النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
جزمرا
عناصر الموضوع
مفهوم العزم
٢٨٢
العزم في الاستعمال القرآني
٢٨٣
الألفاظ ذات الصلة
٢٨٤
٢٨٦
مجالات العزم
٢٩٣
أخلاق أولي العزم
٣٠٢
عوامل قوة العزم
٣٢٣
آثار العزم على الفرد والأمة
المُجَلَّدَ الثَّالِثِ وَالْعَشْرُونْ

حرف العين
مفهوم العزم
أولاً: المعنى اللغوي:
عزم الأمر وعزم عليه يَعْزِمُ عَزْمًا ومَعْزَمًا ومَعْزِمًا وعُزْمًا وعزيمًا وعزيمةٌ وعَزْمةً وعزمانًا،
واعتزمه واعتزم عليه: أراد فعله وعقد قلبه عليه؛ فالعزم ما عقد عليه قلبك من أمرٍ أنك فاعله.
ويقال: ما لفلان عزيمة؛ أي: ما يثبت على أمرٍ يعزم عليه؛ كأنه لا يمكن أن يصرم الأمر، بل
يتردد فيه ويختلط. وعزم عليه ليفعلن؛ أي: أقسم عليه، وأمره أمرًا جدًا، لا استثناء فيه. والرجل
يعتزم الطريق: يمضي فيه ولا ينثني. ويقال: إنه لذو أمرٍ عزيمٍ: أي مجمعٌ ومحكمٌ ومؤكدٍّ.
ورجل ماضي العزيم مجدٍّ في أموره. والعزم: الصبر في لغة هذيل. يقولون: مالي عنك عزم؛
أي: صبرٌ. والعزيمة: الصريمة، وهي الحاجة التي قد عزمت على فعلها. والعزيمة: الإرادة
(١)
المؤكدة. والجمع عزائم
٠
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف العزم اصطلاحًا بتعريفات مقاربة وافيةٍ، فقال الراغب: ((العزم والعزيمة: عقد
القلب على إمضاء الأمر))(٢)، وقال الجرجاني: ((والعزم: جزم الإرادة بغير تردد))(٣). وقال
القرافي: ((وأما العزم فهو الإرادة الكائنة على وفق الداعية. والداعية ميلٌ يحصل في النفس
لما شعرت به من اشتمال المراد على مصلحة خالصة أو راجحة، أو درء مفسدة خالصة أو
راجحة)) (٤). وقال ابن القيم: ((والعزم: هو القصد الجازم المتصل بالفعل وحقيقته: استجماع
قوى الإرادة على الفعل»(٥).
ولم يخرج التعريف الاصطلاحي للعزم عن معناه اللغوي، والجزء الحاضر في تلك
التعريفات جميعها أن العزم عملٌ قلبيٌّ، فهو من باب الإرادات، وليس هو الرغبة المنبتة عن
الفعل، وليس هو الهم الطارئ الذي ينصرف عنه صاحبه بذهولٍ أو فترة.
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٣٦٣/١-٣٦٤، جمهرة اللغة، ابن دريد ٢/ ٨١٧، تهذيب اللغة، الأزهري
١٥٢/٢، الصحاح، الجوهري ١٩٨٥/٥، مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٠٨/٤-٣٠٩، لسان العرب،
ابن منظور ٢٣٦/٦-٢٣٧.
(٢) المفردات ٤٣٤/٢.
(٣) التعريفات ص ١٦.
(٤) الأمنية في إدراك النية ص ١١٧- ١١٨.
(٥) مدارج السالكين ١/ ١٥٢.
٢٨٢
جوسين
القرآن الكريم

العزم
العزم في الاستعمال القرآني
وردت مادة (عزم) في القرآن الكريم (٩) مرات (١).
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِينَ
١٥٩)
٣
[آل عمران: ١٥٩]
﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اَلْكِتَبُ أَجَلَهُ﴾
الفعل المضارع
١
[البقرة: ٢٣٥]
المصدر
٥
﴿فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ, عَزْمَا (١٥)﴾ [طه: ١١٥]
وجاء العزم في القرآن الكريم بمعناه اللغوي: عقد القلب على قطع الأمر وفعله، ويلزم
منه الحزم والصبر لحين تحقيقه وإمضائه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ
الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] يعني: الذين عزموا على أمر الله فيما عهد إليهم، وصبروا على كل ما
لحقهم من إيذاء؛ في سبيل تحقيق ذلك(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٦١، المعجم المفهرس
الشامل، عبد الله جلغوم، باب العین ص٧٦٤.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٣٤٠- ٣٤١،، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٦٣/٤ - ٦٤.
www. modoee.com
٢٨٣

حرف العين
الألفاظ ذات الصلة
١
الإرادة:
الإرادة لغةً:
المشيئة والقصد، أراد الشيء: شاءه(١).
الإرادة اصطلاحًا:
میل یعقب اعتقاد النفع(٢).
الصلة بين الإرادة والعزم:
أن العزم مقترنٌ بالعمل، وأما الإرادة فقد تسبقه، والعزم إرادةٌ يقطع بها المريد تردده في
الإقدام على الفعل أو الإحجام عنه، ويصح أن يسمى مبدأ إرادة الفعل والرغبة فيه قبل هذا
القطع إرادةً ولا يسمى عزمًا، فالإرادة من هذه الجهة سابقة على العزم، وكل عزمٍ إرادةٌ،
وليس كل إرادةٍ عزمًا(٣).
الهم:
٢
الهم لغة:
ما هممت به في نفسك؛ تقول: أهمني هذا الأمر، وهم بالشيء يهم همّا: أراده ونواه وعزم
عليه. والهمة: ما هممت به من أمرٍ لتفعله (٤).
الهم اصطلاحًا:
أول العزيمة وعقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر(٥).
الصلة بين الهم والعزم:
أن الهم في الأصل حديث النفس بالفعل، ومبدأ الإرادة، فإذا استحكمت تلك الإرادة
صارت عزمًا، وتصميمًا على تحقيق ذلك الهم، فالعزم نهاية الهم(٦).
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٦٤/٨، تهذيب اللغة، الأزهري ١٦٣/١٤، الصحاح، الجوهري ٤٧٨/٢،
المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٩/ ٤٢١، لسان العرب، ابن منظور ٢٩٥/٤-٢٩٧.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص ١٦.
(٣) انظر: الفروق اللغوية ص ١٢٤.
(٤) انظر: العين، الفراهيدي ٣٥٧/٣، تهذيب اللغة، الأزهري ٣٨١/٥، الصحاح، الجوهري ٢٠٦١/٥،
المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٤/ ١١٠ - ١١١، لسان العرب، ابن منظور ١٣٨/٩ - ١٤٠
(٥) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٢٥٧، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٣٤٤.
(٦) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٢/ ١٠٧.
٢٨٤
جَوَسُو ◌َهُ النَّفْسِيَّة
القرآن الكريمِ

العزم
الحزم:
٣
الحزم لغةً:
جمع الشيء وشده بحزامٍ أو حبلٍ أو نحوه، والحزم: ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة(١).
الحزم اصطلاحًا:
هو ضبط الرجل أمره، والحذر من فواته(٢)، أو هو أخذ الأمور بالضبط والإتقان(٣).
الصلة بين العزم والحزم:
الحزم: جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه، والعزم: قصد الإمضاء (٤).
(١) انظر: العين، الفراهيدي ١٦٦/٣، تهذيب اللغة، الأزهري ٣٧٦/٤، الصحاح، الجوهري ١٨٩٨/٥،
مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٥٣، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٣/ ٢٣٢، لسان العرب، ابن
منظور ٤٢٨/٢.
(٢) انظر: الفائق في غريب الحديث، الزمخشري ٢٧٨/١، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير
٣٧٩/١.
(٣) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٨٦، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٣٩.
(٤) انظر: المحرر الوجيز ٥٥١/١، البحر المحيط ٤١٦/٨.
www. modoee.com
٢٨٥

حرف العين
مجالات العزم
ما من امرئ ذي عقلٍ إلا وهو يهتم لأمرٍ
ما؛ ولذا فإن أصدق الأسماء همام وحارث،
کما صح عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم (١).
وإنما يتفاوت قدر الناس على قدر
هممهم، ومجالاتها.
وقد تطرق القرآن الكريم إلى شيء من
مجالات العزم، يمكن تلخيصها في النقاط
الآتية:
أولًا: العزم في طلب العلم وتحمله
ونشره:
طلب العلم وتحمله ونشره مجالٌ لظهور
أثر تفاوت العزم والهمة، فما بين رجلٍ رزق
عقلًا وهمةً فجد في الطلب، وارتقى في
الرتب؛ حتى صار يعد من العلماء العاملين
والأئمة المتبوعين، وبين من تقاعس عن
الجد، ولزم الدعة، وانحطت همته؛ فكان في
عداد الهمل الهمج الرعاع أتباع كل ناعقٍ.
(١) روى أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
في تغيير الأسماء، رقم ٤٩٥٠، عن أبي وهب
الجشمي رضي الله عنه، وكانت له صحبة، أن
رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «تسموا
بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد
الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام،
وأقبحها حرب ومرة)).
وحسنه لغيره الألباني في السلسلة الصحيحة
رقم ٩٠٤، ورقم ١٠٤٠.
وقد أمر الله عز وجل اليهود بأن يأخذوا
﴿خُذُواْمَآ
ما آتاهم من الشرع بقوة، فقال:
ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُوا﴾ [البقرة: ٩٣].
قال ابن عطية: ((وقوله تعالى: ﴿خُذُواْ
مَآ ءَاتَيْنَكُمْ﴾ يعني: التوراة والشرع،
﴿بِقُوَّقِ﴾ أي: بعزمٍ ونشاطٍ وجدٍ،
﴿وَأَسْمَعُواْ﴾ معناه هنّا: وأطيعوا، وليس
معناه الأمر بإدراك القول فقط)» (٢).
وقال البيضاوي: ((﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدٍ
وعزيمة» (٣).
وقال تعالى عن موسى عليه السلام:
﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاجِ مِن كُلِّ شَىْءٍ
مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ
قَوْمَكَ يَأْخُذُ واْ بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥].
أي: بجدٍ واجتهادٍ وبقوة قلبٍ وصحة
عزيمةٍ؛ لأنه لو أخذه بضعف نية لأداه إلى
فتور العمل به (٤).
وأمر الله تعالى يحيى عليه السلام:
﴿يَحْىَ خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]
أي: بجدٍ وعزمٍ واجتهادٍ ومواظيةٍ(٥).
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ١ / ١٨٠.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٨٥.
(٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٦٠/٢،
التفسير البسيط، الواحدي ٩/ ٣٤٧، معالم
التنزيل، البغوي ٢٣٣/٢.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٤٧٣ -٤٧٤،
الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
٤٥٠٢/٧.
مَوَسُولَةُ النَّفِي
القرآن الكريم
٢٨٦

العزم
ثانيًا: العزم في العبادات:
وصف الله عز وجل المؤمنين أولي
العزم بأنهم ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِهِمْ فِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَّاءِ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًاً
نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٧].
فلما صح عزمهم في القيام بتلك الأمور
استحقوا وصف الرجولة الذي يوحي
بتحمل المسئولية وعلو الهمة. فإذا كان
الحرص على الوفاء بها بإزاء عاجل ثمرة
التجارة، وتحصيل الربح، وكانت همم
البشر في جملتها معقودةً على حب خضرة
الدنيا؛ كان القائم بها من أهل العزم الخلص.
قال ابن كثير: ((فقوله: ﴿رِجَالٌ﴾ فيه
إشعار بهممهم السامية، ونياتهم وعزائمهم
العالية، التي بها صاروا عمارًا للمساجد،
التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن
عبادته وشكره، وتوحيده وتنزيهه، كما قال
تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ
اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: ٢٣]))(١).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه
كان في السوق وأقيمت الصلاة فأغلقوا
حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر:
فيهم نزلت ﴿رَجَالٌ لَّا تُلْهِمْ فِجَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن
ذِكْرِ اللّهِ﴾ (٢).
ویروی نحو ذلك عن سالم بن عبد الله:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٦٧.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤٤٢.
أنه نظر إلى قوم من السوق قاموا وتركوا
بياعاتهم إلى الصلاة، فقال: ((هؤلاء الذين
ذكر الله في كتابه: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِيِهِمْ تَجَرَةٌ
وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَاءِ الصَّلَوَةِ وَإِنَّهِ الزَّكَوَةٌ
يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾.
ويروى عن ابن مسعود، نحو ذلك أيضًا (٣).
وفيه ترك الربح القريب رغبةً في الفوز
بنعيم الآخرة، وهذا مقامٌ لا يقومه إلا
أولوالعزم من البشر.
وفي وصية لقمان لابنه ﴿يَبُنَّ أَقِمِ
الضَلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَّرِ
وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْعِ الْأُمُورِ﴾
[لقمان: ١٧].
فيحتمل أن إقامة الصلاة والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على
الأذى كلها داخلة في المراد بعزم الأمور (٤).
والحج عبادةٌ لا يتم مقصودها إلا
صاحب عزيمةٍ؛ قال تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الَْجَّ
وَاَلْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: ائتوا بهما تامين
كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه الله
من غير تواٍ ولا نقصان يقع منكم فيهما (٥).
وهو مقامٌ للعطاء المالي والبدني فضلًا
عن مفارقة الأهل، ومكابدة السفر ومشاقه.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢١/١٧ -
٣٢٢، تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٠٨/٨.
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٩٩/٣، البحر
المحيط، أبو حيان ٨/ ٤١٥-٤١٦.
(٥) الكشاف، الزمخشري ٢٣٨/١.
www. modoee.com
٢٨٧

حرف العين
ولا يخلو الحاج من دواعي الرغبة، وبواعث
الغضب، والاستفزاز إلى الجدل والمراء؛
ولذا نهاه الله عز وجل عن ذلك، مؤكدًا
على فضيلة التقوى، فقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ
مَّعْلُومَتٌ فَمَن فَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَ رَفَتَ وَلَا
فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجُّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ
خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِى الْأَلْبَبِ ﴾ [البقرة:
١٩٧].
والأمر بالتزود إشارةٌ إلى ضرورة
استصحابها من أول عقد عزمه على الحج،
فيتزود بالتقوى كما يتزود بالطعام؛ مخلصًا
نيته من كل شائبةٍ، ومجردًا قصده من كل
داخلةٍ. والحج المبرور أفضل الجهاد فعن
عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنها
قالت: (يا رسول الله نرى الجهاد أفضل
العمل، أفلا نجاهد؟ قال: (لا، لكن أفضل
الجهاد: حٌّ مبرورٌ)(١).
وقال الغزالي: ((وأما العزم؛ فليعلم أنه
بعزمه قاصدًا إلى مفارقة الأهل والوطن
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب فضل الحج المبرور، رقم ١٥٢٠.
قال ابن حجر في فتح الباري ٣٨٢/٣:
((اختلف في ضبط لكن فالأكثر بضم الكاف
خطاب للنسوة قال القابسي وهو الذي تميل
إليه نفسي، وفي رواية الحموي لكن بكسر
الكاف وزيادة ألف قبلها، بلفظ الاستدراك،
والأول أكثر فائدة، لأنه يشتمل على إثبات
فضل الحج وعلى جواب سؤالها عن الجهاد
وسماء جهادا لما فيه من مجاهدة النفس)).
ومهاجرة الشهوات واللذات متوجهًا إلى
زيارة بيت الله عز وجل؛ وليعظم في نفسه
قدر البيت وقدر رب البيت، وليعلم أنه
عزمٌ على أمرٍ رفيع شأنه خطير أمره، وأن
من طلب عظيمًا خاطر بعظيم. وليجعل
عزمه خالصًا لوجه الله عز وجل بعيدًا عن
شوائب الرياء والسمعة، وليتحقق أنه لا
يقبل من قصده وعمله إلا الخالص، وإن من
أفحش الفواحش أن يقصد بيت الله وحرمه
والمقصود غيره، فليصحح مع نفسه العزم.
وتصحيحه بإخلاصه، وإخلاصه باجتناب
کل ما فيه رياءٌ وسمعة، فليحذر أن يستبدل
الذي هو أدنى بالذي هو خير)»(٢).
ثالثًا: العزم في الجهاد:
الجهاد في سبيل الله عز وجل من أعظم
مهمات الدين، وهو أبرز مجالات العزم
وأوضحها، ذلك أن الجهاد مخاطرةٌ بالنفس
والنفيس، فلا تجد أحدًا أصدق همةً ولا
أتم عزيمةً ممن وطن نفسه على بذل النفس
والنفيس لإعلاء كلمة الحق. ومنزلة الجهاد
من الإسلام سامقةٌ، وشأنه عظيمٌ.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء
رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال: دلني على عمل یعدل الجهاد؟ قال: (لا
أجده) قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد
(٢) إحياء علوم الدين ١/ ٢٦٧.
٢٨٨
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ

العزم
أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم الثناء؛ لأن الرَجْلَ مشتق من الرِّجْلِ، وهي
قوة اعتماد الإنسان (٤).
ولا تفطر؟)، قال: ومن يستطيع ذلك؟!(١)
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه،
قال: (قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)(٢).
وعن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (رأس الأمر الإسلام،
وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)(٣).
فهذه الأحاديث، وعشرات الأحاديث
غيرها توقفنا على شرف الجهاد، ورتبة
المجاهدین.
وقد كرم الله عز وجل رجالًا بصدق
عزائمهم، وعلو همتهم، فقال: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ
رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم مَّن
قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرٌ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا ﴾
[الأحزاب: ٢٣].
والإخبار عنهم بأنهم رجالٌ زيادة في
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب فضل الجهاد، رقم ٢٧٨٥،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب
فضل الشهادة في سبيل الله، رقم ١٨٧٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه
وماله في سبيل الله، رقم ٢٧٨٦، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد
والرباط، رقم ١٨٨٨.
(٣) جزء من حديث أخرجه أحمد في مسنده، رقم
٢٢٠١٦.
وصححه لغيره الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب، رقم ٢٨٦٦.
وعن أنس رضي الله عنه قال: (غاب
عمي أنس بن النضر رضي الله عنه عن قتال
بدر، فقال: (يا رسول الله، غبت عن أول
قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني
قتال المشر کین لیرین الله ما أصنع) فلما كان
يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: (اللهم
إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني:
أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، -
يعني: المشرکین-، ثم تقدم) فاستقبله سعد
بن معاذ رضي الله عنه، فقال: (يا سعد بن
معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها
من دون أحد) قال سعد: فما استطعت يا
رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به
بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح،
أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به
المشركون، فما عرفه أحدٌ إلا أخته ببنانه قال
أنس: (كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت
فيه وفي أشباهه: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا
عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]؛ إلى آخر
الآية)(٥).
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٧/٢١.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب قول الله عز وجل: ( من المؤمنين
رجال صدقوا)، رقم ٢٨٠٥، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة
للشهيد، رقم ١٩٠٣.
www. modoee.com
٢٨٩

حرف العين
وفيه الأخذ بالشدة واستهلاك الإنسان بالمعروف الناهي عن المنكر دائرٌ بين ثلاثة
نفسه فى طاعة الله. وفيه الوفاء بالعهد لله أحوال:
بإهلاك النفس، ولا يعارض قوله: ﴿وَلَا وَلَا الحال الأولى: أن يستجاب له، فيكون
تُلْقُواْ بِأَيْدِيَّكُمْ إِلَى النَّْكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ لأن عليه أن يشكر الله الذي فتح له القلوب
ووضع له القبول، وإنما یکون الشکر بمزید
هؤلاء عاهدوا الله فوفوا بما عاهدوه من
العناء فى المشركين وأخذوا فى الشدة بأن من الاجتهاد في الطاعة والقيام بحق الله،
باعوا نفوسهم من الله بالجنة (١).
رابعًا: العزم في الدعوة إلى الله:
قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ لْ قُرْ فَأَذِرْ
﴿ُ﴾ أي:
﴾ [المدثر: ١-٢] فقوله:
من مضجعك أو: قم قيام عزمٍ وتصميمٍ،
فأنذر(٢).
والدعوة جهاد بالكلمة، ومنها الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر. قال لقمان
الحكيم لابنه وهو يعظه: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ
الضَلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنَّهَ عَنِ الْمُنكَّرِ
وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكٌ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
[لقمان: ١٧].
ولعل من حكمة الترتيب في هذه الوصية
أنه ابتدره بالحث على ما فيه صلاح نفسه
فيما بينه وبين الله عز وجل، ألا وهو الصلاة،
فإذا أقام الصلاة کما أمر بها نهته صلاته عن
الفحشاء والمنكر، فكان كاملًا في نفسه مهيأً
لتكميل غيره، فانتقل به إلى الوصية التالية
﴿وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنَّهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ والآمر
(١) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٢٣/٥.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٩/ ٥٤.
والصبر عن المعصية التى تحرم التوفيق.
الحال الثانية: أن يعرض الناس عنه،
فينبغي عليه ألا ييأس من هدايتهم، وأن
يتلطف في نصيحتهم، وأن يتحرى أوقات
إقبال قلوبهم، وأن يتخولهم مرةً بعد مرةٍ،
وفرصةً بعد فرصة.
الحال الثالثة: أن يضموا إلى إعراضهم
عنه أذيته بالقول والفعل؛ فينبغي عليه أن
يصبر على أذاهم. ففي الأحوال الثلاثة
كان الواجب في حقه أنواعًا من الصبر على
الطاعات، والصبر عن المعاصي، والصبر
على الأذى؛ فكانت الوصية الثالثة: ﴿وَاصْبِرْ
عَلَ مَآ أَصَابَكَ﴾.
خامسًا: العزم في العلاقات الأسرية:
من أهم مجالات العزم في العلاقات
الأسرية: النكاح والطلاق، وما يتعلق
بهما من سلوكٍ يترتب على التزام حكم
الشرع فيه، وتعظيم حرمات الله، وحفظ
الأعراض، وصيانة جناب العفاف، ويترتب
على التجاوز فيه انتهاك المحارم، وإيذاء
٢٩٠
القرآن الكريمِ

العزم
المشاعر، وهتك الأعراض.
والعلاقة بين الرجل والمرأة قد تحكم
بنوعٍ من الميل الفطري والشهوة الغريزية؛
كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ
أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا
تَمِيلُواْ كُلَ اَلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾
[النساء: ١٢٦].
أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء
في الحب وميل القلب، ولو حرصتم على
العدل، فلا تميلوا إلى التي تحبونها كل
الميل في القسم والنفقة، ولا تتبعوا أهواءكم زوجه، وإنما يفعل ذلك رجاء أن يضطرها
أفعالكم فتدعوا الأخرى كالمعلقة، لا أيِّمًا
ولا ذات بعلٍ (١).
والميل بالتفضيل في الحقوق الشرعية
بينهن لا يجوز، أما الميل الطبيعي بمحبة
بعضهن أكثر من بعض فهو غير مستطاع
دفعه للبشر؛ لأنه انفعالٌ وتأثر نفساني لا
فعلٌ (٢).
وربما كان هذا الميل الطبيعي مذللاً
سبيل الجور في الحقوق الشرعية، وهذا
لا یدفع إلا بعزم وتصمیم علی العدل، ولو
بشيءٍ من ترك المباح مخافة الولوج في
المحظور، ولو بشيءٍ من هضم حظ النفس
من نيل مرادها من محبوبها. وبالجملة فهو
مقام عزمٍ لا يثبت فيه إلا من كبح شهوة قلبه
(١) معالم التنزيل، البغوي ٧٠٩/١.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٢/٣.
بوازع التقوى، وزم شيطان غضبه بلجام
الحلم والأناة.
ويظهر هذا العزم في العلاقات الأسرية
في أمرٍ آخر وهو الطلاق، فكما يتأثر النكاح
وتوابعه بالميل الفطري والشهوة الغريزية،
فكذا الطلاق وتوابعه قد يتأثر بالبغض
والرغبة في المفارقة بأقل خسارة يتجشمها،
وبأكثر ما يستطيع تحميل الطرف الآخر
منها، فبعض الأزواج لا يمسك بمعروفٍ
ولا یسرح بإحسان، وقد صمم على فراق
أن تترك له حقها أو شيئًا منه، أو نكايةً فيها
وتحكمًا بغير وجه حقٍ. فأغلق الشرع عليه
إلا باب المعروف، وإن لم يمتثل كان ظالمًا
لنفسه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ اَلْنِسَآءَ فَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ
◌ِعْرُوفٍ وَلَا تُنِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُوَّأْ وَمَن يَفْعَلّ
ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١].
وقال تعالى في الإيلاء: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن
نِسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ (١) وَإِنْ عَزَبُواْلطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٢٦-٢٢٧].
قال البقاعى: ((ولما كان الحال فى مدة
الإيلاء شبيهًا بحال الطلاق وليس به قال
مبينًا أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة
الأشهر، بل إما أن يفيء أو يطلق، فإن أبى
www. modoee.com
٢٩١

حرف العين
طلق عليه الحاكم. ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ﴾
فأوقع عليه العزم من غیر حرف جر، بمعنی
أنهم تركوا ما كانوا فيه من الذبذبة وجعلوا
الطلاق عزيمة واقعًا، ولما كان المطلق
ربما ندم فحمله العشق على إنكار الطلاق
رهبه بقوله: ﴿فإنَّ الله ﴾ أي: الملك الذي له
الجلال والإكرام ﴿سَمِيعُ﴾ أي: لعبارتهم عنه
﴿عَلِيمٌ﴾ أي: به وبنيتهم فيه.
قال الحرالي: وفيه تهديدٌ بما يقع في
الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة
بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام ولا
يمكن أن يصل إلى علمها الحكام فجعلهم
أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر)) (١).
وقال ابن عاشور: ((وعزم الطلاق:
التصميم عليه، واستقرار الرأي فيه بعد
التأمل، وهو شيء لا يحصل لكل مؤلٍ من
تلقاء نفسه، وخاصة إذا كان غالب القصد من
الإيلاء المغاضبة والمضارة فقوله: ﴿وَإِنْ
عَزُواالطلقَ﴾ دليلٌ على شرط محذوف دل
عليه قوله: ﴿فَإِن فَآءُو﴾ فالتقدير: وإن لم
یفیئوا فقد وجب عليهم الطلاق، فهم بخير
النظرين بين أن يفيئوا أو يطلقوا، فإن عزموا
الطلاق فقد وقع طلاقهم. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ
سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ دليل الجواب، أي: فقد لزمهم
وأمضى طلاقهم، فقد حد الله للرجال في
الإيلاء أجلا محدودًا لا يتجاوزونه، فإما
(١) نظم الدرر، البقاعي ٢٩٢/٣-٢٩٤.
أن يعودوا إلى مضاجعة أزواجهم، وإما أن
يطلقوا، ولا مندوحة لهم غير هذين»(٢).
سادسًا: العزم في العلاقات الاجتماعية:
ومما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر: الإصلاح بين الناس.
يقول تعالى: ﴿لَاخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن
نَّجْوَمُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].
والمعروف هو کل ما أمر الله به أو ندب
إليه من أعمال البر والخير. والإصلاح
بين الناس هو الإصلاح بين المتباينين أو
المختصمين بما أباح الله الإصلاح بينهما؛
ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة
على ما أذن الله وأمر به(٣).
فإن كان المظلوم هو الساعي إلى
الإصلاح، المبادر بالتأليف؛ ابتغاء مرضات
الله، فلعمر الله إنه لمقامٌ عظيمٌ لا يقومه إلا
أشداء الرجال وأقوياؤهم. وإن من العزم أن
يوطن المرء نفسه على الصبر على الأذى إن
کان فيه إصلاح وتأليفٌ للقلوب، فإن غفر
لظالمه ابتغاء وجه ربه؛ استحق أن يكون
ممن قال فيهم الله عز وجل: ﴿وَلَمَنْ صَبَرٌ
وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
قال مكي: ((أي: ولمن صبر على إساءة
من أساء إليه، وغفر للمسيء إليه جرمه فلم
(٢) التحرير والتنوير ٣٨٦/٢.
(٣) جامع البيان، الطبري ٧/ ٤٨١.
٢٩٢
جوسى
الْقُرآن الكَرِيمِ

العزم
ينتصر منه وهو قادر على ذلك؛ ابتغاء وجه
الله عز وجل وجزيل ثوابه، إن ذلك الفعل
منه لمن عزم الأمور، لمن أعالي الأمور التي
ندب الله إلى فعلها عبادة ومن أجلها، وذلك
فعل الوارعين)) (١).
ویحکی أن رجلًا سب رجلا في مجلس
الحسن، فكان المسبوب يكظم ويعرق
فيمسح العرق، ثم قام وتلا هذه الآية:
﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُرِ﴾
[الشورى: ٤٣] فقال الحسن: ((عقلها والله
وفهمها لما ضيعها الجاهلون))(٢).
(١) الهداية إلى بلوغ النهاية ١٠ / ٦٦٠٩ - ٦٦١٠.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦٠٧/٢٧،
البحر المحيط، أبو حيان ٣٤٥/٩-٣٤٦.
أخلاق أولي العزم
من صفات الأخلاق أنها تؤثر في بعضها
بعضًا، فتحصيل خُلُقٍ منها ينعكس إيجابًا
على تكوين غيره من الأخلاق، ويظهر هذا
القانون بوضوح في خلق العزم، إذ يلزم
لصاحبه أن یکوّن صابرًا مصابرًا قادرًا على
کبح شهوات نفسه، وترکیز عزمه، فإذا بلغ
تلك الرتبة السامقة كان من أقدر الناس على
إتيان البر في المكره والمنشط، وفي العسر
واليسر، كالعفو مع القدرة، وتقوى الله فيمن
لا يتقي الله فیه.
ولتحليل أخلاق العازمين التي نوه بها
القرآن الكريم تقابلنا عبارة (عزم الأمور)
ثلاث مراتٍ في ثلاث آيات من كتاب الله
عز وجل هي: قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَ
فِىّ أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل
عمران: ١٨٦].
وقوله تعالى: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الصَّلَوةَ
وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنْكَّرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَّا
أَصَابَكٌ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِالْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ
لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
ويتدبر الآيات المذكورة تتضح أخلاق
www. modoee.com
٢٩٣

حرف العين
أولي العزم، فأولها: الصبر، وهو المشترك على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين
فيها(١)، فعلم أن الصبر والمصابرة من
بين الآيات الثلاث، وثانيها: التقوى،
وثالثها: العفو عن المسيء. ثم إن هناك
أخلاقًا أخری من أخلاق أهل العزم نوه بها
القرآن الكريم، وهي الصدق والإخلاص
والمسارعة في الخيرات، والثبات.
أخص أخلاق أولی العزم. قال ابن عاشور:
((والوصف بالعزم مشعرٌ بمدح الموصوف؛
لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيرًا
على النفوس؛ لأنها تعاكس الشهوات، ومن
ثم وصف أفضل الرسل بأولي العزم)»(٢).
أولًا: الصبر:
الصبر من أهم أخلاق أهل العزم، والعازم
محتاج إلى استيفاء أنواع الصبر بقدر عزيمته
وشرف معزومه، فهو محتاجٌ إلى الصبر في
الطاعة لنيل التوفيق في حصول مسعاه.
وهو محتاج إلى الصبر عن تثبيط المثبطين،
ونقد المنتقدين الذين لا هَمَّ لهم إلا الهدم،
ومحتاجٌ إلى الصبر عن المعاصي التي
توهن العزم، وتطمس نور البصيرة، وتورث
الكسل، وتقتل الطموح وتفقد زمام المبادرة.
ومحتاج إلى الصبر عن رد الأذى، ولا شك
أن أعداء أهل العزم كثيرون من أعداء أهل
الحق في كل زمان ومكانٍ. فلا عجب أن
یعرف أهل العزائم بالصبر، ويشتهرون به.
ولما أمر الله عز وجل نبيه بالصبر اقتداءً
بصفوة الرسل - عليهم السلام - وصفهم
بأولي العزم، فقال تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ
أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وأولو العزم هم أصحاب الشرائع الذين
اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا
فها هم يقارعون أقوامهم مقسمين
مظهرين كمال العزيمة: ﴿وَلَصَبِرَنَّ عَلَى
مَآ ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّلِ الْمُتَوَّكِّلُونَ﴾
[إبراهيم: ١٢].
وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اَلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ
أَذَى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
والبلاء في الأنفس: القتل والأسر
والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف
والمصائب، وهلاك الأقرباء والعشائر من
أهل النصرة والملة. وفي الأموال: ما يبذله
المسلم من مالٍ في سبيل الله، وما يقع في
تلك الأموال من أنواع الآفات والتلف، وما
يسمعون من أهل الكتاب والمشركين من
المطاعن في الدين الحنيف، وصد من أراد
الإيمان، وتخطئة من آمن، وسب الله عز
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ١١٧/٥.
(٢) التحرير والتنوير ٢٥/ ١٢٢.
٢٩٤
جوبي
القرآن الكريمِ

العزم
وجل، کقولهم: إن الله فقیٌ ونحن أغنياء،
وقولهم: يد الله مغلولة- تعالى الله عما
يقولون علوًا كبيرًا- وكهجاء رسوله صلى
الله عليه وسلم وافترائهم وكذبهم علیه،
ومعاداة أصحابه رضي الله عنهم (١).
قال النسفي: ((خوطب المؤمنون بذلك
ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من
الشدائد والصبر عليها؛ حتى إذا لقوها وهم
مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه
الشدة بغتةً، فينكرها وتشمئز منها نفسه))(٢).
وفيه إيقاظ المؤمنين إلى ما يعترض أهل
الحق وأنصار الرسل من البلوى، وتنبيه لهم
على أنهم إن كانوا ممن توهنهم الهزيمة
فليسوا أحریاء بنصر الحق، وأكد الفعل بلام
القسم وبنون التوكيد الشديدة؛ لإفادة تحقیق
الابتلاء (٣).
ففيه تحضيضٌ لهم على الصبر على
أنواع البلاء والأذى المذكورة، وتحذیرٌ لهم
من ترك التقوی فیمن لا يتقي الله فیهم، ولا
يرقب فيهم إلّا ولا ذمةً، فلا ينبغي للمسلم أن
يفتري على عدوه كذبًا، أو يفحش في القول
والفعل، وإن كان عدوه هذا من أفحش
الناس وأكذبهم. فالصبر المراد: صبر على
المصائب، وصبرٌ عن المعاصي.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٠/٦،
الكشاف، الزمخشري ١/ ٤٤٩.
(٢) مدارك التنزيل، النسفي ٣١٨/١-٣١٩.
(٣) التحرير والتنوير ١٨٩/٤.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ
لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٣
فیه -زیادةً على الصبر- تحضیضٌ على
المغفرة للمسيء مع القدرة على رد الإساءة،
وهذه سمة الداعية الحريص على وصول
الخير والهداية لكل الناس، وهؤلاء هم من
يألفون ويؤلفون.
وقال لقمان لابنه وهو يعظه:
يَبَنَىَّ
أَقِمِ الضَلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكِرِ
وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَّ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْعِ الْأُمُورِ﴾
[لقمان: ١٧].
يعني: ((إن ذلك الصبر على الأذى في
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من
حق الأمور التي أمر الله عز وجل بها وعزم
علیھا)»(٤).
وفي الآية إشارةٌ إلى الصبر على الطاعة
بالأمر بالمحافظة على الصلاة، بالإضافة
للأمر بالصبر على الأذى.
ثانيًا: التقوى:
التقوى سبيلها مراقبة الخطرات
والحركات، ومراقبة الخطرات سبيل
تصحيح العزم، فالعزم مبدؤه خطرةٌ، ومهما
أيقن العبد بعلم الله عز وجل السر والنجوى
جاهد نفسه في مراقبة عزمه وإخلاصه:
﴿وَإِن تَجْهَرْ بِلْقَوَّلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾
(٤) تفسير مقاتل ٤٣٥/٣.
www. modoee.com
٢٩٥

حرف العين
[طه: ٧] قيل: السر: العزيمة، وما هو أخفى: وقع في وهمه الذي لم يعزم عليه، ويحتمل
ما لم يقع في سره بعد، فيكون أخفى من
هو الهم الذي دون العزيمة(١).
السر» (٤).
وعن ابن عباس قال: ((السر: ما أسر ابن
آدم في نفسه. ((وأخفى)): ما أخفى ابن آدم
مما هو فاعله قبل أن یعمله، فالله يعلم ذلك،
فعلمه فيما مضى من ذلك، وما بقي علم
واحد)»(٢).
وعن قتادة قال: ((أخفى من السر: ما
حدثت به نفسك، وما لم تحدث به نفسك
أيضًا مما هو كائن))(٣).
قال الرازي: ((ويحتمل أن يكون المراد
بالسر وبالأخفى: ما ليس بقول، وهذا
أظهر، فكأنه تعالى بين أنه يعلم السر الذي
لا يسمع، وما هو أخفی منه، فکیف لا يعلم
الجهر؟! والمقصود منه زجر المكلف عن
القبائح ظاهرة كانت أو باطنة، والترغيب في
الطاعات ظاهرة كانت أو باطنة، فعلى هذا
الوجه ينبغي أن يحمل السر والأخفى على
ما فيه ثواب أو عقاب، والسر هو الذي يسره
المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها،
والأخفى هو الذي لم يبلغ حد العزيمة،
ويحتمل أن يفسر الأخفى بما عزم عليه وما
قال مسروق: «من راقب الله في خطرات
قلبه عصمه الله في حركات جوارحه))(٥).
وعن أبي حفص عمرو بن سلمة
النيسابوري قال: «من لم يزن أفعاله وأحواله
في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم
خواطره فلا تعده فى ديوان الرجال)» (٦)
وقال أبو تراب النخشبي: ((احفظ همك
فإنه مقدمة الأشياء، فمن صح له همه صح
له ما بعد ذلك من أفعاله وأحواله)» (٧).
وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اَلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ
أَذَّى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
فعد الصبر والتقوى من عزم الأمور،
وأمرهم بتقوى الله فيمن يؤذيهم، وإنما
يكون ذلك بطاعة الله فيمن يعصي الله في
المؤمنين؛ فلا يبرر فحشه الإفحاش له في
القول والفعل، ولا يبرر ارتكابه الخيانة
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٩٤/٣،
تفسير السمعاني ٣٢١/٣، معالم التنزيل،
البغوي ٢٥٦/٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣/١٦، تفسير
ابن حاتم ٢٤١٦/٧.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦٧.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢/ ١٠.
وانظر لباب التأويل، الخازن ٢٠١/٣.
(٥) ذم الهوى ص ١٦٢.
(٦) حلية الأولياء ١٠/ ٢٣٠.
(٧) انظر: سير السلف الصالحين ص ١٢١١، ذم
الهوى ص ١٦١ .
٢٩٦
جَوْنُو ◌َرَ النَفسِية
القرآن الكريم

العزم
والدسيسة والظلم وهتك الأعراض ونحو
ذلك، کل ذلك لا یبرر أن یرتکب المؤمنون
مثل ذلك. فالمؤمن صاحب رسالةٍ ومبدٍ
وعزيمةٍ، لیس إمعةً، ولا يقلد في دينه من لا
خلاق له.
ثالثًا: العفو والصفح عن المسيء:
العفو والصفح صورتا الحلم ومخرجاه
إلى الوجود، والعفو هو ترك المؤاخذة
بالذنب، والصفح: ترك التثريب، واشتقاقه
من تجاوز الصفحة التي أثبت فيها ذنوب
المذنب، أو من الإعراض بصفحة الوجه
عن التلفت إلى ما كان منه من إساءة، وهو
محمودٌ إذا كان على الوجه الذي يجب.
وقد ندب الله عز وجل إلى ذلك بقوله:
﴿وَالْكَظِمِينَ الْفَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ
النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:
١٣٤].
فأمر بالحلم والعفو، وقال: ﴿وَلْيَعْفُواْ
وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:
٢٢].
وقال: ﴿وَجَزَّوْاْ سَيَِّّةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَاً فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ, عَلَى اللّهِ﴾﴾ [الشورى: ٤٠](١).
وقد عد الله عز وجل العفو والصفح عن
المسيء من عزم الأمور، فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ
وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
(١) انظر: الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب
الأصفهاني ص ٢٤١.
قال مقاتل: ((ولمن صبر ولم يقتص،
وغفر وتجاوز فإن ذلك الصبر والتجاوز
لمن عزم الأمور، أي: من حق الأمور التي
أمر الله عز وجل بها)»(٢).
قال الفضيل بن عياض: ((إذا أتاك رجل
يشكو إليك رجلًا فقل: يا أخي، اعف
عنه فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا
يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني
الله عز وجل، فقل له: إن كنت تحسن أن
تنتصر؛ وإلا فارجع إلى باب العفو فإنه باب
واسعٌ، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله،
وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل،
وصاحب الانتصار يقلب الأمور)) (٣).
وبالجملة فإن العفو مندوبٌ إلیه، ثم قد
ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيرجع ترك
العفو مندوبًا إلیه، وذلك إذا احتیج إلی کف
زيادة البغي وقطع مادة الأذى (٤).
وقد أكد الله عز وجل هذه الآية بما لم
تؤكد به آيتا آل عمران ولقمان فقال هنا: ﴿إِنَّ
ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ ﴾ [الشورى: ٤٣].
وقال في سورة آل عمران: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
(٢) تفسير مقاتل ٧٧٣/٣.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣٢٨٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٢١٤.
(٤) انظر: الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب
الأصفهاني ص ٢٤١- ٢٤٢، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ١٨ / ٤٩٠-٤٩٦.
www. modoee.com
٢٩٧

حرفالعین
وَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
وفي سورة لقمان:
الأمُورِ ﴾ [لقمان: ١٧] لأن فيها زيادة العفو
والصفح على الصبر الذي حثت علیه آیتا
آل عمران ولقمان، فإن كان الصبر على
الأذى وعن الانتصار للنفس شاقًا فإن إضافة
الصفح إلی ذلك أشقٌ.
قال السعدي: ((فإن ترك الانتصار للنفس
بالقول أو الفعل من أشق شيءٍ عليها،
والصبر على الأذى والصفح عنه ومغفرته
ومقابلته بالإحسان أشق وأشق، ولکنه یسیر
على من يسره الله عليه، وجاهد نفسه على
الاتصاف به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا
ذاق العبد حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه برحب
الصدر، وسعة الخلق، والتلذذ فيه))(١).
رابعًا: الصدق والإخلاص:
الصدق والكذب أصلهما في القول،
ويدخلان في الإرادة والعزم والفعل، فلفظ
الصدق يستعمل في ستة معانٍ: صدق
القول، وصدق النية والإرادة، وصدق
العزم، وصدق الوفاء بالعزم، وصدق
العمل، والصدق في تحقيق مقامات الدين
كلها، فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك
فهو صِدِّيقٌ مبالغة في الصدق. والعزم قد
یکون صادقًا جازمًا، وقد یکون فيه نوع میل
وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة،
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٦٠.
مَوَسُولَة النفسي
القرآن الكريمِ
فكان الصدق ههنا عبارة عن التمام والقوة،
والصادق والصديق هو الذي تصادف
عزیمته في الخيرات کلها قوةً تامةً ليس فيها
ميل ولا ضعفٌ ولا تردد، بل تسخو نفسه
أبدًا بالعزم المصمم الجازم على الخيرات.
ومن كان عزمه صادقًا تم فعله(٢).
وفرق بين الصدق والإخلاص أن للعبد
مطلوبًا وطلبًا، فالإخلاص توحيد مطلوبه،
والصدق توحيد طلبه. فالإخلاص: أن لا
يكون المطلوب منقسمًا، والصدق: أن لا
يكون الطلب منقسمًا، فالصدق بذل الجهد،
والإخلاص إفراد المطلوب(٣).
ومقام الصدق جامعٌ للإخلاص والعزم،
فباجتماعهما يصح له مقام الصدق (٤).
وأول درجات الصدق صدق القصد،
وهو كمال العزم، وقوة الإرادة، بأن يكون
في القلب داعيةٌ صادقة إلى السلوك، وميلٌ
شديد يقهر السر على صحة التوجه. فهو
طلب لا يمازجه رياء ولا فتور، ولا يكون
فيه قسمةٌ بحالٍ، ولا يصح الدخول في شأن
السفر إلى الله عز وجل، والاستعداد للقائه
إلا به. ومن كان صادقًا في طلبه مستجمع
القوة لم يقعد به عزمه عن الجد في جميع
(٢) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ٣٨٧/٤-
٣٨٩.
(٣) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ١٣٠/١.
(٤) المصدر السابق ١/ ١٥٧.
٢٩٨

العزم
أحواله. فلا تراه إلا جادًا، وأمره کله جد(١).
قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا
عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم
مَّن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
أي: أوفوا بما عاهدوه عليه من الصبر
على البأساء والضراء وحين البأس، فمنهم
من قضى نحبه، وفرغ من العمل الذي كان
نذره لله وأوجبه له علی نفسه، فاستشهد
بعضٌ يوم بدر وبعضٌ يوم أحد وبعضٌ في
غير ذلك من المواطن، ومنهم من ينتظر
قضاءه والفراغ منه، كما قضى من مضى
منهم على الوفاء لله بعهده(٢).
وعن حميد بن عبد الرحمن الحميري
أن رجلا کان یقال له: «حممة)» من أصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم خرج إلى
أصبهان غازيًا في خلافة عمر رضي الله عنه
فقال: ((اللهم إن حممة يزعم أنه يحب لقاءك،
فإن كان حممة صادقًا فاعزم له بصدقه، وإن
کان کاذبًا فاعزم عليه وإن کره، اللهم لا ترد
حممة من سفره هذا)). قال: فأخذه الموت،
وقال عفان مرة: البطن، فمات بأصبهان.
قال: فقام أبو موسى رضي الله عنه فقال: ((يا
أيها الناس إنا والله ما سمعنا فيما سمعنا من
نبیکم صلی الله عليه وسلم، وما بلغ علمنا
إلا أن حممة شهيدٌ))(٣).
(١) انظر: المصدر السابق ٢٦٧/٢ - ٢٦٩.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٦١.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٩٦٥٩.
وقال تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ
الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللّهَ لَكَانَ خَيْرَاًلَّهُمْ﴾ [محمد:
٢١]؛ قال الزجاج: ((المعنى: فإذا جد الأمر
ولزم فرض القتال، فلو صدقوا الله فآمنوا
بالنبي صلى الله عليه وسلم وعملوا بما نزل
عليه وما أمروا به من فرض القتال؛ لكان
خيرًا لهم، أي: لكان صدقهم الله بإيمانهم
خیرًا لهم»(٤). فهاتان الآيتان تبينان فرق ما
بين المؤمن والمنافق.
خامسًا: المسارعة في الخيرات:
المبادرة إلى الأعمال الصالحة صفة أولي
العزم من البشر، وقد ذكر الله عز وجل جملة
من الأنبياء والرسل عليهم السلام، ثم قال
في وصفهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ
الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّ وَكَانُوا لَنَا
خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
﴾ يعني:
قال بعض المفسرين:
الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة(٥)
قال محققو المسند: «إسناده صحيح إن ثبت
سماع حميد بن عبد الرحمن الحميري لهذه
القصة من أبي موسى، فليس في الإسناد
تصریح من حمید بسماعه منه . ورجال الإسناد
ثقات رجال الشيخين غير داود بن عبد الله
الأودي، فمن رجال أصحاب السنن، وهو
ثقة)).
(٤) معاني القرآن، الزجاج ١٣/٥.
(٥) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٣٠٥/٦،
البسيط، الواحدي ١٥/ ١٨٠، تفسير
السمعاني ٤٠٥/٣، معالم التنزيل، البغوي
٣١٥/٣.
www. modoee.com
٢٩٩

حرفالعین
يسارعون في طاعة الله، والعمل بما يقرب
إليه. والمسارعة في طاعة الله تعالى من
أکبر ما یمدح المرء به؛ لأنه يدل على حرص
عظيم على الطاعة (١).
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ
وقوله تعالى:
يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ﴾ تعليلٌ لما فصل
من فنون إحسانه تعالى المتعلقة بالأنبياء
المذکورین أي: كانوا يبادرون في وجوه
الخيرات مع ثباتهم واستقرارهم في أصل
الخير، وهو السر في إيثار كلمة (في) على
كلمة (إلى) المشعرة بخلاف المقصود
من كونهم خارجين عن أصل الخيرات
متوجهين إليها (٢).
وأفاد فعل الكون أن ذلك كان دأبهم
وهجيراهم. والمسارعة: مستعارة للحرص
وصرف الهمة والجد(٣).
وحقيقة المسارعة في الخير: أن يترقى
الإنسان فيما يتحراه منزلة فمنزلة، فيتعوده
فيتقوى به على المنزلة الثانية؛ لأن الخير
حاصلٌ بعضه عن بعض، وحاملٌ بعضه
بعضًا (٤).
وقال بعضهم: إنما يعني زكريا وزوجه ويحيى
عليهم السلام.
انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢١١/٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٩/١٤.
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨٢/٢٢.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٨٣/٦.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٦/١٧.
(٤) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٣/ ٩٩٧.
ووصف الله عز وجل المؤمنين بذلك
فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْبَةٍ رَبِّهِم تُشْفِقُونَ
﴿ وَالَّذِينَ هُمِثَايَتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ) وَأَذِينَ
هُمْ بِرَبِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ () وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ
وَقُلُوبُهُمْ وَحِلَّةٌ أَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ ) أُوْلَكَ
يُسَرِعُونَ فِى الْخَيَرَتِّ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ﴾ [المؤمنون:
٥٧-٦١].
أي: يرغبون في الطاعات أشد الرغبة
فيبادرونها، ويسارعون في نيل الخيرات
الدنيوية الموعودة على صالح الأعمال
بالمبادرة إليها (٥).
وما کانوا کذلك إلا لعلو هممهم وصدق
عزائمهم في ميدان التسارع في أفعال الخير،
همهم ما يقربهم إلى الله، وإرادتهم مصروفة
فیما ینجي من عذابه، فکل خیر سمعوا به،
أو سنحت لهم الفرصة إلیه انتهزوه وبادروه.
ولما كان السابق لغيره المسارع قد يسبق
لجده و تشمیره، وقد لا يسبق لتقصيره أخبر
تعالى أن هؤلاء من القسم السابقين فقال:
ـمّ ◌َا﴾ أي: للخيرات ﴿سَبِقُونَ﴾ قد
بلغوا ذروتها، وتباروا هم والرعيل الأول،
ومع هذا، قد سبقت لهم من الله سابقة
السعادة، أنهم سابقون(٦).
والآيات الداعية إلى المسابقة
والمسارعة في الخيرات كثيرة منها قوله
(٥) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٩٠.
(٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٥٥٤.
جَوْنُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٣٠٠