النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ العبارة عناصر الموضوع مفهوم العبادة ٤٢ العبادة في الاستعمال القرآني ٤٤ الألفاظ ذات الصلة ٤٥ العبادة والاستعانة ٤٦ أنواع العبادة ٤٨ ٥٠ مكانة العبادة في القرآن ٥٤ أركان العبادة ٥٧ شروط العبادة ٥٩ دوافع العبادة ٦٤ صور العبادة ٦٧ عبادة غير الله تعالى ٧٢ مقاصد العبادة وآثارها المُجَلَّدَ الثَّالِثِ وَالعَشْرُونْ حرف العين مفهوم العبادة أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس رحمه الله في مادة «عبد»: «العین والباء والدال أصلان صحیحان، کأنهما متضادان، فالأول يدل على لين وذل، والآخر على شدة وغلظ))(١). وقال ابن سيده: ((أصل العبادة في اللغة: التذليل، من قولهم: ((طريق معبد)) أي: مذلل، ومنه أخذ ((العبد)) لذلته لمولاه، والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع والبصر))(٢). وقال الأزهري: ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع))(٣). وقد استخلص ابن عاشور من كلام أهل اللغة معنى العبادة فقال: ((إنها إظهار الخضوع للمعبود، واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضره ملكًا ذاتیًا مستمرًا، فالمعبود إله للعابد كما حكى الله قول فرعون: ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَيِّدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧])) (٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تعريف العبادة: ((والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة»(٥). وقال ابن كثير رحمه الله: ((والعبادة في الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف)»(٦)؛ لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب، والانقياد له، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له(٧). وقال ابن عاشور: ((والعبادة في الشرع تعرف بأنها فعل ما يرضي الرب من خضوع وامتثال (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٥/٤ - ٢٠٧ بتصرف يسير. (٢) المخصص، ابن سيده ٤ / ٦٢. (٣) تهذيب اللغة، الأزهري ٢/ ١٣٨. وانظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٧٣/٣، تاج العروس، الزبيدي ٣٣١/٨. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٢٧. (٥) العبودية، ابن تيمية ص ٤٤. (٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٣٤. (٧) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، عبد الله الغنيمان ١ / ٤٦. ٤٢ جوسين القرآن الكريم العبادة واجتناب، أو هي فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه)) (١)، فصارت في الشرع اسمًا لكل طاعة لله، أديت له على وجه التذلل والنهاية في التعظيم (٢). وقال الرازي: ((العبادة تعظيم أمر الله والشفقة على الخلق، وهذا المعنى هو الذي اتفقت عليه الشرائع وإن اختلفوا في الوضع والهيئة والقلة والكثرة))(٣). فهي بهذا التفسير تشمل الامتثال لأحكام الشريعة كلها (٤)، فهي في مفهومها العام تعني: ((التذلل لله محبة وتعظيمًا، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، على الوجه الذي جاءت به شرائعه)» (٥). وتعريف شيخ الاسلام ابن تيمية أدق وأشمل، فالدین کله داخل في العبادة، ومن خلال تعريف العلماء للعبادة في الاصطلاح الشرعي تبين أن لفظ العبادة يدور حول معنى الذل التام والخشوع الكامل لله تعالى، والالتزام بما شرعه، والانتهاء عما نهى عنه تعالى، والتمسك بكل ما يرضى الله تعالى، قولًا وعملًا وتركًا، وكل هذه التعريفات للعبادة معناها واحد ولا تختلف عن المعنى اللغوي. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ١٨٠. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤٣/٣٢ بتصرف. (٣) المصدر السابق ١٩٣/٢٨ بتصرف (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٠/١. (٥) المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر صوفي ص ٩٢. www. modoee.com ٤٣ حرف العين العبادة في الاستعمال القرآني وردت مادة (عبد) في القرآن الكريم (٢٧٥) مرة (١). والصيغ التي وردت عليها هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن ٥ شَىْءٍ ﴾ [النحل: ٣٥] قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠] فعل الأمر ٣٧ ءَابَآؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠] اسم فاعل ١٢ ﴿وَلَ أَنَاْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُتّمْ ﴾ [الكافرون: ٤] اسم (مفرد، مثنى، جمع) ١٣١ ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ [سبأ: ٩] مصدر ٩ ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّدِ أَحَدًا ( ١٠)﴾ [الكهف: ١١٠] وجاءت (العبادة) في الاستعمال القرآني على وجهين (٢): أحدهما: التوحيد: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] أي: وحدوه. الثاني: الطاعة: ومنه قوله تعالى: ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] أي: أن لا تعبدوا الشيطان فتطيعوه في معصية الله (٣). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقى ص٤٤١ - ٤٤٥. (٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ٤٣١/١ -٤٣٢. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ٤٧٠. جوسيس لِلْقُرْآن الكَرِيمِ ٤٤ الفعل الماضي الفعل المضارع ٨١ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ العبادة الألفاظ ذات الصلة الطاعة: ١ الطاعة لغةً: من طوع بمعنى الانقياد (١). الطاعة اصطلاحًا: امتثال أمر الله طوعًا(٢). الصلة بين الطاعة والعبادة: قال الكفوي: ((والطاعة أعم من العبادة؛ لأن العبادة غلب استعمالها في تعظيم الله غاية التعظيم، والطاعة تستعمل لموافقة أمر الله وأمر غيره، وتجوز الطاعة لغير الله في غير المعصية، ولا تجوز العبادة لغير الله تعالى))(٣). النسك: ٢ النسك لغة: (٤) قال الراغب: ((النسك: العبادة، واختص بأعمال الحج)) ٠ وقال الزبيدي: ((والنسك: العبادة والطاعة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَاتٍِ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٦)﴾ [الأنعام: ١٦٢](٥). النسك اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي. الصلة بين النسك والعبادة: جاءت لفظة النسك في القرآن الكريم بمعنى العبادة مطلقًا، كما جاءت بمعنى الذبائح التي يتقرب بها إلى الله سبحانه، وشعائر الحج، والأماكن التي تؤدى بها شعائر الحج، و «الموضع» الذي تقدم به الذبائح تقربًا إلى الله تعالى. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣١/٣. (٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ١/ ١٤٠، اللباب في علوم القرآن، ابن عادل ٣٩٧/١٠، محاسن التأويل، القاسمي ٤ / ٥٢٣. (٣) الكليات، الكفوي ص ٥٨٣. (٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٠٢. (٥) تاج العروس، الزبيدي ٣٧٢/٢٧. www. modoee.com ٤٥ حرف العين العبادة والاستعانة أولًا: حكمة اقتران العبادة بالاستعانة: ذكر أهل العلم رحمهم الله تعالى الحكمة من اقتران العبادة بالاستعانة، وتقديم العبادة على الاستعانة، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴾ [الفاتحة: ٥]. ومن هذه الحکم ما ذكره أبو حیان حیث قال: ((وقرنت الاستعانة بالعبادة للجمع بين ما یتقرب به العبد إلى الله تعالى، وبین ما یطلبه من جهته»(١)؛ وليدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعبادة الله إلا بإعانة الله وتوفيقه، ولا ینهض بها إلا بالتوكل علیه، فهو إقرار بالعجز عن حمل هذه الأمانة الثقيلة، إذا لم يعنه الله على ذلك، فالاستعانة بالله علاج لغرور الإنسان و کبریائه، وهما داءان قتالان (٢). ثانيًا: تقديم العبادة على الاستعانة: ولتقديم العبادة على الاستعانة أسباب عديدة أشار إليها ابن القيم رحمه الله حيث قال: وتقديم العبادة على الاستعانة لما يلي: ١. العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، فكان ذلك من قبيل تقديم الغايات على الوسائل. (١) البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٤٤. ٢. قوله: ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ﴾ متعلق بألوهيته سبحانه ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ متعلق بربوبيته. ٣. تقديم العبادة على الاستعانة يتناسب مع تقديم اسم ((الله)) على لفظ ((الرب)) المذكورين في أول السورة، حيث إِن ﴿إِيَّكَ نَعْبُدُ﴾ قسم الرب، فكان من الشطر الأول، الذي هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به ﴿وَإِنَّكَ نَسْتَِینُ﴾ قسم العبد فكان من الشطر الذي له وهو ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة. ٤. العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غیر عکس، فکل عابد لله عبودية تامة مستعين، ولا ينعكس الأمر؛ لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم؛ ولهذا كان قسم الرب. ٥. الاستعانة جزء من العبادة من غير عكس فقدم الكل على الجزء. ٦. العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص، ومن غیر مخلص. ٧. العبادة حق الله الذي أوجبه على العبد والاستعانة طلب العون على العبادة؛ فکان حق الله أولی بالتقدیم. (٢) لمسات بيانية في نصوص من التنزيل، فاضل ٨. العبادة شكر لنعمته عليك، والله يحب السامرائي ص ٤٥. ٤٦ القرآن الكريم العبادة لك، فإن التزمت عبوديته، ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فکان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة له من الله أعظم. ٩. قوله: ﴿إِنَّكَ نَعْبُدُ﴾ لله، ﴿وَإِيَّكَ نَسْتَعِينُ ﴾به، والذي له مقدم على ما به؛ لأن ما له متعلق بمحبته ورضاه والذي یکون به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته، فهذه الأسرار یتبین بها حكمة تقديم ﴿إنَّكَ نَعْبُهُ﴾ على ﴿وَإِنَّكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١). وتضمنت هذه الآية إثبات مذهب أهل السنة والجماعة في القدر، وأن جميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وأن العبد فاعل حقيقة، ليس مجبورًا على أفعاله، فلولا أن مشيئة العبد مضطر فيها إلى إعانة ربه وتوفيقه لم يسأل الاستعانة(٢). فائدة: قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِنَّكَ نَسْتَعِيرُ ﴾﴾ فالأول تبرؤ من الشرك، (١) مدارج السالكين، ابن القيم ٩٧/١-٩٨ بتصرف واختصار. (٢) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، السعدي ص١٢. أن يشكر، والإعانة فعله بك وتوفيقه والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عز وجل، وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَأَعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَّكَلْنَا﴾﴾ [الملك: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمُشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل: ٩](٣). (٣) محاسن التأويل، القاسمي ١/ ٢٣٠. www. modoee.com ٤٧ حرف العين أنواع العبادة للعبادة معانٍ بحسب ما يتعلق بها، فالعبادة من حيث تعلقها بعموم الخلق وخصوصهم تنقسم إلى نوعين: أولًا: عبادة عامة: وهي عبودية أهل السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: ٩٣]. قال ابن القيم: ((فالعبودية العامة: عبودیة أهل السماوات والأرض کلهم لله، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، فهذه عبودية القهر والملك، ويدخل فيه مؤمنهم وكافرهم))(١). وتسمى كذلك بالعبادة الكونية. قال ابن عثيمين: ((فالعبادة الكونية: وهي الخضوع لأمر الله تعالى الكوني، وهذه شاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد، فهي شاملة للمؤمن والكافر، والبر والفاجر))(٢). فكل من في السماوات والأرض فهو خاضع لله سبحانه وتعالی کونا فلا یمکن أبدًا أن يضاد الله أو يعارضه فيما أراد سبحانه وتعالى بالإرادة الكونية، والعابدون (١) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ١٢٥ بتصرف واختصار. (٢) مجموع فتاوى ورسائل، ابن عثيمين ٦/ ٣٢. جوسين القرآن الكريم بالعبودية الكونية لا يثابون عليها؛ لأنهم خاضعون لله تعالى شاؤوا أم أبوا، فالإنسان يمرض، ويفقر، ويفقد محبوبه من غير أن يكون مريدًا لذلك بل هو كاره لذلك لكن هذا خضوع لله عز وجل خضوعًا كونيًا (٣)، فالخلق كلهم عبيد ربوبيته. وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه: فالأول: إما منكرًا، كقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ مَاتِىِ الرَّحْمنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: ٩٣]. والثاني: معرفًا باللام، كقوله تعالى: ﴿وَمَا ◌َللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]. وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٨]. الثالث: مقيدًا بالإشارة أو نحوها، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ﴾ [الفرقان: ١٧]. الرابع: أن يذكروا في عموم عباده، فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر، كقوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. الخامس: أن یذکروا موصوفین بفعلهم، قُلْ يَعِبَادِىَ أَلَّذِينَ كقوله تعالى: أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ [الزمر : ٥٣]. (٣) المصدر السابق ١/ ٨٩. ٤٨ العبادة وقد يقال: إنما سماهم عباده إذا لم يقنطوا عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]. من رحمته، وأنابوا إليه، واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم، فیکونوا من عبيد الإلهية والطاعة (١). ثانيًا: عبادة خاصة: وهي عبودية الطاعة والمحبة، وهي خاصة بالمؤمنين القائمين بأمره سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ ﴾ [الفرقان: ٦٣]. قَالُواْ سَلَمًّا) قال ابن القيم: ((فالعبودية الخاصة: هي عبودية الطاعة والمحبة، واتباع الأوامر. قال تعالى: ﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلََّ أَنتُمْ عَحْزَنُورٌ. ﴾ [الزخرف: ٦٨]. الَّذِينَ فَبْشِرْ عِبَادِ وقال تعالى: أَحْسَنَّهُ﴾ فَيَتَِّعُونَ يَسْتَمِعُونَ أَلْقَوْلَ [الزمر: ١٧- ١٨]. وقال تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا ﴾ [الفرقان: ٦٣]. وقال تعالى عن إبليس: ﴿وَلَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [الحجر:٣٩- ٤٠]. فقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ وأهل طاعته وولایته هم عبيد إلهیته، ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء)»(٢). وتسمى كذلك بالعبادة الشرعية. قال ابن عثيمين: ((وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي، وهذه خاصة بمن أطاع الله تعالى، واتبع ما جاءت به الرسل مثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوَّنَا﴾ [الفرقان: ٦٣]))(٣). فهي التذلل له سبحانه وتعالى شرعا فهذه خاصة بالمؤمنين بالله سبحانه وتعالى القائمين بأمره، ثم إن منها ما هو خاص أخص كعبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اَلَّذِى نَزَّلَ اَلْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنكُنتُمْ فِ رَيْبٍمِنَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَا إَِّهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾[ص:٤٥]. وغير ذلك من وصف الرسل عليهم الصلاة والسلام بالعبودية (٤). (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ١٢٦/١ بتصرف يسير. (٣) مجموع فتاوى ورسائل، ابن عثيمين ٦/ ٣٣. (١) مدارج السالكين، ابن القيم ١٢٦/١ -١٢٧. (٤) المصدر السابق ٨٩/١. www. modoee.com ٤٩ حرف العين مكانة العبادة في القرآن أوجد الله سبحانه وتعالى الخلق لغاية سامية، وهي عبادته جل شأنه، فأرسل الرسل وأنزل الكتب، لدعوة الناس إلى عبادته وحده لا شريك له، فالعبادة شرف عظيم، من انتسب إليها أصبح من عباده المتقين. وقد تحدث القرآن الكريم عن بعض مظاهر مكانة العبادة، نوجزها في النقاط الآتية: أولًا: العبادة غاية الخلق: والعبادة هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]. قال السعدي في هذه الآية: ((هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله))(١) وقال ابن كثير: ((ومعنى الآية: أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨١٣. أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب»(٢). وقال ابن عاشور: ((وفي هذه الآية خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خلقوا عليها، فخالفوا سنتها اتباعا لتضليل المضلين، والجن: جنس من المخلوقات مستتر عن أعين الناس، وهو جنس شامل للشياطين، قال تعالى عن إبليس: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ [الكهف: ٥٠]. والإنس: اسم جمع واحده إنسي بياء النسبة إلى اسم جمعه))(٣). وما ذكر الله الجن هنا إلا لتنبيه المشركين بأن الجن غير خارجين عن العبودية لله تعالى، وقد حكى الله عن الجن في سورة الجن قول قائلهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطَان﴾ [الجن:٤]. وتقديم الجن في الذكر في قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين الذين كانوا يعبدون الجن؛ ليعلموا أن الجن عباد لله تعالى، فهو نظير قوله: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَتَهْ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٦] (٤). (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٥/٧. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/٢٧ بتصرف. (٤) المصدر السابق ٢٨/٢٧. ٥٠ مُؤْتَقُوالَرُ الْتَفْسِيْ جوسين القرآن الكريم العبادة وقال الشوكاني: ((ووجه تقديم الجن الرسل، كما قال نوح لقومه: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. على الإنس ها هنا تقدم وجودهم)) (١). وفي اختصاص الجن والإنس من بين المخلوقات بالذكر إشارة إلى أنهما هما المخلوقان اللذان لهما إرادة عاملة، وهما بهذه الإرادة يعملان فيؤمنان أو يكفران، ويطيعان أو يعصيان، ومن هنا وقع عليهما التكليف، وحق عليهما الحساب والجزاء، بمقتضى ما يعملان من خير أو شر (٢). ثانيًا: العبادة رسالة الرسل: فكما أن الله خلق الخلق لعبادته كذلك أرسل الرسل أيضًا لعبادته سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَأَجْتَنِبُواْ اَلَّْغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. قال الرازي في هذه الآية: ((فبين تعالى أن سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت))(٣). وأن شغل الأنبياء منحصر في أمرين: عبادة الله وهداية الخلق (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها وبها أرسل جميع (١) فتح القدير، الشوكاني ١١٠/٥. (٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٠٥٣٨/١٤ (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠٤/٢٠. (٤) المصدر السابق ١٩٢/٢٨. وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم»(٥). فغایتهم العظمى، ووظيفتهم الکبری، وهدفهم الأسمى: دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وخلع عبادة ما سواه (٦)، وکل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله تعالى(٧). وقال السعدي: ((يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولا وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ﴿أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾))(٨). والآية تضمنت التصريح بأن الله أمر جميع عباده بعبادته، واجتناب الشيطان، وكل ما يدعو إلى الضلال على ألسنة الرسل عليهم السلام. ثالثًا: العبادة تشريف: فالعبادة ذروة الشرف، ومقام عظيم، حیث جاءت تشريفًا لعباده المرسلين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا (٥) العبودية، ابن تيمية ص ٤٤ بتصرف. (٦) النبوات، ابن تيمية ١/ ٢٨ بتصرف. (٧) العبودية، ابن تيمية ص ٧٧. (٨) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٠. www. modoee.com حرف العين ﴾ [الصافات: ١٧١]. الْمُرَّسَلِينَ: قال ابن عثيمين: ((فوصفهم الله بالعبودية قبل الرسالة مع أن الرسالة شرف عظیم، لكن كونهم عبادًا لله عز وجل أشرف وأعظم، وأشرف وصف له وأحق وصف به))(١). وقال ابن القيم رحمه الله: ((والله تعالى جعل العبودية وصفًا لأكمل خلقه، وأقربهم إليه، فقال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ [ص: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّبَ ﴾ [ص: ٤١]. وقال تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَّ إِّرَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [ص:٤٥]. ﴿نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ: وقال عن سليمان: أَوَّابُ﴾ [ص: ٣٠]. وقال عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ [الزخرف:٥٩]. فجعل غايته العبودية لا الإلهية، كما يقول أعداؤه النصارى)(٢). و جاءت كذلك تشریفًا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير رحمه الله: ((والعبادة مقام عظیم یشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى، كما قال بعضهم: (١) القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين ٣٧٠/١- ٣٧١. (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ١٢٢/١ بتصرف واختصار. لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي وقد سمى الله رسوله بعبده في أشرف مقاماته، فقال تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ [الكهف: ١]. ﴿وَأَنَّهُ لَّ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾﴾ [الجن: ١٩]. ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]. فسماه عبدًا عند إنزاله عليه، وقيامه في الدعوة، وإسرائه به)) (٣). وقال ابن عاشور في قوله تعالى: ﴿ُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾: (( و (عبد) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد صلی الله عليه وسلم كما هو مصطلح القرآن والإضافة إضافة تشريف)) (٤). وقال سيد قطب في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]: (ويبدأ هذا التحدي بلفتة لها قيمتها في هذا المجال يصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبودية لله: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ولهذا الوصف في هذا الموضع دلالات منوعة متكاملة: فهو أولًا: تشريف للنبي وتقريب بإضافة عبوديته لله تعالى، دلالة على أن مقام (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٦/١. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/١٥ باختصار. صَوْسُورَةُ النَّـ القرآن الكريمِ ٥٢ العبادة العبودية لله هو أسمى مقام يدعى إليه بشر وهذا تشريف عظيم)) (٣). ويدعى به كذلك. وهو ثانيًا: تقرير لمعنى العبودية، في مقام دعوة الناس كافة إلى عبادة ربهم وحده، واطراح الأنداد كلها من دونه، فها هو ذا النبي في مقام الوحي -وهو أعلى مقام- يدعى بالعبودية لله، ويشرف بهذه النسبة في هذا المقام))(١). وقد جاءت تشريفًا للمؤمنين المتقين: قال ابن عثيمين: ((فأشرف وصف للإنسان أن یکون من عباد الله، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوّنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]))(٢). وقال الرازي في قوله تعالى: ﴿ یَعِبَادِ لَا خَوّفُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ٦٨ [الزخرف: ٦٨] «وقد ذكرنا مرارًا أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين المطيعين المتقين، فقوله: ﴿يَعِبَادِ﴾ كلام الله تعالى، فكأن الحق يخاطبهم بنفسه ويقول لهم: ﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَآَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفيه أنواع كثيرة مما يوجب الفرح: أولها: أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة. وثانيها: أنه تعالى وصفهم بالعبودية، (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ٤٨. (٢) القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين ٣٧٠/١- ٣٧١. وجاءت تشريفًا لملائكته عليهم السلام: قال ابن عاشور في قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَشَّا أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمُّ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ [الزخرف: ١٩] ((فالإضافة إلى اسم الرحمان تفيد تشريفهم قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. والعبودية عبودية خاصة وهي عبودية القرب، كقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾ [القمر: ٩]))(٤). وقال الرازي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ. [الأعراف: ٢٠٦]: وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ (@)) ((أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله، من حيث إنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات، وإنما قال تعالى في صفة الملائكة: الذين عند ربك؛ لأنهم رسل الله إلى الخلق کما یقال: إن عند الخليفة جيشا عظيمًا، وإن كانوا متفرقين في البلد، فكذا هاهنا، والله أعلم»(٥). (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٦٤٢. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ١٨٣. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥/ ٤٤٦ بتصرف. www. modoee.com ٥٣ حرف العين أركان العبادة لکل بناء أرکان یقوم علیه، وبغيرها یکون بناءً ناقصًا ومشوهًا، ولا يقي صاحبه من برد ولا حر، وهكذا هو بناء عبادة الله سبحانه وتعالى، له ركنان يقوم عليهما، ويصبح مقبولًا عند الله سبحانه وتعالى، وهذان الركنان هما: أولًا: غاية الحب: وهو تقديم محبة الله ورسوله على غيرهما. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَكُمْ وَعَشِيرَتُكُ وَأَمْوَلُّ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اَللَّهُ بِأَمْرِ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال البغوي: ((لما نزلت الآية الأولى ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ أَسْتَحَبُّواْ أَلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُّ ٢٣ ﴾ [التوبة: ٢٣]. الظَّالِمُونَ قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجاراتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا، فنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتُ﴾))(١). قال القرطبي: ((وفي الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله، ولا خلاف في ذلك بين الأمة، وأن ذلك مقدم على كل محبوب)»(٢). وقال ابن عاشور: ((فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما أراده الله من المؤمنين وبين ما تجر إليه تلك العلائق، وجب على المؤمن دحضها وإرضاء ربه، وقد أفاد هذا المعنى التعبير ((بأحب)) لأن التفضيل في المحبة يقتضي إرضاء الأقوى من المحبوبين، ففي هذا التعبير تحذير من التهاون بواجبات الدين مع الكناية عن جعل ذلك التهاون مسببا على تقديم محبة تلك العلائق على محبة الله، ففیہ إيقاظ إلى ما يؤول إليه ذلك من مهواة في الدين وهذا من أبلغ التعبير))(٣). والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تکن عابدا له حتی تکون محبا خاضعا)) (٤). ولا تنفع عبادة بواحد من هذين دون الآخر؛ ولذا قال من قال من السلف: من (١) معالم التنزيل، البغوي ٣٢٨/٢. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ٩٥. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠/ ١٥٣. (٤) مدارج السالكين، ابن القيم ٩٥/١-٩٦ باختصار. ٥٤ فَضْو جوبي القرآن الكريمِ العبادة عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد(١)، فجنس المحبةیکون لله ولرسوله كالطاعة فإن الطاعة لله ولرسوله (٢). وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم تقديم محبة الله ورسوله على محبة غيرهما من خصال الإيمان، ومن علامات وجود حلاوة الإيمان في القلوب: ففي ((الصحيحين )) عن أنس رضي الله عنه: عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار) (٣). ومحبة العبد لله ورسوله وطاعته لهما واتباعه أمرهما. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِ يُحْبِبَّكُمُ اللّهُ وَيَغْفِّرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [آل عمران: ٣١]. (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول، حافظ الحكمي ٤٣٧/٢. (٢) العبودية، ابن تيمية ص ٤٩. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم ١٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم ٦٧. قال الحسن وابن جريج: نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا: نحن الذين نحب ربنا، وروي أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا فأنزل الله هذه الآية (٤). قال ابن القيم: ((فجعل اتباع رسوله مشروطا بمحبتهم لله، وشرطا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة، فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل إذًا ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله»(٥). ثانيًا: غاية الذل والخضوع: وهو الذل والخضوع لله سبحانه وتعالى. قال جل شأنه: ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِنَّكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]. قال الطبري: ((وتأويل قوله: ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ﴾ لك اللهم نخشع ونذل ونستکین؛ إقرارًا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك)» (٦). وقد ذكر الطبري العلة في اختياره لهذا التأويل حيث قال: ((لأن العبودية عند جميع (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ /٦٠ بتصرف. (٥) مدارج السالكين، ابن القيم ١١٩/١. (٦) جامع البيان، الطبري ١/ ١٥٧. www. modoee.com حرفالعین العرب أصلها الذلة))(١). ركنان أساسيان لا قوام للعبادة بدونهما وقال الماوردي: ((وقوله: ﴿نَُّهُ﴾ فيه وهما: غاية الحب مع غاية الذل والخضوع، ولا يستحقها إلا المنعم جل وعلا. ثلاثة تأويلات: أحدها: أن العبادة الخضوع، ولا يستحقها إلا الله تعالى؛ لأنها أعلى فائدة: مراتب العبادة ثلاث: مراتب الخضوع، فلا يستحقها إلا المنعم الأولى: أن يعبد الله طمعًا في الثواب وخوفًا من العقاب وهي العبادة، وهي درجة نازلة ساقطة؛ لأنه جعل الحق وسيلة لنيل المطلوب. بأعظم النعم، كالحياة والعقل والسمع والبصر. والثاني: أن العبادة الطاعة. والثالث: أنها التقرب بالطاعة. والأول أظهرها؛ لأن النصارى عبدت عيسى عليه السلام، ولم تطعه بالعبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم مطاع، ولیس بمعبودٍ بالطاعة»(٢). والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله (٣). وفي الآية إعلام بما صدع به الإسلام من تحرير الأنفس لله تعالى وتخليصها لعبادته وحده، فإن كل ذلك إنما يستحقه فاطر الأرض والسموات وحده، وذلك أن لفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب. فلا بد أن يكون العابد محبًا للإله المعبود کمال الحب، ولا بد أن یکون ذليلا له كمال الذل، وهما لا يصلحان إلا لله وحده (٤). ونستخلص مما سبق أن العبادة تتضمن (١) انظر: المصدر السابق ١/ ١٦١. (٢) النكت والعيون، الماوردي ١/ ٥٧-٥٨. (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٩/١. (٤) محاسن التأويل، القاسمي ١ / ٢٢٨. الثانية: أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته؛ والانتساب إليه بقبول تكاليفه؛ وهي أعلى من الأولى إلا أنها ليست كاملة؛ لأن المقصود بالذات غير الله. الثالثة: أن يعبد الله لكونه إلهًا خالقًا مستحقًا للعبادة وكونه هو عبدًا له، وهذه أعلى المقامات وهو المسمى بالعبودية (٥) (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ٢١٤ بتصرف. جَوَنُوالَهُ النَّفتية القرآن الكريم ٥٦ العباد شروط العبادة كما أن لكل عبادة في الإسلام أركان تقوم عليها، فكذلك لها شروط لا تصح إلا بها. فأما شروط العبادة فهي: أولًا: إخلاص النية: فالإخلاص لله تعالى شرط أساسي لقبول العبادة. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلْدِينَ حُنَفَآءَ ﴾ [البينة: ٥]. وقد اختلفت ألفاظ السلف في معنى قوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ قال بعضهم: مقرين له بالعبادة، وقال آخرون: قاصدين بقلوبهم رضا الله في العبادة، وقال الزجاج: أي يعبدونه موحدين له لا يعبدون معه غيره، ويدل على هذا قوله: ﴿وَمَآ أُمِرُوَأْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١](١). قال القرطبي: ((وفي الآية دليلٌ على وجوب النية فى العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالی لا غیرہ»(٢). (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤٣/٣٢، ومعاني القرآن وإعرابه، للزجاج ٣٥٠/٥. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤٤/٢٠. وانظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٨٠/٥، فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق خان ٠٣٣٤/١٥ ففي الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)(٣). فمن لم یخلص لله في عبادته، لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور، فلا يقبل منه، فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تر کته وشر که (٤)) (٥). وللعلماء تعاريف متعددة لهذه الكلمة، قال الكرخي: الإخلاص أن لا يطلع على عملك إلا الله سبحانه ولا تطلب منه ثوابًا، وقال الشهاب: الإخلاص عدم الشرك وأنه ليس بمعنى الإخلاص المتعارف (٦). فالإخلاص أصل من أصول الدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم، رقم ١. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم ٢٩٨٥. (٥) محاسن التأويل، القاسمي ٢٢٨/٦. (٦) فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق خان ٠٣٣٤/١٥ www. modoee.com ٥٧ حرف العين ((وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله ولا [الكهف: ١١٠]. نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع، کما قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْحُواْلِقَآءَرَبِهِ،فَلْيَعْمَلْعَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّدِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]))(١). وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((فلا يكون العبد متحققا بـ)) ﴿إِنَّكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] إلا بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. والثاني: الإخلاص للمعبود، فهذا تحقيق (﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]))(٢). فإن هذين الأصلين هما دين الإسلام الذي ارتضاه الله كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَدُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌّ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَأَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: ١٢٥]. ولفظ ((أسلم)) يتضمن شيئين: أحدهما: الإخلاص. والثاني: الاتباع والإذلال(٣). ثانيًا: التزام الشرع: والتزام الشرع هو المتابعة والموافقة لما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَدِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّدِهِ أَحَدَاً﴾ (١) العبودية، ابن تيمية ص ١٤٨. (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ١٠٤. (٣) جامع المسائل، ابن تيمية ٢٨/٦. قال ابن كثير: ((﴿فَلْيَعْمَلْعَمَلًا صَلِحًا﴾ما كان موافقًا لشرع الله ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِِّهِ أَحَدًا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصا لله، صوابًا على شريعة رسول الله صلی الله عليه وسلم)»(٤). ولهذا كان أئمة السلف رحمهم الله يجمعون هذين الأصلين كقول الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿ِبْلُوَكُمْ أَيُّوْأَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: ٢]. قال: أخلصه وأصوبه. فقيل له: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، وإذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (٥). وهو المتفق عليه بين المسلمین، فإنه لا بد له في العمل أن يكون مشروعا مأمورًا به، وهو العمل الصالح، ولا بد أن يقصد به وجه الله، كما قال تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾﴾ [الكهف: ١١٠]. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤٣/٣٢. (٥) الاستقامة، ابن تيمية ٣٠٨/٢ - ٣٠٩. ٥٨ جوسين القرآن الكريم العبادة يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فیه شيئًا (١). قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿ِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]. ((وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ أي: ليختبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ولم يقل: أكثر عملًا، بل ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله عز وجل، على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمتى فقد العمل واحدًا من هذين الشرطين بطل وحبط))(٢). وأصبح مردودًا على عامله، يعود عليه أحوج ما هو إلیه هباء منثورًا. قال تعالى: ﴿ وَقَدِ مْنَّا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَّنْتُورًا ﴾ [الفرقان: ٢٣]. وفي الصحيح عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) (٣). وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعدًا، فإن الله تعالى إنما يعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء (٤). (١) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية ٧٦/٢ بتصرف. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٨/٤. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، رقم ١٧١٨. (٤) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ١٠٥ بتصرف. دوافع العبادة هناك دوافع وأسباب تدفع الإنسان لعبادة الله سبحانه وتعالى، وتجعله دائم الصلة بربه تعالى، وبإمكاننا أن نقسم هذه الدوافع إلى قسمين: أولًا: دوافع فطرية: ومن تلك الدوافع: ١. دافع الشعور الفطري بوجود الخالق. فمعرفة الخالق مغروسة في الفطرة الإنسانية، وهي عهد الله وميثاقه الذي أخذه سبحانه وتعالى على بني آدم، فقد نص الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، أنه استخرج من صلب آدم ذريته، وأقروا بأن الله تعالى ربهم وملیکھم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ يَبِيّ ◌َادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ شَهِدْنَأُ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال ابن كثير رحمه الله: ((يخبر تعالى أنه استخرج ذریة بني آدم من أصلابهم، شاهدین على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو))(٥). وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٥٠٠. www. modoee.com ٥٩ حرفالعین قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا ﴾ [الروم: ٣٠]. قال المراغي: ((أي: الزموا خلقة الله التي خلق الناس عليها، فقد جعلهم بفطرتهم جانحين للتوحيد وموقنين به؛ لكونه موافقا لما يهدي إليه العقل، ويرشد إليه صحيح النظر، كما ورد في الحديث عن النبي أنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ... ) (١) الحديث))(٢). وثبت أيضًا عن النبي أنه قال فیما یحکی عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم) الحديث(٣). بل إن المشركين فى حالة الشدة والبلاء وانقطاع رجائهم عن الدنيا يرجعون إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في أكثر من آية في فَإِذَا رَكِبُواْ فِىِ الْفَلَكِ كتابه، كقوله تعالى: دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اُلْدِينَ فَلَمَّا نَجَنُهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَاهُمْ يُشْرِكُونَ : [العنكبوت: ٦٥]. ٦٥ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم ١٣٨٥، واللفظ له، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، رقم ٢٦٥٨. (٢) تفسير المراغي ٤٥/٢١ -٤٦. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم ٢٨٦٥. قال الرازي: ((وفي الآية إشارة إلى أن المانع من التوحيد هو الحياة الدنيا، وبيان ذلك هو أنهم إذا انقطع رجاؤهم عن الدنيا رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد ووحدوا وأخلصوا، فإذا أنجاهم وأرجأهم عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا به سبحانه وتعالى»(٤). وإنما خص بالذكر حال خوفهم من هول البحر في هذه الآية وفي آيات كثيرة في كتاب الله؛ لأن أسفارهم في البر كانوا لا يعتريهم فيها خوف يعم جميع السفر؛ لأنهم كانوا يسافرون قوافل، معهم سلاحهم، ويمرون بسبل يألفونها فلا يعترضهم خوف عام، فأما سفرهم في البحر فإنهم يفرقون من هوله ولا يدفعه عنهم وفرة عدد ولا قوة عدد، فهم يضرعون إلى الله بطلب النجاة ولعلهم لا يدعون أصنامهم حينئذ (٥). فكل فرد من أفراد الناس مفطور أي: مخلوق على ملة الإسلام، ولكن لا اعتبار بالإيمان والإسلام الفطريين، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان، وهذا قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم، وقول جماعة من المفسرين وهو الحق، والقول بأن المراد بالفطرة هنا الإسلام هو مذهب (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ٧٦. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢/٢١ بتصرف. مَوَسُولَة القرآن الكريمِ ٦٠