النص المفهرس

صفحات 21-32

العذاب
تبايعتم بالعينة(١)، وأخذتم أذناب البقر،
ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط
الله علیکم ذلا لا ینزعه حتى ترجعوا إلى
دینکم)(٢).
وقال تعالى: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ
عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا
تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩].
قال نجدة بن نفیع رضي الله عنه: سألت
ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله عز
وجل: ﴿إِلَّا نَنْفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا
أَلِمًا﴾ قال: استنفر رسول الله صلى الله
عليه وسلم حيًا من أحياء العرب فتثاقلوا؛
فأمسك عنهم المطر، وكان عذابهم(٣).
[انظر: الإهلاك: أسباب الإهلاك]
(١) العينة: أن يبيع سلعة بثمن لأجل ثم يشتريها
منه بأقل منه.
انظر: التيسير بشرح الجامع الصغير، المناوي
١/ ٠٨٤
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب الإجارة،
باب في النهي عن العينة، ٢٧٤/٣.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
١٦/١.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم ٢٥٠٤،
٠١١٤/٢
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
استعجال العذاب
أخبر تعالى في آيات كثيرة من القرآن
الكريم أن المشركين استعجلوا العذاب في
الدنيا من باب الاستهزاء والسخرية فنزل بهم
العذاب سريعًا.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن
كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقِّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا
حِجَارَةً مِنَ السَّمَآِ أَوِ آَتْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
[الأنفال: ٣٢].
قال الزمخشري: ((وهذا أسلوب من
الجحود بليغ، يعنى: إن كان القرآن هو
الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما
فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر،
ومرادهم نفي كونه حقًّا، وإذا انتفى كونه
حقًّا لم يستوجب منكره عذابًا، فكان تعليق
العذاب بکونه حقًّا، مع اعتقاد أنه ليس بحق
كتعليقه بالمحال في قولك: إن كان الباطل
حقًا فأمطر علينا حجارة من السماء، فإن
قلت: ما فائدة قوله: من السماء والأمطار
لا تکون إلا منها؟، قلت: کأنهم یریدون أن
يقولوا: فأمطر علينا السجيل وهي الحجارة
المسومة للعذاب، فوضع حجارة من السماء
موضع السجيل»(٤).
وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سَآَمِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾
[المعارج: ١].
(٤) الكشاف، ٢١٦/٢.
www. modoee.com
٢٣١

حرفالعین
قال الألوسى: ((قوله: ﴿سَأَلَ سَِّلٌ بِعَذَابٍ
وَاقِعٍ﴾ أي: دعا داع به، فالسؤال بمعنى
الدعاء، والمراد: استدعاء العذاب وطلبه،
والسائل هو النضر بن الحارث- كما روى
النسائي وجماعة وصححه الحاكم- حیث
إِن كَانَ هَذَا
قال إنكارًا واستهزاءً:
هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ
مِّنَ السَّمَآِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾، وقيل
السائل: أبو جهل، حيث قال: ﴿ فَأَشْقِطْ
عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾(١).
قال طنطاوي: ((وعلى أية حال فسؤالهم
عن العذاب، يتضمن معنى الإنكار والتهكم،
كما يتضمن معنى الاستعجال، كما حكته
بعض الآيات الكريمة، ومن بلاغة القرآن،
تعدية هذا الفعل هنا بالباء، ليصلح لمعنى
الاستفهام الإنكاري، ولمعنى الدعاء
والاستعجال))(٢).
ولما توعد الله عز وجل الكفار بالعذاب
في الآخرة في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمُ النَّارُ
بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس: ٨].
استعجلوا ذلك العذاب، وقالوا: متى
یحصل ذلك كما قال تعالى: ﴿ يَسْتَعْجِلُبِهَا
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَمَكُمْ عَذَابُ.
بَيَنَّا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ
(١) روح المعاني، ١٥/ ٦٢.
(٢) التفسير الوسيط، ١٥/ ٩٢.
أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِّهِ ءَالْكَنَ وَقَّدْ كُم بِهِ،
تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ [يونس: ٥٠-٥١].
والمعنى: أخبروني أيها الجاهلون
الحمقى: أي دافع جعلكم تستعجلون
نزول العذاب؟ سواء أكان بالليل أم بالنهار
لا یمکن دفعه، ولا یمکن أن یتعجله عاقل،
لأنه كما قال الزمخشري: ((أن العذاب كله
مكروه، مر المذاق، موجب للنفار منه،
فكيف ساغ لكم أن تستعجلوا نزول شيء
فيه هلاككم ومضرتكم؟ !! ))(٣).
فالآية الكريمة توبيخ لهم على
استعجالهم وقوع شيء من شأن العقلاء
أنهم يرجون عدم وقوعه، ولذا قال القرطبي:
((قوله: ((ماذا يستعجل منه المجرمون»
استفهام معناه التهويل والتعظيم، أي: ما
أعظم ما يستعجلون به، كما يقال لمن
يطلب أمرا تستوخم عاقبته: ماذا تجنى على
نفسك؟!)) (٤)
وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ
اُلْحَسَنَّةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَتُ﴾
[الرعد: ٦].
أي: أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الحال
في الطغيان، أنهم كانوا إذا هددهم الرسول
صلى الله عليه وسلم بعقاب الله إذا ما
استمروا في کفرهم، سخروا منه، وتهکموا
(٣) الكشاف، ٣٥١/٢.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، ٨/ ٣٥٠.
٢٣٢
◌َ البَشَيـ
جوبيبو
القرآن الكريم

العذاب
به وقالوا له على سبيل الاستهزاء: ائتنا بما
تعدنا به من عذاب إن كنت من الصادقين(١).
قال طنطاوي: ((والجملة الكريمة تحكي
لونا عجيبا من ألوان توغلهم في الجحود
والضلال، حيث طلبوا من الرسول صلى
الله عليه وسلم تعجيل العقوبة التي توعدهم
بها، بدل أن يطلبوا منه الدعاء لهم بالسلامة
والأمان والخير والعافية))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِّ
وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى لَآءَ هُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْنِيَنَّهُمْ بَغْتَةً
يَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ
وَهُمْ لَا يَشْعُونَ )
جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٣
-٥٤].
يخبر الله تعالى عن جهل المشركين
وحماقتهم في استعجالهم إيقاع عذاب
الله بهم، ولولا كون العذاب محددا بوقت
معلوم، ولولا ما حتم الله من تأخير العذاب
إلى يوم القيامة؛ لجاءهم العذاب قريبًا سريعا
كما استعجلوه، وسوف يأتيهم بالتأكيد
فجأة، وهم لا يحسون بمجيئه، بل یکونون
في غفلة عنه، ثم أكد تعالى طلبهم نزول
العذاب بقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَ إِنَّ
جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ أي: يطلبون منك
حدوث العذاب، وهو واقع بهم لا محالة،
وإن جهنم ستحيط بهم من كل جانب (٣).
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٤١٣.
(٢) التفسير الوسيط، ٧/ ٤٤٧.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٥٪.
موانع العذاب
يستطيع المرء أن يدفع العذاب عن نفسه
من خلال أمور كثيرة، منها:
أولًا: التوبة:
التوبة مانع شامل يمنع من إنفاذ
وعيد جميع الذنوب، الكفر فما دونه من
المعاصي، فليس شيء يغفر الله به جميع
الذنوب إلا التوبة النصوح.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ
[الزمر:
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
٥٣].
قال الإمام الشوكاني: ((واعلم أن هذه
الآية أرجى آية في كتاب الله، لاشتمالها على
أعظم بشارة، فإنه أولا: أضاف العباد إلى
نفسه لقصد تشریفهم، ومزيد تبشيرهم، ثم
وصفهم بالإسراف في المعاصي، ثم عقب
على ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة، ثم
جاء بما لا یبقی بعده شك ولا يتخالج القلب
عند سماعه ظن فقال: ﴿إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾
ثم لم یکتف بما أخبر به عباده من مغفرة کل
فيا لها
ذنب، بل أكد ذلك بقوله:
من بشارة ترتاح لها النفوس، وما أحسن
تعليل هذا الكلام بقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾))(٤).
(٤) فتح القدير، ٥٣٨/٤.
www. modoee.com
٢٣٣

حرف العين
وقال الله تعالى: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ
ظُلْمِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهُ إِنَّ اللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩].
أي: فمن تاب إلى الله عز وجل توبة
صادقة من بعد ظلمه لنفسه بسبب إيقاعها
في المعاصي التي من أكبرها السرقة وأصلح
عمله بالطاعات التي تمحو السيئات فإن الله
يتوب عليه أي: يقبل توبته، ويغسل حوبته،
إن الله واسع المغفرة والرحمة ومن مظاهر
ذلك أنه سبحانه فتح لعباده باب التوبة
والإنابة، فالآية الكريمة ترغب العصاة من
السراق وغيرهم في التوبة إلى الله، وفي
الرجوع إلى طاعته حتى ينالوا مغفرته
ورحمته(١).
وعن أبي موسى رضي الله عنه عن
النبي صلی الله عليه وسلم قال: (إن الله عز
وجل يبسط يده بالليل، ليتوب مسيء النهار،
ويبسط يده بالنهار، ليتوب مسيء الليل،
حتى تطلع الشمس من مغربها)(٢).
ثانيًا: الاستغفار:
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ
يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
أي: ومن يعمل عملا سيئا يؤذي به غيره،
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ١٣٦/٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب
قبول التوبة، رقم ٢١١٣/٤،٢٧٥٩.
أو يظلم نفسه بارتكاب الفواحش، التي يعود
معظم ضررها على نفسه كشرب الخمر،
وترك فرائض الله التي فرضها على عباده ثم
بعد كل ذلك يستغفر الله، فيتوب إليه توبة
صادقة نصوحًا يجد الله بفضله و کرمه غفورًا
رحيمًا(٣).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي
نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم،
ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر
) (٤)
لهم) (٤).
والاستغفار لا يمكن أن يمنع العذاب
لمن مات على الشرك، قال تعالى:
﴿إِنَّ
اَللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكِ بِاللّهِ فَقَدٍ أَفْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾
[النساء: ٤٨].
والمعنى: إن الله لا يغفر لكافر مات
على كفره، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب
والمعاصي لمن يشاء أن يغفر له إذا مات من
غير توبة، فمن مات من المسلمين بدون
توبة من الذنوب التي اقترفها فأمره مفوض
إلى الله، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن
شاء عذبه ثم أدخله الجنة (٥).
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٩٥/٥.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة،
باب سقوط الذنوب بالاستغفار، رقم٢٧٤٩،
٢١٠٦/٤.
(٥) انظر: الوسيط، الزحيلي، ٣٢٨/١.
صَوَسُو ◌َةُ النَّفـ
القرآن الكريمِ
٢٣٤

العذاب
ثالثًا: دعاء المؤمنين:
يسن للمؤمن الدعاء لإخوانه المؤمنين
بالمغفرة والرحمة، وهذا يدل قطعًا على
انتفاع المدعو له بدعاء إخوانه المؤمنين،
واستغفارهم له.
قال الله تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَّكُمْ وَمَثْوَنِكُمْ﴾ [محمد: ١٩].
قوله: ﴿وَأَسْتَغْفِّر ◌ِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ أي: واستغفر أيها الرسول
الكريم لذنوب أتباعك وأمتك، بالدعاء
للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة عما فرط من
ذنوبهم، وهذا فيه تعليم للصحابة وللمؤمنين
أن يدعوا لإخوانهم المؤمنين(١)، وبهذا
المعنى في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَلَمُو مِنْ
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِاخْوَيِنَا
الَّذِينَ سَبَقُّونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوُ بِنَاغِلًا
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:
١٠ ].
أي: يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واغفر لإخواننا
في الدين الذين سبقونا بالإيمان فهم أسبق
منا إلى الخير والفضل (٢).
وعن عوف بن مالكٍ رضي الله عنه قال:
(صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
على جنازةٍ، فحفظت من دعائه وهو يقول:
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٥١٠/٨.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(اللهم اغفر له وارحمه وعافه، واعف عنه،
وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء
والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت
الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خیرًا
من داره، وأهلا خیرًا من أهله وزوجًا خیرًا
من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب
القبر) قال: (حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك
الميت)(٣).
وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميتٍ
تصلي عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون مائةً،
کلهم یشفعون له، إلا شفعوا فيه)(٤)
والدعاء بالمغفرة والرحمة لا يجوز لمن
لقي الله کافرًا، ولا يمنع إنفاذ وعید الله فيه.
قال تعالى: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ
لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَمْ لَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمَّ إِنَّاللّهَ
لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦].
قال طنطاوي: ((أي: إن هؤلاء الراسخين
في الكفر والنفاق، قد استوى عندهم
استغفارك لهم وعدم استغفارك، فهم لتأصل
الجحود فيهم صاروا لا يفرقون بين الحق
والباطل، ولا يؤمنون بثواب أو عقاب،
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب الدعاء للميت في الصلاة، رقم ٩٦٣،
٦٦٢/٢.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب من صلوا عليه مائة شفعوا فیه، رقم ٩٤٧،
٦٥٤/٢.
www. modoee.com
٢٣٥

حرف العين
ولذلك فلن يغفر الله تعالى لهم مهما لتأكيد النفي، وللدلالة على أن تعذيبهم
والرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم
حرصت على هدایتهم وصلاحهم»(١).
غير مستقيم في الحكمة(٣).
وبهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ
لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ
مَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ
بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْفَاسِقِينَ ﴾
[التوبة: ٨٠].
رابعًا: وجود النبي صلى الله عليه
وسلم وشفاعته:
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
سبب نزول الآية: عن أنس بن مالكٍ
رضي الله عنه قال: قال أبو جهلِ: اللهم
إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا
حجارةً من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليمٍ،
فنزلت الآية (٢).
والمعنى: وما كان الله مريدًا لتعذيب
هؤلاء الذين دعوا بهذا الدعاء الغريب
تعذيب استئصال وإهلاك، وأنت مقيم
فيهم - يا محمد- بمكة، فقد جرت سنته
سبحانه ألا يهلك قرية مكذبة وفيها نبيها
والمؤمنون به حتى يخرجهم منها ثم یعذب
الكافرين، واللام في قوله: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾
(١) التفسير الوسيط، ١٤/ ٤٠٩.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنة والنار، باب قوله تعالى: (وما كان الله
معذبهم)، رقم ٢٧٩٦، ٤ /٢١٥٤.
والشفاعة التي تمنع أو تخفف من
العذاب وخصوصًا في الآخرة، وهي على
ثلاثة أنواع:
١. الشفاعة العظمى.
وهي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
في أهل الموقف ليفصل الله بينهم، وهي
المقام المحمود له، قال تعالى: ﴿ وَمِنَ
الَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث
الشفاعة، وفيه أن بعض الناس يقول: (ائتوا
النبي صلى الله عليه وسلم فيأتوني فأسجد
تحتالعرش، فیقال: یا محمد، ارفع رأسك،
واشفع تشفع، وسل تعطه)(٤).
٢. الشفاعة في أهل الجنة.
وهي ثلاثة أنواع:
شفاعته صلی الله عليه وسلم في أهل
الجنة ليدخلوها.
شفاعته صلی الله عليه وسلم في رفع
درجات أهل الجنة.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٥٢١/٢.
وانظر: لباب التأويل، الخازن، ٣٠٨/٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله: (إنا أرسلنا نوحًا)،
رقم ٣٣٤٠، ٤/ ١٣٤.
٢٣٦
جوببيو
القرآن الكريم

العذاب
شفاعته صلی الله عليه وسلم في بعض
المؤمنين ليدخلوا الجنة بلا حساب ولا
عذاب.
٣. الشفاعة لأهل الكبائر.
وهي نوعان:
شفاعته صلی الله عليه وسلم فیمن
استحق النار من أهل الكبائر أن لا والمحق للكافرين:
يدخلها.
شفاعته صلى الله عليه وسلم فيمن
دخل النار من أهل الكبائر أن يخرج
منها.
فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن
نبي الله صلی الله عليه وسلم قال: (لكل
نبي دعوةٌ دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي
شفّاعةً لأمتي يوم القيامة)(١).
إذن فالشفاعة خاصة بأهل التوحيد ولا
تکون للكفار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه
أنه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس
بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: (لقد ظننت، یا
أبا هريرة، أن لا يسألني عن هذا الحديث
أحدٌ أول منك، لما رأيت من حرصك على
الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة
من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قبل
نفسه)(٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم، رقم
١،٢٠٠ /١٩٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
الحكمة من العذاب
لا يخلو شيء في الوجود من حكمة
لله عز وجل منه، وكذلك العذاب له حكم
جليلة، منها:
أولًا: الفتنة والامتحان للمؤمنين
قال تعالى: ﴿الَّ )) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن
يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُوَاْءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿ وَلَقَدْ
فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ
وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣].
والمعنى: أظن الناس أن يتركوا بدون
امتحان، واختبار، وابتلاء، وبدون نزول
المصائب بهم؛ لأنهم نطقوا بكلمة الإيمان؟
إن ظنهم هذا ظن باطل، ووهم فاسد؛ لأن
الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فقط، بل
هو عقيدة تكلف صاحبها الكثير من ألوان
الابتلاء والاختبار، عن طريق التعرض لفقد
الأموال والأنفس والثمرات، حتى يتميز
قوي الإيمان من ضعيفه(٣).
قال القرطبي: ((والمراد بالناس قوم
من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من
قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام،
کسلمة بن هشام، وعیاش بن ربيعة، والوليد
باب الحرص على الحديث، رقم ٩٩،
٣١/١.
(٣) انظر: تفسير السرقندي، ٦٢٤/٢.
www. modoee.com
٢٣٧

حرف العين
بن الوليد فكانت صدورهم تضيق بذلك،
وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من
المؤمنين. قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه
الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في
عباده، اختبارًا للمؤمنين وفتنة (١).
قال ابن عطية: ((وهذه الآية وإن كانت
نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من
الأقوال، فهي باقية في أمة محمد صلى الله
عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر))(٢).
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ
مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ
قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
الجنة بمجرد الإیمان دون أن یصیبکم ما
أصاب الذین سبقو کم من شدائد في الأنفس
والأموال، ومن مخاوف أزعجتهم وأفزعتهم
حتى بلغ الأمر برسولهم وبالمؤمنين معه أن
يقولوا وهم في أقصى ما تحتمله النفوس
البشرية من آلام: متى نصر الله؟ !! )) (٣)
ويأتي هذا الامتحان في شدته على قدر
الإيمان، فعن سعد رضي الله عنه قال:
(قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
أي الناس أشد بلاءً: قال: (أشد الناس بلاءً
(١) الجامع لأحكام القرآن، ٣٢٣/١٣.
(٢) المحرر الوجيز، ٣٠٥/٤.
(٣) التفسير الوسيط، طنطاوي، ١ / ٤٦٢.
الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على
حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه
وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه
فما يبرح البلاء بالعبد حتی یتر که يمشي على
الأرض ما عليه خطيئة) (٤).
وكما أن العقاب يكون امتحان للمؤمنين،
يكون في المقابل محق للكافرين قال
تعالى: ﴿وَلِيُمَحْصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١].
قوله: ﴿وَيَمْحَقَ﴾ من المحق وهو محو
الشيء والذهاب به، والمعنى: ولقد فعل
سبحانه ما فعل في غزوة أحد، لكي يطهر
المؤمنين ويصفيهم من الذنوب، ويخلصهم
من المنافقين المندسين بينهم، ولكي
((أظننتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون يهلك الكافرين ويمحقهم بسبب بغيهم
وبطرهم
ثانيًا: تكفير الذنوب ورفع الدرجات
للمؤمنین:
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ
وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمْرَتِ
وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
الابتلاء عندما ينزل يكون للكفار محق
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٦٠٧،
١٥٩/٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٢٣٠، رقم ٩٩٢.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص١٥٠.
صَوَسُورَة النفسية
القرآن الكريمِ
٢٣٨

العذاب
وعذاب، وللمؤمنين الصابرين المحتسبين
تكفير لذنوبهم ورفعة لدرجاتهم، والمعنى:
ولنصيبنكم بشيء من الخوف وبشيء من
الجوع، وبشيء من النقص في الأنفس
والأموال والثمرات، ليظهر هل تصبرون أو
لا تصبرون، فنرتب الثواب ورفع الدرجات
على الصبر والثبات على الطاعة، ونرتب
العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر
الله عز وجل، وبهذا المعنى جاء قوله
تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَّ نَعْلَمَ الْمُجَتِهِدِينَ مِنْكُمْ
وَالصَِّينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما
يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا
هم ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة
يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)(١).
وقد تصيب المؤمن المصيبة فترفع
درجته في الآخرة إذا صبر واحتسب، فعن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلی الله عليه وسلم: (إن الرجل لتكون
له المنزلة عند الله تبارك وتعالى فما يبلغها
بعملٍ، فلا يزال يبتليه حتى يبلغه ذلك)(٢).
ومن هذا الباب، المرض فقد يكفر
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، رقم
٥٦٤١، ٠١١٤/٧
(٢) أخرجه البيهقي في الآداب، رقم ٧٣٥،
٢٩٩/١.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣٣٥/١، رقم ١٦٢٥.
الله ذنوب عبد بمرض يصيبه فعن جابر
بن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، دخل على أم السائب أو أم المسيب
فقال: ((ما لك؟ يا أم السائب أو يا أم المسيب
تزفزفین؟)» قالت: الحمى، لا بارك الله فيها،
فقال: (لا تسبي الحمی، فإنها تذهب خطايا
بني آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد)(٣).
إذًا فتعجيل العقوبة في الدنيا للعبد
الصالح إنما هو خيرٌ له، فعليه ألا يقنط أو
ينحرف عن الطريق لأن عذاب الآخرة أشد
وأبقى بينما عذاب الدنيا مهما كانت شدته
فإنه يزول بعد فترة أو تعقبه السعادة الأبدية
بإذن الله تعالى، بشرط أن يكون صاحبه
مؤمنًا صالحًا، فعن أنس رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا
أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في
الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عليه ذنوبه
حتی یوافیه يوم القيامة)(٤).
ثالثًا: التحذير من التمادي في المعصية:
فتأتي مصائب الدنيا بمثابة إشارات
وتنبيهات من الله تعالى للعبد أنه غارق في
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من
مرض، ٤/ ١٩٩٣، رقم ٢٥٧٥.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب
ما جاء في الصبر على البلاء، رقم ٢٣٩٦،
٠٦٠١/٤
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١١٨/١، رقم ٣٠٨.
www. modoee.com
٢٣٩

حرفالعین
معصيته ويجب الرجوع قبل فوات الأوان فقال: (ما من ذنبٍ أجدر أن يعجل الله
لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في
الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) (٣).
كما قال الله تعالى: ﴿وَلَتُذِيقَنَّهُم مِّنَ
الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١].
أي: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى
الأهون والأقرب والأقل وهو عذاب الدنيا،
عن طريق ما ننزله بهم من أمراض وأسقام
ومصائب متنوعة، دون العذاب الأكبر
أي: الأشد والأعظم والأبقى، وهو عذاب
الآخرة، لعلهم يرجعون عما هم فيه من
شرك وكفر وفسوق وعصيان(١).
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا
تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣].
يؤكد الله تعالى الحض على التضرع
فقال: فهلا تضرعوا إلينا خاشعين تائبين
حين جاءهم بأسنا وظهرت بوادر العذاب،
ولكن لم يفعلوا وقست قلوبهم، أي: ما
رقت ولا خشعت، فهي کالحجارة أو أشد
قسوة، فلم يعتبروا، وزين لهم الشيطان
أفعالهم من الشرك والفجور والمعاندة
والمعاصي، ووسوس لهم بأن يبقوا على ما
(٢)
٠
كان عليه آباؤهم
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن
بعض الذنوب أجدر بوقوع عذاب الدنيا
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور،
٢٣٣/٢١.
(٢) انظر: الوسيط، الزحيلي، ٥٤٨/١.
رابعًا: العبرة والعظة:
قد يأتي العذاب عقوبة لصاحب المعصية
أو لأهلها ليكونوا عبرة وعظة لمن بعدهم
كما فعل الله بالأمم السابقة، قال تعالى:
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٌ وَكَفَى ◌ِّكَ
◌ِذُنُوبِ عِبَادِهِ، خَبيرً ا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧].
أي: أن هذه القرية المدمرة بسبب فسوق
أهلها، وعصيانهم لأمرنا، ليست هي القرية
الوحيدة التي نزل بها عذابنا، بل إننا قد
أهلكنا كثيرا من القرى من بعد زمن نوح
علیه السلام كقوم عاد وثمود وغيرهم ممن
استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الكفر
على الإيمان والغي على الرشد.
ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بالتهديد
الشديد لمن يخالف أمره فقال تعالى:
﴿وَكَفَى بِرَيِّكَ لِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَبيرًا بَصِيرًا﴾ فهذه
الآية الكريمة بجانب أنها تسلية للرسول
صلى الله عليه وسلم فهي أيضًا تهديد
للمشركين، وإنذار لهم بأنهم إذا ما استمروا
على كفرهم، ومعاداتهم للحق، وتطاولهم
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، کتاب الزهد، باب
البغي، رقم ١٤٠٨/٢،٤٢١١.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ٩٩٤، رقم ٥٧٠٤.
٢٤٠
القرآن الكريمِ

العذاب
على من جاء به وهو الرسول صلى الله
عليه وسلم فسيكونون محلّا لغضب الله
تعالى وسخطه، ولنزول عذابه الذي أهلك
به أمثالهم في الشرك والكفر والجحود (١).
وقال تعالى: ﴿أَفَلْمَ يَسِيُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِنَّ دَمَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِمّ
وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا ﴾ [محمد: ١٠]
أي: جلسوا في مساكنهم فلم يسيروا
في جنبات الأرض، فيشاهدوا كيف كانت
عاقبة المكذبين من قبلهم كقوم عاد وثمود
ولوط وغيرهم، فكان الجواب: دمر الله
تعالى عليهم مساكنهم وأموالهم، وقوله:
﴿وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا﴾ وعيد وتهديد لهؤلاء
الكافرين المعاصرين للنبي صلى الله عليه
وسلم أي: هكذا كانت عاقبة المجرمين
السابقين، وللكافرين المعاصرين لك
-أيها الرسول الكريم- السائرين على درب
سابقيهم في الكفر والضلال والطغيان،
أمثال تلك العاقبة السيئة (٢).
[انظر: الإهلاك: حكم الإهلاك]
موضوعات ذات صلة:
الإهلاك، الجزاء، الجنة، النار، اليوم
الآخر
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٧ / ٤٠٦.
وانظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣١٣/٢٠.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣٥/٥.
www. modoee.com
٢٤١