيه اليوم يهدمه غدًا))(١).
الدُّنيَا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ
هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وإذا كانت مهمة الوسوسة التشكيك
والذبذبة والتردد فإن عمومات التكليف تلزم
المسلم بالعزم واليقين والمضي دون تردد،
والقاعدة الفقهية: ((اليقين لا يرفع بشكٍ))
ومن هنا كانت التكاليف كلها على اليقين،
فالعقائد لا بد فيها من اليقين، والفروع في
العبادات لا بد فيها من النية؛ لقوله صلى الله
عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) والشرط
في النية الجزم واليقين، فمن هذا كله كانت
دوافع العزيمة مستقاة من التكاليف، مما
يقضي على نوازع الشك والتردد، فلم يبق
في قلب المؤمن مجالّ لشئٍ، ولا محلٌ
الوسوسة (٢).
عاشرًا: أثر الصحبة:
من أهم أسباب قوة العزم صحبة أولي
الهمم العالية، ومطالعة أخبارهم (٣)، ومن
أسباب الفتور وضعف العزيمة، وسفول
الهمة مصاحبة البطالين، والركون إلى
المثبطين.
ولو كان أحدٌ آمنًا من تأثير البطالين
لكان النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن
الله عز وجل يأمره: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ
(١) تتمة أضواء البيان ٩/ ١٨٥.
(٢) انظر: المصدر السابق ١٨٩/٩.
(٣) انظر: علو الهمة ص ٣٥٢-٣٥٧.
قال ابن القيم: ((فإذا أراد العبد أن يقتدي
برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر أم
من الغافلین؟ وهل الحاکم علیه الھوی أم
الوحي؟ فإن كان الحاكم عليه هو الهوى
وهو من أهل الغفلة كان أمره فرطا. ومعنى
الفرط قد فسر بالتضييع، أي: أمره الذي
يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رشده وفلاحه
ضائعٌ قد فرط فيه. وفسر بالإسراف، أي:
قد أفرط بالإهلاك. وفسر بالخلاف للحق.
وكلها أقوال متقاربة.
والمقصود: أن الله سبحانه وتعالی نهی
عن طاعة من جمع هذه الصفات. فينبغي
للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه،
فإن وجده كذلك فليبعد منه، وإن وجده
ممن غلب عليه ذكر الله تعالى عز وجل
واتباع السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو
حازم في أمره فليستمسك بغرزه)) (٤).
وقال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا
وَدُواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ
وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبِرٌ﴾ [آل عمران: ١١٨]
أي: لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم
(٤) الوابل الصيب ص ٤١.
٣٢٠
فَضْو
جوسيس
القرآن الكريمِ