النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الغَتَّابُ عناصر الموضوع مفهوم العتاب ١٠٤ العتاب في الاستعمال القرآني ١٠٥ الألفاظ ذات الصلة ١٠٦ الأساليب القرآنية في العتاب ١٠٨ ١١١ صور من عتاب الله لأنبيائه المُجَلَّدَ الثَّالِثِ وَالْعَشْرُونْ حرف العين مفهوم العتاب أولاً: المعنى اللغوي: العتاب مصدر عاتب، ((وعتب عليه عتبًا وعتابًا وتعتابًا ومعتبًا ومعتبةً، لامه وخاطبه مخاطبة الإدلال طالبًا حسن مراجعته، ومذكرًا إياه بما كرهه منه))(١)، وكذلك قال الأزهري (٢). قال صاحب مقاييس اللغة: (( (عتب) العین والتاء والباء أصلٌ صحيح، يرجع كله إلى الأمر فيه بعض الصعوبة من كلامٍ أو غيره)) (٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يخرج المعنى الاصطلاحي للعتاب عن المعنى اللغوي المذكور سابقًا، فالعتاب: مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة (٤)، فهو لوم من طرف لآخر على سبيل الحب والإدلال (٥)، وإنما يعاتب من ترجى عنده العتبى، أي: الرجوع عن الذنب والإساءة، أو ما هو أولى، وهذا المعنى هو أنسب معاني العتاب وأمسها بالموضوع. (١) انظر: العين، الفراهيدي ٢/ ٧٥ - ٧٧، الصحاح، الجوهري ١٧٥/١ -١٧٧، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٢/ ٥٣ - ٥٥، المفردات، الأصبهاني ص ٥٤٥، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، القاضي عياض ٦٥/٢، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ١٧٥/٣ - ١٧٦، مختار الصحاح، الرازي ص ١٩٩، لسان العرب، ابن منظور ٥٧٦/١ - ٥٨٠، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الفيومي ٣٩١/٢، تاج العروس، الزبيدي ٣٠٩/٣ - ٣١٦، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ٥٨١/٢،. (٢) انظر: تهذيب اللغة ٢ / ١٦٥. (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٢٥/٤. (٤) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٣٦. (٥) انظر: نضرة النعيم، مجموعة باحثين ٣٤١٩/٨. ١٠٤ عَرُ النَّسَيَّة صَوْنُو القرآن الكريم العتاب العتاب في الاستعمال القرآني ورد الجذر (عتب) في القرآن الكريم (٥) مرات (١). والصيغ التي وردت عليها هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ ٣٥ الفعل المضارع ٤ [الجاثية: ٣٥] اسم المفعول ١ ﴿وَإِنْ تَسْتَعْتِبُواْ فَمَاهُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ﴾ [فصلت: ٢٤] ٢٤ وورد العتاب في القرآن بمعناها في اللغة وهو: مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة. تقول: عاتبه معاتبة. قال الشاعر (٢): أعاتب ذا المودة من صديق إذا ما رابني منه اجتناب (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٤٥. (٢) انظر: تاج اللغة، الجوهري، ١/ ١٧٦. www. modoee.com ١٠٥ حرف العين الألفاظ ذات الصلة اللوم: ١ اللوم لغة: لام يلومه لومًا وملامًا وملامةً ولومةً فهو ملوم ومليمٌ، ولامه إذا عذله وعنفه(١). اللوم اصطلاحًا: هو ((عذل الإنسان عما فيه عيب)) (٢). الصلة بين العتاب واللوم: أن العتاب هو خطاب على تضييع حقوق المودة والصداقة فهو مفارق للوم، فاللوم هو خطاب وتنبيه على أمورٍ واجبة التحقق ويترتب على تركها ضررٌ(٣)، وعلى ذلك فاللوم يكون مقرونًا بالشدة والتأنيب، بينما العتاب فيه لطف ولین. النصيحة: ٢ النصيحة لغةً: نصحت له نصوحًا ونصيحةً ومناصحةً: أي أخلصت وصدقت، والاسم النصيحة، والنصيح: الناصح، وهي كلمة جامعة لإرادة الخير للمنصوح (٤). النصيحة اصطلاحًا: هي ((الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد))(٥). الصلة بين العتاب والنصيحة: العتاب يكون عند تقصير صادر من المنصوح تجاه الناصح، بينما النصيحة تكون بتوجيه ما فیه خیر للمنصوح دون وجود تقصیر. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤١٠١/٥، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص١١٥٩. (٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٩٣. (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٣٥٠. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦١٥/٢. (٥) التعريفات، الجرجاني ص٢٤١. ١٠٦ صَوْسُورُ القرآن الكريمِ العتاب العفو: ٣ العفو لغة: مصدر عفا يعفو عفوًا، والعفو يطلق على معنيين أصليين: أحدهما: ترك الشيء، والآخر: طلبه (١). والعفو اصطلاحًا: كف الضرر مع القدرة عليه، وكل من استحق عقوبة فتركها، فقد عفا (٢). الصلة بين العتاب والعفو: العتاب توجيه اللوم للمقصر بلطف لضياع حقوق، والعفو ترك العقوبة عن المذنب. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٥٦، جمهرة اللغة، ابن دريد ٢/ ٩٣٨. (٢) انظر: الكليات، الكفوي ص ٥٣، ٥٩٨. www. modoee.com ١٠٧ حرف العين الأساليب القرآنية في العتاب تنوعت أساليب القرآن في الحديث عن العتاب، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولاً: أسلوب المؤاخذة الصريح: تنوعت أساليب القرآن في العتاب ما بين التصريح والتعريض، وكلاهما خلاف الآخر، فمما قيل في تعريفهما أن التعريض: تضمين الكلام دلالة ليس لها فيه ذكر، کقولك: ما أقبح البخل، تعرض بأنه بخیل. فيفهم السامع مراد المتكلم من غير تصریح. والتصريح: خلاف التعريض، كقولك: أنت بخیل، ممن يعتقد أنه بخیل. فلا يحتمل الكلام غير المقصود (١). ولما كان العتاب من سنة الأحباب. قال تعالى عن الكفار في يوم القيامة: ﴿لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧]. فقوله: ﴿وَلَاَهُمْ﴾ أي: الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها ﴿يُسْتَعْنَبُونَ﴾ أي: يطلب منهم ظاهرًا أو باطنًا بتلويح أو تصريح أن يزيلوا ما وقعوا فيه مما يوجب العتب، وهو الموجدة عن تقصير يقع فيه (١) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٦٢، الحدود الأنيقة، زكريا الأنصاري ص٧٨، أنيس الفقهاء، قاسم الحنفي ص٥٥. المعتوب؛ لأن ذلك لا يكون إلا بالطاعة، وقد فات محلها بكشف الغطاء؛ لفوات الدار التي تنفع فيها الطاعات؛ لكونها إيمانًا بالغيب، والعبارة تدل على أن المؤمنين یعاتبون عتابًا یلذذهم(٢). ومن أشد الآيات الصريحة في العتاب آيات سورة عبس، ومع ذلك جاءت ممهدة، فآذنت النبي صلى الله عليه وسلم بالعتاب أولًا، ثم جاءت بالصریح، بل ومن أشد الصريح، فقال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوََّ ) أَنْ هَدُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ -٢]. أي: قطب النبي صلى الله عليه وسلم وجهه، وأعرض؛ لأن جاءه الأعمى، وقطع كلامه، وهو عبد الله بن أم مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع علیه ابن أم مكتوم کلامه، فأعرض عنه. ﴿وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَكَّرُ فَنَفَعَهُ الذِّكْرَىَ﴾ [عبس: ٣-٤] أي: وما يعلمك ويعرفك يا محمد لعل الأعمى يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه منك، أو يتذكر فيتعط بما تعلمه من المواعظ، فتنفعه الموعظة. وفي هذا إيماء إلى أن غير الأعمى ممن تصدى لتزكيتهم وتذكيرهم من المشركين لا یرجی منهم الهداية، وفيه تعظيم من الله سبحانه لابن أم مكتوم. (٢) انظر: نظم الدر، البقاعي ١٥/ ١٣٤. ١٠٨ القرآن الكريم العتاب وبعد هذا الوصف المؤذن بالعتاب جاء العتاب صريحًا في قوله تعالى: ﴿أَمَّ مَنِ أُسْتَغْفَى مَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: ٥-٦]. أي: أما من استغنى بماله وثروته وقوته عما لديك من معارف القرآن والهداية الإلهية، وعن الإيمان والعلم، فأنت تقبل عليه بوجهك وحديثك، وهو يظهر الاستغناء عنك والإعراض عما جئت به! ﴿وَمَا عَلَّكَ أَلَّيزگً﴾ [عبس: ٧] أي: لا بأس ولا شيء علیك في ألا يسلم ولا يهتدي، ولا يتطهر من الذنوب، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فلا تهتم بأمر من کان مثل هؤلاء من الكفار (١). قال سيد قطب: ((جاء الإسلام ليقول: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَمَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. الوزن في حياة الناس، ثم جاء هذا الحادث لتقرير هذه القيمة في مناسبة واقعية محددة. جاء الرجل الأعمى الفقير ابن أم مكتوم إلی رسول الله صلی الله علیه وسلم وهو مشغول بأمر النفر من سادة قريش، لا لنفسه ولا لمصلحته، ولكن للإسلام ولمصلحة الإسلام. فلو أسلم هؤلاء لانزاحت العقبات العنيفة والأشواك الحادة من طريق الدعوة (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٦١/٣٠. في مكة، وانتشر بعد ذلك الإسلام فيما حولها، بعد إسلام هؤلاء الصنادید الكبار. فأعرض صلی الله عليه وسلم عن الرجل المفرد الفقير الذي يعطله عن الأمر الخطير، الأمر الذي يرجو من ورائه لدعوته ولدينه الشيء الكثير، والذي تدفعه إليه رغبته في نصرة دينه، وإخلاصه لأمر دعوته، وحبه لمصلحة الإسلام، وحرصه على انتشاره! فجاء العتاب من الله العلي الأعلى لنبيه الكريم، صاحب الخلق العظيم، في أسلوب عنیف شدید. وللمرة الوحيدة في القرآن كله يقال للرسول الحبيب القريب: وهي كَلّ كلمة ردع وزجر في الخطاب! ﴿عَبَسَ وَتَوَّ ) أَنْ جََّهُ الْأَعْمَئِ﴾ [عبس:١ - ٢] بصيغة الحكاية عن أحد آخر غائب غير فيضرب صفحًا عن كل تلك القيم الثقيلة المخاطب! وفي هذا الأسلوب إيحاء بأن الأمر موضوع الحديث من الكراهة عند الله بحیث لا يحب سبحانه أن يواجه به نبيه وحبيبه؛ عطفًا عليه، ورحمة به، وإكرامًا له عن المواجهة بهذا الأمر الكريه! ثم يستدير التعبير - بعد مواراة الفعل الذي نشأ عنه العتاب - إلى العتاب في صيغة الخطاب. فيبدأ هادئًا شيئًا ما: ﴿وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّ ٢) أَوْ يَذْكِّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: ٣-٤]. ما يدريك أن يتحقق هذا الخير الكبير، www. modoee.com ١٠٩ حرف الحين أن يتطهر هذا الرجل الأعمى الفقير -الذي اُللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهَ [الأحزاب: ٣٩]. جاءك راغبًا فيما عندك من الخير-، وأن یتیقظ قلبه فیتذکر فتنفعه الذكرى. ثم تعلو نبرة العتاب وتشتد لهجته، وينتقل إلى التعجيب من ذلك الفعل محل العتاب: ﴿أَمَّا مَنِ أَسْتَغْفَ ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ) وَمَا عَلَيَّكَ أَلَّ يَزََّى ل وَأَمَّا مَنْ جَمََّكَ يَسْعَى الُ وَهُوَ يَخْشَى ◌ْ فَنْتَ عَنْهُ فَلَقَّى﴾ [عبس: ٥-١٠]. أما من أظهر الاستغناء عنك وعن دينك وعما عندك من الهدى والخير والنور والطهارة، أما هذا فأنت تتصدى له وتحفل أمره، وتجهد لهدايته، وتتعرض له وهو عنك معرض! وأما من جاءك طائعًا مختارًا ﴿وَهُوَ يَخْثَى﴾ ويتوقى ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ نَلَغَّى﴾، ويسمي الانشغال عن الرجل المؤمن الراغب في الخير التقي تلھیًا، وهو وصف شدید، ثم ترتفع نبرة العتاب حتى لتبلغ حد الردع والزجر: ﴿كلَّ﴾ لا يكن ذلك أبدًا))(١). ثانيًا: أسلوب التعريض: لم يقتصر القرآن الكريم على الأساليب الصريحة في العتاب، بل اشتمل على عدة آيات، استنبط العلماء منها أن المراد منها عتاب غیر صريح، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُلْغُونَ رِسَلَاتِ (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٨٢٣/٦- ٣٨٢٥ بتصرف. وأنه تعريض بمعاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بالعتاب الأول في خشيته الناس(٢). وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدْلُّكُ عَلَى ◌ْتَزَوْ نُجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِمِ ن تُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَُّهِدُونَ فِى سَبِ الَّهِأَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِّكُمْ خَيْلَّكُ إِنْ كُمُ تَعْلَمُونَ [الصف: ١٠ - ١١]. فقد استنبط العلماء منه أنه تعريضٌ للمؤمنين بالعتاب على توليهم يوم أحدٍ بعد أن قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه، فندبوا إلى الجهاد، فكان ما كان منهم يوم أحدٍ، فنزلوا منزلة من يشك في عملهم بأنه خیرٌ؛ لعدم جریھم علی موجب العلم (٣). وكذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ﴾ [التوبة: ٤٠]. عتاب من الله أيضًا للمؤمنين بعد انصراف نبيه صلی الله عليه وآله وسلم من تبوك؛ لأن معناها: إن تركتم نصره، فالله يتكفل به؛ إذ قد نصره الله في مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة والعزة(٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِى الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَْ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٨٨/٤، التفسير الوسيط، الزحيلي ٢٠٧٣/٣. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٥/٢٨. (٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٢٠/١٠. صَوَسُُوبَةُ النَّهِـ القرآن الكريم ١١٠ العتاب [الأعراف: ١٠]. عتاب من الله تعالى لبني آدم على قلة شكرهم(١). وقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُشْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْاللّهَ وَأَلْيَوْمُ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١]. عتاب من الله للمتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدير الكلام: لقد كان لكم في رسول الله قدوة حسنةٌ أُن الحرب ومعاناة الشدائد، لمن كان يرجو ثواب الله، والفوز بالنجاة في اليوم الآخر، وقد قرن الله الرجاء بكثرة ذكر الله(٢). (١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٢/ ٢٠٠. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٩/١٩، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٥/١٤، فتح القدير، الشوكاني ٣١١/٤، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٩/٢٤. صور من عتاب الله لأنبيائه تحدث القرآن الكريم عن صور من عتاب الله تعالى لأنبيائه، وسوف نتناولها بالتوضيح فيما يأتي: أولاً: عتاب الله سبحانه وتعالى لآدم عليه السلام: آدم عليه السلام أول الأنبياء وأبو البشر، خلقه الله بيديه، لما عصى الله تعالى تتأسوا به، ولا تتخلفوا عنه، وتصبروا على قال تعالى عنه: ﴿وَعَصَى ءَدَمُ رَبَّهُ، فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]. وصفه بالعصيان والغواية، وهو أبو الأنبياء. وكرر ذلك في مواضع عدة من كتابه الكريم؛ وذلك تحذيرًا من خطر الانحراف عن شرع الله، فما بالكم بمن هو دون آدم صلوات الله وسلامه عليه بمراحل كثيرة؟!(٣). ووردت قصة آدم عليه السلام في سبعة مواطن في القرآن الكريم، وهي سور: ((البقرة)) و((الأعراف)) و((الحجر)) و((الإسراء)» و «طه)) و ((الكهف)) و ((ص)). عاتب الله آدم عليه السلام لاستجابته لإغواء إبليس، و توبته مما أقدم عليه، قال عز وجل: ﴿وَنَادَنُهُمَا رَيُّهُمَا أَلَوْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا (٣) انظر: الوارف في مشروعية التثريب على المخالف عبدالعزيز الجربوع ص٩. www. modoee.com ١١١ حرفالعین ٢٢ الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاْ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّرْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٢ -٢٣]. وقال سبحانه: ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِنْ زَيِّدِ كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْةً إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]. ٤٤٠١٠٠٠٠ وقال عز من قائل: ﴿ثُمَّ أَجَْبَهُ رَبُّهُ، فَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]. قال الزمخشري: «﴿آلر أَنْهُكُمَا﴾ عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ، حيث لم يحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس))(١). وقال أبو السعود: ((﴿وَأَقُل لَّكُمَا﴾ عطف على ﴿أَنْهَكُمَا﴾ أي: ألم أقل لكما ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّمُبِينٌ﴾ وهذا عتاب وتوبيخ على الاغترار بقول العدو))(٢). ما يستفاد من القصة: تضمنت قصة آدم عليه السلام العديد من الفوائد والعبر، نذكرها فيما يلي: ١. أن آدم عليه السلام أبو البشر، وهذا ما تكاد تجمع عليه جميع الديانات السماوية، حیث کان آدم يتبوأ منزلة في الجنة، لكنه لما استجاب لغواية إبليس وإغرائه، أخرج منها إلى الأرض، وتوالدت منه ومن زوجه البشرية، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَبِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءُ﴾ [النساء: ١]. ٢. أن آدم عليه السلام أخطأ في أكله من الشجرة التي نهاه الله عن الاقتراب منها؛ ولكن هذا الخطأ لم يكن مقصودًا، بل كان عن ضعف ونسيان، كما قال سبحانه: ﴿فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ. عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. ٣. سعة رحمة الله وفضله، وسابغ کرمه، وقبوله لتوبة التائبين، كما قال تعالى: ﴿قَنَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ, هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]. ٤. أن آدم عليه السلام خلق من طين لازب، ومن حما مسنون، کما نصت على ذلك العديد من الآيات، نحو قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِسَنِ مِن ◌ِينٍ﴾ [السجدة: ٧]. ٥. اقتضت إرادة الله أن يجعل في الأرض خليفة، هو آدم ومن توالد من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. وقال سبحانه أيضًا: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى جَعَلَكُمْ خَفَ اَلْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. ٦. أن العداوة بين إبليس وذريته، وبين آدم وذريته عداوة قديمة ومستحكمة ومستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن (١) الكشاف ٢ / ٩٦. (٢) إرشاد العقل السليم ٢٢١/٣. ١١٢ القرآن الكريم العتاب عليها، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا أُهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ ثانيًا: عتاب الله سبحانه وتعالى لنوح عليه السلام: لِبَعْضٍ عَدٌُ﴾ [البقرة: ٣٦]. ٧. أن المتقلب في نعمة يجب أن يحافظ عليها، ويشكر الله ويدعوه بدوامها، ولا يعمل عملًا فيه مخالفة لأمر الله؛ لأن کفران النعم مذهب بها، وقد قال عز وجل: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابٍ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. ٨. أن قوة الإيمان تتغلب على كيد الشيطان، وأن عباد الرحمن ليس لإبليس عليهم سلطان، قال تعالى مخاطبًا إبليس ومبشرًا عباده المؤمنين: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]. ٩. خروج آدم عليه السلام من الجنة، وتحذيره وذريته من إغواء إبليس وكيده، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَهْيِطًا مِنْهَا جَمِيعًاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُمْ مِّنِى هُدِّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. هذه أهم القضايا الرئيسة التي أبرزتها قصة آدم عليه السلام كما عرضها القرآن الكريم، وهي في مجملها تبرز صورة الصراع بين الحق والباطل، وبين الإنسان وعدوه الأول والأخير إبليس الرجيم. وهذا نوح عليه السلام لما سأل الله ما ليس له به حق في ابنه أن ینجیه، فقال: ﴿وَنَادَىْ نُوحُ رَّبَّهُ، فَقَالَ رَبِّ إِنَّأَبْنِىِ مِنْ أَهْلِىِ وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحَكُمُ الْحَكِينَ﴾ [هود: ٤٥]. قال ابن عاشور: «النداء هنا نداء دعاءٍ، فکأنه قيل: ودعا نوح ربه؛ لأن الدعاء يصدر بالنداء غالبًا، والتعبير عن الجلالة بوصف الرب مضافًا إلى نوح عليه السلام تشريفٌ لنوحٍ وإيماءٌ إلى رأفة الله به، وأن نهيه الوارد بعده نھي عتابٍ)»(١). فماذا قال الله تعالى؟ قال تعالى: ﴿يَنُوحُ إِنَُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكْ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِ فَلَا تَتْقَلْنِ مَا لَيْسَ لَّكَ بِهِ عِلْمٌ إِّ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]. حذره من الجهل، وأن هذا السؤال ليس لك إنما للجاهلين (٢). ويبدو في ظاهر تلك الآيات أن الله عاتب نوحًا على أسلوبه بقوله: ﴿فَلَاتَتْشَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِّ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾ فلا بد وأن يكون نوح أخطأ! وحقيقة الأمر أنه كاد أن يسأل نوح ربه أن ینجي كافرًا -ولا يجوز (١) التحرير والتنوير ١٢/ ٨٤. (٢) انظر: الوارف في مشروعية التثريب على المخالف، عبد العزيز الجربوع ص ٩ - ١٠. www. modoee.com ١١٣ حرف العين له ذلك- لجهله بكفر ابنه، فيحذره الله ألا يسأل ما لا يعلم. ويرفع الله قدر نبيه بأن يرتقي به من أن الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقًا إلى يكون من الجاهلين بأن ينهاه عن السؤال بغير علم، بينما الأمر واضح أنه طالما استثنی الله ابن نوح فإن الولد کافر، وماذا في ذلك؟ فالله يهذب أنبيائه ويعلمهم؛ حتى يكونوا قدوة لأتباعهم المؤمنین. وبعد أن ذكر الله تعالى هذه الزلة ومعاتبته إياه عليها، ذكر توبته منها، ورجوعه إليه، واستغفاره إياه واعترافه على نفسه بالجهل لها، فقال -جل جلاله -: ﴿فَلَا تَتْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]. وقال عز وجل في اعترافه وتوبته: ﴿رَپّ إِنِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيَّسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] (١) . ثالثًا: عتاب الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام: مما ورد في كتاب الله تعالى، ويدل على معاتبته له، قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثْرِى عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٣-٨٤]. قال الزمخشري: ((﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ﴾ أي: (١) انظر: بحر الفوائد، الكلاباذي ص٣٥٧. شيء عجل بك عنهم على سبيل الإنكار، وكان قد مضى مع النقباء إلى الطور على كلام ربه، وتنجز ما وعد به، بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلی رضا الله تعالی، وزل عنه أنه عز وجل ما وقت أفعاله إلا نظرًا إلى دواعي الحكمة، وعلمًا بالمصالح المتعلقة بكل وقت، فالمراد بالقوم: النقباء، وليس لقول من جوز أن يراد جميع قومه وأن یکون قد فارقهم قبل الميعاد وجه صحیح. فإن قلت: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ﴾ سؤال عن سبب العجلة، فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلب زيادة رضاك أو الشوق إلى كلامك وتنجز موعدك، وقوله: ﴿هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى﴾ [طه: ٨٤]. کما تری غیر منطبق علیه. قلت: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شیئین: أحدهما: إنكار العجلة في نفسها. والثاني: السؤال عن سبب المستنكر والحامل عليه، فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر، وتمهيد العلة فى نفس ما أنکر علیه، فاعتل بأنه لم يوجد منى إلا تقدم يسير، مثله لا يعتد به في العادة ولا يحتفل به، وليس بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب، فقال: ١١٤ جَوَسُو ◌َرَ النَّقِين القرآن الكريمِ العتاب ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]. ولقائل أن يقول: حار لما ورد عليه من التهيب لعتاب الله، فأذهله ذلك عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام))(١) رابعًا: عتاب الله سبحانه وتعالى لداود عليه السلام: معلوم ثناء الله تعالى على داود عليه السلام في کتابه الکریم، فنبي الله داود قد آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وجعله خلیفة في الأرض لیحکم بين الناس. واختلف أهل العلم في سبب عتاب الله له على قولين: الأول: طلبه من أحد جنوده أن ينزل له عن امرأته، وكان ذلك أمرًا مباحًا عندهم، ووجه العتاب فیه: ارتکابه خلاف الأولى. والتمس أصحاب هذا القول أن ذلك مشابهًا لما كان عليه المهاجرون والأنصار في بادئ الأمر. ٥٠٠ ١٠٠٠/ قال ابن جزي: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَْجَةُ وَلِيَ نَعْجَةٌ وَجِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيَهَا وَعَزَّنِ فِ اْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]. هذه حكاية كلام أحد الخصمين، والأخوة هنا أخوة الدين، والنعجة في اللغة تقع على أنثى بقر الوحش وعلى أنثى الضأن، وهي هنا عبارة عن المرأة، ومعنى: (١) الكشاف ٣/ ٨٠ -٨١. وانظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢/ ٨٦. ﴿أَكْفِلْنِيَهَا﴾ أملكها لي، وأصله: اجعلها في كفالتي، وقيل: اجعلها كفلي، أي: نصيبي، ومعنى: ﴿وَعَزَّنِ فِ اَلْخِطَابِ﴾ أي: غلبني في الكلام والمحاورة يقال: عز فلان فلانًا إذا غلبه. الثاني: تركه قضاء حوائج الناس. فنبي الله داود قد آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب، وجعله خليفة في الأرض ليحكم بين الناس، فهذه مهمته وهذا منصبه وهذه مؤهلاته، لكنه قسم زمنه إلى أثلاث: يوم لأهل بيته وشأنه الخاص، ويوم يجلس فيه للحكم بين الناس، ويوم يخلو ويعتكف لله سبحانه وتعالى في محرابه، ولكن هل الرسل بعثوا ليعتكفوا في المحاريب؟ وهل القضاة یترکون القضاء بين الناس ويعتكفون؟ لا. فأداء الواجب مقدم على ذلك، فلما حصل من داود عليه السلام ما حصل وكان الخلطاء في حالة لا ترضى، بعث الله له ملكين تسورا عليه المحراب ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ قالوا: نحن خصمان بغى بعضنا على بعض، وذكرا له القضية، وهي قضية محلولة لا تحتاج إلى قضاء، رجل عنده تسعة وتسعون نعجة والثاني عنده واحدة، فقال صاحب التسعة والتسعين: أعطنيها أكمل المائة، وهذا ظلم لو عرضته على طفل صغير لقال: لا. هذا ظالم، ولا حاجة إلى قاضٍ صاحب www. modoee.com ١١٥ حرفالعین اجتهاد قد أوتي الحكمة. إذًا القضية منتهية. لكن ليرشد نبي الله داود بأن مهمته ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَِّ ليست الاعتكاف يَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ سبحان الله ﴿وَقَلِلٌ مَّاهُمُّ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَنَنَّهُ﴾ أي: بترك الخلطاء يبغي بعضهم على بعض وهو معتكف في محرابه، وما دمت تعترف بأن الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، فلماذا تتر کهم ومهمتك الأساسية الخلافة في الأرض، وقد آتيناك الحكمة وفصل الخطاب؟ لماذا تعطل هذا وتأتي إلى محرابك تعتكف؟ قال أصحاب هذا القول: ((هذه هي حقيقة الفتنة المذكورة في سورة ص، ولن يكون للمرأة دخل في هذه القضية البتة؛ لأن الله قدم لهذه القصة، فقال: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا [ص: ١٧]. وإضافته بصفة العبودية أعظم في التكريم ﴿وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] صاحب القوة المعنوية والقوة المادية. ﴿إِنَّهُ: أَوَابٌ﴾ شديد الأوب والرجوع إلى الله. إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ, يُسَبِحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴿ وَالطَّيْرَ تَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ، أَوَّبُ [ص: ١٨ - ١٩]. سبحان الله! إنسان أعطي القوة، ويسخر الله الجبال معه بالتسبيح، ويجمع الله الطير علیه حینما يسبح فتسبح معه، وهو شديد الأوب إلى الله ويفتن بامرأة؟! والله ولا حتى المجنون يصدق هذا. إذًا سياق القصة يدل على نزاهة نبي الله داود، وأن حقيقة الفتنة هو ما ذكر ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ اْخُلَطَِّلَتْفِي بَعْضُهُمْ عَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤] (١). وعلى كلا القولين بعد أن ذكر الله تعالی هذه الزلة ومعاتبته إياه عليها، ذكر توبته منها، ورجوعه إليه، واستغفاره إياه، فقال جل جلاله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَهُ فَاسْتَغْفَرَرَبَّهُ. وَخَرَّرَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] فغفر له ذلك(٢). خامسًا: عتاب الله سبحانه وتعالى لسليمان عليه السلام: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْنَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ﴾ [ص: ٣٤]. اختلفت أقوال المفسرين فيما فتن فيه سلیمان علیه السلام، و کلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب (٣). قال أكثر المفسرين: «تزوج سليمان عليه السلام امرأة من بنات الملوك، فعبدت الصنم في داره، ولم يعلم بذلك سليمان، فامتحن بسبب غفلته عن ذلك))(٤). (١) تفسير سورة الحجرات، عطية سالم ٢/ ١٢ - ١٣. (٢) انظر: بحر الفوائد، الكلاباذي ص٣٥٧. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٩/٧. (٤) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٥٥٣/٣. ١١٦ جَوَسُوع القرآن الكريم العتاب وقيل: سبب فتنته قربانه بعض نسائه في سادسًا: عتاب الله سبحانه وتعالى لمحمد صلی الله عليه وسلم: الحيض، وقيل: احتجابه عن الناس ثلاثة أیام، وقيل: تزوجه في غیر بني إسرائيل(١). وقال ابن كثير: ((﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ﴾ أي: اختبرناه بأن سلبناه الملك مرةً))(٢). وقال الألباني: أقرب ما قيل فيه: أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن في الحديث الذي قال: (لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس مجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة وجاءته بشق رجل)(٣). فالمراد بقوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَ كُرْسِيِّهِ، جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤]. هو هذا، والجسد الملقى هو المولود شق رجل (٤). وبعد أن ذكر الله تعالى هذه الزلة ومعاتبته إياه عليها، ذکر توبته منها، ورجوعه إليه، واستغفاره إياه، فقال جل جلاله: أَنَبَ﴾ [ص: ٣٤] فغفر له ذلك. (١) انظر: إيجاز البيان عن معاني القرآن، أبو القاسم النيسابوري ٢/ ٧١٣. (٢) تفسير القرآن العظيم ٦٦/٧. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب من طلب الولد للجهاد، ٢٢/٤، رقم ٢٨١٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب الاستثناء، ١٢٧٦/٣، رقم ١٦٥٤. (٤) انظر: السلسلة الضعيفة، الألبانى ١٢ / ٦٢٩. إن من أعظم الأدلة على صدق القرآن وعلى صدق نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وعلى صدق حملة الإسلام من الصحابة عتاب الله الثابت حتى الآن للنبي صلی الله عليه وسلم، فكم من آية في كتاب الله يعاتب ربنا فيها النبي صلى الله عليه وسلم عتاب توجیه، أو عتاب تنبيه، أو عتاب تحذیر. وقد عاتب الله سبحانه نبيه في خمسة مواضع من كتابه: في الأنفال، وبراءة، والأحزاب، والتحريم، وعبس(٥). حادثة ابن أم مكتوم: من أوضح ما جاء من العتاب في القرآن قوله تعالى يعاتب رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءه أحد المسلمين يسأله في أمور الدين، وهو الصحابي عبد الله بن أم مكتوم، وکان الرسول ساعتئذٍ صلى الله عليه وسلم في حديث مع طائفة من المشرکین مؤملا أن یفضی به الحديث إلى إيمانهم، فلم يعن بأمر هذا المسلم السائل، بل أعرض عنه عابسًا، فنزل (٦) قوله سبحانه: (٥) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي ١٣/٢ - ١٤. (٦) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ومن سورة إذا الشمس كورت، رقم ٣٣٣١ www. modoee.com ١١٧ حرف العين ﴿عَبَسَ وَتَوَلَ ا أَنْ جَهُ اْأَعْمَىِ ) وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّهِ ) أَوْ يَذَكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىَ أَمَّا مَنِ أَسْتَغْنَى ل ◌َنْتَ لَهُ، تَصَدَّى ) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزََّّ ٧ ◌ْوَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى ◌ُ وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ نَلَقَّى﴾ [عبس: ١ - ١٠]. فكان الرسول صلى الله عليه وسلم یکرمه بعد هذا العتاب من الله. قال الثوري: ((فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا رأی ابن أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول: (مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي) ويقول: (هل من حاجة؟)))(١). وهذا العتاب بدأ متحدثًا عن الغائب، وكأنه بذلك يريد أن يرسم الصورة لرسوله علی لوحة يراها أمام عينيه على وجه غیر وجهه، لتكون الصورة واضحة القسمات، بینة المعالم، فالمرء لا یری و جه نفسه، ثم اتجه العتاب إلى الخطاب في رفق قريب من العنف، مبينًا ما لعله يرجى من الخير من هذا الأعمى السائل، ثم عقد موازنة بين من عني به النبي ومن أعرض عنه، فهذا مستغن لا يعنيه أن يصغي إلى الدعوة أو يطيعها، والآخر مقبل تملأ قلبه الخشية ويدفعه الإيمان، وقد سجل القرآن معاملة الرسول واستغربه. واختلف في وصله وإرساله، وصحح الموصول الوادعي في الصحيح المسند من أسباب النزول ص ٢٣٠. (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٣/١٩. لهما، فهذا العتاب يحمل في ثناياه عذر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو ما تصدى لمن استغنى إلا أملًا في هدايته وإرشاده. وقد يقسو القرآن في العتاب، بعد أن يكون قد استخدم الرفق واللين؛ وذلك في الأمور التي يترتب على التهاون فيها ما یودي بالدعوة. كما ترى ذلك في قوله سبحانه: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيْلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ ﴿ إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍقَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨-٣٩]. ولعله بعد رفقه بهم وبيانه لهم أن متاع الحياة الدنيا قليل إذا قيس بمتاع الآخرة، رأى ألا يقف عند هذا الحد من الموازنة، بل مضى محذرًا منذرًا من العتاب القاسي؛ لأنه يمس أساسًا من أسس نشر الدعوة؟ لتأخذ طريقًا إلى النصر والنجاح كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَشْرَى حَّ يُثْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلًا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ -٦٨]. ١١٨ جوية القرآن الكريم العتاب أما إذا لم يتصل العتاب بمثل ذلك من مهمات الأمور، فإن العتاب یرق ویلین، كما ترى ذلك في قوله تعالى: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِينَ ﴾ [التوبة: ٤٣]. ﴿يَأَيُّهَا النَِّىّ ◌ِمَ تُحُرِمُ مَا أَعَلَّ وقوله سبحانه: اللّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]. فمعرفة الصادق والكاذب إذا كانت قد ضاعت في فرصة، فمن الممكن أن يتوصل إليها في فرصة أخرى، وتحريم النبي صلى الله عليه وسلم لما أحل الله له مسألة شخصية ليس لها من الأثر ما للجهاد من آثار. قال العلماء: ما فعله ابن أم مكتوم کان من سوء الأدب لو کان عالمًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم مشغولٌ بغيره، وأنه يرجو إسلامهم، ولكن الله - تبارك وتعالى- عاتبه؛ حتى لا تنكسر قلوب الضعفاء والمساكين؛ وما فعله النبي صلی الله عليه وسلم كان نوعًا من المصلحة؛ لأنه بإسلام هؤلاء القوم تسلم القبيلة كلها، إلا أن الله تبارك وتعالى وجهه إلى الأولى والأحسن، وهو أن النظر إلی المؤمن وإن كان فقيرًا أصلح وأولى من الإقبال على الأغنياء طمعًا في إيمانهم (١). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٣/١٩، السراج المنير، الخطيب الشربيني ٤/ ٤٨٥. تحريم ما أحل الله له: قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) قَدْ فَرْضَ اَللّهُ لَكُمْ شَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَنْكٍُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْكرُ ﴾ [التحريم: ١- ٢]. فهذا عتاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، حين حرم على نفسه سريته مارية أو شرب العسل؛ مراعاة لخاطر بعض زوجاته، في قصة معروفة، فأنزل الله تعالى هذه الآيات: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ﴾ أي: يا أيها الذي أنعم الله عليه بالنبوة والوحي والرسالة تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾ من الطيبات التي أنعم الله بها عليك وعلى أمتك. ﴿تَغِىِ﴾ بذلك التحريم ﴿مَرْضَاتَ أَزْوَِك وَاللّهُ غَفُورٌرَحِيمٌ﴾ هذا تصریح بأن الله قد غفر لرسوله صلى الله عليه وسلم، ورفع عنه اللوم، ورحمه، وصار ذلك التحريم الصادر منه، سببًا لشرع حكم عام لجميع الأمة، فقال تعالى حاكمًا حكمًا عامًا في جميع الأيمان: ﴿قَدْ فَرَّضَ اللَّهُ لَكُمْتِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ أي: قد شرع لکم، وقدر ما به تنحل أیمانکم قبل الحنث، وما به الكفارة بعد الحنث، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ﴾ [المائدة: ٨٧]. إلى أن قال: ﴿فَكَفَّرَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ www. modoee.com ١١٩ حرف العين كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَّبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ وسلم. ثَلَاثَةِ أَيَّاءٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِّكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. فکل من حرم حلالًا عليه، من طعام أو شراب أو سرية، أو حلف يمينًا بالله، على فعل أو ترك، ثم حنث أو أراد الحنث، فعليه هذه الكفارة المذكورة، وقوله: ﴿وَاَللَّهُ مَوْلَنْكُمْ﴾ أي: متولي أموركم، ومربيكم أحسن تربية، في أمور دینکم و دنیاکم، وما به يندفع عنكم الشر، فلذلك فرض لكم ﴿عَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ لتبرأ ذممكم ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ اَلْنَكِيمُ﴾ الذي أحاط علمه بظواهركم وبواطنكم، وهو الحکیم في جميع ما خلقه وحکم به؛ فلذلك شرع لكم من الأحكام، ما يعلم أنه موافق لمصالحكم، ومناسب لأحوالكم. ومعنى العتاب ظاهرٌ في هذه الآيات، كما في قوله تعالى: ﴿عَبَ وَتَوَ ل) أَنْ جَّةُ اْأَعْمَىِ ، وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّّهِ﴾ [عبس: ١ -٣]. وكلاهما له علاقةٌ بالجانب الشخصي، سواءٌ ابتغاء مرضاة الأزواج، أو استرضاء صناديد قريشٍ، وهذا مما يدل على أن التشريع الإسلامي لا مدخل للأغراض الشخصیة فیه (١). وقد اختلف في سبب نزول هذه الآيات، مع اتفاق مضمونها بأنه كان لتحريم شيء حلال؛ طلبًا لرضا أزواجه صلى الله عليه (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢١٩/٨. فقال ابن كثير: ((اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة فقيل: نزلت في شأن مارية و کان رسول الله صلی الله عليه وسلم قد حرمها، ثم ساق الأحاديث في تلك القضية ثم قال: والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل، ثم ساق الأحاديث))(٢). وقال الطبري -بعد عرض الروايات -: ((والصواب من القول في ذلك أن يقال: کان الذي حرمه النبي صلى الله عليه وسلم علی نفسه شيئًا كان الله قد أحله له، وجائز أن یکون ذلك كان جاریته، وجائز أن یکون شرابًا من الأشربة، وجائز أن يكون كان غير ذلك، غير أنه أي ذلك کان فإنه کان تحریم شيء كان له حلالًا، فعاتبه الله على تحريمه علی نفسه ما کان له قد أحله، وبین له تحلة یمینه في یمین کان حلف بها مع تحريمه ما حرم على نفسه))(٣). وقال السعدي: «هذا عتاب من الله لنبيه محمد صلی الله عليه وسلم حين حرم على نفسه سریته ماریة أو شرب العسل)»(٤). (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٢/٨، المحرر في أسباب نزول القرآن، خالد المزيني ١٠٣٢/٢. (٣) انظر: جامع البيان ٨٩/٢٣، المحرر في أسباب نزول القرآن، خالد المزيني ٢/ ١٠٣٣. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٧٢، المحرر في أسباب نزول القرآن، ١٢٠ صَوَسُوبَةُ النفسية القرآن الكريم العتاب الزواج من زينب رضي الله عنها: عاتب الله نبيه في سورة الأحزاب، فقال تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُبْدِيهِ وَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. قال ابن العربي: ((تخشى الناس أن یعاتبوك، وعتاب الله أحق أن تخشاه))(١). فهذا عتاب من الله تعالى له صلى الله عليه وسلم أنه أخفی ما سيبدیه ربه تعالى، وأنه خشي من المنافقين وأهل السوء أن يطعنوا فيه عندما يتزوج من مطلقة ابنه بالتبنى! قال أنس بن مالك رضي الله عنه: ((لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه﴾(٢). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ولو کان محمد صلی الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ ◌ِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَسِْْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]))(٣). خالد المزيني ١٠٣٣/٢. (١) أحكام القرآن ٣/ ٥٧٦. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب (وكان عرشه على الماء)، ٩/ ١٢٤، رقم ٧٤٢٠. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة وتفصيل ذلك: أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان في أول أمر الإسلام ابنًا للنبي صلی الله عليه وسلم بالتبني، وكان يدعى (زيد بن محمد)) وقد زوجه النبي صلى الله عليه وسلم من ابنة عمته زينب بنت جحش رضي الله عنها، فلما أبطل الله تعالى التبني نسب زيدٌ لأبيه حارثة. ثم إن زيدًا رضي الله عنه اشتکی لنبينا صلى الله عليه وسلم من زوجته زينب رضي الله عنها، والنبي صلى الله عليه وسلم يصبره ويذكره بتقوى الله تعالى، وبعد ذلك الإبطال للتبني یوحي الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن زيدًا سيطلق زوجته وأنها ستكون زوجة له، فأخفى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر -وهو تزوجه بزينب مستقبلًا - عن الناس ولم يبده لأحد، ولم یکن وحيًا مأمورًا بتبليغه، وإنما خبر سيتحقق، وقد حصل فعلا أن طلق زيد زوجته زينب، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم. فليس في قصة تزوج النبي صلى الله علیه وسلم بزينب ما يقدح في مقامه، ولا ما ينزل من قدره، وما يذكره بعض المفسرين في ذلك من أقوال تخالف ما ذكرناه فكله ضعیف مردود. قال ابن العربي: «فإن قیل: لأي معنی قال أخرى)، ١/ ١٦٠، رقم ١٧٧. www. modoee.com ١٢١ حرف العين له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وقد أخبره الله أنها زوجه؟ قلنا: أراد أن يختبر منه رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها. فإن قيل: کیف يأمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لابد منه، وهذا تناقض؟! قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة لإقامة الحجة ومعرفة العاقبة، ألا ترى أن الله تعالی یأمر العبد بالإيمان، وقد علم أنه لا يؤمن، فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلًا وحكمًا، وهذا من نفيس العلم فتيقنوه، وتقبلوه))(١). وإذا كان الله يعلم أن زواج زید بزینب لن يستمر إلا سنة واحدة ثم يتزوجها محمد صلى الله عليه وسلم: فلماذا لم يأمره بالزواج بها ابتداءً؟ فیجاب عن ذلك بأنه لا يجوز للإنسان أن يقترح على الله تعالى ماذا يفعل؟ ولا أن يعترض على فعله؛ وذلك لكمال علم الله تعالى وحكمته وقدرته، فلا يفعل إلا ما فيه الحكمة والمصلحة التي كثيرًا ما تغيب عن الإنسان ولا يعلمها، قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْشَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ثم أمر الله تعالى الرسول صلى الله (١) أحكام القرآن ٣/ ٥٧٨ ونقله عنه القرطبي في جامعه ١٤/ ١٩١ وأقره. عليه وسلم بتزوج زينب بعد طلاق زيد لها فيه حكمة عظيمة، وهي تقرير إبطال التبني تقريرًا عمليًا من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى يعلم الجميع أن الابن من التبني ليس له أحكام الابن من الصلب، فزوجة الابن من التبني حلال لمن تبناه، وهذه الحكمة تفوت لو أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج زينب ابتداءً. والتطبيق العملي للأحكام الشرعية يختلف في قوته وأثره عن الواقع النظري، وخاصة فيما يتعلق بأمرٍ مشتهر في الجاهلية ويراد القضاء عليه. ومن أمثلة ذلك: إفطار النبي صلى الله عليه وسلم في السفر لما شق الصيام على الصحابة، ولم يكتف بأمرهم بالإفطار. فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما (أن رسول الله صلی الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ کراع الغمیم فصام الناس، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فیما فعلت فدعا بقدح من ماءٍ فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: (أولئك العصاة، أولئك العصاة)(٢). وفي ذلك يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، ٢/ ٧٨٥، رقم ١١١٤. ١٢٢ جَوَبُو بَرُ النَّفِيـ الْقُرآن الكَرِيْمِ