النص المفهرس

صفحات 21-38

العزة
ولا شك أنها عزة مذمومة.
٢. عزة المنافق، دوافعها الاغترار
بالمواقف والمصالح.
إن المنافق هو شخص أخطر من الكافر
على الإسلام والمسلمين، وذلك لأنه يظهر
الإسلام والموالاة لأهله، في حين يبطن
الكفر والعداء لهم، ويوالي الكفار، فخطره
أشد وأعظم من الكافر نفسه، وكان هؤلاء
المنافقون يبحثون عن مصالحهم، فيلهثون
وراءهم سواءً كانت عند المسلمين أم عند
الكافرين، وكانوا دائمًا يتحينون الفرص،
وينتهزون المواقف ليثيروا الفتن.
ومنها ما أخبرنا به الله عز وجل في
كتابه العزيز إذ قال: ﴿يَقُولُونَ لَيْن رَّجَعْنَآَ
إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعْزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ
الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: ٨].
وللوقوف على المعنى المراد من هذه
الآية، لا بد من التعرف على سبب نزولها،
فقد روى ابن هشام أن غلامًا لعمر بن
الخطاب اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري
تنازع مع سنان بن وبر الجهني، وهما مع
جمع عند ماء المريسيع أثناء مقام النبي
صلى الله عليه وسلم هناك، وكادا يقتتلا،
فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ
جهجاه: يا معشر المهاجرين، فسمع بالأمر
عبد الله بن أبي بن سلول، فغضب وقال
للرهط ممن معه: أو فعلوها؟! قد نافرونا
وکاثرونا في دارنا والله ما أعدنا وجلابيب
قريش -يقصد المسلمين من قريش- إلا
كما قالوا: سمن كلبك يأكلك، أما والله
لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها
الأذل.
وکان ممن سمع كلامه زید بن أرقم،
فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم يخبره الأمر، وكان عنده عمر رضي
الله عنه، فقال: يا رسول الله مر به عباد بن
بشر فلیقتله، فقال له صلى الله عليه وسلم:
(فکیف یا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا
يقتل أصحابه؟ لا. ولكن أَذِّنْ بالرحيل،
وذلك في ساعة لم یکن رسول الله صلى
الله علیه وسلم يرتحل فيها، فارتحل الناس.
ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم
حتى أصبح، وهكذا إلى أن آذنتهم الشمس،
ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس
الأرض فوقعوا نيامًا. وإنما فعل رسول الله
صلى الله عليه وسلم ذلك؛ ليشغل الناس
عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث
عبد الله بن أبي، ونزلت سورة المنافقين
تصدیقًا لقول زيد بن أرقم(١).
فکما ظهر من هذه الحادثة أن عبد الله بن
أبي بن سلول قد أخذته العزة بالإثم، وانتهز
(١) السيرة النبوية ٢٥٣/٤ بتلخيص.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف العين
وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (
هذا الحدث وهذا الموقف لأجل تحقيق إلى قومه، ودعاهم إلى التوحيد، وأمرهم
مصلحة له ولأعوانه، وهي إثارة الفتنة بين بالمعروف ونهاهم عما كانوا يفعلون من
المهاجرين والأنصار مما قد يؤدي إلى خطر منكرات أهمها: التطفيف في الميزان،
ولكنهم لم يستجيبوا، فحذرهم و خوفهم بما
أعظم لولا حكمة تصرف النبي صلى الله
عليه وسلم.
أصاب الأقوام السابقة حین عصت أمر ربها
جل جلاله، فكانت هذه الآية هي رد القوم
وقد قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ
أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَتَّمُ
﴾ [البقرة: ٢٠٦].
٢٠٦
على نبيهم شعيب عليه السلام، ومعناها أن
القوم قالوا: لا نفهم يا شعيب صحة ما تقول
- وقد كان عليه السلام خطيب الأنبياء-، ولا
أي: إذا قيل للمنافق: اتق الله تعالی،
وخفه ولا تفسد في الأرض، ولا تسع فیھا
بما حرم الله تعالى عليك من معاصٍ، ولا
تهلك حرث المسلمین ونسلهم، فإذا نصح
بذلك استكبر ودخلته عزة و حمية بما حرم
الله تعالی علیه، وتمادى في غیه وضلاله،
فتوعده الله تعالی بأنه سوف یصلیه نار
جهنم، وبئس المهاد لصاليها (١).
قوة لك ولا عز لك بيننا، وإنك لا تقدر على
الامتناع منا إن أردنا أن نلحق بك مکروهًا،
ولولا عشيرتك ورهطك لقتلناك رجمًا،
وحينئذٍ أنت لا تعز علينا حتى نكرمك من
القتل، ونرفع عنك الرجم، وإنما يعز علينا
رهطك؛ لأنهم من أهل ديننا وملتنا، فرهطك
هم الأعزة علينا(٢).
٣. عزة القبيلة والرهط، دوافعها
العجب بالنفر والحسب.
ويظهر هذا النوع من العزة المذمومة في
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا
مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَبِكَ فِنَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ
◌َرَجَمْنَكٌ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ ﴾ قَالَ بَقَّوْمِ
أَرَهْطِىّ أَعَدُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَأَّخَذْتُمُوهُ
وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
[هود: ٩١- ٩٢].
٩٢
فلما بعث الله تعالى شعيبًا عليه السلام
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤ /٢٤٤.
ولذلك أنكر شعيب عليه السلام عليهم
هذه العزة المذمومة التي كان دافعها
العجب بالنسب والكثرة والنفر، وثبت عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أربعٌ
في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن:
الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب،
والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)(٣).
قال صاحب الظلال: ((الجماعة من
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٧٩/٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب التشديد في النياحة، ٢/ ٦٤٤، رقم
٩٣٤.
٢٦٤
القرآن الكريم

العزة
البشر مهما يكونوا من القوة والمنعة فهم
ناس، وهم ضعاف، وهم عباد من عباد الله
أهؤلاء أعز عليكم من الله؟ أهؤلاء أشد قوة
ورهبة في نفوسكم من الله؟ ﴿وَأَنَّخَذْ تُمُوهُ
وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ وهي صورة حسية للترك
والإعراض، تزيد في شناعة فعلتهم، وهم
یترکون الله ویعرضون عنه، وهم من خلقه،
وهو رازقهم وممتعهم بالخير الذي هم فيه.
فهو البطر وجحود النعمة وقلة الحياء إلى
(١)
جانب الكفر والتكذيب وسوء التقدير)»
٤. عزة الغنى وزينة الحياة الدنيا،
دوافعها الركون إلى الملذات.
يتمثل هذا النوع من العزة المذمومة في
قصة أصحاب الجنتين، حيث قال سبحانه
وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلَا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا
وتعالى:
لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهَا بِنَخْلٍ
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِتَا ◌ٌلْجَنََّيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا
وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَهُمَا نَهُوَّا
وَكَانَ لَهُ، ثَمَرٌّ فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ مُحَاوِرُهُ، أَنَاْ
أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا ﴿ وَدَخَلَ جَنَّنَّهُ
وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَخُنُّ أَنْ تَبِيَدَ هَذِهِ
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةٌ وَلَيْن
أَبَدًا ®
رُدِدتُّ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا
[الكهف: ٣٢-٣٦].
فهذا مثلٌ ضربه الله تعالى لتوضيح حال
المؤمن والكافر ومآل أمرهما، وهما أخوان
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ١٩٢٢.
من بني إسرائيل مات أبوهما وورثا عنه
أموالا طائلة فاقتسماها، فصرف المؤمن ماله
في سبيل الله تعالى، وأنفق منها على الفقراء
واليتامى والمساكين، في حين اشترى الكافر
مزارع وبساتين، و کثر ماله إلى أن حان وقت
الابتلاء، فكان له جنتان مملوءتان بجميع
الخيرات، ولم ينقص من ثمرهما شيء،
هذا بالإضافة إلى ما كان عنده من النقود
والجواهر والعبيد وغير ذلك من أنواع
النعيم، فقال الأخ الكافر على سبيل البطر
والمباهاة لأخيه المؤمن: أنا أكثر منك مالًا؛
لأنه بالمال تنال جميع اللذات والشهوات،
كما أنني أعز نفرًا وأبناء عشيرة وخدمًا.
قال ابن كثير: «أي: أکثر خدمًا وحشمًا
وولدًا، قال قتادة: تلك-والله-أمنية الفاجر:
كثرة المال وعزة النفس)) (٢).
ومن شدة بطره وخيلائه دخل جنته وهو
ظالمٌ لنفسه؛ لأنه لم يعترف بهذه النعمة
أنها من عند الله سبحانه وتعالى، کما کان
لدیه طول أملٍ وحرصٍ وغرورٍ شدیدین،
هذا بالإضافة إلى غفلته فقال معتمدًا على
هذه الثروة والجاه وكثرة الأعوان: ما أشك
أن تهلك هذه الجنة وتعدم؛ بل هي ستظل
هكذا من النضارة على الأبد، كما أنني ما
أظن أن الساعة الموعودة التي أخبر بها
جميع الأنبياء والرسل أنها آتية حتى تنعدم
(٢) تفسير القرآن العظيم ٥/ ١٥٧.
www. modoee.com
٢٦٥

حرف العين
هذه الجنة بانعدام العالم، وعلى فرض قيام على الآخرة، وهذا أصل كل شر، ومنبع كل
فساد(١).
الساعة وانتهاء الدنیا فإنني سأجد جنة أفضل
من هذه في الآخرة، ثم ذكره أخوه المؤمن
بالله عز وجل، وكيف خلقه وأنعم عليه،
فمن الواجب أن يشكره على هذه النعم،
وفي لحظة وجد الكافر جنته خاوية ساقطة
على عروشها، وحین أفاق من سكر غروره
وغفلته، تنبه إلى هذه الصدمة وقال متحسرًا:
﴿يَلَيْنَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٢].
ومثله أيضًا عزة قارون بماله، حيث قال
الله عز وجل فيه: ﴿﴿ إِنَّ قَرُونَ كَانَ
مِن قَوْيِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمِّ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُوزِ مَّا
إِنَّ مَفَائِحَهُ لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ
لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَعٌ إِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾
[القصص: ٧٦].
فقارون کان على شاكلة قوم موسى في
الكفر والطغيان، فبغى عليهم بالكبر لما
غلب عليه من الحرص على الدنيا، وذلك
لما اتصف به من الغرور والتعزز برؤية زينة
نفسه، وقد أعطاه الله تعالى من الأموال
المدخرة ما يثقل على الجماعة الكثيرة
من الرجال أصحاب القوة حمل مفاتيح
صنادیقها، فقام قومه بتوجيه النصح له بعدم
الفرح بزخارف الدنيا، حيث إن هذا الفرح
يشغله عن القيام بحق الله تعالى في هذه
الأموال، فالله تعالى لا يحب الفرحين؛
لأن في حب المال إلى هذه الدرجة إيثار لها
قال سيد قطب: ((وفي هذا القول
جماع ما في المنهج الإلهي القويم من قيم
وخصائص تفرده بين سائر مناهج الحياة.
((لا تفرح)) فرح الزهو المنبعث من الاعتزاز
بالمال، والاحتفال بالثراء، والتعلق بالكنوز،
والابتهاج بالملك والاستحواذ، لا تفرح
فرح البطر الذي ينسي المنعم بالمال وينسي
نعمته، وما يجب لها من الحمد والشكران،
لا تفرح فرح الذي يستخفه المال، فيشغل به
قلبه، ويطير له لبه، ويتطاول به على العباد،
(إن الله لا يحب الفرحين)) فهم يردونه بذلك
إلى الله، الذي لا يحب الفرحين المأخوذين
بالمال، المتباهين المتطاولين بسلطانه على
الناس)»(٢).
ومثله أيضًا قوله تعالى في حق سحرة
فرعون إذ قال: ﴿فَأَلْقَوْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ
وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَلِبُونَ
٤٤
[الشعراء: ٤٤].
فاستعان هؤلاء السحرة بعزة عبد عاجز
ضعيف، ولكنه تجبر فأصبح في صورة ملك
له جنود، كما أنه استخف قومه وأطاعوه،
فغرتهم هذه الزينة وهذه الأبهة، ولم يعلموا
حقيقة الأمر التي لم تصل بصائرهم إليها(٣).
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥٣٦/٧.
(٢) في ظلال القرآن ٢٧١١/٥.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
٢٦٦
جوبيهـ
القرآن الكريم

العزة
قال الشعراوي ((رحمه الله)) في تفسيره
للآية: «هذا قسمهم، وما أخيبه من قسم؛ لأن
فرعون لا يغلب ولا يقهر في نظرهم، والعزة
تعني عدم القهر وعدم الغلبة، لكن عزة
فرعون عزة كاذبة وأنفة و کبریاء بلا رصيد
من حق، وعزة بالإثم كالتي قال الله عنها:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمِ﴾
[البقرة: ٢٠٦])(١).
فكثرة الغنی والمال والجاه والركون إلى
ألوان الملذات والشهوات مع عدم القيام
بحق الله عز وجل في هذه النعم من الحمد
والشكر عليها سببٌ لهلاك العبد، فهذه عزة
مذمومة.
ويخلص من هذا إلى أن أنواع العزة
المذمومة-كما جاءت في القرآن الكريم-
هي أربع: عزة الكافر عنادًا واستكبارًا
عن قبول الحق، وعزة المنافق اغترارًا
بالمواقف، وعزة الرهط والعشيرة والقبيلة
افتخارًا بالنسب والنفر، وعزة الغنى وزينة
الحياة الدنيا ركونًا إلى الملذات والشهوات،
فعلى المسلم تجنب هذه البواعث والدوافع
على العزة المذمومة حتى لا يقع فيها من
حیث لا يشعر.
ص٥٩١.
(١) تفسير الشعراوي ١٠٥٦٧/١٧.
علاج العزة المذمومة
قدمت النصوص القرآنية مجموعة من
الآيات التي تحمل علاجًا لمن يتصفون بهذا
الخلق المذموم، وهي متمثلة فيما يأتي:
أولًا: تقوية الإيمان بالله والتوكل عليه:
ذكرنا من أنواع العزة المذمومة عزة
المنافق، والتي كان من أهم دوافعها تصيد
الفرص واقتناصها لجعلها في غير صالح
المؤمنين، فها هو الله عز وجل يقول
عنهم: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ
قُلُوبِهِم مَّرَضُ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ
عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[الأنفال: ٤٩].
فهؤلاء المنافقون يحتقرون المؤمنين
ويستخفون بعقولهم عندما أقدموا على
قتال المشركين في بدر، وكان عددهم يفوق
عدد المشركين بثلاثة أضعاف تقريبًا، فقال
المنافقون مستهزئين بالمؤمنين: إن هذا
الدين الذي اعتنقه المؤمنون هو الذي أدى
بهم إلى هذه الموارد التي سوف یکون فيها
هلاكهم، ولم يعلموا أن إيمانهم بهذا الدين
العظيم هو الذي يوجب عليهم الإقدام
لنصرة دين الله عز وجل.
قال السعدي رحمه الله: ((فإن الإيمان
يوجب لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلة
التي لا يقدم عليها الجيوش العظام، فإن
www. modoee.com
٢٦٧

حرفالعین
المؤمن المتوكل على الله، الذي يعلم أنه ما أَن يَكُونَ لَهُو أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ
تَرَيِدُونَ عَرَضَ الدَّنْيَا وَاللَّهُ بُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ م
* [الأنفال: ٦٧].
من حول ولا قوة ولا استطاعة لأحد إلا بالله
تعالى، وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على نفع
شخص بمثقال ذرة لم ينفعوه، ولو اجتمعوا
على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه
الله عليه، وعلم أنه على الحق، وأن الله
تعالی حکیم رحيم في كل ما قدره وقضاه،
فإنه لا يبالي بما أقدم عليه من قوة وكثرة،
وكان واثقًا بربه، مطمئن القلب لا فزعًا ولا
جبانًا، ولهذا قال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لا يغالب قوته
قوة، ﴿حَكِيمٌ ﴾فيما قضاه وأجراه))(١).
وبهذا تكون تقوية الإيمان بالله سبحانه
وتعالى والتوكل عليه من أهم نقاط علاج
العزة المذمومة لأصحاب النفوس الضعيفة،
فإذا قوي إيمانهم وتوكلوا على الله تعالى
حق التوكل، أمدهم الله تعالى بالعزة
والغلبة، ولذلك إذا كان الله تعالى قد أمر
نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالتوكل
عليه حين قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
* [الشعراء: ٢١٧].
فمن باب أولى أن يتوكل عليه المؤمنون.
ثانيًا: بيان حقيقة الدنيا وزينتها وسرعة
زوالها:
يقول الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِنِّيّ
(١) تيسير الكريم الرحمن ص٣٢٢.
جوسين
القرآن الكريمِ
فهذه الآية فيھا عتابٌ للنبي صلى الله عليه
وسلم لما كان منه من فداء الأسری یوم بدر،
فاستشار أصحابه فيهم، فأشار أبو بكر رضي
الله عنه عليه بفدائهم مقابل إطلاق سراحهم؛
لأن المهاجرين كانوا في ذلك الوقت فقراء،
وكانوا حديثي عهد بترك ديارهم وأموالهم
في مكة حين هاجروا إلى المدينة المنورة،
ولعل الله تعالى يهديهم بعد فكاك أسرهم
فيؤمنوا، في حين أشار عمر بن الخطاب
رضي الله عنه بقتل الأسرى جميعهم؛
لأنهم كانوا أئمة الكفر وصنادیدهم، فيعلم
المشركون حينئذٍ أن بأس المؤمنين شديد،
وتظهر به قوة الإسلام والمسلمين، لكن
النبي صلى الله عليه وسلم للينه ورقة قلبه
ورحمته أخذ برأي أبي بكر (٢)، فنزلت هذه
الآية تعاتب النبي صلى الله عليه وسلم على
ذلك، وتعرفه أن قتل المشركين كان أولى
بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم،
فکان یجب على النبي صلی الله عليه وسلم
المبالغة في قتل هؤلاء المشركين، وقهرهم
غلبةً وقسرًا.
ثم وجه الله عز وجل الخطاب إلى
المؤمنين من صحابة رسول الله صلى الله
(٢) انظر: فقه السيرة، البوطي ص ١٨٥.
٢٦٨

العزة
عليه وسلم، فقال: أيها المؤمنون إنكم لكنه حكيم، يبتلي بعضكم ببعض)) (٢).
تريدون عرض الدنيا من مال ومتاع حين
أسرتم المشركين، ولكن الله تعالى يريد
لكم زينة الآخرة، وما أعده سبحانه للمؤمنين
وأهل ولايته في جنان النعيم بقتلکم هؤلاء
المشركين وإثخانكم في الأرض، فافعلوا
ما يريده الله تعالى منكم، وليس ما تدعوكم
إليه أهواؤكم، من الرغبة في الدنيا، فإنه جل
جلاله عزيز حكيم، عزيز إن فعلتم ما يريده
منکم، فإنه لن یجعل عدوکم یغلبکم؛ بل
ستكون الغلبة لكم؛ لأن الله تعالى عزيز لا
یقهر ولا یغلب، كما أنه حكيم في تدبيره أمر
خلقه (١).
فما أخذه المسلمون من مال مقابل
إبقاء أسرى المشركين على قيد الحياة هو
عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية
لإبادتهم والقضاء عليهم.
قال السعدي رحمه الله: ((يقول تعالى:
﴿تُرِيدُونَ﴾ بأخذكم الفداء وإبقائهم
﴿عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ أي: لا لمصلحة تعود
إلى دينكم، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ بإعزاز
دينه، ونصر أوليائه، وجعل كلمتهم عالية
فوق غيرهم، فیأمر کم بما یوصل إلى ذلك،
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: كامل العزة، ولو
شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال لفعل،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٨/١٤.
وبهذا تكون معرفة حقيقة الدنيا سببًا
في علاج أصحاب النفوس المريضة الذين
يلهثون وراء التمتع بزينتها.
ثالثًا: بيان ضعف الولاء لغير الله
وانقطاعه:
يقول الله عز وجل في الذين تركوا
الولاء لله تعالى ولرسوله صلى الله
عليه وسلم وللمؤمنين، وطلبوه عند
المشركين، فاتخذوهم أولياء يتعززون بهم
ويستنصرونهم: ﴿بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَمْ
عَذَابًا أَلِيمًا (٦) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ
مِن دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْنَغُونَ عِندَهُمْ أَلْعِزَّةَ فَإِنَّ
الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا )﴾ [النساء: ١٣٨ -١٣٩].
فالله تعالى يبشر هؤلاء المنافقين -على
سبيل التهكم- وهم الذين أظهروا الإسلام
وأبطنوا الكفر، فيبشرهم بأقبح بشارة،
وهي العذاب الأليم الموجع، وذلك بسبب
اتخاذهم الكافرين أولياء عن طريق محبتهم
ومعاونتهم ونصرتهم، في حين تركوا ولاية
المؤمنين، فما الذي دفعهم إلى ذلك؟ هل
يبتغون العزة ويطلبونها عندهم؟ فإن العزة
الحقیقیة لله جل جلاله، وفي موالاته تعالی
وموالاة المؤمنين.
قال السعدي رحمه الله: ((وهذا هو
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص٣٢٦.
www. modoee.com
٢٦٩

حرفالعین
الواقع من أحوال المنافقين، ساء ظنهم بالله المذمومة، فإذا قوى المرء إيمانه بالله تعالى،
وتوکل علیه حق تو کله، وإذا لم يلهث وراء
ملذات الدنيا وشهواتها ليحصل منها على
عرض زائل، وأن هذه الحياة الدنيا كلها فانية
وسريعة الزوال، ولا تساوي عند الله تعالى
جناح بعوضة، وإذا علم حقيقة الولاء، وأنه
لا يكون إلا لله تعالى ولرسوله صلى الله
علیه وسلم وللمؤمنین، حینئذٍ یتخلص هذا
المرء من هذا الخلق المذموم، ويتحول
عنده إلی خلق محمود.
وضعف یقینهم بنصر الله لعباده المؤمنين،
ولحظوا بعض الأسباب التي عند الکافرین،
وقصر نظرهم عما وراء ذلك، فاتخذوا
الکافرین أولیاء یتعززون بهم ويستنصرون،
والحال أن العزة لله جميعًا، فإن نواصي
العباد بيده، ومشيئته نافذة فيهم، وقد تكفل
بنصر دينه وعباده المؤمنين، ولو تخلل
ذلك بعض الامتحان لعباده المؤمنين،
وإدالة العدو عليهم إدالة غير مستمرة، فإن
العاقبة والاستقرار للمؤمنين، وفي هذه
الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين،
وترك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من
صفات المنافقين، وأن الإيمان يقتضي
محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين
وعداوتهم))(١).
فإذا علم هؤلاء أن ولاءهم لغير الله
تعالى هو باطل وضعيف ومنقطع، ولا
يجدي من ورائه نفعًا يوصلهم إلى الآخرة،
وإلی مرضات الله سبحانه وتعالى، حينئذ
يكون هذا علاجًا للعزة المزعومة المذمومة
التي يلهث أصحابها وراءها، فهي عزة واهية
باطلة، فالعزة الحقيقية المحمودة هي التي
تکون في رضا الله جل جلاله.
ويخلص من هذا إلى أن القرآن الكريم
وضع بعض الحلول أو العلاج لهذه العزة
(١) المصدر السابق ص٢٠٩.
جَوَسُولَةُ التَّقِيَّة
القرآن الكريم
٢٧٠

العزة
آثار العزة وعواقبها
لاشك أن للعزة المحمودة آثارًا في
الدنيا وفي الآخرة، وللعزة المذمومة عواقب
وخيمة في الدنيا وفي الآخرة، سنتعرف على
أهم الآثار وأهم العواقب لكلا النوعين في
النقاط الآتية:
أولًا: آثار العزة المحمودة في الدنيا:
إن العزة المحمودة تظهر آثارها في
الدنيا، وذلك من خلال النقاط الآتية:
١. علو الهمة والثبات على الحق.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ
يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِمُ
٧٨
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلىَ الْحَقِّ الْمُبِينِ
٧٩
[النمل: ٧٨-٧٩].
فالله تعالى سوف يقضي بين المختلفين
من بني إسرائيل بحكمه فيهم، فينتقم من
المبطل منهم، كما سيجزي المحسن منهم
بالثواب الحسن، فهو العزيز في انتقامه من
المبطلين، لا يقدر أحد على منعه تعالى من
الانتقام منهم ومن غيرهم الضالين عن طريق
الهدى.
ثم يأمر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى
الله عليه وسلم بتفويض جميع أموره إليه،
فإنه سبحانه وتعالى كافيه؛ لأنه على الحق
المبين الواضح لمن تأمله وتدبره، فهذا من
باب التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم،
وكأنه تعالى يقول له: لا يحزنك تكذيب
المكذبين لك، وخلافهم لما تأمرهم به،
ولکن امض لأمر ربك الذي بعثك فیه(١).
فنبذ المؤمن لما يلاقيه من المكذبين
والمشركين فيه إعلاءٌ للهمة، وثبات على
الحق، وعدم الركون إلى ما يلاقيه منهم،
فإذا لم يكن الأمر كذلك فستأتي نتيجة ذلك
بالفشل، فيجب على المؤمن المضي في
طريق الحق والثبات عليه، حتى يمده الله
تعالی بالنصر المؤزر.
٢. الصبر على الشدائد.
إن إبراهيم عليه السلام لما دعا قومه إلى
توحید الله عز وجل، وإفراده بالعبادة دون ما
كانوا يعبدونه من الأصنام والأوثان، فقابلوا
هذه الدعوة بالسخرية والاستهزاء؛ بل هموا
بقتله وحرقه، فلما ألقوه في النار نجاه الله
تعالى منها، وما زال قومه مستمرين في
عنادهم وغیهم وضلالهم، ولم يؤمن معه إلا
لوط عليه السلام.
فقال تعالى: ﴿﴿ فَامَنَ لَّهُ لُوطُ وَقَالَإِنِ
مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّ إِنَّهُ, هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))
[العنكبوت: ٢٦].
ثم قرر إبراهيم عليه السلام ترك هذه
الأرض السوء التي عليها قومه، وأن يهاجر
إلى الأرض المباركة في الشام، وعلل
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩٥/١٩.
www. modoee.com
٢٧١

حرف العين
وعليه فإن العزة التي كان يتمتع بها
إبراهيم عليه السلام جعلته یثبت على الحق
الذي آتاه الله تعالى إياه، فلم يجزع لما لاقاه
من قومه في طريق دعوتهم إلى الحق؛ بل
صبر وتحمل في سبيل الله تعالى الكثير
والكثير، ومع ذلك لم يذكر الله تعالى لنا
أنه دعا على قومه، ولم يذكر أيضًا أنه تعالى
أهلك قومه بعذاب مستأصل كبقية الأقوام
السابقة التي أهلكها الله تعالى بالاستئصال،
ولكنه تعالی ذکر اعتزال إبراهيم عليه السلام
لقومه، وهجرته من بين أظهرهم ثابتًا على
الحق، صابرًا لما لاقاه من أذى قومه له، ولما
سیلاقیه من شدائد بعد ذلك.
٣. التمسك بهدايات القرآن الكريم
والسنة النبوية.
إن الله تعالى ذكر حال المهتدين
الموفقين من عباده، وهم أهل العلم، فقال
عز وجل فيهم: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ
الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ اَلْحَقَّ وَيَهْدِىّ
إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [سبأ:٦].
فإنهم يرون فيما أنزل الله تعالى على
رسوله صلى الله عليه وسلم من القرآن
الكريم، وما اشتمل عليه من الأخبار أنه
الحق، وما سواه مما خالفه أو ناقضه فهو
هجرته بقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، باطل، كما أنهم يرون في أوامره ونواهيه
أنه يهدي إلى صراط العزيز الحميد، قال
أي إنه سبحانه وتعالى العزيز القادر على
هدایتهم، والحکیم بتدبير شؤون خلقه.
السعدي: ((وذلك أنهم جزموا بصدق
ما أخبر به من وجوه كثيرة ويرون في
الأوامر والنواهي، أنها تهدي إلى الصراط
المستقيم، المتضمن للأمر بكل صفة تزكي
النفس، وتنمي الأجر، وتفيد العامل وغيره،
كالصدق والإخلاص وبر الوالدين، وصلة
الأرحام، والإحسان إلى عموم الخلق،
ونحو ذلك. وتنهى عن كل صفة قبيحة،
تدنس النفس، وتحبط الأجر، وتوجب الإثم
والوزر، من الشرك، والزنا، والربا، والظلم
في الدماء والأموال، والأعراض.
وهذه منقبة لأهل العلم وفضيلة، وعلامة
لهم، وأنه كلما كان العبد أعظم علمًا
وتصديقًا بأخبار ما جاء به الرسول، وأعظم
معرفة بحكم أوامره ونواهيه، كان من أهل
العلم الذين جعلهم الله حجة على ما جاء
به الرسول، احتج الله بهم على المكذبين
المعاندين)»(١).
وعليه فإن العزة التي يتمتع بها المؤمنون
جعلتهم يزيدون تمسكًا بهدايات القرآن
الكريم والسنة النبوية المطهرة.
٤. الأمر بالمعروف والنهي عن
المنکر والجهاد في سبيل الله.
ذكر الله تعالى أن العزة التي يتمتع
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٧٥.
٢٧٢
جوبيهـ
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ

الحرة
بها المؤمنون في الدنیا جعلتھم یأمرون ولا یکون لهم منهج إلا دین الله ورسوله،
بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون ولا يكون لهم الخيرة إذا قضى الله ورسوله
فيه لومة لائم.
وَالْمُؤْمِنُونَ
فقال سبحانه وتعالى:
وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِْ يَأْمُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكِّرِ وَيُقِيمُونَ
الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ
وَرَسُولَهُ: أُوْلَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
﴾ [التوبة: ٧١].
حَكِيمٌ ٥
والمعروف هو اسم جامع لكل ما عرف
حسنه من برٍ وخير، من العقيدة الحسنة
والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، وإن
أول ما يأمرون به أنفسهم، والمنکر هو کل ما
خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة
المزيفة، والأعمال الخبيثة والأخلاق
الرذيلة، کما أنهم يطبعون الله تعالى ورسوله
صلى الله عليه وسلم، فلا يزالون ملازمين
لطاعة الله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه
وسلم على الدوام(١).
قال سيد قطب عن طبيعة المؤمنين أنهم
(يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة الله،
وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض، فلا
یکون لهم هوی غیر أمر الله وأمر رسوله، ولا
يكون لهم دستور إلا شريعة الله ورسوله،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٧/١٤، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص٣٤٣.
، وبذلك يوحدون نهجهم ويوحدون هدفهم
ويوحدون طريقتهم، فلا تتفرق بهم السبل
عن الطريق الواحد الواصل المستقيم)) (٢).
ويقول الله تعالى عنهم في موضع آخر :.
﴿الَّذِينَ أُخْرِحُواْ مِن دِيَدِهِم بِغَيْرٍ حَقٍّ إِلَّ أَن
يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ
بِبَعْضِ لَّدِّمَتْ صَوَيِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ
الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ
الْمُنكَرِّ وَللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: ٤٠-
٤١] .
ومن آثار هذه العزة في الدنيا أيضًا الجهاد
في سبيل الله عز وجل حيث قال تعالى
عنهم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا
مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسُ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ
لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ
قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾ [الحديد: ٢٥].
فإن من جملة ما أنعم الله تعالى به على
عباده خلقه الحدید، إذ علم الله تعالى الناس
صنعته، وجعله رادعًا لمن أبی الحق وعانده
بعد أن أقام عليه الحجة، كما أن فيه منافع
(٢) في ظلال القرآن ١٦٧٥/٣.
www. modoee.com
٢٧٣

حرف العين
للناس في کثیر من أمور حياتهم، ومنها
صناعة أدوات الحرب من آلات وأسلحة
وغير ذلك؛ لتكون قوة رادعة يستخدمها
المسلمون في تنفيذ أحكام الشريعة فيما
بينهم، ولجهاد الأعداء الذين يعتدون على
حرمات الدين والبلاد، ويعرقلون انتشار
الإسلام على وجه الأرض.
قال الزحيلي: ((إنما فعل الله ذلك ليعلم
علم مشاهدة ووجود من ينصر دينه وينصر
رسله بإخلاص ونية صالحة، باستعمال
الحديد، في أسلحة الجهاد ومقاومة
الأعداء، إن الله قوي قادر عزيز قاهر غالب،
يستطيع دفع عدوان الظالمين، وينصر رسله
والمؤمنين من غير حاجة إليهم، وإنما
أمرهم بالجهاد لينتفعوا به وبثوابه، ويحققوا
لأنفسهم العزة والمنعة والهيبة في قلوب
الناس، فإن حماية القيم والمبادئ تحتاج
دائما إلى حماة أشداء، ذوي بأس وإباء))(١).
وقد ورد عن ابن عمر قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالسيف
حتی یعبد الله لا شريك له، وجعل رزقي
تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار
على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو
منهم)(٢).
(١) التفسير المنير ٣٣٣/٢٧.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٥١١٤،
١٢٣/٩.
وصححه الألباني في تخريج مشكلة الفقر
ويفهم من هذا أن العزة والكرامة
جعلت لمن اتبع أمر النبي صلى الله عليه
وسلم، وسار علی هداه، واقتفى أثره، فأمر
بالمعروف ونهى عن المنكر، وجاهد في
سبيل الله تعالی لإعلاء كلمة التوحيد.
ثانيًا: آثار العزة المحمودة في الآخرة:
تظهر آثار العزة المحمودة في الآخرة من
خلال النقاط الآتية:
١. مغفرة الذنوب.
يقول الله عز وجل: ﴿لَيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َِّهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا
وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمَّ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا
عَظِيمًا (٥) [الفتح: ٥].
وهذه الآية ضمن مجموعة من الآيات
التي تتحدث عن صلح الحديبية، وقد
سماه الله تعالى فتحًا مبينًا، فهو سبحانه
قد فتح على رسوله صلی الله عليه وسلم
والمؤمنين بهذا الفتح العظيم؛ ليشكروه
بالطاعة والجهاد والصبر، وقد أتم الله
تعالى لهم ذلك؛ ليدخلهم الجنة، ويغفر لهم
ذنوبهم، ويكفر عنهم سيئاتهم، فيفوزوا بهذا
الفوز العظيم(٣).
٢. استحقاق رضوان الله تعالى.
يقول الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ
رقم ٢٤، ص٢٥.
(٣) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٩٥/٥.
٢٧٤
مَوَ الَةُ الَِّي
القرآن الكريم

الحرة
وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِ يَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَيُقِيمُونَ
الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ
اَللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَيْكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٍ فِى جَنَّتِ
عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اَللَّهِ أَكْبَرٌ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ٧١- ٧٢].
فهؤلاء المؤمنون الذين يتصفون بالعزة
المحمودة، ويتصفون بالأوصاف الواردة
في الآية من الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطاعة
الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم،
فأولئك يستحقون الرحمة من الله تعالى،
كما أنه عز وجل وعدهم -ووعده حق منجز
لا محالة- بجنات تجري من تحتها الأنهار،
ومنازل یسکنونها من الدر والياقوت، كما
أنهم يستحقون رضوان الله تعالى، فرضوانٌ
يسيرٌ منه عز وجل أكبر من كل الذي أعطاهم
إياهم من نعم في الآخرة، فذلك هو الفوز
العظيم (١).
فلذلك أتی بکلمة (رضوان» نکرة؛ لیبین
أن القليل من رضوان الله تعالى أفضل
وأعظم من كل ما منحهم من نعيم وملذات،
وبذلك يكون المؤمنون قد استحقوا هذا
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٣٥/٢.
الرضوان فمنحهم الله تعالى إياه في الآخرة.
٣. جنات الخلد والنعيم المقيم.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّالَّذِينَءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتُ التَّعِيمِ خَلِينَ
فِهَاْ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّاً وَهُوَ الْعَزِزُ الْحَكِيمُ
[لقمان:٨-٩].
فذكر الله تعالى نعيم المؤمنين في
الآخرة، حيث أعد لهم جنات النعيم الخالد
الدائم الذي لا ينتهي، فهذا وعد الله جل
جلاله النافذ لا محالة، و کان قد وعدهم به
في الدنيا، وها هو سبحانه في الآخرة ينفذ
لهم ما وعد به، فهو العزيز الحكيم كامل
القدرة يعذب المعرض، ويثيب المقبل،
كامل العلم، يفعل الأفعال كما ينبغي، فلا
یعذب من يؤمن، ولا یثیب من کفر، فهو
حكيم يضع الفعل المناسب اللائق في مكانه
المناسب(٢).
وهكذا تظهر آثار العزة المحمودة في
الآخرة من مغفرة الذنوب، واستحقاق
رضوان الله تعالى، والفوز بجنات الخلد
والنعيم المقيم.
ثالثًا: عواقب العزة المذمومة في الدنيا:
تتجلى عواقب العزة المذمومة في القرآن
الكريم من خلال النقاط الآتية:
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١١٦/٢٥.
www. modoee.com
٢٧٥

حرف العين
١. اتباع الهوى والشهوات.
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ.
يقول الله عز وجل:
ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ كَافَةً وَلَا تَتَّبِعُواْ
خُطُوَاتِ الشَّيْطِنِّ إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
فَإِن زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَنْكُمُ
٢٠٨
الْبَيِّنَتُ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ (
[البقرة: ٢٠٨- ٢٠٩].
وهذه الآية نزلت في أهل الكتاب الذين
آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام،
فأمرهم الله تعالى أن يؤمنوا كذلك بمحمد
صلى الله عليه وسلم، ويدخلوا في دين
الإسلام، ونهاهم عن السير في الطريق الذي
يدعوهم إليه الشيطان؛ لأنه عدوٌ مبينٌ ظاهر
العداوة، ثم توعدهم الله تعالى بأنهم إن
تنحوا عن طريق الحق والاستقامة من بعد ما
جاءتهم الآيات من التعريف بمحمد صلى
الله عليه وسلم في كتبهم، فإن الله تعالی
عزيز لا يمتنع عليه ما يريده من إنزال العقوبة
بهم، وحکیم فیما يفعله.
وقد يكون هذا الخطاب موجهًا إلى
المؤمنين أيضًا، ويكون المعنى: أن الله
تعالى يأمرهم بالتمسك بالإسلام، واتباع
أوامره واجتناب نواهيه، ويحذرهم من
تتبع خطوات الشيطان، فعداوته لهم ظاهرة
وواضحة، ثم توعدهم بأنهم إن تنحوا
عن طريق الاستقامة من بعد ما جاءتهم
المعجزات وآيات القرآن الكريم، فإن الله
تعالی عزیز لا يمتنع علیه ما یریده من إنزال
العقوبة لهم في الدنيا والآخرة، وحكيم فيما
يفعل (١).
وذكر القرطبي أن الآية فيها دليلٌ على
أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة
الجاهل به (٢).
وعليه فإن من كانت عزته لغير الله
تعالى، فعزته مذمومة ينتج عنها أنه سوف
يكون عرضةً لاتباع الهوى والشيطان.
٢. الفرقة والتنازع والفشل.
ذكرنا فيما سبق أن من دوافع عزة الكفار
الكبر والعناد والاستعلاء على الحق رغم
معرفتهم به وتأكدهم منه، فلما اجتمعوا
على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين
لقتالهم في غزوة الأحزاب، فوجئوا بأمر لم
تعهده العرب من قبل في الحروب، وهو
أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
قد حفروا خندقًا، واستعانوا بالمنافقين
واليهود على حرب المؤمنين، فعسكروا
حول الخندق يحاصرون المسلمين، ولم
يحدث بينهما قتال، فهزم الله تعالى جموع
المشركين بوسيلتين لا دخل للمسلمين
فیهما، وهما:
الأولى: عندما أتى نعيم بن مسعود إلى
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣/ ٢٣.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٣/٣.
٢٧٦
جَوَهُو
القرآن الكريمِ

الحرة
النبي صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه
بین یدیه، قال له النبي صلی الله عليه وسلم:
إنما أنت رجل واحد فینا، ولکن خذل عنا إن
استطعت، فإن الحرب خدعة، فخرج نعيم،
وأوقع العداوة والبغضاء بين المشركين
واليهود، فصار كل منهما يظن بالآخر سوءًا،
فتألب بعضهم على بعض، وأصبح كل
منهما يتهم الآخر بالغدر والخيانة، واختفت
بينهم الثقة، فأشار أبو سفيان قائد المشركين
علی جیشه بالانسحاب.
الثانية: الريح الهوجاء التي أرسلها الله
تعالى على المشركين فاقتلعت خيامهم،
وقلبت قدورهم، وذلك بعد بضعة عشر يومًا
من المحاصرة التي ضربها المشركون على
المسلمين (١).
فرد الله تعالى الكفار من قریش واليهود
بغیظهم، ولم یشف صدورهم بنیل ما أرادوا
من هذه الحرب، وكفى الله عز وجل
المؤمنين في هذه الحرب، وأمدهم بنصر
من عنده عز وجل بالملائكة والريح، وكان
الله تعالى قويًا في ملكه، عزيزًا في انتقامه
من الأحزاب(٢).
فقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِغَيْظِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالَّ
وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِزًا ﴾ [الأحزاب: ٢٥].
(١) انظر: فقه السيرة، البوطي ص٢١٦.
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤١٩/٣.
فالعزة والأنفة التي كان يتمتع بها
المشركون استكبارًا وعنادًا عن قبول الحق
قادت بهم إلى الفرقة والنزاع والفشل.
رابعًا: عواقب العزة المذمومة في
الآخرة:
تبرز أهم عواقب العزة المذمومة في
الآخرة من خلال ما يأتي:
١ . استحقاق غضب الله.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ
النُّذُرُ
كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا كُلِّهَا فَلَخَذْنَهُ أَخْذَ عَزِزٍ
٤١
﴾ [القمر: ٤١- ٤٢].
٤٢
مُقْتَدِرٍ(
فإن الله عز وجل یقسم أنه أنذر فرعون
وقومه، حیث أرسل لهم موسی علیه السلام،
وأيده بالمعجزات المادية التسعة المعروفة
الدالة على صدق رسالته ونبوته، ومع ذلك
كذبوا وأنكروا هذه الآيات، وكذبوا الرسول
الذي أرسله الله تعالى من عنده عز وجل
المستحق وحده أن يفرد بالعبادة دون غيره،
فأغرقهم الله تعالى في البحر، ثم أدخلهم
النار، فهو العزيز الغالب الذي لا يغلب،
مقتدر على الانتقام، ولا يعجزه ما أراد، كما
لا یمنعه شيء عما أراد (٣).
ففرعون وقومه لما كذبوا نبيهم موسى
عليه السلام والآيات التي أيده الله تعالى
(٣) انظر: التفسير المظهري، محمد ثناء الله
المظهري ٩/ ٤٤٢.
www. modoee.com
٢٧٧

حرف العين
بها، استحقوا بذلك غضب الله تعالى عصاه (١).
عليهم، فأهلكهم في الدنيا، وأخذهم أخذ
عزيز مقتدر، كما أنه تعالى سوف يدخلهم
النار في الآخرة.
٢. العذاب الشديد.
يقول الله عز وجل: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِلَبَ
بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ
٣
مِن قَبْلُ هُدَى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْقُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ ◌ِثَايَتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو
أَنْشِقَاءٍ ﴾ [آل عمران:٣-٤].
فالله سبحانه وتعالى أنزل القرآن
والتوراة والإنجيل لإخراج الناس مما
هم عليه من ضلال، فَمَنْ قَبِلَ هدى الله
تعالى فهو المهتدي، ومن لم يقبل بقي
على غيه وضلاله، كما أنه سبحانه أنزل
الحجج والبراهين القاطعات الدالة على
جميع المقاصد، وفسر كل ما يحتاج إليه
الخلق، فأصبحت الأحكام من شدة الظهور
والوضوح ما لا يقوى أحد على ردها إلا
عنادًا واستكبارا، وهذا ما فعله المشركون إذ
لم ییق لهم عذر ولا حجة على عدم إيمانهم.
ولهذا توعد الله عز وجل الذين كفروا-
بعدما بین الآيات ووضحها، فلم يبق عليها
لبس أو إشكال-بالعذاب الشديد الذي لا
يقدر قدره، ولا يدرك وصفه، فهو سبحانه
قوي لا يعجزه شيء، وهو ذو انتقام ممن
٣. الخلود في نار جهنم.
يقول الله جل جلاله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
◌ِثَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم
بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابُّ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: ٥٦].
فالله تعالى قد أعد لمن جحد آياته التي
أيد بها أنبياءه ورسله نارًا مستعرة تشويهم
وتحرق أجسامهم إلى درجة تفقدها الحس
والإدراك، وكلما وصلت إلى هذه المرحلة
بدلهم الله تعالى جلودًا حية غيرها؛ ليحسوا
بالعذاب ويشعروا بالألم، فيستمر الألم بلا
انقطاع، ويذوقوا العذاب الأليم(٢)، فهو
سبحانه له العزة التي تتأتى بها تمام القدرة
في عقاب المجترئين على الله عز وجل، وله
الحكمة التي تتأتى بها الكيفية في إصلائهم
النار(٣).
٤. الخوف والتخاذل والانهيار عند
الشدائد.
أخبر الله تعالى أن المشركين اتخذوا
الأصنام والأوثان لتعزهم وتقويهم
وتنصرهم وتمدهم بالمال والولد والنعم
في الدنيا، ولتكون لهم منعةً من عذاب الله
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص١٢١.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٦٨/٥.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩٠/٥.
٢٧٨
قَ الَمَة
جَوَسُو
القرآن الكريم

العزة
تعالى في الآخرة، فقال تعالى: ﴿وَالَّخَذُواْ الكل ومأواه النار، وما لهم من ناصر
ينصرهم من عذاب الله عز وجل، أو يدفع
مِن دُونِ اللّهِ وَالِهَةُ لِيَكُونُوْ لَهُمْ عِزّاً )﴾
[مريم: ٨١].
عنهم العذاب(٢).
فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿كَلَّأَ
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا
[مريم: ٨٢].
٨٢
أي: لن تكون لهم هذه الأصنام منعة في
الآخرة؛ بل إن هذه الآلهة نفسها التي كانوا
يعبدونها في الدنيا ستجحد عبادتهم لها في
الآخرة، وستكون عونًا عليهم في العذاب،
فهؤلاء المشركون عبدوا الآلهة لتكون عزّا
لهم في الآخرة، فصارت عونًا عليهم في
العذاب، فوجدوا عكس ما طلبوا (١).
هذا وقد أكد الله تعالى في موضع آخر
على سبب اتخاذهم الأصنام آلهة من دونه
عز وجل لأجل أن تكون مودة بينهم في
الحياة الدنيا، وليست مودة تدوم؛ بل ستصير
يوم القيامة عداوةً وبغضًا لهم، فقال: ﴿وَقَالَ
إِنَّمَا أَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْقَنَا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ
فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ
بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن
نَّصِرِينَ ﴾ [العنكبوت: ٢٥].
ومعلومٌ أنه في يوم القيامة سيتبراً المتبوع
من الأتباع، وكذلك الأصنام ستتبرأ منهم،
وستکفرهم وتلعنهم، وحينئذٍ یکون مصیر
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٣٨٥/٢.
وهكذا يكون في هذا اليوم العصيب،
حيث يظن المشركون أنهم سيجدون من
ينصرهم من عذاب الله تعالى، فيعتريهم
الخوف الشديد، فَيُفَاجَؤوا بتبرؤ الآلهة منهم
وخذلانها لهم، فیصیبهم الانهيار الشديد.
ونخلص من هذا إلى أن العزة المذمومة
قادت أصحابها إلى أمورٍ لا تحمد عقباها
في الآخرة من استحقاقهم لغضب الله عز
وجل، والعذاب الشديد المؤلم، بالإضافة
إلى خلودهم في النار أبد الآبدين.
موضوعات ذات صلة:
الاستكبار، التواضع، الذل، الغرور
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
٢١٩/٨.
www. modoee.com
٢٧٩