النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْتُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِّيْمِ
الطُّغْيَان
عناصر الموضوع
مفهوم الطغيان
٥٠
الطغيان في الاستعمال القرآني
٥١
الألفاظ ذات الصلة
٥٢
٥٤
التحذير من الطغيان
٦٠
أسباب الطغيان
٧٢
مظاهر الطغيان وآثاره
٧٨
أساليب الطغاة
٨٨
جزاء أهل الطغيان
المُجَلَدُ الثَانِى وَالعُشْرُونْ
حرف الطاء
مفهوم الطغيان
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: ((الطّاء والغين والحرف المعتلّ أصلٌ صحيحٌ منقاسٌ، وهو مجاوزة الحدّ
في العصيان. يقال: هو طاغٍ. وطغى السّيل، إذا جاء بماءٍ كثيرٍ)) (١). والطاغوت الكاهن،
والشيطان، وكل رأس في الضّلال، يكون واحدًا والجمع الطواغيت (٢). ((والطاغية: الجبار
العنيد))(٣). وقيل: الذي لا يبالي بما أتى، يأكل الناس ويقهرهم، لا يثنيه تحرّج ولا فرق (٤).
وقيل: ((الأحمق المستكبر الظّالم)»(٥).
والخلاصة: أن كل شيء جاوز الحد فقد طغى، ذكر ذلك أبو منصور الثعالبي، ونسب
ذلك إلى أئمة اللغة.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: ((الطغيان: مجاوزة الحد في العصيان)) (٦).
وقال القرطبي: ((الطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه؛ وذلك أن الظلم منه صغيرة
ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى))(٧).
وقال ابن القيم رحمه الله: ((والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو
مطاع؛ فطاغوت کل قوم من يتحاكمون إليه غیر الله ورسوله)»(٨).
والواقع أن الطغيان في الشرع يقوم على أساس معناه في اللغة، فيراد به تجاوز الإنسان
حدّه وقدره، وحدّ الإنسان هو ما حدّ الله له من حدود لا يجوز أن يتجاوزها.
(١) مقاييس اللغة ٣/ ٤١٢.
(٢) مختار الصحاح، الرازي ص ١٩١.
(٣) العين، الفراهيدي ٤٣٥/٤.
(٤) تهذيب اللغة، الأزهري ٨/ ١٥٤.
(٥) تهذيب اللغة ٨/ ١٥٤.
(٦) التعريفات ص١٤١.
(٧) الجامع لأحكام القرآن، ٢٤٥/٦.
(٨) إعلام الموقعين ١/ ٤٠.
٥
جوية
القرآن الكريم
الطغيان
الطغيان في الاستعمال القرآني
وردت مادة (طغى) في الاستعمال القرآني (٣٩) مرة (١).
والصيغ التي وردت كالآتي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٨
٣°® [النازعات: ٣٧]
﴿ فَمَّا مَنْ طَغَى (
الفعل المضارع
٥
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا غَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْأَنْ يَطْغَى (٥)﴾﴾ [طه: ٤٥]
اسم فاعل
٧
﴿أَتَوَاصَوْ بِهِّ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ ﴾ [الذاريات: ٥٣]
اسم تفضيل
١
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ﴾ [النجم: ٥٢]
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ زَيِكَ مُفْيَنًا وَكُفْرَا
مصدر
١٠
[المائدة: ٦٤]
الاسم
٨
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُ واْيُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اَلَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦]
وجاء (الطغيان) في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه(٢):
١٥
الأول: الضلالة والعصيان، قال تعالى: ﴿اَللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي ◌ُغْيَدِهِمْ يَعْمَهُونَ
[البقرة: ١٥] يعني: في ضلالتهم.
وقال تعالى: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُطَغَى ﴾ [طه:٢٤] يعني: إنه عصى الله عز وجل.
الثاني: الارتفاع والكثرة، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَفَا الْمَآءُ حَمَلْنَكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١)﴾ [الحاقة: ١١]
يعني: لمّا ارتفع و کثر.
الثالث: الظلم، قال تعالى: ﴿أَلَّاتَطْغَوْاْ فِ اَلْمِيزَانِ ﴾ [الرحمن: ٨]. يعني: لا تظلموا.
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٤٢٦، ٤٢٧.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر في القرآن العظيم، مقاتل بن سليمان، ص ٢١٤. الوجوه والنظائر، الدامغاني،
ص٣٢٣- ٣٢٤.
www. modoee.com
حرف الطاء
الألفاظ ذات الصلة
البغي:
١
البغي لغة:
مصدر بغی یبغي بغیًا إذا تعدى وظلم. (١).
البغي اصطلاحًا:
طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه (٢).
الصلة بين الطغيان والبغي:
الطغيان: هو تجاوز الحد الذي كان عليه من قبل. والبغي: طلب تجاوز قدر الاستحقاق،
تجاوزه أو لم يتجاوزه، وهو ضربان: أحدهما محمود، وهو تجاوز العدل إلى الإحسان،
والفرض إلى التطوع. والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشّبه (٣).
العدوان:
٢
العدوان لغة:
التعدّي في الأمر، وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه (٤).
العدوان اصطلاحًا:
التّجاوز ومنافاة الالتئام، والإخلال بالعدالة في المعاملة (٥).
الصلة بين الطغيان العدوان:
الطغيان: هو تجاوز الحد الذي كان عليه من قبل، والعدوان: تجاوز المقدار المأمور
بالانتهاء إليه والوقوف عنده.
العتو:
٣
العتولغة:
التجبّر والتكبّر (٦).
(١) لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٧٧.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص١٣٦.
(٣) الكليات، ص٥٨٤.
(٤) العين، الفراهيدي ٢١٣/٢.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٥٣.
(٦) لسان العرب، ابن منظور ٢٨/١٥.
جَوْسُور
القرآن الكريمِ
٥٢
الطغيان
العتو اصطلاحًا:
عبارة عن الإباء والعصيان(١)، ومجاوزة الحد فيه بحيث لا يتأثر معه القلب بالموعظة ولا
يقبل النصيحة.
الصلة بين الطغيان والعتو:
قال العسكري: ((أن الطغيان مجاوزة الحد في المكروه مع غلبة وقهر، يقال: طغى الماء
إذا جاوز الحد في الظلم، والعتو: المبالغة في المكروه، فهو دون الطغيان)» (٢).
(١) مفاتح الغيب، الرازي ٤ / ٤٥٤.
(٢) الفروق اللغوية ص ٢٣٠.
www. modoee.com
٥٣
حرف الطاء
التحذير من الطغيان
تنوعت أساليب القرآن في التحذير من
الطغيان، وسنتناولها فيما يأتي:
أولًا: النهي الصريح:
ورد النهي الصريح في کتاب الله محذّرًا
من ارتكاب الطغيان، فقال تعالى أمرًا نبيّه
وأهل الإيمان بالاستقامة على الدين،
ونهاهم عن الظلم والطغيان، فقال سبحانه:
﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْفَوْاْ
إِنَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى
الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن
دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءُ ثُمَّ لَا نُنصَرُونَ﴾ [هود:
١١٢- ١١٣].
((فأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين
بالثبات والدوام على الاستقامة؛ وذلك
من أكبر العون على النصر على الأعداء،
ومخالفة الأضداد، ونهى عن الطغيان،
وهو البغي، فإنه مصرعة حتى ولو كان
على مشرك، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال
العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه
شيء))(١).
قال سيد رحمه الله: ((وإنه لما يستحق
الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر
بالاستقامة لم يكن نهيًا عن القصور
والتقصير، إنما كان نهيًا عن الطغيان
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٤/٤.
والمجاوزة؛ وذلك أن الأمر بالاستقامة وما
يتبعه في الضمير من يقظة وتحرّج، قد ينتهي
إلى الغلو والمبالغة التي تحوّل هذا الدين
من یسر إلی عسر، والله یرید دینه کما أنزله،
ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط
ولا غلو، فالإفراط والغلو يخرجان هذا
الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير، وهي
التفاتة ذات قيمة كبيرة الإمساك النفوس على
الصراط، بلا انحراف إلى الغلو، أو الإهمال
على السواء))(٢).
وأمر الله سبحانه عباده بأكل الحلال
الطيب، ونهاهم عن الطغيان بالسرف
كُلُواْ مِن طَيّبَتِ مَا
والبطر، فقال سبحانه:
رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْفَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ وَمَن
يَعْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِىِ فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١].
أي: ولا تطغوا في رزقي بالإخلال
بشکره وتعدي حدودي فيه بالسرف والبطر،
والاستعانة به على المعاصي، ومنع الحقوق
الواجبة فيه، فينزل عليكم غضبي، وتجب
عليكم عقوبتي(٣).
وقال ابن كثير: ((أي: كلوا من هذا الرزق
الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي، فتأخذوه
من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به)) (٤).
ونهى عن الطغيان في الميزان، فقال:
﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ اَلْمِيزَانَ ٥ أَلَّا
(٢) في ظلال القرآن ٤/ ١٩٣١.
(٣) تفسير المراغي ١٣٦/١٦.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ٣٠٨/٥.
٥٤
صَوَسُو ◌َر التفسير
القرآن الكريمِ
الطغيان
تَطْفَّوْاْ فِى الْمِيزَانِ ، وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ
وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيْزَانَ ﴾ [الرحمن: ٧-٩].
وقد اختلف علماء التفسير في معنى
الميزان، فقيل: هو العدل، وقيل: المراد
آلة الوزن التي يتوصّل بها إلى الإنصاف
والانتصاف، وقيل: الميزان هو القرآن؛ لأن
فيه بيان ما يحتاج إليه، وقيل: إن الميزان هو
الحكم(١).
وليس هناك تعارض بين هذه الأقوال،
ولا مانع أنه يعم الجميع، فالمطلوب من
الإنسان ألا يطغى سواء في آلة الوزن، أو في
تجاوز حدود الله، أو في ظلم الناس.
ثانيًا: التعليل بسوء المصير:
من أساليب القرآن الكريم في التحذير
من الطغيان: ذكر الوعيد الشديد بسوء
مصير الطغاة في الدنيا والآخرة، قال سبحانه
وتعالى مبيناً مصير الطغاة: ﴿مَنَّا وَإِنَّ
لِلَّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ ﴾ [ص: ٥٥].
((وهم الذين تمرّدوا على ربهم، فعصوا
أمره مع إحسانه إليهم، لشر مرجع ومصير
يصيرون إليه في الآخرة بعد خروجهم
من الدنيا؛ لأن مصيرهم إلى جهنم، وإليها
منقلبهم بعد وفاتهم، فبئس الفراش الذي
افترشوه لأنفسهم جهنم»(٢).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٥٤/١٧.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٢٦.
والمراد بالطاغين هنا: «عظماء أهل
الشرك؛ لأنهم تكبروا بعظمتهم على قبول
الإسلام، وأعرضوا عن دعوة الرسول صلى
الله عليه وسلم بكبر واستهزاء، وحكموا
على عامة قومهم بالابتعاد عن النبي صلى
الله عليه وسلم وعن المسلمين وعن سماع
القرآن، وهم: أبو جهل وأمية ابن خلف،
وعتبة ابن ربيعة، والوليد بن عتبة، والعاصي
بن وائل وأضرابهم»(٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِنْ صَادًا )
لِلطَّغِينَ مَثَابًا﴾ [النبأ: ٢١-٢٢].
أي: أنّها كانت في حكم الله تعالى
وقضائه موضع رصدٍ يرصد فيه خزنة النار
الكفار ليعذّبوهم فيها (٤). والمراد بالطاغين
من طغى في دينه بالكفر، أو في دنياه
بالظلم(٥).
ولما كان من صور الطغيان الطغيان
بالظلم بيّن الله مصيرهم في الدنيا والآخرة،
فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى
وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
وأخبر سبحانه أنه لا يغفل عما يفعله
الطغاة الظلمة من الظلم والطغيان، فقال
سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا
يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ
فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/ ١٧٧.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٩ / ٩٠.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/ ١٧٧.
www. modoee.com
حرف الطاء
أي: ((لا تحسبنه إذا أنظرهم وأجّلهم أنه وقوع العذاب بهم، إنما نؤخرهم لأجل
معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى
عذاب الله ونکاله(٣).
غافل عنهم، مهمل لهم، لا يعاقبهم على
صنعهم، بل هو يحصي ذلك ويعده عليهم
عدَّا))(١).
هكذا لبعض من يرون الظالمين يتمتّعون،
ویسمع بوعید الله، ثم لا يراه واقعًا بهم في
هذه الحياة الدنيا، فهذه الصيغة تكشف عن
الأجل المضروب لأخذهم الأخذة الأخيرة
التي لا إمهال بعدها، ولا فكاك منها،
أخذهم في اليوم العصيب الذي تشخص
فيه الأبصار من الفزع والهلع، فتظل مفتوحة
مبهوتة مذهولة، مأخوذة بالهول لا تطرف
ولا تتحرك، ثم يرسم مشهدًا للقوم في
زحمة الهول، مشهدهم مسرعين لا يلوون
على شيء، ولا يلتفتون إلى شيء، رافعين
رؤوسهم لا عن إرادة، ولكنها مشدودة لا
یملکون لها حراگا، یمتد بصرهم إلى ما
یشاهدون من الرعب، فلا یطرف ولا يرتد
إليهم، وقلوبهم من الفزع خاوية خالية، لا
تضم شيئًا یعونه أو يحفظونه أو پتذکرونه،
فهي هواء خواء))(٢).
وقال عز وجل: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا
نَعُدُّ لَهُمْ عَدَّا﴾ [مريم: ٨٤].
أي: لا تعجل یا محمد على هؤلاء في
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥١٥/٤.
(٢) في ظلال القرآن ٢١١١/٤.
((فيا ويل من يعدّ الله عليه ذنوبه وأعماله
قال سيد رحمه الله: ((ظاهر الأمر يبدو وأنفاسه، ويتتبعها ليحاسبه الحساب
العسیر، إن الذي یحسّ أن رئيسه في الأرض
يتتبع أعماله وأخطاءه يفزع ويخاف ويعيش
في قلق وحسبان، فكيف بالله المنتقم
الجبار؟!)) (٤).
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله
ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)،
قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ
الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:
١٠٢](٥).
وحینما یتسلل الإحباط واليأس في نفس
المؤمن وهو يرى ما عليه الطغاة وأهل الكفر
من التمكين في الأرض، وما يملكونه من
القوة والهيمنة، فليتذكر قول الله سبحانه:
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ الْبِلَدِ
مَتَعُ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الِهَادُ﴾
[آل عمران: ١٩٦-١٩٧].
((وهذه الآية المقصود منها التسلية
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٢/٥.
(٤) في ظلال القرآن ٢٣٢٠/٤.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب قوله: (وكذلك أخذ ربك)، ٦/ ٧٤، رقم
٤٦٨٦.
٥٦
جوسيس
القرآن الكريمِ
الطغيان
عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، والخلق:
وتنعّمهم فيها، وتقلّبهم في البلاد بأنواع
التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع
العز والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا
کله ﴿ مَتُ قَلِيلٌ﴾ ليس له ثبوت ولا بقاء،
بل يتمتعون به قليلًا، ويعذّبون عليه طويلًا،
هذه أعلی حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما
تؤول إليه»(١).
ويسلّي الله نبيه صلی الله عليه وسلم،
ويبيّن له مصير الطغاة المجرمين، فيقول
سبحانه: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ
ذُوَ رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَةُ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ
الْمُجْرِمِنَ﴾ [الأنعام: ١٤٧].
فهذا الوعيد الشديد بذكر مصير أهل
الفسق والطغيان يجعل من الإنسان المسلم
شخصية خائفة من ربها تبارك وتعالى،
مجتنبًا كل الأسباب الموصلة إلى الطغيان؛
لأن الله قد حذّر منه، وذکر مصیر أهله.
ثالثًا: الحث على الاعتبار بالسابقين:
يقصّ الله تبارك وتعالى علينا قصص
الطغاة، وما حلّ بهم النكال والعذاب لا
لأجل التسلية، وإنما لأجل أخذ العبرة من
هذه القصص، وحتى لا نقع في طغيانهم
وضلالهم، وسأتناول شيئًا من قصص الأمم
السابقة التي طغت وتكبّرت على الخالق
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٦٢.
فالطغاة قد تخدعهم قوتهم وسطوتهم
المادية، فينسون قوة الله وجبروته، ولكن
الله لهم بالمرصاد.
قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ*
إِرَمَ ذَاتِ اَلْعِمَادِ ) الَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ اَلْبِلَدِ
﴿﴿ وَتَعُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ ١) وَفِرْعَوْنَ
◌ِى الْأَوْنَادِ الَّذِينَ طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ ) فَأَكْثَرُواْ
فِيَهَا الْفَسَادَ (٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ
(٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَ لْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ٦-١٤].
((فربك راصد لهم، ومسجّل لأعمالهم،
فلما أن كثر الفساد، وزاد صبّ عليهم سوط
عذاب، وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين
يذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يذكر
الصّبّ، حيث يجتمع الألم اللاذع، والغمرة
الطاغية، على الطغاة الذين طغوا فى البلاد،
فأكثروا فيها الفساد»(٢).
وذكر الله سبحانه إهلاك الأمم السابقة
بسبب طغيانهم وعتوهم، فقال: ﴿وَأَنَّهُو
أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى { وَتَمُودَا فَآَ أَبْقَى ) وَقَوْمَ
نُوَجَ مِن قَبْلِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْنَى﴾ [النجم:
٥٠ - ٥٢].
فأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود،
وكانوا هم أشد ظلمًا لأنفسهم، وأعظم
كفرًا بربهم، وأشد طغيانًا وتمردًا على الله
من الذين أهلكهم من بعد من الأمم، وكان
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٩٠٤/٦.
www. modoee.com
٥٧
حرف الطاء
طغیانهم أکثر طغیانًا من غيرهم من الأمم(١).
وكان عاقبتهم: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآَ بِمَّوٍ
وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْنَقَى الْمَآءُ عَلَى
مشهرة
أَمْرٍ قَدْقُدِرَ﴾ [القمر: ١
وأخبر تبارك وتعالى عن مصير
الطغاة المكذّبين بأنبيائهم، فقال سبحانه:
﴿وَعَادًا وَتَمُودَاْ وَقَد تَبَّنَ لَكُم مِّن
مَّسَكِنْهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ
أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ
مُسْتَبْصِرِينَ ﴿ وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ
وَهَمَنَّ وَلَقَدْ جَآءَهُم ◌ُوسَى يَلْبَيْنَتِ
فَأَسْتَكْبَرُواْ فِ اْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَنِقِينَ
) فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِيِةٍ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ
٣٩
حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم
مَّنْ خَسَقْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأْ
وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٨-٤٠].
((هؤلاء الذين ملكوا القوة والمال
وأسباب البقاء والغلبة، قد أخذهم الله
جمیعًا بعد ما فتنوا الناس وآذوهم طويلًا.
فعاد أخذهم حاصب، وهو الربح
الصرصر التي تتطاير معها حصباء الأرض،
فتضربهم وتقتلهم، وثمود أخذتهم الصيحة،
وقارون خسف به وبداره الأرض، وفرعون
وهامان غرقًا في الیم، ذهبوا جميعًا مأخوذین
بظلمهم ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٥٣/٢٢.
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾))(٢).
وذكر لنا تبارك وتعالى طغيان قوم صالح
عليه السلام.
قال سبحانه وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ
٢) فَقَالَ
بِطَغْوَنِهَا (٨) إِذِ أَنْبَعَتَ أَشْقَنهَا
لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم
بِذَئِهِمْ فَسَوَّنَهَا ﴿ وَلَا يَخَفُ عُقْبَهَا ﴾
[الشمس: ١١ - ١٥].
قال الطبري: ((الطاغية طغيانهم الذي
طغوا في معاصي الله، وخلاف كتاب
الله)) (٣).
وقصّ الله علينا قصة أصحاب الجنة لما
طغوا وتغطرسوا على عباد الله الضعفاء،
ومنعوهم حقهم من الصدقات، ولم یشکروا
الله تعالى على نعمه عليهم، جاء العذاب،
ونزعت النعمة.
قال سبحانه: ﴿ إِنَّابَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ اَلْجَنَّةِ
إِذْ أَ قْسَمُوْلَيَصْرِ مُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (٨) فَطَافَ
عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآيِمُونَ (١) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِم
(٢) فَدَ وْأْ مُصْبِحِينَ ، أَنِ أَغْدُواْ عَلَى حَرَيْكُمْإِنكُمُ
صَرِمِينَ ﴿ فَنْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ { أَنْلَّا يَدْخُلَنَّهَا
٢٥
أَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (١) وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْءٍ قَدِرِينَ
قَالَ
رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَضَلُونَ ﴿ بَلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ
أَوْسَطُهُمْ أَوْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَتِّحُونَ (٥) قَالُواْ سُبْحَ رَيْنَاً
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧٣٥/٥ -
٢٧٣٦.
(٣) جامع البيان ٢٠٨/٢٣.
٥٨
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
الطغيان
◌ِنَّا كُنَا ظَالِمِينَ ) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَوَمُونَ
عَسَىْ رَبَّنَا أَنْ يُبْدِلَنَ
٣١
﴾ قَالُواْ يَوْتِنَآ إِنَّا كُنَّا طَيِينَ {(
٣٠
خَيْرً مِنْهَا إِنَّ إِلَى رَبِنَا رَغِبُونَ ﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابٌّ وَلَعَذَابٌ
الْآَخِرَةِ أَكْبٌ لَوْكَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ١٧ -٣٣].
فالله تبارك وتعالى يسوق إلى قريش
هذه التجربة من واقع البيئة، ومما هو
متداول بينهم من القصص، فيربط بين
سنته في الغابرين، وسنته في الحاضرين،
ويلمس قلوبهم بأقرب الأساليب إلى واقع
حياتهم(١).
ولما طغى قوم عاد وتكبروا، وقالوا
لنبيهم استهزاء واستهتارًا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا
قُوَةٌ ﴾ [فصلت
فردّ الله عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ
اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بِشَايَِّنَا
يَجْحَدُونَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىّ
أَيَّامٍ شَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ أَلْخِزْيِ فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَىْ وَهُمْ لَا يُصَرُّونَ﴾
[فصلت: ١٥- ١٦].
وقال تبارك وتعالى مخبرًا عن فرعون:
﴿يَتَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَاءِ
غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَنهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَأَجْعَل
◌ِيِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِ
لَأَظُنُّهُ، مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ
وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ
إِلَيْنَالَا يُرْجَعُونَ ، فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ.
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٦٦٦.
فَتَبَذْنَهُمْ فِي الْبَرِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَِقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٣٨-٤٠].
ويصف لنا ربنا -جل جلاله- هذا
الطاغية المتجبر، وإذلاله لموسى عليه
السلام ولقومه، وعدم مبالاته بهم، فقال
تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِىِ الْعَلَّيِنِ حَشِرِينَ )
إِنَّ هَؤُلَاءَ لَشِرْزِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَ يِظُونَ
﴿ وَإِنَّا لَجَمِيعُ حَذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣-٥٦].
فكانت النتيجة: ﴿فَأَخْرَحْنَهُم مِّنِ جَنَّتٍ
وَعُيُونٍ ﴿ وَكُنُزٍ وَمَقَامٍ كَرِبِمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا
٥ فَلَمَّا
فَأَتْبَعُوهُم ◌ُشْرِقِينَ
بَنِىّ إِسْرَّيلَ
تَرَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ )
قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٥٧-
٦٢].
فهذه القصص وغيرها في كتاب الله
تبارك وتعالى لم يقصها الله علینا إلا لأخذ
العظة والعبرة منها، فنبتعد عن الطغيان
وصفات الطغاة.
www. modoee.com
٥٩
حرف الطاء
أسباب الطغيان
لوقوع الطغيان من الإنسان أسباب
تتناولها فيما يأتي:
أولًا: الحسد:
مما يوقع الإنسان في الطغيان فيتجاوز
الحدود: إصابته بداء الحسد، فهو الداء
العضال - إن أصاب الإنسان- وهو «مذموم
وصاحبه مغموم، وهو يأكل الحسنات كما
تأكل النار الحطب ... ، ويقال: الحسد أول
ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب
عصي به في الأرض، فأما في السماء فحسد
إیلیس لآدم، وأما في الأرض فحسد قابيل
لھابیل»(١).
ومن هنا فقد ذمّه الله تعالى في كتابه في
غير موضع، فقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ
النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَا
ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُلْكًا
عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٥٤].
قال القرطبي: ((وهذا هو الحسد بعينه،
وهو الذي ذمه الله تعالى))(٢).
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ
اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَِّ لِلْرِجَالِ نَصِيبٌ
مِمَّا أَكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِمَا اكْنَسَبْنَّ
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ: إِنَّاللَّهَ كَانَ بِكُلِّ
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥١/٥.
(٢) المصدر السابق ٥ /١٦٣.
شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢].
((فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني؛
لأن فيه تعلق البال، ونسيان الأجل، والمراد
النهي عن الحسد: وهو تمني زوال نعمة
الغير، وصيرورتها إليه، أو لا تصير إليه))(٣).
وورد في ذم الحسد خاصة أخبار كثيرة
عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك ما
جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب
الحديث، ولا تحسّسوا، ولا تجسّسوا، ولا
تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا
عباد الله إخوانًا))(٤).
فالحسد الداء الذي يحرق قلب صاحبه
إذا ما رأى لله على غيره منّة، أو أسبغ عليه
نعمة؛ فيدفعه ذلك إلى ممارسة الطغيان،
وهذا كان سبب طغيان اليهود، ورفضهم
قبول رسالة النبي مع أنه مكتوب عندهم
في التوراة، فقد أنكر الله عليهم حسدهم
لرسوله على الرسالة، وحسدهم لأصحابه
على الإيمان، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ
النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِ فَقَدْ ءَاتَيْنَا
(٣) التفسير المنير، الزحيلي ٤٥/٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، ١٩/٨،
رقم ٦٠٦٤، ومسلم في صحيحه، كتاب
البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن
والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها،
١٩٨٥/٤، رقم ٢٥٦٣.
٦٠
جوي
القرآن الكريمِ
الطغيان
ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُلْكًا
عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤].
قال السعدي رحمه الله: ((وهذا من قبائح
اليهود وحدهم للنبي صلی الله عليه وسلم
والمؤمنين، أن أخلاقهم الرذيلة، وطبعهم
الخبيث حملهم على ترك الإيمان بالله
ورسوله، والتعوض عنه بالإيمان بالجبت
والطاغوت، وهو الإيمان بكل عبادة لغير
الله، أو حكم بغير شرع الله))(١).
ولاشك أن ذلك ناتج عن الحقد والحسد
لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال
سبحانه: ﴿وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
زَّيِّكَ مُطُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤].
قال الطبري رحمه الله: ((يعني بالطغيان:
الغلو فى إنكار ما قد علموا صحته من نبوة
محمد صلى الله عليه وسلم والتمادي في
ذلك)»(٢)
«فبسبب من الحقد والحسد، وبسبب من
افتضاح أمرهم فيما أنزل الله إلى رسوله،
سيزيد الكثيرون منهم طغيانًا وكفرًا؛ لأنهم
وقد أبوا الإيمان لابد أن يشتطوا في الجانب
المقابل، ولابد أن يزيدوا تبجّحًا ونكرًا،
وطغيانًا وكفرًا، فيكون الرسول صلى الله
عليه وسلم رحمة للمؤمنين، ووبالًا على
المنکرین»(٣)
٠
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ١٨٢.
(٢) جامع البيان، ١٠/ ٤٥٧.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٩٢٩.
والخلاصة: أن الحسد يدفع بصاحبه
إلى الطغيان، وتجاوز الحدود، وقد يصل
به الأمر إلى الكفر بالله سبحانه، وتکذیب
الرسالة، كما فعل اليهود مع النبي صلى الله
علیه وسلم.
ثانيًا: العجب والغرور:
العجب والغرور هو آفة الطغاة في عتوّهم
وتجبرهم وعدم قبولهم الحق والانصياع له؛
ولذلك قال الله عز وجل ذاكرًا حال قوم عاد
لما طغوا وتكبّروا على ربهم، ثم على نبيهم:
﴿فَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ بَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى
خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ [فصلت: ١٥].
((أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم،
واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله)) (٤).
قال سيد رحمه الله: «إن الحق أن يخضع
العباد لله، وألا يستكبروا في الأرض،
وهم من هم بالقياس إلى عظمة خلق الله،
فكل استكبار في الأرض فهو بغير الحق،
استكبروا واغتروا ﴿وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةٌ ﴾
وهو الشعور الكاذب الذي يحسه الطغاة،
الشعور بأنه لم تعد هناك قوة تقف إلى
قوتهم، وينسون: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهُ الَّذِى
خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ إنها بديهة أولية، إِن
الذي خلقهم من الأصل أشد منهم قوة؛ لأنه
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٩/٧.
www. modoee.com
٦١
حرف الطاء
هو الذي مكّن لهم في هذا القدر المحدود
وَكَانُواْ
من القوة، ولكن الطغاة لا يذكرون:
بِشَايَتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥]))(١).
«ويبرز فرعون في جاهه وسلطانه، وفي
زخرفه وزينته، يخلب عقول الجماهير
الساذجة بمنطق سطحي، ولکنه یروج بین
الجماهير المستعبدة في عهود الطغيان،
المخدوعة بالأبهة والبريق: ﴿يَقَوْمِ أَلَيْسَ لِ
مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىّ أَفَلَا
﴾ [الزخرف: ٥١]) (٢)
تَبْصِرُونَ
ولم يكتف بهذا العجب، بل زاد عليه
احتقارًا لموسى عليه السلام: ﴿أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْ
هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينٌ﴾ [الزخرف:
٥٢].
يقول تعالى مخبرًا عن قول فرعون
لقومه بعد احتجاجه علیھم بملکه وسلطانه،
وبيان لسانه، وتمام خلقه، وفضل ما بينه
وبين موسى بالصفات التي وصف بها
نفسه وموسى: أنا خير أيها القوم، وصفتي
هذه الصفة التي وصفت لكم ﴿ أَمْ أَنا
خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ﴾ لا شيء له من
الملك والأموال مع العلة التي في جسده،
والآفة التي بلسانه، فلا يكاد من أجلها يبين
كلامه؟(٣).
ويستعرض قارون ملكه وقوته أمام
(١) في ظلال القرآن ٣١١٧/٥.
(٢) المصدر السابق ٣١٩٣/٥.
(٣) جامع البيان، الطبري ٦١٧/٢١.
الجماهير المنبهرين بزينة الحياة الدنيا،
ويخرج على قومه في أبّهة، يقول سبحانه
مبيّنًا ما كان عليه من العجب والغرور:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَيْهِ، قَالَ الَّذِينَ
يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوْنِى
قَدرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩].
((أي: فخرج ذات يوم على قومه في
زينة عظيمة، وتجمّلِ باهر من مراكب
وخدم وحشم، مريدًاً بذلك التعالي على
الناس، وإظهار العظمة؛ وذلك من الصفات
البغيضة، والافتخار الممقوت، والخيلاء
المذمومة لدى عقلاء الناس من جرّاء
أنها تقوّض كيان المجتمع، وتفسد نظمه،
وتفرّق شمل الأمة، وتقسمها طبقات، وفي
ذلك تخاذلها، وطمع العدو في امتلاك
ناصيتها)) (٤).
ثالثًا: العناد والكبر:
من أبرز الأسباب الحاملة على الطغيان:
العناد، فالطاغية يعرف تمام المعرفة أنه
على باطل، غير أنه يترك الحق ويكابر عنادًا
وكبرًا وعلوًّا، وقد قصّ الله سبحانه علينا في
كتابه ما يدل على هذه الحقيقة، قال سبحانه
وتعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ
ظُلْمًا وَعُدُوَّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾
[النمل: ١٤].
(٤) تفسير المراغي ٢٠/ ٩٧-٩٨.
٦٢
جوية
القرآن الكريم
الطغيان
(أي: تيقّنوا أنها من عند الله، وأنها
لیست سحرًا، ولکنھم کفروا بها، وتکېّروا
أن يؤمنوا بموسى، وهذا يدل على أنهم كانوا
معاندین))(١).
وفي تفسير المنار: ((أي: عاندوا موسى
عليه السلام عنادًا بإظهار الكفر بها في
الظاهر مع استيقانها في الباطن، وأن سبب
هذا الجحود هو الظلم والعلو والكبرياء في
الأرض))(٢).
وبيّن تبارك وتعالى أن التخويف للطغاة
لا يزيدهم إلا طغيانًا على طغيانهم، وعنادًا
على عنادهم، وكبرًا على كبرهم، قال
سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ
بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِىِّ أَرَيْنَكَ إِلََّ فِتْنَةً
لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ وَتُخَوِّفُهُمْ فَمَا
يَزِيدُهُمْ إِلَّأَّ ◌ُطُغْيَنًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠].
(أي: نخوّفهم بالآيات فما يزيدهم
التخويف إلا طغيانًا متجاوزًا للحد، متماديًا
غاية التمادي، فما يفيدهم إرسال الآيات
إلا الزيادة في الكفر، فعند ذلك نفعل
بهم ما فعلناه بمن قبلهم من الكفار، وهو
عذاب الاستئصال، ولكنا قد قضينا بتأخير
العقوبة»(٣).
وأخبر سبحانه أن كفار قريش لم يكونوا
یکذّبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقال:
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٣/١٣.
(٢) المنار، رشيد رضا ٩/ ٤٧١.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٢٨٤/٣.
﴿فَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِعَايَتِ اَللَّهِ
يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
(بمعنى: أنهم لا يكذبونك علمًا، بل
يعلمون أنك صادق، ولكنهم يكذبونك
قولًا، عنادًا وحسدًا)»(٤).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة
والسدي ومقاتل: هذا في المعاندين الذين
عرفوا صدق محمد صلی الله عليه وسلم،
وأنه غير كاذب فيما يقول، ولكنهم عاندوا
وجحدوا(٥).
وإن من أبرز الشخصيات التي تمثّل هذا
الكبر والعلو شخصية الطاغية فرعون، فقد
مارس كل صنوف الطغيان بحق قومه، قال
الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ﴾
[القصص: ٤].
((أي: تكبّر وتجبّر وطغى))(٦).
وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص ٣٩].
((المراد بالأرض: أرض مصر،
والاستكبار: التعظيم بغير استحقاق، بل
بالعدوان؛ لأنه لم یکن له حجة يدفع بها ما
جاء به موسى، ولا شبهة ينصبها في مقابلة
ما أظهره من المعجزات))(٧).
(٤) جامع البيان، الطبري ٣٣١/١١.
(٥) انظر: الوسيط، الواحدي ٢٦٥/٢.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٢٠.
(٧) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٢٠٠.
www. modoee.com
٦٣
حرف الطاء
رابعًا: الرفاهية والإسراف في الشهوات:
لم يرد الإسراف في القرآن الكريم
إلا على سبيل الذم، فقد نهانا المولى
سبحانه عن الإسراف، وأخبرنا أنه لا يحب
المسرفين، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ.
لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
[الأعراف: ٣١].
وأمرنا سبحانه بعصيان أمر المسرفين،
فقال: ﴿وَلَا تُطِيعُواْ أَمَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء:
١٥١].
فأهل الإسراف في بعد عن الهداية ﴿إِنَّ
اَللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَتَّابٌ﴾ [غافر:
٢٨].
وفي قرب من الضلال ﴿كَذَلِكَ
يُضِلُّ اَللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:
٣٤].
ومن كان هذا حاله فمصيره إلى العذاب
في الدنيا ﴿ثُمَّصَدَ قْنَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنَجَيْنَهُمْ وَمَن
نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩].
والنار في الآخرة ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ
أَصْحَبُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣].
والإسراف صفة ملازمة للطغاة،
ومسلكهم في الحياة دليل شاهد، وهو ملازم
للعلو؛ ولذلك قال تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ
فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾
[يونس: ٨٣].
قال الطبري: ((وإنه لمن المتجاوزين
الحق إلى الباطل؛ وذلك كفره بالله، وتركه
الإيمان به، وجحوده وحدانية الله، وادعاؤه
لنفسه الألوهة، وسفكه الدماء بغير حلها)» (١).
وقال الألوسي: ((أي: المتجاوز الحد في
الظلم والفساد بالقتل وسفك الدماء أو في
الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية، واسترق
أسباط الأنبياء عليهم السلام))(٢). ((ومن
هذه حالته لا يزعه عن إلحاق الضر بأضداده
وازع))(٣).
((أي: مسرف في أمره، سخيف الرأي
على نفسه» (٤).
ويقول جل وعلا: ﴿مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ
عَالِيًّا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١].
وقد أخبر تبارك وتعالى عن صفات
الطغاة من أهل النار ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ
مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥].
أي: کانوا في الدار الدنيا منعمین مقبلين
على لذّات أنفسهم، لا يلوون على ما
جاءتهم به الرسل(٥). فالترف والتنعم هو
السبب الذي أقحمهم ابتداء في الطغيان
والاستکبار، ومن ثمّ إِلی نار جهنم، وبئس
المصير.
(١) جامع البيان، ١٥/ ١٦٧.
(٢) روح المعاني، ٦/ ١٥٩.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٢٦٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ /٢٥٥.
(٥) المصدر السابق ٥٣٨/٧.
٦٤
جوبي
القرآن الكريمِ
الطغيان
وذكر تبارك وتعالى أن من صفات الطغاة
المستكبرين الاستمتاع بالحياة الدنيا ولذتها
دون النظر إلى أمور الآخرة، والعمل لها،
فقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ
أَذْهَبْتُمْ طَبِكُمْ فِى حَيَاتِكُ الدُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم بِهَا
قَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُمْ نَسْتَكِرُونَ فِى
اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الَّْ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف:
٢٠].
(فقد كانوا يملكون الطيبات إذن،
ولكنهم استنفدوها في الحياة الدنيا، فلم
يدّخروا للآخرة منها شيئًا، واستمتعوا بها
غير حاسبين فيها للآخرة حسابًا، استمتعوا
بها استمتاع الأنعام للحصول على اللذة
بالمتاع، غير ناظرين فيها للآخرة، ولا
شاكرين لله نعمته، ولا متورّعين فيها عن
فاحش أو حرام، ومن ثمّ كانت لهم دنيا،
ولم تكن لهم آخرة، واشتروا تلك اللمحة
الخاطفة على الأرض بذلك الأمد الهائل
الذي لا يعلم حدوده إلا الله! ﴿فَلْيَوْمَ تُمْزَوْنَ
عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ
اَِْ وَبِمَاَ كُمْ نَفْسُقُونَ﴾ وكل عبد يستكبر في
الأرض فإنما يستكبر بغير حق، فالكبرياء لله
وحده، وليست لأحد من عباده في كثير أو
قليل، وعذاب الهون هو الجزاء العدل على
الاستكبار في الأرض، فجزاء الاستكبار
الهوان، وجزاء الفسوق عن منهج الله
وطريقه الانتهاء إلى هذا الهوان أيضًا، فإن
العزة لله ولرسوله وللمؤمنين)»
(١)
خامسًا: الاستغناء:
من أبرز الأسباب الحاملة على الطغيان:
الغنى، قال الحسن البصري رحمه الله:
والله ما بسطت الدنيا لعبد إلا طغى كائناً من
كان، ثم تلا قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّالْإِنسَنَ لَطْفَى
(١) أَن ◌َّدَاهُ أُسْتَغْفَ﴾ [العلق: ٦-٧].
فأخبر تعالى عن الإنسان أنه ذو فرح
وأشر وبطر وطغيان، إذا رأى نفسه قد
استغنى، و کثر ماله(٢).
وكان سبب نزول هذه الآية ما رواه
الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يعفّر محمد
وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال:
واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن
على رقبته، أو لأعفّرن وجهه في التراب،
قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال:
فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه،
ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن
بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولا وأجنحة،
فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لو
دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا)
قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٦٤/٦ -
٣٢٦٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٧/٨.
www. modoee.com
٦٥
حرف الطاء
يَظْفَ﴾ (١).
فقد بينت هذه الآية حقيقة نفسية عظيمة
((والمعنى: أن ما قاله أبو جهل ناشئ عن من الأخلاق وعلم النفس، ونبّهت على
الحذر من تغلغلها في النفس» (٢).
طغيانه بسبب غناه كشأن الإنسان، والتعريف
في الإنسان للجنس، أي: من طبع الإنسان
أن يطغى إذا أحس من نفسه الاستغناء،
واللام مفيدة الاستغراق العرفي، أي: أغلب
الناس في ذلك الزمان إلا من عصمه خلقه
أو دينه ... ، والطغيان: التعاظم والكبر،
والاستغناء: شدة الغنى، فالسين والتاء فيه
للمبالغة في حصول الفعل مثل استجاب
واستقر.
و﴿أَنْ رَّمَاءُ﴾ متعلق بـ(يطغى) بحذف
لام التعليل؛ لأن حذف الجار مع (أن) كثير
شائع، والتقدير: إن الإنسان ليطغى لرؤيته
نفسه مستغنيًا.
وعلة هذا الخلق أن الاستغناء تحدّث
صاحبه نفسه بأنه غير محتاج إلى غيره، وأن
غيره محتاج، فيرى نفسه أعظم من أهل
الحاجة، ولا يزال ذلك التوهم يربو في نفسه
حتى يصير خلقًا حيث لا وازع يزعه من
دین، أو تفکیر صحیح، فيطغى على الناس
لشعوره بأنه لا یخاف بأسهم؛ لأن له ما يدفع
به الاعتداء من لأمة سلاح وخدم وأعوان
وعفاة ومنتفعين بماله من شركاء وعمال
وأجراء فهو فى عزة عند نفسه.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنة والنار، باب قوله: (كلا إن الإنسان
ليطغى)، ٢١٥٤/٤، رقم ٢٧٩٧.
ومن أبرز قصص القرآن التى تبرز الطغيان
بسبب الاستغناء بالمال، قصة قارون.
قال تعالى: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ
مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّ إِنَّ مَفَاتِحَهُ.
لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا
تَفْرَعٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٦) وَأَبْتَغِ فِيمَآً
ءَاتَئِكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ
مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ وَلَا
تَبْغِ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَلَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
(٦) قَالَ إِنَّمَا أُوِتُهُ, عَلى عِلْمٍ عِندِىُّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ
اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُ
مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جْعَاً وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ
الْمُجْرِمُونَ { فَخَرَجَ عَى قَوْمِهِ، فِىِ زِينَتِهٌِ
قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا
مِثْلَ مَّا أُوتِي قَرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ
V
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ
خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا وَلَا يُلَقَّهَا إِلَّا
الضَبِرُونَ ن ◌َسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ اَلْأَرْضَ فَمَا
كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ، مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ
مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٧٦ -٨١].
((هكذا تبدأ القصة فتعيّن اسم بطلها
(قارون) وتحدّد قومه (قوم موسى) وتقرّر
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٤٤/٣٠ -
٤٤٥.
بَرُ النَّفِيـ
جوبيبو
القرآن الكريمِ
٦٦
الطغيان
مسلكه مع قومه، وهو مسلك البغي ﴿فَغَى
عَلَيْهِمْ﴾ وتشير إلى سبب هذا البغي وهو
الثراء ﴿وَءَانَيْلَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوَأُ
بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ ﴾ ثم تمضي بعد ذلك في
استعراض الأحداث والأقوال والانفعالات
التي صاحبتها في النفوس.
لقد كان قارون من قوم موسى، فآتاه الله
مالًا کثیرًا، يصوّر کثرته بأنه کنوز، والکنز
هو المخبوء المدخر من المال الفائض
عن الاستعمال والتداول، وبأن مفاتح هذه
الكنوز تعیی المجموعة من أقوياء الرجال،
من أجل هذا بغى قارون على قومه، ولا
یذکر فیم کان البغي ليدعه مجهولا يشمل
شتى الصور، فربما بغى عليهم بظلمهم
وغصبهم أرضهم وأشياءهم، كما يصنع
طغاة المال في کثیر من الأحیان، وربما بغی
عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال)»(١).
ومن أبرز قصص الطغيان في القرآن قصة
صاحب الجنتين.
قال سبحانه: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَا تَّجُلَيْنِ
جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهُا بِنَخْلٍ
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًاً ) كِلْنَا الْجَنَيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا
وَلَمْ تَظْلِرِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَهُمَا نَهْرًا
وَكَانَ لَّهُ ثَمَرَ فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ
مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ
ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَعُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِيِهِ أَبَدًّا لل
٣٥
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤٤٢/٥.
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةً وَلَپن ◌ُِّدُ إِلَى رَبِّ
لَأَجِدَتَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٢-٣٦].
فهما جنتان مثمرتان من الكروم،
محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما
الزروع، ويتفجر بينهما نهر، إنه المنظر
البهيج، والحيوية الدافقة، والمتاع والمال.
﴿كِلْنَا الْجََّيْنِ ءَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ
شَيْئًا﴾ ويختار التعبير كلمة ﴿تَظْلِ﴾ في
معنى تنقص وتمنع، لتقابل بين الجنتين
وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم یشکر،
وازدهی وتکبر.
وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه
بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحسّ بالزهو،
وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس،
ويتعالى على صاحبه الفقير ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ.
وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَا لَا وَأَعَزُّ نَفَرًّا
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين،
وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور؛ وقد
نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه؛
وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدًا،
أنكر قيام الساعة أصلًا، وهبها قامت فسيجد
هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب
الجنان في الدنيا، فلابد أن يكون جنابه
ملحوظًا في الآخرة!
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا
أَخْلُقُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا (٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ
قَآيِمَةً وَلَيْن ◌ُدِدْتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرَاً مِّنْهَا
www. modoee.com
٦٧
حرف الطاء
مُنْقَلَبًا ﴾ [الكهف: ٣٥-٣٦].
(إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان
والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها
أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم
حتى في الملأ الأعلى! فما داموا یستطیلون
علی أهل هذه الأرض، فلا بد أن یکون لهم
عند السماء مكان ملحوظ!))(١).
ومن القصص التي تبيّن أن الاستغناء
سبب من أسباب الطغيان قصة أصحاب
الجنة ﴿إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ اَلْجَنَِّ إِذْ أَقْتَمُواْ
(١) وَلَا يَسْتَشُْنَ ﴿٨ فَطَافَ عَلَيْهَا
◌َصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِ
طَابِفُ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ
فَثَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ { أَنِ أَغْدُواْ عَلَى حَرّيِّكُمْ إِن كُمْ
صَرِمِينَ ﴿ فَأَنْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ { أَنْلَّا يَدْخُلَهَا
أَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ، وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْدٍ قَدِرِنَ فَّاً
رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَصَلُونَ ا بَلْ تَحْرٌ مَخْرُومُونَ (٧) قَالَ
أَوْسَكُلُهُمْ أَمْ أَقُل لَّكُمْلَوْلَا تُسَبِّحُونَ { قَالُواْ سُبْحَنَ رَيِّناً
إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ ؟ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَوَمُونَ
قَالُواْ يَوْتِلْنَا إِنَّا كُنَّا طَيِغِيْنَ ا عَسَى رَبَّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا
خَيْرً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَيْنَارَ غِبُونَ﴾ [القلم: ١٧-٣٢].
ومن القصص التي تبرز الطغيان بسبب
الاستغناء بالقوة الجسدية قصة عاد:
فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ
اْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوْلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بَِايَتِنَا
يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].
(١) المصدر السابق ٦٤/٥.
يقول تعالى ذكره: ﴿فَأَمَّا عَادٌ﴾ قوم هود
﴿فَاسْتَكېرُوا﴾ على ربهم وتجّروا ﴿فِى
الْأَرْضِ﴾ تكبرًا وعتوًّا بغير ما أذن الله لهم
به ﴿وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةٌ أَوْلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِى خَلَقَهُمْ﴾ وأعطاهم ما أعطاهم من عظم
الخلق، وشدة البطش ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ﴾
فيحذروا عقابه، ويتقوا سطوته لكفرهم
به، وتكذيبهم رسله، يقول: ﴿وَكَانُواْ بِشَايَئِنَا
يَجْحَدُونَ﴾ وكانوا بأدلتنا وحججنا عليهم
يجحدون(٢).
سادسًا: الأولاد:
حذّر الله تبارك وتعالى في كتابه من
فتنة المال والولد، فقال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّمَا أَمْوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةٌ وَاَللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ
عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥].
فهذا تحذير من الله للمؤمنين من الاغترار
بالأزواج والأولاد، فإن بعضهم عدو لكم،
والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك
الحذر ممن هذه وصفه، والنفس مجبولة
على محبة الأزواج والأولاد، فنصح تعالى
عباده وحذّرهم أن توجب لهم هذه المحبة
الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان
فيها ما فيها من المحذور الشرعي، ورغّبهم
في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده
من الأجر العظيم المشتمل على المطالب
(٢) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٤٤.
٦٨
جوببيو
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ