النص المفهرس
صفحات 21-40
الظل سادسًا: انتقام الله من قوم شعيب فأخذ بأنفاسهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء بعذاب يوم الظلة: بيّن الله تعالى أنه لما ظلم قوم شعيب عليه السلام، وكذّبوا رسولهم، وطفّفوا الكيل، وبخسوا الناس أشياءهم، انتقم الله منهم بعذاب يوم الظلة، وبيّن أن عذاب يوم الظلة عذابٌ عظيم، والظلة: سحابة أظلتهم فأضرمها الله عليهم نارًا، فأحرقتهم. فقال تعالى في قوم شعيب عليه السلام: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ، كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩]. فإن قيل: الهلاك الذي أصاب قوم شعيب عليه السلام ذكر الله تعالى في (الأعراف) أنه رجفة، وذکر في (هود) أنه صيحة، وذکر في (الشعراء) أنه عذاب يوم الظلة. فالجواب: ما قاله ابن كثير رحمه الله في تفسيره، حيث قال: ((وقد اجتمع عليهم ذلك كله، أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام منه))(١). وقد وصف المفسرون عذاب يوم الظلة بأوصاف مختلفة، فيقول ابن عجيبة: ((وذلك بأن سلّط عليهم الحر سبعة أيام بلياليها، (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٩/٣. ولا شرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا فيها بردًا ونسيمًا، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا جميعًا، وقيل: رفع لهم جبل، فاجتمعوا تحته، فوقع عليهم، وهو الظلة، وقيل: لما ساروا إلى السحابة صيح بهم فهلكوا. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: في الشدة والهول، وفظاعة ما وقع فيه من الطامة والداهية التامة)» (٢). وقال السعدي: ((أظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها مستلذين؛ لظلها غير الظليل، فأحرقتهم بالعذاب، فظلوا تحتها خامدين، ولديارهم مفارقين، ولدار الشقاء والعذاب نازلين. ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لا كرّة لهم إلى الدنيا، فيستأنفوا العمل، ولا يفتر عنهم العذاب ساعة، ولا هم ينظرون)) (٣). إلا أننا نجد أن الله تعالى لم يذكر كيفية عذاب يوم الظلة، حتى إن ابن عباس قال: من حدّثك ما عذاب يوم الظلة فقد كذب، وذكر في حديثها تطويلات (٤). وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلة دون نفسها إيذان بأن لهم يومئذٍ عذابًا آخر غير (٢) البحر المديد، ابن عجيبة ٣٤٩/٤. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ٥٩٧. (٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤٢٨/٨. www. modoee.com ٢٧٥ حرف الظاء عذاب الظلة (١). سابعًا: تشبيه موج البحر بالظلل: شبّه الله تعالى موج البحر الذي يغشي المشركين بـ (الظلل)، فأخبر تعالى من حال المشركين أنهم إذا ركبوا السفن وعلتهم الأمواج من حولهم كالسحب والجبال، أصابهم الخوف والذعر من الغرق، ففزعوا إلى الله، وأخلصوا دعاءهم له، فلما نجاهم إلى البر فمنهم متوسط، لم يقم بشكر الله على وجه الكمال، ومنهم كافر بنعمة الله جاحد لها، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كُلُّلَلِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَ فَلَمَّا نَجَّنُهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْنَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِعَايَلِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارِ كَفُورٍ ﴾ [لقمان: ٣٢]. ومعنى قوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: إذا غشي المشركين موج، وهم على ظهر السفينة، فخافوا ﴿دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: دعوا الله وحده، ولم یذکروا آلهتهم. والغشي والغشيان: الإحاطة من كل جانب، مأخوذ من الغشاء، بمعنى: الغطاء، فيقال: غشا الظلام المكان، إذا حل به (٢). وأصل الموج: الحركة والازدحام، ومنه قولهم: ماج البحر: إذا اضطرب وارتفع ماؤه(٣). (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ٢٦٣. (٢) الوسيط، سيد طنطاوي ١/ ٣٣٧٤. (٣) المصدر السابق . وشبّه الموج وهو واحد بالظلل وهي جمع؛ لأن الموج يأتي شيء منه بعد شيء، ويركب بعضه بعضًا كهيئة الظلل(٤). قال الشوكاني: «شبّه الموج لکبره بما يظل الإنسان من جبل أو سحاب أو غيرهما، وإنما شبّه الموج وهو واحد بالظلل وهي جمع؛ لأن الموت يأتي شيئًا بعد شيء، ويركب بعضه بعضًا، وقيل: إن الموج في معنى الجمع؛ لأنه مصدر، وأصل الموج الحركة والازدحام، ومنه يقال: ماج البحر، وماج الناس))(٥). وقوله: ﴿كَالظُّلَلِ﴾ أي: كالجبال، وقيل: كالسحاب، والظّلل: جمع ظلة، كغرفة وغرف، وهي ما أظل غيره من سحاب أو جبل أو غيرهما، وشبّه الموج بها في كثرتها وارتفاعها، كقول النابغة في صفة بحر" یماشیھن أخضر ذو ظلال على حافاته فلق الدنان وفي تشبيه الموج بالظل وجهان: أحدهما: لسواده. الثاني: لعظمه(٧). قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((یخبر تعالى أنه هو الذي سخّر البحر لتجري فيه (٤) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٥٦. (٥) فتح القدير ٣٤٨/٤. (٦) الكشف والبيان، الثعلبي ١١/ ٥٣. (٧) النكت والعيون ٣٤٢/٣. ٢٧٦ جَوَنُور القرآن الكريمِ الظل الفلك بأمره، أي: بلطفه وتسخيره، فإنه لولا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت؛ ولهذا قال: ﴿لِيُرِيَكُ مِنْ ءَايَتِهِةً﴾ أي: من قدرته، ﴿إِنَّفِ ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارِشَكُورٍ﴾ أي: صبار في الضراء، شكور في الرخاء. ثم قال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَأَلظلَلِ﴾ أي: كالجبال والغمام، ﴿دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ اُلُّرُّ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]. وقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْقُلْكِ دَعَواْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]))(١). ثامنًا: الظل الظليل في الجنة: وصف الله تعالى ظل الجنة بأنه ظليل، فقال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلََّ ظَلِيلًا ﴾ [النساء: ٥٧]. ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، فقال: [الرعد: ٣٥]. ﴿أُكُلُهَا دَابِرٌ وَظِلُّهَاْ ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود، فقال: ﴿وَظِلٍ تَّمَّدُورِ﴾ [الواقعة: ٣٠]. وبيّن في موضع آخر أنها ظلال متعددة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَلٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١]. وذكر في موضع أنهم في تلك الظلال متكئون مع أزواجهم على الأرائك، فقال: (١) تفسير القرآن العظيم، ٣٥١/٦. ◌ْهُمْ وَأَزْوَجُهُمِنِى ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَآيِكِ مُتَّكِئُونَ [يس: ٥٦]. فإن قلت: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرها، فما فائدة وصفها بالظل الظليل؟ وأيضًا يرى في الدنيا أن المواضع التي يدوم الظل فيها، ولا يصل نور الشمس إليها یکون هواؤها عفنا فاسداً، فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟ والجواب نقول: إن الواجب على المؤمن التصديق بوجود ظل في الجنة - كما أثبتت الآيات السابقة-، ولو لم يكن ثمة شمس ولا حر؛ لأن عالم الآخرة -ومنه الجنة- عالم غيبي، لا يعرف حقيقة ما فيه، ولا يتشابه مع ما في الدنيا إلا بالأسماء فقط، وقد ورد أن: (في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظَلِ تَمْدُورِ﴾ [الواقعة: ٣٠])(٢). في هذا الحديث رد على من يقول: إن الأشجار في الجنة لا ظل لها. وقد سئل السبكي عن الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا إذا تراءت له شجرة يقول: (يا رب أدنني من هذه الأستظل في (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم ٣٠٨٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها، رقم ٢٨٢٦. www. modoee.com ٢٧٧ حرف الظاء ظلها ... ) الحديث(١)، فمن أي شيء يستظل يقول: هو دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا یزول ولا یبید، ولکنه ثابتٌ إلى غير نهاية، والشمس قد كوّرت؟ وظلها أيضًا دائم؛ لأنه لا شمس فيها)» (٤). فأجاب بقوله تعالى: ﴿وَظِلّ ◌َمَدُورٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]. ومشهد الظل الدائم، والثمر الدائم، مشهد تطمئن له النفس وتستريح. وبقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَآيَكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]؛ إذ لا يلزم من تكوير الشمس عدم الظل؛ لأنه مخلوق لله تعالی، وليس بعدم، بل أمر وجودي له نفع بإذن الله تعالى في الأبدان وغيرها، فليس الظل عدم الشمس كما قد يتوهم(٢). أخبر الله عن ظل الجنة بأنه ظليل، فقال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]. أي: وندخلهم ظلّا كثيفًا ممتدًا في الجنة، فوصف في هذه الآية الكريمة ظل الجنة بأنه ظليل، والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل؛ للتأكيد(٣). دوام ظل الجنة: قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَابِرٌ وَظِلُهَاً ﴾ [الرعد: ٣٥] أي: ما یؤکل فيها دائم لا يفنى، وظلها دائم لا ينسخ، و﴿وَظِلُهَا ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، وحذف منه الخبر بدليل وللشيء الذي لا ينقطع: ممدود (٢)، كما قال الخبر السابق ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾، وفيه من لبيد(٧): البلاغة الإيجاز بالحذف. يقول الطبري: ((يعني: ما يؤكل فيها، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب آخر أهل النار خروجًا، رقم ٤٨١. (٢) السراج المنير، الشربيني ١ / ٤٤٦٠. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٩٦٩. (٤) جامع البيان، الطبري ١٦/ ٤٧٢. (٥) جامع البيان، ٢٣/ ١١٤. (٦) الكشف والبيان، الثعلبي ١٠١/١٣. (٧) البيت للبيد نسبه إليه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/ ٢٥٠. ٢٧٨ القرآن الكريم الظل الممدود في الجنة: قال تعالى: ﴿وَظِلِ تَمْدُورِ﴾﴾ [الواقعة: ٣٠]. أي: لا نهاية له؛ لأن الجنة ليس فيها شمس، بل هي ظل، وصفها بعض السلف بأنها كالنور الذي يكون قرب طلوع الشمس، تجد الأرض مملوءة نورًا، ولكن لا تشاهد شمسًا، فهو ظل ممدود في المساحة والزمن. قال الطبري: «وهم في ظل دائم لا تنسخه الشمس فتذهبه ... ، وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار، وقال به أهل العلم»(٥). فیکون معنى: ﴿وَظّ مَّدُورِ﴾ أي: لا نهاية له؛ لأن الجنة ليس فيها شمس، بل هي ظل، وكل ما لا انقطاع له فإنه ممدود، فالعرب تقول للدهر الطويل والعمر الطويل، الظل غلب البقاء و کنت غیر مغلّب وفي قوله: ﴿فِ ظِلَلِ﴾ هذه قراءة دهرٌ طويلٌ دائم ممدود العامة، وقرأ الأعمش والزهري وطلحة وقيل الظل الممدود: المستوعب للزمان والأعرج: ﴿ظَلَلٍ﴾ جمع ظلّة، يعني في الجنة (٦). والمكان، فھو دائم الاستمداد، کما بین الإسفار وطلوع الشمس، لا فناء له، ولا نهاية (١). وظاهر الآثار يقتضي أنه ظل الأشجار؛ فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلّ ◌َمْدُورُ﴾ [الواقعة: ٣٠])(٢)(٣). ظلال المتقين في الجنة: أخبر سبحانه أن المتقين في الجنة في ظلال، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِي ظِلَلِ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١]. والمراد بالظلال: ظلال الأشجار، وظلال القصور (٤). قال السعدي: ((﴿فِ ظِلَلِ﴾ من كثرة الأشجار المتنوعة، الزاهية البهية»(٥). (١) نظم الدرر، البقاعي ٣٢٩/٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم ٣٠٨٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها، رقم ٢٨٢٦. (٣) روح المعاني، الألوسي ٢٢٤/٢٠. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٧/١٩. (٥) تيسير الكريم الرحمن، ص ٩٠٥. الظلل التي تظل المؤمنين وأزواجهم في الجنة: أخبر سبحانه أن المؤمنين وأزواجهم متنعمون بالجلوس على الأسرّة المزيّنة، تحت الظلال الوارفة، فقال تعالى: وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَآيِكِ مُتَّكِعُونَ [يس: ٥٦]. قال الطبري: ((واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ بمعنى: جمع ظلّة، كما تجمع الحلة حللاً، وقرأه آخرون: ﴿فِ ظِلَلِ﴾، وإذا قريء ذلك کذلك کان له و جهان: أحدهما: أن يكون مرادًا به: جمع الظّلل الذي هو بمعنی الکنّ، فيكون معنى الكلمة حينئذٍ: هم وأزواجهم في كنّ لا يضحون لشمس كما يضحى لها أهل الدنيا؛ لأنه لا شمس فيها. والآخر: أن يكون مرادًا به جمع ظلّة، فيكون وجه جمعها كذلك نظير جمعهم الخلة في الكثرة: الخلال، والقلّة: قلال))(٧). وعلى القراءتين فالمراد: الفرش والستور (٦) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٧٧/١٦. (٧) جامع البيان، ٥٣٨/٢٠. www. modoee.com ٢٧٩ حرف الظاء التي تظللهم كالخيام والحجال(١). وفي قوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَالٍ﴾ وجهان: أحدهما: وأزواجهم في الدنيا من وافقهم على إيمانهم. الثاني: أزواجهم اللاتي زوّجهم الله تعالی بهن في الجنة من الحور العين. والمراد: أزواجهم المؤمنات، فأطلق حملًا على المقيد، في قوله: ﴿وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَبَبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣]. وذكر الأزواج إبلاغ في الوعيد والإنذار؛ لئلا يحسبوا أن النساء المشركات لا تبعة عليهن(٢). و قوله: ﴿فِ ظِلٍٍ﴾ یحتمل وجھین: أحدهما: في ظلال النعيم. الثاني: في ظلال تسترهم من نظر العيون إليهم(٣). وفسّر الظلال -جمع ظلة - بالملابس ونحوها من الأشياء التي تظل كالستور (٤). دنو الظلال في الجنة: قال تعالى: ﴿وَدَانَةٌ عَلَيْهِمْظِلَلُهَا﴾ [الإنسان: ١٤]. والضمير في ﴿ظِلَلُهَا﴾ عائد إلى (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٥٣٤. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥٥٨/١. (٣) النكت والعيون، الماوردي ٤٤٩/٣. (٤) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٥/٢٣. ﴿ََّّ﴾(٥) أي: قريبة إليهم أغصانها (٦)، وقربت منهم ظلال أشجارها(٧). وإذا دنت الظلال، ودنت القطوف، فهي الراحة والاسترواح على أمتع ما يمتد إليه الخيال (٨). فدنو الظلال: قربها منه، وإذ لم يعهد وصف الظل بالقرب يظهر أن دنو الظلال كناية عن تدلي الأدواح التي من شأنها أن تظلل الجنات في معتاد الدنيا، ولكن الجنة لا شمس فیھا فیستظل من حرها، فتعين أن تركيب: (دانية عليهم ظلالها) مثل يطلق على تدلي أفنان الجنة؛ لأن الظل المظلل للشخص لا يتفاوت بدنو ولا بعد، وقد يكون (ظلالها) مجازًا مرسلًا عن الأفنان بعلاقة اللزوم، والمعنى: أن أدواح الجنة قريبة من مجالسهم، وذلك مما يزيدها بهجة وحسنًا (٩). قال صاحب روح البيان: «فتكون (دانية) من الدنو بمعنى القرب، إما بحسب الجانب، أو بحسب السمك، والضمير إلى الجنة، أو أشجارها، ومعناه: إن ظلال الأشجار في الجنة قربت من الأبرار من جوانبهم، حتى صارت الأشجار بمنزلة المظلة عليهم، وإن (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٦٥٨/١. (٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩١/٨. (٧) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ١٠٣. (٨) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤١٧/٧. (٩) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٦٥٨/١. جَوَنُوبَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٢٨٠ الظل كان لا شمس فيها مؤذية لتظلهم منها، ففيه بيان لزيادة نعيمهم، وكمال راحتهم، فإن الظل في الدنيا للراحة))(١). تاسعًا: الظل من يحموم، والظل الذي لا يغني من اللهب: وصف الله تعالى ظل أهل النار بقوله: ﴿وَظِلٍ مِّنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]. وهو دخان جهنم الأسود، الذي لا يقي حرًا، ولا يدفع عطشًا، ولا يجد المستظل به مما یشتهیه لراحته سوی شرر النار الهائل. وتنوعت عبارات المفسرين في هذا الظل الذي هو من يحموم، فقال ابن كثير: ((﴿وَظِلّ مِّنْ يَحْمُومٍ﴾ قال ابن عباس: ظل الدخان، وكذا قال مجاهد وعكرمة وأبو صالح وقتادة والسدي وغيرهم»(٢). وقال السعدي: ((﴿ وَظِلٍ مِّنْ يَحْتُمٍ﴾ أي: لهب نار، يختلط بدخان))(٣). قال في روح البيان: ((ووصف اليحموم بأنه: دخان أسود بهيم، فإن اليحموم الدخان والأسود من كل شيء، كما في القاموس، تقول العرب: أسود يحموم، إذا كان شديد السود، قال الضحاك: النار سوداء، وأهلها سود، و کل شيء فيها أسود؛ ولذا لا یکون في الجنة الأسود إلا الخال، وأشفار العين، (١) روح البيان، إسماعيل حقي ٢٠٩/١٠. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٧/٧. (٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٨٣٤. والحاجب)) (٤) ٠ ﴿لَا بَارِدٍ وَلا كريرِ وقد وصفه الله بأنه: يعني: ليس باردًا يقيهم الحر، ولا كريم حسن المنظر يتنعمون به ويستريحون فيه، فهو لا بارد كما هو الشأن في الظل، ولا کریم، أي: حسن المظهر؛ لأنه دخان كريه منظره، حار مخبره، نسأل الله العافية. ((وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائمًا؛ لأنهم إن تعرّضوا لمهب الهواء أصابهم السّموم، وإن استكنّوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكنّ يكون في ظل من يحموم، وإن أراد التبرّد بالماء من حرّ السموم يكون الماء من حميم، فلا انفكاك له من العذاب». أو يقال: إن السموم يعذّبه فيعطش، و تلتهب نار السموم في أحشائه، فیشرب الماء، فيقطع أمعاءه، فيريد الاستظلال بظل، فيكون ذلك الظل ظل اليحموم، وذكر السموم دون الحميم ودون النار تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، كأنه قيل: أبرد الأشياء في الدنيا حار عندهم، فكيف أحرها؟!(٥). وكذا قال ابن كثير في قوله: «﴿لَّ بَارِدٍوَلا كَرِيرٍ﴾: أي: ليس طيب الهبوب، ولا حسن المنظر، كما قال الحسن وقتادة: (٤) روح البيان، إسماعيل حقي ٢٦٧/٩. (٥) اللباب في علوم الكتاب ١٥/ ٩٠. www. modoee.com ٢٨١ حرف الظاء أي: ولا كريم المنظر، وقال الضحاك: كل فوصف ظل اليحموم بوصف خاص، وهو شراب لیس بعذب فليس بکریم»(١). وقال السعدي: ((﴿لََّ بَارِدٍوَلَا كَرِيرٍ﴾ أي: لا برد فيه ولا كرم، والمقصود: أن هناك الهم والغم، والحزن والشر، الذي لا خير فيه؛ لأن نفي الضد إثبات لضده))(٢). وتأمل کیف سماه ظِلَّا ثم نفی عنه وصفة البرد والکرم! يعني: لا بارد المنزل، ولا كريم المنظر؛ وذلك لأن فائدة الظل ترجع إلى أمرين: أحدهما: دفع الحر. والثاني: حسن المنظر، وكون الإنسان فيه مکرمًا. وظل أهل النار بخلاف هذا؛ لأنهم في ظل من دخان أسود حار (٣)، فتسميته ظلاً هنا على التشبيه التهكمي. قال ابن عاشور: ((ولتحقیق معنی التهكم وصف هذا الظل بما يفيد نفي البرد عنه، ونفي الكرم فبرد الظل ما يحصل في مكانه من دفع حرارة الشمس، وكرم الظل ما فيه من الصفات الحسنة في الظلال، مثل سلامته من هبوب السموم عليه، وسلامة الموضع الذي يظله من الحشرات والأوساخ، وسلامة أرضه من الحجارة ونحو ذلك؛ إذ الكريم من كل نوع هو الجامع لأكثر محاسن نوعه ... ، (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٨/٧. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٨٣٤. (٣) لباب التأويل، الخازن ٤١/٦. انتفاء البرودة عنه، وأُتَبعَ بوصف عام وهو انتفاء كرامة الظلال عنه، ففي الصفة بنفي محاسن الظلال تذكير للسامعين بما حرم منه أصحاب الشمال، عسى أن يحذروا أسباب الوقوع في الحرمان، ولإفادة هذا التذكير عدل عن وصف الظل بالحرارة والمضرة إلى وصفه بنفي البرد، ونفي الكرم» (٤). وهذا الظل ناتج من دخان جهنم، يعذّبون به؛ لأنه وصف الظل بأنه ﴿مِّنْ يَجْهُرٍ﴾؛ للإشعار بأنه ظل دخان لهب جهنم، والدخان الكثيف له ظل؛ لأنه بكثافته يحجب ضوء الشمس، وإنما ذكر من الدخان ظله لمقابلته بالظل الممدود المعد لأصحاب اليمين، في قوله: ﴿وظلّ تَّدُورِ﴾ أي: لا ظل لأصحاب الشمال سوی ظل الیحموم، وهذا من قبيل التهكم(٥) . (٤) التحرير والتنوير ٤٢٧١/١. (٥) المصدر السابق. ٢٨٢ فَضْو مَوَسُولَةُ الَّهـ القرآن الكريم الظل دلالة الظل على قدرة الله وعظمته ورد ذكر الظل والظلال في العديد من الآيات القرآنية على أنه نعمة على قوم، ونقمة على آخرين، ولعل في التدبر في ظاهرة الظل والظلال - كإحدى الظواهر اليومية التي يراها الإنسان في كل بقعة من بقاع الأرض - إدراكٌ لبعض جوانب قدرة الله وعظمته سبحانه وتعالى وإليك بيان ذلك. أولًا: سجود الظلال بالغدو والآصال: بيّن سبحانه وتعالى أن هذا الكون كله خاضع له، وأنه يسجد له أهل السموات والأرض طوعًا وكرهًا، وتسجد له ظلالهم بالغدو والآصال. فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدٌ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَاْأَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]. قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «یخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء؛ ولهذا يسجد له كل شيء طوعًا من المؤمنين، وكرهًا من المشركين، ﴿وَظِلَلُهُم ◌َالْغُدُوِّ﴾ أي: البكر، ﴿وَآلْأَصَالِ﴾ وهو جمع أصيل، وهو آخر النهار))(١). وقال السعدي: ((﴿وَظِلَلُّهُم ◌ِلْغُدُوِّ (١) تفسير القرآن العظيم، ٤/ ٤٤٦. وَآلْأَصَالِ﴾ أي: ويسجد له ظلال المخلوقات أول النهار وآخره، وسجود كل شيء بحسب حاله، كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَمِحُ مِدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]»(٢). وقال ابن الأنباري: ((لا يبعد أن يخلق تعالى للظلال عقولًا وأفهامًا تسجد بها، وتخشع كما جعل للجبال أفهامًا حتى اشتغلت بتسبيح الله، وظهر اسم التجلي فيها، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَّجُلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]))(٣). وقيل: سجودها ميلها بقدرة الله أول النهار إلى جهة المغرب، وآخره إلى جهة المشرق، وادعى من قال هذا أن الظل لا حقيقة له؛ لأنه خيال، فلا يمكن منه الإدراك. قال في اللباب: ((وقيل: المراد من سجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب، وطولها بسبب انحطاط الشمس، وقصرها بسبب ارتفاع الشمس، وهي منقادة مستسلمة في طولها، وقصرها وميلها من جانب إلى جانب، وإنما خص الغدو والآصال بالذكر؛ لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذین الوقتین)»(٤). وذكر الرازي القولين، ثم قال: ((وإنما خصص الغدو والآصال بالذكر؛ لأن الظلال (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص٤١٥. (٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٩/ ٤١١. (٤) المصدر السابق. www. modoee.com ٢٨٣ حرف الظاء إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين)) (١). والصواب القول: إن الله جل وعلا قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يخلق للظل إدراكًا يسجد به لله تعالى سجودًا حقيقيًّا، والقاعدة المقررة عند علماء الأصول: هي حمل نصوص الوحي على ظواهرها، إلا بدليل من كتاب أو سنة. وحاصل القولين السابقين أمران: أحدهما: أن السجود شرعي، وعليه فهو في أهل السموات والأرض من العام المخصوص. والثاني: أن السجود لغوي بمعنى الانقياد والذل والخضوع، وعليه فهو باقٍ علی عمومه. بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية، وهو التحقيق، خلافًا لمن قال بتقديم اللغوية، ولمن قال: يصير اللفظ مجملًا لاحتمال هذا وذاك، وعقد هذه المسألة صاحب (مراقى السعود) بقوله: واللفظ محمول على الشرعي، إن لم يكن فمطلق العرفي (٢). وإليك بعض عبارات المفسرين في سجود الظل: يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨]. قال: وذلك هو فيئه بالعشي ... ، وقال ابن عباس: يسجد ظل الكافر حین یفيء عن يمينه وشماله))(٣). وعن مجاهد: ((﴿وَللَّهِ يَسْجُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَاْأَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]. قال: ظل المؤمن يسجد طوعًا، وهو طائع لله، وظل الكافر يسجد كرها، وهو کارہ)»(٤). وقال الشوكاني: ((﴿وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَاْأَصَالِ﴾ وظلالهم جمع ظل، والمراد به ظل الإنسان الذي يتبعه، جعل ساجدًا بسجوده حيث صار لازمًا له لا ينفك والمقرر في الأصول: أن النص إن دار عنه ... ، فظل المؤمن يسجد لله طوعًا، وظل الكافر يسجد لله كرهًا، وخص الغدو والآصال بالذكر؛ لأنه يزداد ظهور الظلال فيهما، وهما ظرف للسجود المقدر: أي ويسجد ظلالهم في هذين الوقتين ... ، وجاء بـ ﴿مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ تغليبًا للعقلاء على غيرهم، ولكون سجود غيرهم تبعًا لسجودهم، ومما يؤيد حمل السجود على الانقياد ما يفيده تقديم (لله) على الفعل من الاختصاص، فإن سجود الكفار لأصنامهم معلوم، ولا ينقادون لهم كانقيادهم لله قال الطبري: ((وهذا كقوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ (١) مفاتيح الغيب، ١٦٢/٩. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٧٣. (٣) المصدر السابق. (٤) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٤ / ٦٣٠. ٢٨٤ جَوَسُولَةُ التَّقِ القرآن الكريمِ الظل في الأمور التي يقرون على أنفسهم بأنها وذات الشمال، أي: بكرة وعشيا، فإنه من الله، كالخلق والحياة والموت ونحو ساجد بظله لله تعالى ... ، إذا زالت الشمس ذلك))(١). ((والضمير في قوله سبحانه: يعود على ﴿مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ﴾ أي: والله تعالى يخضع له من في السموات والأرض طوعا وكرها، ويخضع له أيضًا بالغدو والآصال ظلال من له ظل منهم؛ لأن هذه الظلال لازمة لأصحابها، والكل تحت قهره ومشيئته في الامتداد والتقلص والحركة والسكون)»(٢). ثانيًا: تفيؤ الظلال عن اليمين والشمائل سجدا لله: أخبر تعالى أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال -أي: بكرة وعشيا- فإنه ساجد بظله لله تعالى. فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآيِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. قال ابن كثير: ((يخبر تعالى في الآية السابقة عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها: جمادها وحيواناتها، ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين، (١) فتح القدير ١٠٥/٣. (٢) الوسيط، سيد طنطاوي ١/ ٢٣٧٢. سجد كلّ شيء لله عز وجل، وقوله: ﴿ دَخِرُونَ﴾ أي: صاغرون)) (٣). وقيل أيضًا: سجود كل شيء فيه، فالجبال: سجودها فيها، وقيل: أمواج البحر صلاته، ونزلهم منزلة من يعقل إذا أسند السجود إليهم(٤). ومعنى قوله: ﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلَّهُ﴾ أي: تتميّل(٥). وتميل وتدور من جانب إلى جانب، فهي في أول النهار على حال، ثم تتقلص، ثم تعود في آخر النهار إلى حال أخرى سجدًا لله، فميلانها ودورانها: سجودها لله عز وجل، ويقال للظل بالعشي: فيء؛ لأنه فاء، أي: رجع من المغرب إلى المشرق، فالفيء الرجوع، والسجود الميل، ويقال: سجدت النخلة إذا مالت(٦). ثالثًا: مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلًا: أخبر تعالى أنه بسط الظل ومدّه، وأنه جعله متحرگا تبعًا لحرکة الشمس، ولو شاء لجعله ساكنًا لا يتحرك. فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَيِّكَ كَيْفَ مَدَّ (٣) تفسير القرآن العظيم، ٤ / ٥٧٥. (٤) انظر: المصدر السابق. (٥) جامع البيان، الطبري ١٧ /٢١٦. (٦) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٢/٥. www. modoee.com ٢٨٥ حرف الظاء الظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٥]. فقوله جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها الرسول، أي: تنظر إلى صنيع ربك جلَّ جلاله. ويجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين، ويجوز أن تكون من العلم (١). ﴿كَيْفَ مَذَّالظِّلَ﴾ أي: ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك كمال قدرة ربك وسعة رحمته أنه مدّ على العباد الظل، وذلك قبل طلوع الشمس(٢). أي: بسطه حتى عمّ الأرض، وذلك من حین طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس، في قول الجمهور؛ لأنه ظل ممدود، لا شمس معه ولا ظلمة، فهو شبيه بظل الجنة، وقيل: مدّ ظل الأشياء الشاخصة أول النهار من شجر، أو مدر، أو إنسان، ثم قبضها وردها إلى المشرق (٣). وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((من ها هنا شرع تعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَيِّكَ كَيْفَ مَدَّالظِّلَ﴾ ... ، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس)» (٤). وقال الحسن وغيره: ((مدّ الظل من طلوع (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٧/١٣. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٨٤. (٣) البحر المديد، ابن عجيبة ٣٠١/٤. (٤) تفسير القرآن العظيم، ١١٣/٦. الفجر إلى طلوع الشمس. وقيل: هو من غيوبة الشمس إلى طلوعها، والأول أصح، والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة؛ فإن فيها يجد المريض راحة والمسافر وكل ذي علة، وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد، وتطيب نفوس الأحياء فيها، وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب. و قال أبو العالية: نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر))(٥). وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي: ثابتًا على حاله في الطول والامتداد، لا يقصر ولا يطول. فمعنی جعله ساكنًا، أي: جعله دائمًا لا يزول، ممدود لا تذهبه الشمس، ولا تنقصه (٦). فسكونه إما بسكون المظهر له والدليل عليه، وإما بسبب آخر (٧). وقال ابن كثير في معنى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجعَلَهُ,ساكنًا﴾: «أي: دائمًا لا یزول، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اَلَيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ﴾ [القصص: ٧١ -٧٢]))(٨). (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٧/١٣. (٦) جامع البيان، الطبري ٢٧٥/١٩. (٧) التفسير القيم، ابن القيم ٢/ ٦٤. (٨) تفسير القرآن العظيم، ١١٣/٦. جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ ٢٨٦ الظل وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أي: علامة على وجوده؛ إذ لولا الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها؛ إذ بضوئها يعرف، والمعنى: ثم جعلنا الشمس علامة يستدلّ بأحوالها على أحواله، ثم تقلّص الظل يسيرًا يسيرًا، فكلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصانه، وذلك من الأدلة على قدرة الله وعظمته، وأنه وحده المستحق للعبادة دون سواه. قال ابن كثير: «وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أي: لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف، فإن الضد لا يعرف إلا بضده، وقال قتادة والسدي: دليلا يتلوه ويتبعه حتى يأتي عليه كله)(١). وقال القرطبي رحمه الله: «أي: دڵلنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، أي: أتبعناها إياه، فالشمس دليل، أي: حجة وبرهان، وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه، ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس؛ لأنه في معنى الاسم، كما يقال: الشمس برهان، والشمس حق))(٢). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ﴾ [الفرقان: ٤٦]. يعني: الظل، يريد ذلك الظل الممدود. (١) المصدر السابق. (٢) الجامع لأحكام القرآن، ٣٧/١٣. وقوله: ﴿إِلَيْنَا﴾ أي: إلى حيث إرادتنا(٣). و ﴿قَبْضًايَسِيرًا ﴾ أي: يسيرًا قبضه علينا، وكل أمر ربنا عليه يسير (٤). وقيل: ﴿يَسِيرًا﴾ أي: سريعًا (٥). وقيل: أي: أزلناه بضوء الشمس على مهل، جزءًا فجزءًا حتى ينتهي. فحسب سنته تعالى ففي خفاء كامل، وسرعة تامة، يقبض الظل نهائيًّا، ويحل محله الظلام الحالك (٦). وعن قتادة: ((﴿يَسِيرًا﴾ خفيًا، أي: إذا غابت الشمس قبض الظل قبضًا خفيًا، كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة، ولیس یزول دفعة واحدة»(٧). فيكون معنى: ﴿قَبْضًايَسِيرًا﴾ أي: على مھل قليلا قليلا، حسب ارتفاع دلیله، وعلی حسب مصالح المخلوقات ومرافقها (٨). والقبض: جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءًا فجزءًا، ﴿قَبْضًايَسِيرًا﴾ أي: خفيًّا (٩). وتوالي الظل والشمس على الخلق الذي (٣) البحر المديد، ابن عجيبة ٣٠١/٤. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٧/١٣. (٥) المصدر السابق. (٦) أيسر التفاسير، الجزائري ٣/ ٦٢٠. (٧) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ٣٧. (٨) البحر المديد، ابن عجيبة ٣٠١/٤. (٩) معالم التنزيل، البغوي ٨٦/٦. www. modoee.com ٢٨٧ حرف الظاء اختلاف الليل والنهار، وتعاقبهما وتعاقب الفصول، وحصول المصالح الكثيرة بسبب ذلك من أدل دليل على قدرة الله وعظمته، وكمال رحمته وعنايته بعباده، وأنه وحده المعبود المحمود المحبوب المعظم، ذو الجلال والإكرام(١). يقول ابن القيم وهو یبین دلالة قدرة الله تعالی في هذه الآية: «ثم أخبر أنه قبضه بعد بسطه قبضًا يسيرًا، وهو شيء بعد شيء لم يقبضه جملة، فهذا من أعظم آياته الدالة علی عظیم قدرته، وکمال حكمته، فندب الرب سبحانه عباده إلى رؤية صنعته وقدرته وحکمته في هذا الفرد من مخلوقاته، ولو شاء لجعله لاصقًا بأصل ما هو ظل له من جبل وبناء وشجر وغيره، فلم ينتفع به أحد، فإن كان الانتفاع به تابعًا لمدّه ويسطه، وتحوله من مكان إلى مكان، ففي مدّه وبسطه، ثم قبضه شيئًا فشيئًا من المصالح والمنافع ما لا يخفى ولا يحصى، فلو كان ساكنًا دائمًا، أو قبض دفعة واحدة لتعطلت مرافق العالم ومصالحه به وبالشمس، فمدّ الظل وقبضه شيئًا فشيئًا لازم لحركة الشمس على ما قدّرت عليه من مصالح العالم ... وفي الآية وجه آخر: وهو أنه سبحانه مدّ الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة، (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٨٤. يشاهدونه عيانًا، وما يترتب على ذلك من ودحا الأرض تحتها، فألقت القبة ظلها عليها، فلو شاء سبحانه لجعله ساكنًا مستقرًا في تلك الحال، ثم خلق الشمس ونصبها دليلاً على ذلك الظل، فهو يتبعها في حركتها، يزيد بها، وينقص ويمتد ويتقلص، فهو تابع لها تبعية المدلول لدليله. وفيها وجه آخر: وهو أن يكون المراد: قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وهي الأجرام التي تلقي الظلال، فيكون قد ذکر إعدامه بإعدام أسبابه کما ذکر إنشاءه بإنشاء أسبابه. وقوله تعالى: ﴿قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا﴾ كأنه يشعر بذلك، وقوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ يشبه قوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]. وقوله: ﴿قَبَضْنَهُ﴾ بصيغة الماضي لا ينافي ذلك، كقوله: ﴿أَقَ أَمْرُ اللَّهِ ﴾ [النحل: ١]. والوجه في الآية هو الأول)»(٢). وللرازي في هذا كلام ماتع، ننقله كما جاء، يقول: «ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل کأنه لا یشاهد شيئًا سوى الجسم وسوى اللون، ونقول: الظل ليس أمرًا ثالثًا، ولا يعرف به إلا إذا طلعت الشمس، ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظل، فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجودًا وماهية؛ لأن الأشياء (٢) التفسير القيم، ٦٤/٢. ٢٨٨ القرآن الكريمِ الظل إنما تعرف بأضدادها، فلولا الشمس لما جزء منه جزءًا من الظلام (٢). عرف الظل، ولولا الظلمة لما عرف النور، فكأنه سبحانه وتعالى لما طلع الشمس على الأرض وزال الظل، فحينئذٍ ظهر للعقول أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون. فلهذا قال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ أي: خلقنا الظل أولًا بما فيه من المنافع واللذات، ثم إنا هدينا العقول إلى معرفة وجوده، بأن أطلعنا الشمس فكانت الشمس دليلًا على وجود هذه النعمة ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ﴾ أي: أزلنا الظل لا دفعة، بل يسيرًا يسيرًا، فإنّ كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب. ولما كانت الحركات المكانية لا توجد دفعة، بل يسيرًا يسيرًا فكذا زوال الإظلال لا يكون دفعة، بل يسيرًا يسيرًا، ولأن قبض الظل لو حصل دفعة لاختلت المصالح، ولكن قبضها يسيرًا يسيرًا يفيد معه أنواع مصالح العالم، والمراد بالقبض: الإزالة والإعدام، هذا أحد التأويلين))(١). ووقت قبض الظل: إما عند طلوع الشمس يقبض الظل، وتجمع أجزاؤه المنبسطة بتسليط الشمس عليه حتى تنسخه شيئًا فشيئًا، أو يكون عند غروب الشمس تقبض أجزاء الظل بعد غروبها، ويخلف کل (١) مفاتيح الغيب، ٤٦٥/٢٤. رابعًا: ظل أهل النار: تقدم معنا صفات ظل أهل الجنة، وهنا یذکر سبحانه وتعالى صفات ظل أهل النار، فيقول: ﴿وَظِلٍ مِّنْ يَحْنُومٍ لَّ بَارِدٍ وَلَا كَرِيرٍ﴾ [الواقعة: ٤٣-٤٤]. ويقول: ﴿أَنطَلِّقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى ثَلَثِ شُعَبٍ ثُ لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِ مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠-٣١]. وقوله تعالى: ﴿لَهُم مِّن قَّوْقِهِمْ تُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِن تَحْنِمْ تُظَلَلٌ ذَلِكَ يُحَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، يَعِبَادِ فَأَتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]. أما الآية الأولى فقد سبق الكلام عليها. وأما الآية الثانية فمعناها: أنه يقال للكفار المكذّبين: سيروا إلى عذاب جهنم الذي کنتم به تكذبون في الدنيا، سيروا فاستظلوا بدخان جهنم الذي يتفرع منه ثلاث قطع، لا يظل ذلك الظل من حر ذلك اليوم، ولا يدفع من حر اللهب شيئًا. يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (يقول تعالى مخاطبًا للكفار المكذّبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار أنهم يقال لهم يوم القيامة: ﴿أَنطَلِّقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى ثَثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠]. يعني: لهب النار إذا ارتفع وصعد (٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٦/ ٩٣. www. modoee.com ٢٨٩ حرف الظاء معه دخان، فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب، ﴿لَّا لَظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ اَللَّهَبِ﴾ أي: ظل الدخان المقابل للهب، لا ظليل هو في نفسه، ولا يغني من اللهب، يعني: ولا يقيهم حر اللهب))(١). فيقال لهم: ﴿أَنطَلِقُواْ﴾ أي: سيروا، وهذا خطاب للمكذّبين في يوم الحشر، فهو مقول قول محذوف، دل عليه صيغة الخطاب بالانطلاق، دون وجود مخاطب يؤمر به الآن، والضمير المقدر مع القول المحذوف عائد إلى المكذبين، أي: يقال للمكذبين، والأمر بانطلاقهم مستعمل في التسخير؛ لأنهم تنطلق بهم ملائكة العذاب قسرًا(٢). والمراد بالظل: دخان جهنم، وسمي بذلك لشدة كثافته (٣)، كقوله: ﴿ وَظِلِّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]. أو سمي هذا الدخان العظيم الخانق إليه. بالظل على سبيل التهكم بهم؛ إذ هم في هذه الحالة يكونون في حاجة شديدة إلى ظل یاوون إلی برده. وأفرد ﴿ظِلِ﴾ هنا؛ لأنه جعل لهم ذلك الدخان في مكان واحد ليكونوا متراصين تحته؛ لأن ذلك التراص يزيدهم ألمًا (٤). (١) تفسير القرآن العظيم، ٢٩٩/٨. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٦٧٦/١. (٣) الوسيط، سيد طنطاوي ١/ ٤٤١٠. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٤٦٧٧. ووصف الظل هنا بأنه ﴿ذِى ثَثِ شُعَبٍ﴾ أي: من دخان جهنم، وكذلك شأن الدخان العظیم. فیقال لهم: کونوا فیہ إلی أن يفرغ من الحساب، كما يكون أولياء الله تعالى في ظل عرشه. وقيل: يخرج عنق من النار فيتشعب ثلاث شعب على رءوسهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم(٥). أو شعبة منه عن اليمين، وشعبة عن اليسار، وشعبة من فوق، قال الفخر: ((وأقول: هذا غير مستبعد؛ لأن الغضب عن يمينه، والشهوة عن شماله، والقوة الشيطانية في دماغه، ومنبع جميع الآفات الصادرة عن الإنسان في عقائده وفي أعماله ليس إلا هذه الثلاثة»(٦). وقيل: إن هذه الآية في عبدة الصليب؛ لأنهم على ثلاث شعب، فيقال لهم: انطلقوا ﴿لَا ◌َلِيلٍ﴾ نفي عنه أن يظلهم، کما یظل العرش المؤمنين، ونفي أيضًا أن يمنع عنهم اللهب(٧). والشّعب: اسم جمع شعبة، وهي الفريق من الشيء والطائفة منه، أي: ذي ثلاث طوائف، وأريد بها طوائف من الدخان، فإن النار إذا عظم اشتعالها تصاعد دخانها من (٥) لباب التأويل، الخازن ٢٠٦/٦. (٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٦٧٧/١. (٧) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢٧٠/٣. جَوَسُو ◌َرَ النَّقِين القرآن الكريم ٢٩٠ الظل طرفيها ووسطها لشدة انضغاطه في خروجه منها (١). وهو كقوله: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. والسرادق: الدخان، دخان النار، فأحاط بهم سرادقھا، ثم تفرّق فكان ثلاث شعب، شعبة ها هنا، وشعبة ها هنا، وشعبة ها هنا (٢). ويحتمل في ﴿ثَلَثِ شُعَبٍ﴾ ما ذكره بعد ذلك، وهو أنه غير ظليل، وأنه لا يغنى من اللهب، وبأنه يرمي بشرر (٣)، فتكون الثلاث ﴿لَا ظَلِيل وَلَا يَغْنِ الشعب هو ما فسّره الله: مِنَ اَللَّهَبِ ٦ إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَرٍ﴾ أي ثلاث صفات. وقيل: إن الشّعب الثلاث من الضّريع، والزّقّوم، والغسلين(٤)، أو شعبة من النار، وشعبة من الدخان، وشعبة من الزمهرير(٥). ومعنى قوله: ﴿لَّاظَلِلٍ﴾ أي: ليس كالظّ الذي يقي حر الشمس، وهذا تهكم بهم، وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين، وأنه لا يمنع حر الشمس(٦)، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿وَظِلٍ مِّنْ يَحُْومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا کِیرٍ﴾. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ /٤٦٧٧. (٢) الدر المنثور، السيوطي ٣٨٤/٨. (٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٧٠/١٦. (٤) المصدر السابق. (٥) غرائب التفسير، النيسابوري ٢/ ١٢٩٤. (٦) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٦ /١٧٠. وقوله: ﴿وَلَا يُغْنِ مِنَ اللَّهَبِ﴾ أي: وغير مغنٍ عن حر اللهب شيئًا؛ لعدم البرودة فيه. والإغناء: جعل الغير غنيًا، أي: غير محتاج في ذلك الغرض، وتعديته بـ﴿ينَ﴾ على معنی البدلیة، أو لتضمینه معنی: يبعد، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَّا أُغْنِى عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن [يوسف: ٦٧]. شَىْء وبذلك سلب عن هذا الظل خصائص الظلال؛ لأن شأن الظل أن ينفس عن الذي یأوي إليه ألم الحر(٧). أما هذا فهو ظل الدخان اللافح الخانق، ظل ساخن لا روح فيه ولا برد. فيكون سبحانه وتعالى قد وصف هذا الظل بصفات ثلاث: الصفة الأولى: قوله: ﴿ذِى ثَثِ شُعَبٍ﴾. إلَّا والصفة الثانية: لذلك الظل قوله: ظَلِيلٍ﴾، المعنى: أن ذلك الظل لا يمنع حر الشمس. والصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُغْنِ مِنَ اللَّهَبِ﴾، يقال: أغن عني وجهك، أي: أبعده؛ لأن الغني عن الشيء یباعده، كما أن المحتاج يقاربه (٨). وأشار الشنقيطي وهو يتحدث عما حواه القرآن من العلوم، إلى لطيفة من هذه الآية، حيث قال: ((وأما الهندسة: ففي قوله: (٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٤٦٧٧. (٨) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦/ ٢٦٥. www. modoee.com ٢٩١ حرف الظاء ﴿أَنَطَلِقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى ثَثِ شُعَبٍ ﴿ الََّ ظَلِيلِ وَلَا وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]. يُغْنِ مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠-٣١]. فإن فيه قاعدة هندسية، وهو أن الشكل المثلث لا ظل له)) (١). وهكذا يقول السيوطي في قوله تعالى: ﴿أَنْطَلِّقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى ثَثِ شُعَبٍ﴾: ((الآية فيها عنوان علم الهندسة؛ فإن الشكل المثلث أول الأشكال، وإذا نصب في الشمس على أي ضلع من أضلاعه لا یکون له ظل لتحدید رءوس زواياه، فأمر الله تعالى أهل جهنم بالانطلاق إلی ظل هذا الشكل؛ تهكمًا بهم)»(٢). وأما ظلل أهل النار التي من فوقهم ومن تحتهم، فقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِن فَوْقِهِمْ ظَلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن ◌َّحِْهِمْ تُلَلٌ ذَلِكَ يُحَوِّفُ اللَّهُ بِه ◌ِعِبَادَهُ. يَعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]. أخبر تعالى في هذه الآية بأن لأولئك الخاسرين يوم القيامة في جهنم من فوقهم قطع عذاب من النار، كهيئة الظّلل المبنية، ومن تحتهم كذلك، ذلك العذاب الموصوف یخوّف الله به عباده؛ ليحذروه، یا عباد فاتقوني، بامتثال أوامري، واجتناب معاصيّ، وهو كقوله: ﴿لَهُم مِّنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]. وكقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَمُهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ (١) أضواء البيان ١٧ / ٢٠٧. (٢) الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٢٥٠. وهذا يقابل ما أعده الله للمؤمنين، حيث قال: ﴿لَكِنِ اَلَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا عُرَفُ مَّبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠]. وهذه موعظة من الله بالغة، منطوية على غاية اللطف والرحمة، جعلنا الله من أهلها بمنّه و کرمه. فجعل للمتقين غرف موصوفة بأنها فوقها غرف، وجعلت للمشركين ظلل من النار، وعطف عليها أن من تحتهم ظللًا؛ للإشارة إلى أن المتقين متنعمون بالتنقل في تلك الغرف، وإلى أن المشركين محبوسون في مكانهم، وأن الظلل من النار من فوقهم، ومن تحتهم لتتظاهر الظلل بتوجيه لفح النار (٣) إليهم من جميع جهاتهم . و﴿لَهُمْ﴾ في قوله: ﴿لَهُم مِّنْ فَوْقِهِمْ ظَلَلٌ﴾ خبر الظلل، والضمير للخاسرين، و﴿مِّن فَوْقِهِمْ﴾ حال من ﴿ظَلَلٌ﴾. والظّلل: جمع ظلّة، كغرف جمع غرفة، وهي سحابة تظل كهيئة الصفة، أي: قطع عذاب كالسحاب العظيم، كهيئة الظلل المبنية من النار. والمعنى: للخاسرين ظلل من النار كثيرة متراكبة بعضها فوق بعض، حال كون تلك الظل من فوقهم، والمراد: طباق وسرادقات من النار ودخانها، وسمى النار ظلة؛ لغلظها (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٣٦٨٠. جَوَس ◌َبُ النَِّبة القرآن الكريم ٢٩٢ الظل و کثافتها. وفيه: إشعار بشدة حالهم في النار، وتهكم بهم؛ لأن الظلة إنما هي الاستظلال والتبرد، فإذا كانت من النار نفسها، كانت أحر، ومن تحتها أغمّ. ويكون قوله: ﴿مِّنَ النَّارِ﴾ صفة ل﴿ظَلَلُ﴾، والمراد: أن النار محيطة بهم من جميع الجوانب(١). وتسمية النار بالظّل مجاز، من حيث إنها محيطةٌ بهم من كل جانب ... ، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَهُمُ اٌلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥](٢). من ظلل الآخرین، فإن لجهنم درکات، کما أن للجنة درجات، وقال المفسرون: سمَّی النار ظلة بغلظها وكثافتها؛ ولأنها تمنع من النظر إلى ما فوقهم، فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب، حائلة من النظر إلى شيء آخر)» (٣) وقوله: ﴿وَمِن ◌َّْهِمْ تُللَلٌ﴾ قال في التبيان: ((لهم من فوقهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل، فالظلل التي فوقهم لهم، والتي تحتهم لغيرهم، ممن تحتهم؛ لأن الظلل إنما تكون من فوق)) (٤). (١) روح المعاني، الألوسي ٦/ ١٧٠. (٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٦ /١٧٠. (٣) غرائب التفسير، النيسابوري ٣٩٩/٦. (٤) التبيان تفسير غريب القرآن، ابن الهائم وقال الخازن: ((فإن قلت: الظلة ما فوق الإنسان، فكيف سمي ما تحته بالظلة؟! قلت: فيه وجوه: الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر. الثاني: أن الذي تحته من النار يكون ظلة لآخر تحته في النار؛ لأنها دركات. الثالث: أن الظلة التحتانية لما كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الإيذاء والحرارة سميت باسمها؛ لأجل المماثلة والمشابهة)) (٥). ویکون علی ھذا تسمیتها ظللا من باب قال النيسابوري: ((أي: أطباق من النار المشاكلة، وقيل: هي ظلل لمن تحتهم في طبقة أخرى من طبقات النار، ولا يطرد في أهل الطبقة الأخيرة من هؤلاء الخاسرين؛ إلا أن يقال: إن للشياطين ونحوهم مما لا ذکر لهم هنا، وقيل: إن ما تحتهم يلتهب ويتصاعد منه شيء حتى يكون ظلة، فسمّي ظلة باعتبار ما آل إليه أخيرًا، وليس بذاك، والمراد أن النار محيطة بهم، ذلك العذاب الفظيع(٦). موضوعات ذات صلة: الآيات الكونية، الأرض، السحاب، الشمس، القمر ص٣٦٢. (٥) لباب التأويل، الخازن ٣٠٨/٥. (٦) روح المعاني، الألوسي ٢٣/ ٢٥١. www. modoee.com ٢٩٣