النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الظَّرَّ؟ ط عناصر الموضوع مفهوم الظن ٣٥٨ الظن في الاستعمال القرآني ٣٦٠ الألفاظ ذات الصلة ٣٦١ أنواع الظن ٣٦٥ ٣٧٤ الظن اليقيني ٣٨٠ أوهام مظنونة ٣٩٢ غلبة الظن في الأحكام الشرعية ٣٩٤ آثار الظن المُجَلَدُ الثَانِى وَالعُشْرُونْ حرف الظاء مفهوم الظن المعنى اللغوي: الظن لغةً: الظاء والنون أصل صحيح يدل على معنيين مختلفين: يقين وشك، فأما اليقين فقول القائل: ظننت ظنًا، أي: أيقنت، والأصل الآخر: الشك، يقال: ظننت الشيء، إذا لم يتيقنه، ومن ذلك الظنة: التهمة. والجمع: الظنن (١). وبعض أهل اللغة لا يرتضي جعل اليقين المطلق من معاني مادة الظن وإنما يقيده بأنه اليقين الذي لم يتيقين عيانًا ويسمى يقين تدبر، فأما يقين العيان فلا يقال فيه إلا علم (٢)، فقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر: أظن هذا إنسانًا، وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد، كقوله تعالى: ﴿فَظَنُّواْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا ﴾ [الكهف: ٥٣] (٣). كما نجد أن في بعض المعاجم اللغوية كلمات تعود إلى مادة (ظن) غير الشك واليقين، ففي تهذيب اللغة:(( الظنون من النساء التي لها شرف تتزوج وإنما سميت ظنونًا لأن الولد يرتجى منها« (٤). وبالنظر إلى جميع المفردات اللغوية التي ترجع إلى مادة ظن نجد أنها ترجع إلى التخمين والحدس (٥) المعنى الاصطلاحي: هناك تعاريف عديدة للظن عند علماء التفسير في ثنايا تفسيرهم لآيات الظن، بينها عوامل مشتركة وإن كان فيها اختلاف في بعض الألفاظ (٦). فمنهم من عرفه بأنه: تجويز أمرين في النفس لأحدهما ترجيح على الآخر. وقيل: الظن ميل النفس إلى أحد معتقدين متخالفين، دون أن یکون ميلها بحجة، ولا برهان(٧). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٤٦٢، الصحاح، الجوهري ٦/ ٢١٦٠. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٢٧٢/١٣. (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١ / ١٣٨. (٤) تهذيب اللغة، الأزهري ١٤ / ٣٦٤. (٥) القطع والظن عند الأصوليين، سعد الشثري ١/ ٨١. (٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣١٧. (٧) أحكام القرآن، ابن العربي ٤ / ١٥٦. ٣٥٨ القرآن الكريمِ الظن ويذكر ابن عطية أن الظن قاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه (١). وكثر إطلاقه في القرآن على الاعتقاد الباطل كقوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١٦)﴾[ الأنعام: ١١٦]. (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ١٣٨. www. modoee.com ٣٥٩ حرف الظاء الظن في الاستعمال القرآني وردت مادة (ظنن) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (٩٦) مرة (١). والصيغ التى وردت، هى: الصيغة عدد المرات المثال الإفراد ٢٦ ﴿وَهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنَنُمْ أَنْ لَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: ٧] التثنية ١٥ ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْ لَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوتُونَ﴾ [المطففين: ٤] ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَِّنُّ وَإِنَّ النَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحِّ شَيْئًا} الجمع ٢١ [النجم: ٢٨] الصفة المشبهة ١ ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الَّائِينَ بِاللَّهِ ظَنّ السَّوْءِّ عَلَيْهِمْ دَايِرَةُ السَّوْءٌ﴾ [الفتح: ٦] وورد الظن في القرآن على ثلاثة أوجه (٢): الأول: الشك والحسبان: ومنه قوله تعالى: ﴿إِن نَظُنُّ إِلََّظَنَّا وَمَا غَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. يعني: ما نشك إلا شكًا ولسنا على يقين من قيام الساعة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّأَنْ لَّنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤]. أي: حسب أن لن يرجع بعد موته لشكه في البعث. الثاني: اليقين: ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَّقُواْ رَبِهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]. يعني: يوقنون. الثالث: التهمة: ومنه قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. يعني: تتهمون الاتهامات الباطلة السيئة. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٤٣٩- ٤٤٠، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الطاء ص٧٣٥-٧٣٦. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٣٣، الوجوه والنظائر، العسكري، ص٣٣٢-٣٣٣، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروز آبادي، ٥٤٥/٣-٥٤٧، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، ابن الجوزي، ص ٤٢٤-٤٢٦. جَوْسُورُ القرآن الكريم ٣٦٠ الظن الألفاظ ذات الصلة الشك: ١ الشك لغة: قال ابن فارس رحمه الله في معنى الشك في اللغة: «الشين والكاف أصل واحد مشتق بعضه من بعض وهو يدل على التداخل، ومن هذا الباب الشك الذي هو خلاف اليقين، إنما سمي بذلك لأن الشاك كأنه شك له الأمران في مشك واحد وهو لا يتيقن واحدًا منهما، فمن ذلك اشتقاق الشك (١). الشك اصطلاحًا: هو اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتين عند النقيضين، أو لعدم الأمارة فيهما (٢). وقال الجرجاني رحمه الله: ((الشك هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، وقيل: الشك ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما، فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإذا طرحه فهو غالب الظن وهو بمنزلة اليقين)) (٣). الصلة بين الشك والظن: أن الظن شك مع ميل إلى أحد معتقديه (٤)؛ فالنسبة بين الشك والظن هي نسبة العموم والخصوص المطلق، العموم في طرف الشك، والخصوص في طرف الظن، فالشك يساوي عدم القطع، إذ كل علم غير قطعي فهو مشوب بالشك، أمّا الظن فلا يطلق إلا بشأن العلم غير القطعي المستند إلى أمارة. لذا بوسعنا أن نسمّي كلّ ظن شكّاً، ولكن ليس كل شكٍ بظن. اليقين: ٢ اليقين لغة: هو العلم وزوال الشك. يقال منه: يقنت الأمر يقنًا، وأيقنت، واستيقنت، وتیقّنت، كلّه بمعنَّى. وأنا على يقين منه. وإنّما صارت الياء واوًا في قولك: موقنٌ؛ للضمة قبلها. وإذا (١) مقاييس اللغة ٥٢٠/١. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٦٥. (٣) التعريفات ص ١٦٨. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ٣٧٦. وانظر: فتح البيان في مقاصد القرآن، القنوجي ١/ ١٦١؛ فتح القدير، الشوكاني ١/ ٧٩. www. modoee.com ٣٦١ حرف الظاء صغّرته رددته إلى الأصل وقلت: مبيقنٌ. وربّما عبّروا عن الظنّ باليقين، وباليقين عن الظنّ(١). الیقین اصطلاحًا: هو العلم بالشيء عن نظر واستدلال، أو بعد شك سابق. ولا يكون شك إلا في أمر ذي نظر؛ فيكون أخص من الإيمان ومن العلم (٢). وقيل: هو العلم الذي لا يقبل الاحتمال. وقد يطلق على الظن القوي إطلاقًا عرفيًا؛ حيث لا يخطر بالبال أنّه ظن، ويشتبه بالعلم الجازم فيكون مرادفًا للإيمان والعلم (٣). الصلة بين اليقين والظن: إن ثمّة صلة بين الظن واليقين تحسن الإشارة إليها في هذا الموضع، فإطلاق الظن في كلام العرب على معنى اليقين كثير، وقد ورد ذلك في كتاب الله، والعرب تطلق الظن بمعنى اليقين ومعنى الشك (٤) أيضًا، فبعض الظن يطلق مرادًا به اليقين، وأما اليقين فلا يطلق على الظن. الحسبان: ٣ الحسبان لغة: بكسر الحاء بمعنى الظن(٥). وحسب بكسر السين: ظن، مضارعه بالفتح والكسر، وحسب بالفتح من العدد ومضارعه بالضم، ومنه الحساب والحسبان ... (٦). الحسبان اصطلاحًا: أن يحكم لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله فيحسبه، ويعقد عليه الإصبع، ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك(٧). وقيل: ((هو قوة أحد النقيضين على الآخر كالظن، بخلاف الشك فهو: الوقوف بينهما، والعلم فهو القطع على أحدهما (٨). الصلة بين الحسبان والظن: (١) الصحاح، الجوهري ٢/ ٣٠٠، والنظر: لسان العرب، ابن منظور ١٣ / ٤٥٧. (٢) قيل: ولذلك لا يوصف الباري سبحانه، بأنه متيقن. ولا يقال: تيقنت أن السماء فوقي. فكل يقين علم، وليس كل علم يقينًا. انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٣٧٤. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٢٣٧. (٤) دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، الشنقيطي ص ١٧. (٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ص ٢٦٣. (٦) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١ / ١٨. (٧) المفردات، الراغب الأصفهاني ١/ ١٥٤. (٨) مدارك التنزيل، النسفي ٢٥٠/٣. ٣٦٢ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم الظن الظّن ضرب من الاعتقاد، وقد يكون حسبان لكن ليس باعتقاد. قال أبو هلال: ((أصل الحسبان من الحساب، تقول: أحسبه بالظّن قد مات. كما تقول: أعدّه قد مات. ثمّ كثر حتى سمي الظّن: حسبانًا على جهة التّوسع، وصار كالحقيقة بعد كثرة الاستعمال»(١). وقد فسرت آيات الحسبان بالظن في القرآن، كما جاء التجوز عن الظن بالحسبان في بعض الآيات؛ مما يشير إلى أن هناك صلة بين المعنيين. العلم: ٤ العلم لغة: العين واللام والميم أصل صحيح واحد، يدل على أثر بالشيء يتميز به عن غيره، من ذلك العلامة، وهي معروفة، والعلم: الراية، والجمع: أعلام، والعلم: نقيض الجهل، وتعلمت الشيء: أخذته، وتعلمت أي: علمت(٢). العلم اصطلاحًا: الاعتقاد الراجح المانع من النقيض. وقيل: إدراك الشيء بحقيقته (٣). الصلة بين العلم والظن: العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقادًا راجحًا، إلا أنّ العلم راجح مانع من النقيض، والظن راجح غير مانع من النقيض. فلمّا اشتبها من هذا الوجه؛ صح إطلاق اسم أحدهما على الآخر (٤). والعرب تستعمل الظن في موضع العلم فيما كان من علم أدرك من جهة الخبر أو من غير وجه المشاهدة والمعاينة، فأما ما كان من علم أدرك من وجه المشاهدة والمعاينة فإنها لا تستعمل فيه الظن. الوهم: ٥ الوهم لغة: وهم إلى الشيء بالفتح یهم وهمًا، إذا ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، ووهم يوهم وهمًا - بالتحريك - إذا غلط (٥). (١) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ٣٤٣/١. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٠٩/٤، مجمل اللغة، ابن فارس ١/ ٦٢٤. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ١ / ٥٠٨. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ٤٧. (٥) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٠٤٥/٥، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢٣٤/٥؛ لسان www. modoee.com ٣٦٣ حرف الظاء الوهم اصطلاحًا: هو الطرف المرجوح غير الجازم من المترددين، وهو أضعف من الظّنّ وكثيرا ما يستعمل في الظّنّ الفاسد (١). الصلة بين الوهم والظن: الوهم أضعف من الظن بل وأضعف من الشك، كما جاء ذلك في تعريف ابن جزي رحمه الله حيث قال: ((الظن: ترجيح أحد الاحتمالين، وقد يقال الظن بمعنى الشك، وبمعنى الوهم الذي هو أضعف من الشك (٢). العرب، ابن منظور ٦٤٣/١٢. (١) انظر: الكليات، الكفوي ص ٩٤٣؛ مفاتيح الغيب، الرازي ١٦ / ٦٢، ٦٣. (٢) التسهيل لعلوم التنزيل ١/ ١٦٣. ٣٦٤ فَضْو جَوَسُورَةُ النَّفِيَّة لِلْقُرآن الكَرِيمِ الظن أنواع الظن تختلف الظنون في القرآن الكريم مابين حسن وآخر سيئ، فالظن مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه، لكن المصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها، فقوله تعالى: ﴿الظُّنُونَا﴾ يدل على اختلاف الظنون، وقد أشار إلى ذلك المعنى غير واحد من المفسرين عند تفسيرهم لقوله ١٠ ﴿وَتَظْتُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا. سبحانه: [الأحزاب: ١٠](١). أخرج الطبري عن قتادة قال:(( الظن ظنّان: فظن منج، وظن مرد قال: ﴿الَّذِينَ يَطُّونَ أَنَّهُم مَُّقُواْ رَبِهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]. قال: ﴿إِنّ ◌َنْتُ أَنِِّ مُكَقٍ حِسَابِيَةْ [الحاقة: ٢٠] وهذا الظن المنجي ظنًا يقينًا، وقال ها هنا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتْكُ الَّذِى لَنَفْشـ [فصلت: ٢٣] هذا ظن بِرَبِّكَمْ أَرْدَد مرد (٢). وهذا في ذات الله، أما ما كان من ظن بين الناس، فقد قال سبحانه: ﴿أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا (١) فقد ظن المؤمنون النصر، وظن المنافقون أن يستأصل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته. انظر: معالم التنزيل، البغوي ص ١٠٣١؛ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩٣/١٧؛ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٧٥٣؛ فتح القدير، الشوكاني ٣٢٩/٤. (٢) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ١١٠. مِنَ الَّنِ﴾ ولم يقل: اجتنبوا الظن كله؛ لأن الظن ينقسم إلى قسمين؛ القسم الأول: ظن خير بالإنسان، وهذا مطلوب أن تظن بإخوانك خيرًا ماداموا أهلًا لذلك، وهو المسلم الذي ظاهره العدالة، فإن هذا يظن به خيرًا، ويثنى عليه بما ظهر لنا من إسلامه وأعماله. القسم الثاني: ظن السوء، وهذا يحرم بالنسبة لمسلم ظاهره العدالة، فإنه لا يحل أن يظن به ظن السوء (٣). مما سبق يتبن أن الظنون تتنوع، وفيما يلي بيان لها: أولًا: الظن الحسن: ليس أريح لقلب العبد في هذه الحياة، (٣) كما صرح بذلك العلماء، فقالوا رحمهم الله: «يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة. أما ظن السوء بمن قامت القرينة على أنه أهل لذلك، فهذا لا حرج على الإنسان أن يظن السوء به، ولهذا من الأمثال المضروبة السائرة: احترسوا من النّاس بسوء الظنّ، ولكن هذا ليس على إطلاقه، كما هو معلوم، وإنما المراد: احترسوا من الناس الذين هم أهل لظن السوء فلا تثقوا بهم، والإنسان لابد أن يقع في قلبه شيء من الظن بأحد من الناس لقرائن تحتف بذلك، إما لظهور علامة في وجهه، بحيث يظهر من وجهه العبوس والكراهية في مقابلتك وما أشبه ذلك، أو من أحواله التي يعرفها الإنسان منه أو من أقواله التي تصدر منه فيظن به ظن السوء، فهذه إذا قامت القرينة على وجوده فلا حرج على الإنسان أن يظن به ظن السوء. انظر: تفسير سورة الحجرات، ابن عثيمين ص ٣٢،٣٤. www. modoee.com ٣٦٥ حرف الظاء ولا أسعد لنفسه من حسن الظن؛ فبه يسلم من أذى الخواطر المقلقة التي تؤذي النفس، وتكدر البال، وتتعب الجسد. ومن خلال تعریف الظن وهو: ترجیح أحد الاحتمالین، نستطيع أن نعرّف حسن الظن بأنه: ترجيح لاحتمال الخير على احتمال الشر، سواء أکان ذلك في ذات الله أم بین الناس. إن حسن الظن بالله عبادة قلبية جليلة؛ تتحقق بظن ما يليق به سبحانه، وما تقتضيه أسماؤه الحسنى وصفاته العلى، مما يؤثر في حياة المؤمن على الوجه الذي يرضي الله عز وجل. ولحسن الظن بالله متعلقان: فيما يفعله في هذا الكون، وأن ما فعله إنما هو لحكمة بالغة، قد تصل العقول إليها وقد لا تصل، وبهذا تتبين عظمة الله وحكمته في تقدیره، فلا یظن أن الله إذا فعل شيئا في الكون فعله لإرادة سيئة، حتى الحوادث والنكبات لم يحدثها الله لإرادة السوء المتعلق بفعله، أما المتعلق بغيره بان یحدث ما یرید به أن یسوء هذا الغیر فهذا واقع كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءٌ أَوْ أَرَدَ بِكُمْ رَحْمَةٌ ﴾ [الأحزاب: ١٧]. الثاني: متعلق بالنسبة لما يفعله سبحانه بالإنسان فيجب أن يظن بالله أحسن الظن، لكن بشرط أن يوجد السبب الذي يوجب الظن الحسن، وهو أن يعبد الله على مقتضى شريعته مع الإخلاص والظن بأن الله يقبل منه، ولا يسيء الظن بالله بأن يعتقد أنه لن يقبل منه، وكذلك إذا تاب الإنسان من الذنب، فيحسن الظن بالله أنه يقبل منه، ولا يسيء الظن بالله بأن يعتقد أنه لا يقبل منه. وأما إن كان الإنسان مفرطا في الواجبات فاعلا للمحرمات، وظن بالله ظنا حسنا فهذا هو ظن المتهاون المتهالك في الأماني الباطلة، بل هو من سوء الظن بالله إذ إن حكمة الله تأبى مثل ذلك (١). تحسين الظن بالله تعالى أن يظن العبد الأول: بالنسبة لما يفعله سبحانه في هذا أن الله فارج همه، وكاشف غمه، وذلك الكون فيجب حسن الظن بالله عز وجل بتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله وعفوه، وما وعد به أهل التوحید. قال النووي رحمه الله: ((قال العلماء: معنى حسن الظن بالله تعالى: أن يظن أنه يرحمه ویعفو عنه (٢). وقد أمرنا سبحانه بإحسان الظن، فقد أخرج الثعلبي عن فضيل بن عياض في قوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ()﴾ [البقرة: ١٣٢] أي: محسنون بربكم الظن (٣). وجاء في معنى: ﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ (١) القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين ٢٧٩/٢. (٢) شرح صحيح مسلم، النووي ٢١٠/١٤. (٣) الكشف والبيان ٢٤٦/١. ٣٦٦ جَوسُ القرآن الكريمِ الظن [البقرة: ١٩٥] أحسنوا بالله رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله الْمُحْسِنِينَ (١٥)﴾ الظن (١). عليه وسلم قبل وفاته بثلاثة أيام يقول: (لا ولا شك أن لفظ الآية عام يتناول كل ما يموتنّ أحدكم إلّا وهو يحسن الظّنّ بالله عزّ ذكر في تفسير هذه الآية والمخصّص يفتقر وجلّ)(٤). إلی دلیل(٢). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة الله صلى الله عليه وسلم قال: (حسن الظّنّ من حسن العبادة) (٥). رضي الله عنه قال: قال النّبيّ صلى الله و کان السلف الصالح یکثرون من سؤال الله حسن الظن أمثال عبد الله بن مسعود (٦). عليه وسلم: (يقول اللّه تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في وسعيد بن جبير فحسن الظن بالله زاد المؤمن في طريقه ملاٍ ذكرته في ملٍ خيرٍ منهم، وإن تقّب إليّ بشبرٍ تقرّبت إليه ذراعًا، وإن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولةً)(٣). وفي الحديث النبوي الصحيح، عن جابر (١) وهو قول عكرمة. كما في: تفسير القرآن، الثوري ٥٩/١؛ تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٣٣٣؛ الدر المنثور، السيوطي؛ ٢٠٨/١؛ جامع البيان، الطبري ٢/ ٢٠٦. (٢) الجواهر الحسان، الثعالبي ١/ ١٥١. وقال الثعالبي: قيل في معنى ﴿وَأَحِْنُوا﴾: أحسنوا في أعمالكم بامتثال الطاعات، روي ذلك عن بعض الصحابة، وقيل المعنى: وأحسنوا في الإنفاق في سبيل الله وفي الصدقات، قاله زيد بن أسلم. (٣) متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَْسَهُ,﴾، رقم ٧٤٠٥؛ ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله تعالى، رقم ٢٦٧٥ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالی عند الموت، حدیث رقم ٢٨٧٧، ٢٢٠٥/٤. (٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في حسن الظن حديث رقم ٤٩٩٣، ٣٢٩/١٤، والترمذي في الدعوات كما في تحفة الأحوذي، رقم ٣٨٤٣ من طريق شتير بن نهار عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعند أبي داود قال: سمير. وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه. وصحّحه ابن حبان ٦٣١، والحاكم ٢٤١/٤. لكن شتير هذا ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وجهله الدار قطني كما في سؤالات البرقاني رقم ٢١٢. وقال الذهبي في الميزان ٢٣٤/٢: نكرة؛ ولذا ضعف الألباني الحديث في الضعيفة، رقم ٣١٥٠. (٦) انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي ٣٢٥/٤ مصنف ابن أبي شيبة ٢٧٢/٨؛ المعجم الكبير، الطبراني ٦٥/٨؛ حسن الظن بالله، ابن أبي الدنيا ص٤٥. www. modoee.com ٣٦٧ حرف الظاء إلى ربه، وفي سلوكه مدارج السالكين إلى الأسد، وذلك حينما أبلغهم الركب المارّ رب العالمين، فهو شحنة إيمانية يتعلق بها القلب بالرب. بهم بما قال أبو سفيان من أنه سيجمع الكرّة ليستأصل الرسول وأصحابه (٣). وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ م ◌َنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ()﴾ [آل عمران: ١٧٣ -١٧٤]. ومن صور حسن الظن بالله التوكل عليه والثقة به سبحانه، فإذا عظمت ثقة الإنسان بربه، كانت له قوة معنوية تدفع عنه عوامل اليأس والقنوط، وهو من أعظم الأسباب التي يتحقق بها المطلوب و یندفع بها المكروه وتقضی الحاجات، و کلما تمكنت معاني التوكل من القلوب تحقق المقصود أتم تحقيق، وهذا حال جميع الأنبياء والمرسلين. فإبراهيم عليه السلام لما قذف في النار، روي أنه أتاه جبريل فقال: ألك حاجة؟ قال: ((أمّا إلیك فلا))(١). فكانت النار بردًا وسلامًا عليه، ومن المعلوم أنّ جبريل كان بمقدوره أن يطفئ النار بإذنه سبحانه، ولكن ما تعلق قلب إبراهيم عليه السلام بمخلوق في جلب النفع و دفع الضر، بل قال بعزة الواثق بالله: ((حسبنا الله ونعم الوكيل(٢)، فجاء الأمر الإلهي:﴿یَنَاؤُ كُونِى بَرَّدًّاً وَسَلَمًا عَلَى إِبْرَهِيمَ ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. والله يفعل و يقدّر ما يشاء؛ ولذلك يجب التو کل علیه سبحانه و حسن الظن به. ونفس الكلمة ردّدها الصحابة الكرام يوم حمراء (١) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٥/١٧. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)، رقم ٤١٩٧، ٤ /١٦٦٢. إنّ أمر الله نافذ على أية حال، غير أن المتوكل على الله المحسن الظن به يكفّر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا. فالعبد إذا توكل على الله في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ويثق به في تسهیل ذلك، فإن الله كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي العزيز الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له (٤). وهذا ما لمحناه في قصة يعقوب عليه السلام وفقده الطويل ليوسف، وأمله الكبير في لقاءه حين يقول لبنيه: ﴿يَنْبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْشَسُواْ مِن زَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ. لَا يَأْيَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِلََّّ الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ () [يوسف: ٨٧]. (٣) الرحيق المختوم، المباركفوري ص٢٧٩. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٦٩. ٣٦٨ مَوْسُور القرآن الكريم الظن فلم يياس من روح الله، بل أحسن الظن وعلّق كل ثقته به سبحانه في أنه سیردهم له، ويقر عينه بالاجتماع بهم، على الرغم مما يتعرض له من المصائب المتتالية (١). وموسى عليه السلام لما خرج من المدينة هائمًا على وجهه، فاتفق أن كان مسيره في طریق یؤدي إلى أرض مدين حينئذ قال: ﴿عَسَى رَّتِ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَآءَ السَّبِيلِ (٢٢) [القصص: ٢٢]. توكل على الله فکفاه و كفّاه، فأبعده عن شر فرعون وما کان یهم به من قتل، ويسّر له أسباب رزقه. قال ابن عباس رضي الله عنه: (خرج موسى ولا علم له بالطريق إلا حسن ظن بربه)(٢). وتجلى أيضًا حسن الظن لدى موسى عليه السلام لمّا جاءه فرعون وجنوده، وأجمعوا كيدهم وبغيهم وظلمهم وعدوانهم فأسقط في يد ضعفاء النفوس، وقال بعض من مع موسى عليه السلام: ﴿إِنَّا لَمُدْ رَّكُونَ (١)﴾ [الشعراء: ٦١]. لا محالة هالكون، سیدرکنا فرعون؛ قلقوا وخافوا، البحر أمامهم، وفرعون من ورائهم، قد امتلأ عليهم غيظًا وحنقًا، ولكن موسی الذي تلقی الوحي من ربه؛ لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه، واليقين بعونه، (١) المصدر السابق ص٣٥٩. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٧٣/١٠. والتأكد من النجاة، وإن كان لا يدري كيف تكون فهي لابد كائنة. والله هو الذي یوجهه ویرعاه(كلَّا إِنَّ مَعِىَ رَبّی سیهْدِینِ ٦٢ [الشعراء: ٦٢] فانفتح طريق النجاة من حيث لا يحتسبون، ومضت آية في الزمان، تتحدث عنها القرون، فهل آمن بها الكثيرون ؟ (٣). وها هو القرآن الكريم يقصّ علينا أنّ ذا النون يونس عليه السلام كان قوى الثقة بأن الله لن يضيق عليه في شدته، فحقق الله ما أمّله، ونجاه من همه، وأزال غمه. ﴿ وَذَا الْنُونِ إِذ ذَّهَبَ مُّغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ اُلُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ ككُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ٨٧ [الأنبياء: ٨٧]. ونبينا صلوات ربي وسلامه عليه خير من أحسن الظن بربه في موقف من أصعب المواقف. وفي ذلك يقول سبحانه عنه: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِيِ الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ. عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّغْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِ الْعُلْبَأُ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٥٩٨/٥؛ تيسير الکریم الرحمن، السعدي ص٧٧. www. modoee.com ٣٦٩ حرف الظاء هذا الموقف آية من آيات الله، اثنان هذا النظر وقع لأبي أيوب الأنصاري فقال لزوجته: أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، قال: فعائشة والله خير منك، وإنما هذا كذب، وإنك باطل (٣). أعزلان يتحديان قريشًا بكاملها بعددها وعددها، فيخرجان تحت ظلال السيوف، ويدخلان الغار في سدفة الليل، ويأتي الطلب على فم الغار، بقلوب حانقة، وسيوف مصلتة، وآذان مرهفة، حتى يقول الصديق رضي الله عنه: (یا رسول الله لو أنّ أحدهم رفع قدمه رآنا. فیقول صلی الله عليه وسلم وهو في غاية الطمأنينة ومنتهى السکینة: (ما ظنّك باثنين الله ثالثهما) (١). وكما أنه يجب إحسان الظن بالخالق فكذلك الخلق، فلابد من حمل المسلم على الصلاح -حیث الأصل-، وأن لا یظن به إلا خیرًا، وأن يحمل ما يصدر منه على أحسن الوجوه، وإن بدا ضعفها، تغليبًا لجانب الخير على جانب الشر. والله سبحانه وجّه عباده لهذا الخلق حين قال: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ ◌ِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَا إِنْكُ مُّبِينٌ﴾ [النور: ١٢]. فالمعنى أنه كان ينبغي للمؤمنين والمؤمنات أن يقيسوا ذلك الأمر على أنفسهم، فإن کان ذلك یبعد في حقهم، فهو في حق عائشة أبعد؛ لفضلها (٢). وروي أن (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (ثاني اثنين إذ هما في الغار) رقم ٤٢٩٥، ١٧١٢/٤. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٧٨/٢٣. فإن جوسيس لِلْقُرآن الكَرِيْمِ لقد أوجب الإسلام على المسلم أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين، فلا يحل لأحد منهم أن یتهم غیره بفحش، أو ینسب إليه فجورًا، أو يسند إليه الإخلال بالواجب، أو النقص في الدين أو المروءة، أو أي فعل من شأنه أن ينقص من قدره، أو يحطّ من مکانته. بل قد أمر الله بالتثبت، ونھی عن تصديق الوهم، والأخذ بالحدس والظن، قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُ فَاسِقٌ بِمَا فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدٍمِينَ [الحجرات: ٦]. فالأصل في الإنسان العاقل أن يبني أحکامه ومواقفه على العلم. قيل: لم قال: ﴿سَمِعْتُهُ﴾ بلفظ الخطاب ثم عدل إلى لفظ الغيبة، في قوله: ﴿ظَنَّالْمُؤْمِنُونَ﴾ ولم يقل: (ظننتم)؟ فالجواب: أن ذلك التفات، قصد به المبالغة في التوبيخ، والتصريح بالإيمان الذي يوجب أن لا يصدق المؤمن على المؤمن شرًا. التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣ / ٦١. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ١٠ / ٥٦. ٣٧٠ الظن ثانيًا: الظن السيئ: من خلال تعريف الظن وهو ترجيح أحد الاحتمالين، نستطيع أن نعرف سوء الظن بأنه: اعتقاد جانب الشر، وترجيحه على جانب الخير في ما يحتمل الأمرين معًا (١). وقيل: هو الاتهام بغير دليل. أو كما قال البعض: هو غيبة القلب، يحدث نفسه عن أخيه بما لیس فيه. أو هو: حمل التصرفات، قولًا وفعلًا، على محامل السوء والشكوك(٢). وسوء الظن بالله أبلغ في الذنب من اليأس والقنوط، وكلاهما كبيرة، وذلك لأنه يأس وقنوط وزيادة؛ لتجویزه على الله تعالى أشياء لا تليق بكرمه وجوده، فهو أعظم إثمًا وجرمًا (٣). قال تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ اٌلْجَهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. فالذي يظن به جل وعلا أنه يفعل الأشياء لا عن حكمة، فإنه قد ظن به ظن النقص، وهو ظنّ السوء الذي ظنّه أهل الجاهلية. وهو أيضًا ظن المنافقين: ﴿الَّائِينَ بِاللّهِ (١) موسوعة نضرة النعيم في أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، مجموعة مؤلفين، ١٠ / ٤٦٥٢. (٢) تصنيف الناس بين الظن واليقين، بكر أبو زيد ص٣٢. (٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر، ابن حجر الهيتمي ٢٢٩/١. ظَبَّ السَّوْءُ عَلَيْهِمْ دَايِرَةُ السَّوْءٌ وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّدٌ وَسَآَتْ مَصِيرًا [الفتح: ٦]. سوء الظن بالله هو ظن ما لا يليق به تعالى وبحكمته، وبوعده الصادق. فمن ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جری بقضائه وقدره، أو أنكر أن یکون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، فذلك ظن السوء (٤). فظنّ السّوء آفة الآفات، وأصل البليّات، فما كفر كافر ولا أشرك مشرك ولا ابتدع مبتدع بدعة في العقائد كالقدرية، والجبرية، والخوارج، والمرجئة، وغيرها إلا وأصل ذلك ظنّ السّوء. وكل هذا من ظلم النفس الذي هو صورة من صور سوء الظن فملكة سبأ حينما رأت الصرح حسبته لجة؛ فظنت أن سليمان يريد أن يغرقها، ثم لما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير، علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن. وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿قِيلَ لَّا أَدْخُلِ الضَّرْعٌ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُّحَّةً وَكَثَفَتْ عَن سَاقَيْهَاً قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَزَّدٌ مِّن قَوَارِيرٌّ قَالَتْ رَبِّ إِى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ اٌلْعَلَمِينَ ﴾ [النمل: ٤٤]. فهي تعني بقوله: ﴿رَبِّ إِ ظَلَمْتُ (٤) زاد المعاد، ابن القيم ٣/ ٢٢٩. www. modoee.com ٣٧١ حرف الظاء نَفْسِى﴾ الظن الذي ظنت بسليمان عليه الاجتناب تدل عليه، وعلق النهي بأكثر الظن لا بجمیعه. السلام (١). إن سوء الظن بالمسلمین کبیرة من كبائر الذنوب، فهو محرم بنص قوله سبحانه: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ النَِّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لنا أن تعتقد في غيرنا سوءًا إلا إذا انكشف لنا بعيان لا يقبل التأويل(٢). ثم إننا نلحظ أنه عز وجل قال: ﴿أَجْتَنُواْ﴾ بلفظ الأمر، ولم يقل: (لا تظنوا) بلفظ النهي، مع أن اجتناب المنهي أشد من فعل المأمور، لقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدعوه(٣). والنهي عند الأكثرين للتحريم بخلاف الأمر؛ فإن فيه خلافا. فالجواب: أنه لو قيل: لا تظنوا كان النهي عاما في جميع الظن، والمراد إنما هو بعض الظنون، فأتى فيه بلفظ الأمر وفي ضمنه النهي، لأن مادة (١) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٦. وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٣/١٣. (٢) إحياء علوم الدين، الغزالي ٣/ ١٥٠. (٣) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ٢٦٥٨/٦، الحديث رقم ٦٨٥٨، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الله تعالى، والإمام مسلم في صحيحه ٢/ ٩٧٥ الحديث رقم ١٣٣٧، باب فرض الحج مرة في العمر. وتتضح حرمة سوء الظن بمقياسها الكبير بالدم والعرض والمال مما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث تثبت ذلك، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وسبب تحريمه: أن أسرار القلوب لا قال: رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ا يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والّذي نفس محمّدٍ بیده، لحرمة المؤمن أعظم عند اللّه حرمةً منك، ماله ودمه وأن نظنّ به إلاّ خيرًا) (٤). فالحديث نص على اقتران ظن السوء بالاعتداء على الآخرين بالدم والمال والعرض، مع أن سوء الظن هو جريمة معنوية، بخلاف الدم والمال والعرض فهم جريمة مادية. فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال وهو البيّنة، فإذا لم يكن كذلك، وخطر لك وسواس سوء الظن، فينبغي أن تدفعه عن نفسك وتقرر عليها أن حاله عندك مستور کما کان، وأن ما رأيته منه يحتمل الخير والشر. وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه (٤) أخرجه ابن ماجه في السنن، باب حرمة دم المؤمن، حديث رقم ٣٩٣٢؛ وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة، حديث رقم: ٣٤٢٠؛ و صحيح الترغيب والترهيب حديث رقم ٢٤٤١. ٣٧٢ القرآن الكريم الظن وسلم من هذا النوع من الظن، فقال: (إيّاكم زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنة والظّنّ فإنّ الظّنّ أكذب الحديث)(١). لا شك أن الكذب كبيرة من الكبائر، والرسول صلى الله عليه وسلم جعل الظن من أكذب الكذب وأكبره؛ لأن من ظن ظنّ السوء حملته نفسه على أن لا يرى إلا السوء، ولا يحمل القول ولا يرى في الفعل إلا جانب السوء، فيكون قد جمع من المساوئ ما هو أعظم من الكذب. وأمارة عقد سوء الظن أن يتغير القلب معه عما کان، فینفر عنه نفورًا ما ويستثقله، ویفتر عن مراعاته، وتفقده، وإكرامه، والاغتمام بسببه. فهذه أمارات عقد الظن وتحقيقه، فلا يحققه في نفسه بعقد ولا فعل ولا في القلب ولا في الجوارح. أما في القلب: فبتغيره إلى النفرة والكراهة، وأما في الجوارح: فبالعمل بموجبه. وفي التاريخ الإسلامي نجد أنّ حادثة الإفك ما هي إلا سوء الظن، حيث ظن المنافقون وغيرهم الظنون السيئة في عائشة (١) سبق تخريجه. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( إيّاكم والظّنّ)) أي احذروا اتّباع الظن، أو احذروا سوء الظن. والظن: تهمة تقع في القلب بلا دليل. وليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالبًا، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به. انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داوود، عبد العظيم آبادي ١٠/ ٤٤٥. خليله رضي الله عنهما، والتي عظمها سبحانه وجعلها من البهتان العظيم؛ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَّنَا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُّ عَظِيمٌ ﴾ [النور: ١٦]. إن المنافقين لمّا فشلوا في محاولاتهم التخذيلية، وخابت آمالهم في هزيمة المسلمين عبر صراعهم مع الوثنين واليهود، تحولوا إلى حلقة جديدة من سلسلة الإيذاءات والمحن التي نالها منهم المسلمون، وذلك من خلال أسلوب التخريب الداخلي بنشر الإشاعات المغرضة الهدامة، التي من شأنها أن تزلزل بنيان المجتمع الإسلامي وتشل حركته. ولكن حادث الإفك كان خيرًا في الآجل والعاجل؛ من حيث فوائده العظيمة، وصدق الله إذ قال: ﴿لَا تَحْسَبُوُ شَرًّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ غَيّ ﴾ [النور: ١١]. فمن فوائده: أن الله أراد أن يضرب بوقوعه المثل للمؤمنين بأن الاتهام الكاذب (سوء الظن) لم يبرأ منه سيد البشر وأفضل الناس، والمؤمن قد يبتلى بشيء من سوء ظن أو إشاعة تمس دينه، أو عرضه؛ فلا يتسرع في مواجهة مثل هذه الحوادث، بل يجب على من ابتلي بشيء من ذلك؛ أن يتجمّل بالصبر، ويتصرّف بحكمة وروية، فالمنافقون موجودون إلى وقتنا الحالي، وصفاتهم مازالت وستبقى كما بيّنها لنا www. modoee.com ٣٧٣ حرف الظاء القرآن الكريم. وهذا لا يعني أن نتمنّى وقوع الشر طمعًا أن يتولّد منه الخير، ولكن إن وقع فتفاؤلنا یغرینا أن نتحسس في طوايا المحن منحًا، فالفأل الحسن منعة لنا بإذن الله من أن يغلبنا التشاؤم فنستسلم للشر. على أنه ينبغي أن لا نفرط في التفاؤل فيؤول بنا إلى أن نهوّن من غوائل الشر و نهمل مواجهته، فيصبح التفاؤل نفسه شرًا لنا لأننا أفرطنا فيه. ومن حادثة الإفك علم الناس من هم المنافقون الذين يعملون على خلخلة المجتمع المسلم، والعمل على هز أركانه ؟! کما علم المسلمون کیف یواجهون مثل هذه الإشاعات؟! وعلموا أن الله يدافع عن الذين آمنوا، ويفضح كل خوان كفورٍ. فسوء الظن أمره خطير، وخطره على المسلمين أعظم منه على المنافقين أنفسهم. وحسبنا أن نعلم أن مصيبة أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهزائمها في هذه الأيام جاءت من منافقيها الذين تسللوا داخل صفوفها، فأفسدوا تراثها، وأعملوا معاولهم في عقيدتها، حتى إذا نخرت دوحة الأمة من داخلها؛ يسر على العدو الخارجي من الصهاينة كسرها في سهولة (١). (١) من لطائف التفسير بتصرف، أحمد فرح عقيلان ١ / ٥٢. جَوَسُولَةُ النَّني القرآن الكريمِ الظن اليقيني قد يعبر بالظن عن اليقين؛ لأن في الظن طرفًا منه (٢). ولعل هذا الطرف هو الرجحان. فبین الظن و الیقین- قدرًا مشتركًا وهو: الرجحان وتأكد الاعتقاد، فيتجوّز بالظن عن الیقین. فالظن يقع موقع اليقين في الأمور المحققة، وعندما نتتبع الآيات التي ورد فيها الظن بمعنى اليقين في كتاب الله نجد أنه في معناه أقوى من اليقين فهو علم مالم يعاين؛ بدليل أن ما بعده لا يحتمل الشك أبدًا أو تشوبه ريبة في صحته؛ لأنه من ثوابت العقيدة التي لا مجال فيها للشك والارتياب. وقد ذكر القرآن صورًا لهذا الظن اليقيني منها: أولًا: ملاقاة الله: في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُوا رَبِهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ ﴾[ البقرة: ٤٦]. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم و قوله: مُلَقُواْ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. نلحظ ورود فعل الظن فيها جزءًا من سياق الحديث عن عقيدة البعث واستقرارها في نفوس المؤمنين، وهذه الأمور متعلقة بالآخرة، وكما جاء عن مجاهد رحمه الله: إن ظن الآخرة يقين، بينما ظن الدنيا (٢) بحر العلوم، السمر قندي ١/ ٧٦. ٣٧٤ الظن شك (١). كما نلحظ أن مفعول الظن في هذه الآيات، يحدّد دلالة اللفظ نفسه، فالمدح الذي استحقه أولئك الظانون أنهم ملاقوا الله لم يستحق لهم إلا بموجب هذا المفعول، فهو الذي ضمهم إلى فئة دون الأخرى أو بعبارة أدق (هو الذي حدد الفئة التي سيضمون إليها) ولو أنهم ظنوا أنهم (غير مبعوثين) مثلًا، لما كان تصنيفهم على ما هو عليه الآن في هذه الآيات، ولضمّوا بالوصف أو غيره من أدوات اللغة إلى الفئة المذمومة لا المحمودة (٢). والقراءات في هذه الآية تؤكد هذا الظن اليقيني، حيث قرئت ﴿يَطُّونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَكُونَ أَنَّهُم مَُّقُواْ رَبِهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ ﴾ [ البقرة: ٤٦ ]. يعلمون أنه لا بد من لقاء الجزاء؛ فيعملون على حسب ذلك. وأما من لم يوقن بالجزاء، ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة فثقلت عليه كالمنافقين والمرائين بأعمالهم(٣). وقد فسّر الظن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ◌َنَنَّا أَنْ أَن تُعْجِزَ اَللَّهَ فِ الْأَرْضِ وَلَنْ تُمْجِزَهُ, هَرَبًا (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٥/١١٨. (٢) انظر: الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، سلوى العواص ١٠٥. (٣) مدارك التنزيل، النسفي ٤٢/١؛ وانظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ١٦٣. ٢)﴾ [الجن: ١٢]. كذلك على معنى اليقين للأسباب السابقة نفسها؛ إذ وردت الآية - بما فيها لفظ الظن - في سياق حديث الجن الصالحين عن إيمانهم، جاعلين جزءًا من هذا الإيمان ظنهم أنهم لن يعجزوا الله في الأرض ولن يعجزوه هربًا. ولو أنّ فاعل الظن كان من الجن غير الصالحين، أو أن المفعول كان ذا دلالة متنافية مع مفهوم الإيمان الصحيح في الإسلام، أو كلاهما معًا؛ لفسّر الظن على غير معنى اليقين كما في مواضعه الأخرى من السورة نفسها (٤). ثانيًا: ملاقاة الحساب: إن المؤمن یوقن ویعلم أن الموت ليس نهاية المطاف؛ بل بعده أمور جسام وهو على يقين أن الله يبعث هذه الأجساد من قبورها للعرض والحساب في يوم القيامة، فبعد مجيء الربّ تبارك وتعالى لفصل القضاء تعطی الکتب فمن آخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله فأما من أوتي كتابه الذي ضم حسناته بيمينه فيقول في فرح عظيم خذوا كتابي فاقرؤه، ويعلل لسلامة كتابه من السيئات فيقول: ﴿إِّ ظَنَنْتُ أَنِّ مُلَقٍ (٤) وهى: ﴿وَنَّ ◌َّا أَنْ أَّن ◌َقُولَ اَلْإِنْسُ وَلِنُّ عَلَى اللّهِ كَذِيًّا﴾، ﴿وَأَنَهُمْ ظَنُوا كُمَا ظَنُ أَن ◌َّنْ يَبْعَثَ اللّهُ أَحَدًا﴾ انظر: الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، سلوى العوا. بتصرف يسير ص ١٠٥. www. modoee.com ٣٧٥ حرف الظاء حِسَايَة ٥)﴾ [الحاقة: ٢٠]، أي علمت أني ملاقٍ حسابية لا محالة (١)، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿إِّ طَنَنْتُ أَنِى مُلَقٍ حِسَابَِةِ ﴾ [الحاقة: ٢٠]. یقول: أيقنت. ویکون المعنى: أنه ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب، لأنه تيقن أن الله يحاسبه، فعمل للآخرة (٢). ٠ المؤمن فهو یقین. ومن الکافر فهو شك. ثالثًا: وقوع العذاب يوم القيامة: في يوم القيامة تنكشف الحقائق، فيحصل للكفار العلم بها لا يخالجهم في ذلك شك، کما قال تعالى عنهم أنهم يقولون يوم القيامة: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. وقال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨]. وقال: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِهِمَّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَابٍالْحَقِّ قَالُواْبَ وَرَيْنَا﴾ [الأنعام: ٣٠]. وقال: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [ق: ٢٢] (٣). ومن الآيات التي ورد فيها ظن وقوع العذاب يوم القيامة: قوله تعالى: ﴿ وَرَجَا (١) أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري ٤/ ٥٤٣. (٢) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ص ٢٩٩؛ معالم التنزيل، البغوي ص ١٣٤٤. (٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٩/٨. اُلْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَاقِعُوهَا [الكهف: ٥٣]. وقوله سبحانه: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ )[القيامة: ٢٥]، وقوله: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُم مِّن ٢٥ ﴾ [فصلت: ٤٨]. ٤٨ تَجِیصٍ عندما نقرأ الآيات في سياقاتها نجد أنّ السياق الموضوعي للآيات واحد يتضمّن قال الضحاك: كل ظن في القرآن من وصفًا لأحداث في وقوعها، ووصفًا لأحوال الأشخاص حاضري هذه الأحداث في أثناء وقوعها كذلك. ففي الآية الأولى: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا ٢٥٣ [الكهف: ٥٣] رؤية عينية ترتب عليها الظن، فالفعل (رأی) متعد لواحد (النار)، وترتب على الرؤية هذا الظن بموجب دلالة الفاء الرابطة بين الجملتين، وسابق على الرؤية يأس يقيني من نجدة الشركاء والآلهة التي آمنوا بها من دون الله الواحد ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْلَهُمْ﴾ ثم ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا ) [الكهف: ٥٢]. فلا يمكن مع الرؤية العينية، والإدراك العقلي السابق على الرؤية واللاحق بها ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصّرِفًا﴾، لا يمكن مع نظر تحقق هذين الأمرين أن يكون (ظنّ) الکافرین مجرد شك، وأین إذن یکون الیقین بعد الرؤية العينية ؟! فالظن هنا إذن (معنى وفعلًا) له قوة الرؤية العينية المصاحبة ٣٧٦ مَوْسُو ◌َرُ النَّقِينَ القرآن الكريم