النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ مُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
3
الظَّك
عناصر الموضوع
مفهوم الظل
٢٥٦
الظل في الاستعمال القرآني
٢٥٧
الألفاظ ذات الصلة
٢٥٨
الظل آية ونعمة
٢٥٩
٢٦٣
الحكمة من الظل
٢٨٣
دلالة الظل على قدرة الله وعظمته
المُجَلَدُ الثَانِى وَالعُشْرُونْ

حرف الظاء
مفهوم الظل
أولًا: المعنى اللغوي:
الظاء واللام أصلٌ واحد، يدلّ على ستر شيءٍ لشيءٍ، وهو الذي يسمى الظل، والجمع:
ظلالٌ وظلولٌ وأظلالٌ وأظلّةٌ وظللٌ، والظل: ضوء شعاع الشمس إذا استتر عنك بحاجز،
فاستتار شعاع الشمس ظلٌّ، وظلَّ ظليل: دائمٌ، ومن المجاز أن يقال: بتنا في ظل الليل، وأتانا
في ظل الليل، أي: سواده، وظللت أعمل كذا بالكسر ظلولًا، إذا عملته بالنهار دون الليل،
وإنما قيل ذلك؛ لأن ذلك شيءٌ يخص به النهار، وذلك أن الشيء يكون له ظلِّ نهارًا، ولا
يقال ظلّ يفعل كذا ليلًا؛ لأن الليل نفسه ظل، قال الخليل: لا تقول العرب ((ظلّ)) إلا لعملٍ
يكون بالنهار (١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرّف الجرجاني: ((الظل: ما نسخته الشمس، وهو من الطلوع إلى الزوال))(٢).
وذكر المفسرون ((أن الظّ: هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة،
وهو يحدث على وجه الأرض منبسطًا فيما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس، ثم إن
الشمس تنسخه وتزيله شيئًا فشيئًا إلى الزوال، ثم هو ينسخ ضوء الشمس من وقت الزوال إلى
الغروب، ويسمى فيًا)) (٣)، وهذه الحالة أطيب الأحوال؛ لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع،
وينفر عنها الحس، وأما الضوء الخالص: وهو الكيفية الفائضة من الشمس فهي لقوتها تبهر
الحس البصري، وتفيد السخونة القوية وهي مؤذية، فإذن أطيب الأحوال هو الظل؛ ولذلك
وصف الجنة به، فقال عز وجل: ﴿وَظِلّ تَمْدُورٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]))(٤).
فالعلاقة بين المعنيين: أن المعنى الاصطلاحي أخص من المعنى اللغوي؛ فاللغوي ستر
شيء لشيء، بخلاف المعنى الاصطلاحي فهو خاص بستر ضوء الشمس من وقت الزوال
إلى الغروب.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٦١/٣، أساس البلاغة، الزمخشري ٨٤/٢، المصباح المنير،
الفيومي ١/ ٢٠٠، القاموس المحيط، الفيروز آبادي ١٣٢٧/١.
(٢) التعريفات ١٨٦/١.
(٣) صفوة التفاسير، الصابوني ٣٣٥/٢.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٤٦٤.
جَوَبُورَة التقنية
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٢٥٦

الظل
الظل في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ظ ل ل) في القرآن الكريم (٢٤) مرة (١).
والصيغ التي وردت كالآتي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]
(أَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا
الاسم
٢٠
[الفرقان: ٤٥]
صيغة المبالغة
٢
﴿وَتُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا
﴾ [النساء: ٥٧]
Cov
وجاء (الظّل) في القرآن بمعناه اللغوي، وهو الذي يدل على ستر شيء لشيء (٢)، ولم
يخرج عن المعنى اللغوي.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَلًا﴾ [النحل: ٨١].
أي: جعل لكم مما خلق من الأشجار وغيرها ظلالًا تستظلون بها من شدة الحر(٣).
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٣٤.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٤٦١.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ٣٢٠.
www. modoee.com
٢٥٧

حرف الظاء
الألفاظ ذات الصلة
الظلمة:
١
الظلمة لغةً:
الظّلمة: ضدّ النّور، وجمع (الظّلمة): ظُلَم، وظُلَماتٌ، وظُلُماتٌ، وظُلْماتٌ، بضمّ اللّام
وفتحها وسكونها. وقد أظلم اللّيل، والظّلماء: الظّلمة، وربّما وصف بها، يقال: ليلةٌ ظلماء،
أي: مظلمةٌ(١).
الظلمة اصطلاحًا:
قال الجرجاني: ((الظلمة: عدم الضوء فيما من شأنه أن يكون مضيئًا))(٢).
الصلة بين الظلمة والظل:
قال الكفوي: ((الظل: هو ما يحصل من الهواء المضيء بالذّات كالشّمس، أو بالغير
كالقمر، والظل في الحقيقة إنّما هو في ظلّ شعاع الشّمس دون الشعاع، فإذا لم يكن ضوء
فهو ظلمة وليس بظل))(٣). والظل يكون بالليل والنهار (٤)، أما الظلمة فليست إلا في الليل.
الحر:
٢
الحر لغةً:
خلاف البرد، يقال هذا يومٌ ذو حرِّ، ويومٌ حارٌّ، والحرور: الريح الحارّة في النهار واللّيل(٥).
الحر اصطلاحًا:
عرّف المناوي الحرارة بقوله: ((الحرارة: كيفية شأنها تفريق المؤتلفات، وجمع
المتشكلات)»(٦).
الصلة بين الحر والظل:
يتفق كل منهما في أنهما يكونان في الليل والنهار، ولكنهما يختلفان في درجة الحرارة،
فالحر شديد الحرارة، والظل بارد، فهما ضدان.
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ١٩٧.
(٢) التعريفات ص ١٤٤.
(٣) الكليات ص ٥٩٥.
(٤) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٣٤٠.
(٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/٢.
(٦) التوقيف ص ١٣٧ .
٢٥٨
جوبي
القرآن الكريمِ

الظل
الظل آية ونعمة
بيّن سبحانه وتعالى أن الظل من النعم
العظيمة، والمنافع الجليلة، والآيات
الكبرى.
قال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا
خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُمُ مِّنَ الْجِبَالِ
أَكْنَنَا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ
اُلْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأَسَكُمْ كَذَلِكَ
يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾
[النحل: ٨١].
فهذه الآية وردت في سورة النحل التي
تسمى سورة النّعم(١)، فعدّد الله في هذه الآية
من نعمه ما شرح فيها، فمنها الظلال تقي من
حر الشمس الذي لا تحتمله الأبدان، ولا
يبقى معه ولا دونه الإنسان، من شجر وحجر
وغمام، ومن جملتها الجبال(٢).
ففي الآية امتنان بنعمة الإلهام إلى
التوقي من أضرار الحرّ والقرّ في حالة
الانتقال، وأعقبت به المنة بذلك في حال
الإقامة والسكنى، وبنعمة خلق الأشياء التي
يكون بها ذلك التوقى باستعمال الموجود،
وصنع ما يحتاج إليه الإنسان من اللباس؛
إذ خلق الله الظلال صالحة للتوقي من حر
(١) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي ١/
٢٦٩، الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ١/
١٩٣.
(٢) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٢١٦/٥.
الشمس، وخلق الكهوف في الجبال ليمكن
اللجأ إليها، وخلق مواد اللباس مع الإلهام
إلى صناعة نسجها، وخلق الحديد لاتخاذ
الدروع للقتال(٣).
وفي الآية بيان نعمة الله تبارك وتعالى
بما هيّأه لعباده من الظل؛ فإن الظل عن الحر
من نعم الله على العباد.
ولهذا ذكره الله عز وجل ممتنًا به على
بني إسرائيل بقوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ
الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىِّ﴾ [البقرة:
٥٧] (٤).
وتظهر فائدة نعمة (الظل) أکثر في البلاد
الحارة والبلاد الصحراوية، وخاصة في
حالة السفر، يقول صاحب اللباب: ((واعلم
أن بلاد العرب شديدة الحرّ، وحاجتهم
إلى الظّ ودفع الحرّ شديدة؛ فلهذا ذكر
الله تعالى هذه المعاني في معرض النّعمة
العظيمة)»(٥).
والقرآن إنما أنزل على قدر معرفة
العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ
جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُ
مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَا﴾ [النحل: ٨١].
وما جعل من السهل أعظم وأكثر،
ولكنهم كانوا أصحاب جبال(٦).
(٣) انظر: التحرير والتنوير ٢٣٨٠/١.
(٤) تفسير سورة البقرة، ابن عثيمين ١٣٨/٣.
(٥) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٧٥/١٠.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٥٩١.
www. modoee.com
٢٥٩

حرف الظاء
فهذه نعمٌ عدّدها الله عليهم بحسب ظلال الغمام، وظلال البيوت، وظلال
أحوالهم وبلادهم، وأنها الأشياء المباشرة الشجر، وظلال الجبال، وكل شيء له ظل
لهم؛ لأن بلادهم من الحرارة، وقهر الشمس
من حائط وسقف وشجر وجبل، وغير
ذلك (٥).
بحيث للظل غناء عظیم، ونفع ظاهر (١).
وأيضًا البلاد المعتدلة، والأوقات
المعتدلة نادرة جدًا، والغالب إما غلبة الحر،
أو غلبة البرد، وعلى كل التقديرات فلابد
للإنسان من مسكن يأوي إليه، فكان الإنعام
بتحصيله عظيمًا(٢).
وأما تفسير الظلال في هذه الآية بأنه
ظلال أوليائه، كما قال الألوسي: ((وأنه
یستظل بهم المريدون من شدة حر الهجران،
ويأوون إليهم من قهر الطغيان)»(٣)؛ لأنهم
ظلال الله في أرضه، كما قيل: السلطان ظل
الله في أرضه، یأوي إليه كل مظلوم، فهو
تفسیر غیر صحیح، ولیس علیه أثرة من علم،
ولم يقل به أهل التأويل، بل يقول الطبري في
تفسير الظلال في هذه الآية: ((يقول تعالى
ذكره: ومن نعمة الله عليكم أيها الناس: أن
جعل لكم مما خلق من الأشجار وغيرها
ظلالًا تستظلون بها من شدة الحر، وهي
جمع ظل، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال
أهل التأويل))(٤).
والمراد بقوله: ﴿ظِلَلًا﴾ يدخل فيه
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /١٨٨.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٤٤.
(٣) روح المعاني، ٢٧١/١٠.
(٤) جامع البيان، ٢٦٩/١٧.
جَوُور
القرآن الكريمِ
وإن اختلفت عبارات المفسرين في
المراد بالظل هنا في هذه الآية إلا أنها ترجع
إلى معنى واحد؛ فنلحظ أن كل واحد منهم
ذكر عبارة تختلف عن عبارة الآخر؛ إلا أن
ذلك من باب التمثيل لا التضاد؛ لأن الله
قال: ﴿مِمَّا خَلَقَ﴾ ولم يذكر شيئًا بعينه؛
لأن أنواع ما خلق وكان منه الظلال كثيرة،
فالجنات تتفيأ ظلالها بالغدو والآصال،
والبيوت فيها ظلال، لمن يكون بجوارها،
والغمام يكفّ وهج الشمس وحرارتها،
والسحاب تظلل.
فالظلال يعم جميع ما يظل من العرش
والفساطيط والسقوف مما يصطنعه
الآدميون(٦).
وقد يقول قائل: إن هذه ظواهر طبيعية فما
النعمة فيها؟ ونقول في الجواب عن ذلك:
إنها نعم کبیرة تغمر الناس، ولا يحسّون بها،
ولكن إذا حرموها يعرفون مقدار الإنعام،
فهذه (الظلال) نعمة من الله تعالى يشعر
بها أكثر أصحاب المناطق الصحراوية التي
لا ماء يرطّب جوها، ولا نسيم عليل يطفيء
(٥) انظر: زاد المسير ٤/ ٤٧٧.
(٦) مجموع الفتاوى، ابن تيمية ٣ / ٣٩٤.
٢٦٠

الظل
حرها؛ ولذلك كانت من نعم الله التي أنعم العظيمة: أن الله تعالى نفى التساوي بين
الظل والحرور، فجعل الظل نعمة قارنها
بها على سكانها الذين آتاهم الله تعالى مع
ذلك جلدا، وقوة احتمال؛ فكانت هذه نعمًا
أنعم الله بها عليهم ليستطيعوا أن يعيشوا،
وأن ينعموا في خيراتها.
الله عز وجل بالفرق بين العمى والإبصار،
وَمَا يَسْتَوِى
وبين الظلام والنور، حيث قال:
اَلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ( وَلَا الظّلُمَتُ وَلَا النُّورُ
﴿﴿ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩-٢١].
ولنعلم أن هناك فرقًا بين الظلال
والأكنان؛ فإن الظلال یکون بالشجر ونحوه
مما يظل ولا يكنّ، بخلاف ما في الجبال من
الغيران فإنه يظل ويكنّ.
فقال: ﴿مِّنَ الْجِبَالِ أَكْتَنَا﴾ [النحل:
٨١]؛ لأن الجبل يكنّ الإنسان من فوقه
ويمينه ويساره وأسفل منه، ليس مقصودها وَلَ الْأَمْوَتُ﴾ فكما أنه من المتقرر عندكم
الاستظلال، بخلاف الظلال فإن مقصودها
الاستظلال؛ ولهذا قرن بهذه ما في السرابيل
من منفعة الوقاية، فجمع في هذه الآية بين
وقاية اللباس المنتقل مع البدن، ووقاية
الظلال الثابتة على الأرض(١).
فهذا في الأمكنة.
ثم قال في اللباس: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ
سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ
بَأَسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١].
ما یؤذیهم من حر وبرد وعدو، وكلاهما
تسترهم عن أعين الناظرين(٢).
ومما يدل على أن الظل من النعم
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
فأخبر تعالى في هذه الآية أنه لا يتساوى
الأضداد في حكمة الله، وفيما أودعه في
فطر عباده ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ اَلْأَعْمَى﴾ فاقد
البصر ﴿وَالْبَصِيرُ ﴿ وَلَا الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ
﴿ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحُرُ ، وَمَا يَسْتَوِى الْأَحّْءُ
الذي لا يقبل الشك أن هذه المذكورات لا
تتساوى، فكذلك فلتعلموا أن عدم تساوي
المتضادات المعنوية أولى وأولى (٣).
وهو مثل ضربه الله للمؤمنين، وهم
الأحياء، وللكافرين، وهم الأموات (٤).
فكما لا يتساوى المكان الظليل مع
المكان الشديد الحرارة كذلك لا يستوي
أصحاب الجنة وأصحاب النار.
والحرور بمنزلة السموم، وهي الرياح
واللباس والمساكن كلاهما تقي الناس الحارة، والحرور تكون بالنهار وبالليل،
والسموم لا تكون إلا بالنهار (٥).
وأعيدت (لا) في ﴿وَلَ الِظِّلُّ وَلَ الْحُرُورُ﴾
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٦٨٨.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٤٢.
(٥) زاد المسير ٤٨٣/٦.
www. modoee.com
٢٦١

حرف الظاء
تأكيدًا لنفي الاستواء؛ لأن الاستواء لا يكتفي
بواحد، أو تكون (لا) مؤسسة غير مؤكدة.
وكرّرت كلمة النفي بين الظلمات والنور،
والظل والحرور، والأحياء الأموات، ولم
تكرر بين الأعمى والبصير؛ وذلك لأن
التكرير للتأكيد، والمنافاة بين الظلمة والنور
والظل والحرور مضادة، فالظلمة تنافي
النور وتضاده، والعمی والبصر کذلك، أما
الأعمى والبصير ليس كذلك، بل الشخص
الواحد قد یکون بصيرًا، وهو بعینه یصیر
أعمى، فالأعمى والبصير لا منافاة بينهما
إلا من حيث الوصف، والظل والحرور
والمنافاة بينهما ذاتية؛ لأن المراد من الظل
عدم الحر والبرد، فلما كانت المنافاة هناك
أتم، أكد بالتكرار (١).
وأفرد (الظل)، وجمع (الحر) فقال:
(الحرور)؛ لأن الظل هو شيء واحد يضاد
أنواع الحر: من السموم، ومن حر النار،
ومن تصاعد الأبخرة من الأرض الكبريتية،
إلى غير ذلك مما یتوهج به الجو، ويسخن
به الهواء؛ فلذلك حسن إفراد الصيغة -يعني
إفراد الظل-، وتخصيص الحرور بهذه
الصيغة.
ومما يدل أيضًا على أن الظل من النعم
الجليلة: أن الله تعالى جعل الظل ليستروح
فيه بعد النصب والتعب، كما حدث مع
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٤٦٥.
نبي الله موسى عليه السلام بعد أن سقى
للفتاتین.
قال تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ نَوَلَّكَ إِلَى اَلِظِلِ
فَقَالَ رَبِّ إِ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[القصص: ٢٤].
أي: بعد أن سقى موسى عليه السلام
للمرأتین ماشیتهما، تولى، أي: رجع إلى ظل
الشجرة التي کان جالسًا تحتها، فاستظلّ بها.
وفي قوله: ﴿ثُمَّ نَوَلَّى إِلَى اَلْظِلِ﴾ دلالة
على أنه سقى لهما في شمس وحر (٢). وفيه:
دليل جواز الاستراحة في الدنيا، بخلاف ما
يقوله بعض المتقشفة (٣).
وقوله: ﴿إِلَى الظِّلِ﴾ إلى ظل شجرة،
وذكر أنها سمرة(٤). وقيل: هو ظل جدار لا
سقف له.
وعن عبد الله مسعود رضي الله عنه
قال: ((حٹت علی جمل ليلتين حتى صبحت
مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها
موسى، فإذا شجرة خضراء ترف، فأهوى
إليها جملي -وكان جائعًا- فأخذها جملي
فعالجها ساعة، ثم لفظها، فدعوت الله
لموسى عليه السلام، ثم انصرفت)».
وفي رواية: ((أنه ذهب إلى الشجرة التي
كلّم الله منها لموسى)»(٥).
(٢) انظر: المصدر السابق ١٢/ ٧٢.
(٣) مدارك التنزيل، النسفي ٢٣٢/٣.
(٤) النكت والعيون ٣/ ٢٧٠.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٧/٦.
٢٦٢
جَوَسُولَة النفسية
الْقُرآن الكَرِيمِ

الظل
وعلى كلِّ فقد آوى موسى عليه السلام
«إلی الظل المادي البلیل بجسمه، وآوی إلى
الظل العريض الممدود، ظل الله الكريم
المنان، بروحه وقلبه»(١).
و کذا جعل الله من نعمه على بني إسرائيل
أنه سخّر لهم السحاب ليظلهم، ووفّر لهم
أشهى المأكولات، فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ
اَلْغَمَمَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَ وَالسَّلْوَىّ
كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾
[الأعراف: ١٦٠].
فلما عصوا ربهم، رفع الجبل من فوقهم،
فبدا لهم كأنه ظلة.
يقول تعالى: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا الْجَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ.
ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١].
(١) انظر: في ظلال القرآن ٤١٩/٥.
الحكمة من الظل
سبق وقلنا: إن الظل نعمة من نعم الله،
يتقى بها من الحر، وهذه إحدى الحكم
العظيمة من خلق الظل، والظلال.
أولًا: الظل والعبادة:
من المعلوم أن الله تعالى فرض على
عباده خمس صلوات في اليوم والليلة،
مؤقتة بأوقات اقتضتها حكمة الله تعالى؛
ليكون العبد على صلة بربه تعالى في هذه
الصلوات مدة هذه الأوقات كلها، فهي
للقلب بمنزلة الماء للشجرة، تسقى به وقتًا
فوقتًا، لا دفعة واحدة، ثم ينقطع عنها.
ومن الحكمة أيضًا في تفريق هذه
الصلوات في تلك الأوقات: أن لا يحصل
الملل والثقل على العبد إذا أداها كلها
في وقت واحد، فتبارك الله تعالى أحكم
الحاكمين.
ونجد أن الله تعالى ربط بعض هذه
الصلوات بحركة الظل، فيتم تحديد أوقات
الظهرين، وأوقات فضيلتهما بقياس الظل
الحادث بعد الزوال.
فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم
أوقات الصلوات بقوله: (وقت الظهر إذا
زالت الشمس، و کان ظل الرجل کطوله، ما
لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر
www. modoee.com
٢٦٣

حرف الظاء
الشمس)(١).
يقول ابن القيم: ((وفى دلالة الشمس على
الظلال ما تعرف به أوقات الصلوات، وما
مضى من اليوم، وما بقي منه، وفي تحركه
وانتقاله ما يبرد به ما أصابه من حر الشمس،
وينفع الحيوانات والشجر والنبات، فهو من
آيات الله الدالة عليه)»(٢).
هکذا یربط النبي صلی الله عليه وسلم
هذين الوقتين بحركة الظل، فبّن أن
ابتداء وقت الظهر: هو من زوال الشمس،
والمقصود زوالها عن وسط السماء إلى
جهة الغرب، وأما نھایته: فھو إلی أن یصیر
ظل كل شيء مثله -أي: طوله- بعد الظل
الذي زالت عليه الشمس.
وأما ابتداء وقت العصر، فيكون بانتهاء
وقت الظهر، أي: عند مصير ظل كل شيء
مثله، وأما نهاية وقت العصر، فله وقتان:
وقت اختیار: وهو من أول وقت
العصر إلى اصفرار الشمس؛ لقول الرسول
صلى الله عليه وسلم: (ووقت العصر
ما لم تصفر الشمس)(٣)، أي: ما لم تكن
صفراء، وتحديده بالساعة يختلف باختلاف
الفصول.
وقت اضطرار: وهو من اصفرار الشمس
إلى غروب الشمس؛ لقول النبى صلى الله
عليه وسلم: (من أدرك ركعة من العصر قبل
أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) (٤).
والزوال: هو ميل الشمس عن كبد السماء
بعد انتصاف النهار، وعلامته: زيادة الظل
بعد تناهي نقصانه، وذلك أن ظل الشخص
یکون في أول النهار طويلًا ممتدًا، فكلما
ارتفعت الشمس نقص، فإذا انتصف النهار
وقف الظل، فإذا زالت الشمس عاد الظل
إلى الزيادة، فإذا أردت أن تعلم هل زالت،
فانصب عصًا أو غيرها في الشمس على
أرض مستوية، وعلّم على طرف ظلها، ثم
راقبه، فإن نقص الظل علمت أن الشمس
لم تزل، ولا تزال تراقبه حتی یزید، فمتی زاد
علمت الزوال حينئذٍ.
ويختلف قدر ما يزول عليه الشمس
من الظل باختلاف الأزمان والبلاد، فأقصر
ما يكون الظل عند الزوال في الصيف عند
تناهي طول النهار، وأطول ما يكون في
الشتاء عند تناهي قصر النهار(٥).
وقد أشار الله تعالى لأوقات الصلوات
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد،
باب أوقات الصلوات الخمس، رقم ٦١٢.
(٢) التفسير القيم، ٦٤/٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد،
باب أوقات الصلوات الخمس، رقم ٦١٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت
الصلاة، باب من أدرك من الفجر ركعة، رقم
٥٧٩، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد
باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك
الصلاة، رقم ٦٠٨.
(٥) انظر: المجموع ٢٤/٣.
٢٦٤
القرآن الكريم

الظل
في مواضع من القرآن، منها قوله: ﴿أَقِمِ
الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَِّلِ وَقُرْءَانَ
اَلْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾
[الإسراء: ٧٨].
فأشار بقوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وهو
زوالها عن كبد السماء على التحقيق إلى
صلاة الظهر والعصر، وأشار بقوله: ﴿إِلَى
غَسَقِ اَلَّيْلِ﴾ -وهو ظلامه- إلى صلاة
المغرب والعشاء، وأشار بقوله: ﴿وَقُرْءَانَ
اُلْفَجْرِ﴾ إلى صلاة الصبح، وعبّر عنها
بالقرآن بمعنى القراءة؛ لأنها ركن فيها من
التعبير عن الشيء باسم بعضه.
وهذا البيان أوضحته السنة إيضاحًا كليًّا،
ومن الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلاة
-كما قاله جماعة من العلماء- قوله تعالى:
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
١٧
) وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا
وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ -١٨].
قالوا: المراد بالتسبيح في هذه الآية
أُحِينَ تَمْسُونَ
الصلاة، وأشار بقوله:
إلى صلاة المغرب والعشاء، وبقوله:
﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى صلاة الصبح،
وبقوله:
وَعَشِيًّا﴾ إلى صلاة العصر بقوله:
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إلى صلاة الظهر.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ
اَلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤].
وأقرب الأقوال في الآية: أنه أشار بطرفي
النهار إلى صلاة الصبح أوله، وصلاة الظهر
والعصر آخره، أي: في النصف الأخير منه،
وأشار بزلفٍ من الليل إلى صلاة المغرب
والعشاء(١).
وكان الصحابة أيضًا يدللون على
استعجالهم في صلاة الجمعة بالظل؛ فقد
جاء في صحيح البخاري عن إياس بن
سلمة بن الأكوع، قال: حدثني أبي و کان من
أصحاب الشجرة، قال: (كنا نصلي مع النبي
صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم ننصرف
وليس للحيطان ظل نستظل فيه)(٢).
فقوله: (وليس للحيطان ظل) أي: يصلح
لأن يستظل فيه، وهو دليل التعجيل بصلاة
الجمعة أول الوقت.
وقيل: يحتمل أن تكون الحيطان في ذلك
الوقت ليس لها علو ولا رف تقتضي الظل
في أول الزوال، أو يكون خبر ابن سلمة عن
حيطان معتدلة إلى الجنوب من دور المدينة
وغيرها(٣).
والمقصود: أننا نجد أن بعض العبادات
ارتبطت بحركة الظل، في تحديد دخولها
وخروجها، وهذا من الحكم والمنافع للظل
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١١٦/٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم ٤١٦٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب
صلاة الجمعة حين تزول الشمس، رقم ٨٦٠.
(٣) المنتقى شرح الموطأ، الباجي ١٣/١.
www. modoee.com
٢٦٥

حرف الظاء
والظلال.
ثانيًا: الظل وتشبيه الدنیا به:
الدنيا سريعة الفناء، قريبة الانقضاء، تعد
بالبقاء ثم تخلف في الوفاء، تنظر إليها فتراها
ساكنة مستقرة، وهي سائرة سيرًا عنيفًا،
ومرتحلة ارتحالًا سريعًا، ولكن الناظر إليها
قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها، وإنما
يحس عند انقضائها؛ ولهذا مثّلت بالظل؛
فإنه متحرك ساكن، متحرك في الحقيقة،
ساكن الظاهر، لا تدرك حركته بالبصر
الظاهر، بل البصيرة الباطنة، ولما ذكرت
الدنيا عند الحسن البصري رحمه الله أنشد:
أحلام نوم أو كظل زائل
إن اللبيب بمثلها لا يخدع
وكان الحسن بن علي بن أبي طالب
رضي الله عنهما یتمثل کثیرًا بقوله:
یا أهل لذات دنيا لا بقاء لها
إن اغترارًا بظل زائل حمق
ويقال: إن أعرابيًّا نزل بقوم فقدّموا إليه
طعامًا فأكل، ثم قام إلی ظل خيمة لهم، فنام
هناك، فاقتلعوا الخيمة، فأصابته الشمس
فانتبه، فقام وهو يقول:
ألا إنما الدنيا كظل ثنية
ولا بد يومًا أن ظلك زائل
وقال آخر (١):
(١) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٣٠٨/١.
وإن امرأ قد عاش سبعين حجة
ولم يتزود للمعاد لجاهل
ودنياك ظل، فاترك الحرص بعدما
علمت؛ فإن الظل لابد زائل
وقال آخر:
وما دنياك إلا مثل فيء
أظلك ثم آذن بالزوال
وقال آخر:
إنما الدنيا كظلِّ زائلٍ
أو كضيفٍ بات ليلًا فارتحل
وقيل: مثل الدنيا مثل الظل، إن طلبته
تباعد، وإن تركته تتابع.
وفى الحديث: (ما مثلي ومثل الدنيا إلا
کراکب قال في ظل شجرة في يوم حار، ثم
راح وتركها)(٢)(٣).
ثالثًا: إتيان الله في ظلل من الغمام
والملائكة:
أخبر الله تعالى أنه يأتي يوم القيامة في
ظلل من الغمام والملائكة، فقال: ﴿هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَاءِ
وَالْمَلَئِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُّ وَإِلَى اللَّهِ تُتَجَعُ
(٢) أخرجه أحمد، رقم ٣٧٠٩، والترمذي في
سننه، كتاب الزهد، باب منه، رقم ٢٣٧٧،
وابن ماجه في كتاب الزهد، باب مثل الدنيا،
رقم ٤١٠٩.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم
٤٣٩ و ٤٤٠.
(٣) بصائر ذوى التمييز، الفيروزآ بادي ١/ ١٠٧٠.
٢٦٦
صَوَبُو بَرُ النَّفْسِيد
القرآن الكريمِ

الظل
الْأُمُورُ ﴾ [البقرة: ٢١٠].
وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما
تنخلع له القلوب، والمعنى: ما ينتظر هؤلاء
المعاندون الكافرون بعد قيام الأدلة البينة إلا
أن یأتیهم الله عز وجل على الوجه اللائق به
سبحانه في ظلل من السحاب يوم القيامة؛
ليفصل بينهم بالقضاء العادل، وأن تأتي
الملائكة، وحينئذٍ يقضي الله تعالى فيهم
قضاءه، وإليه وحده ترجع أمور الخلائق
جميعها.
والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾
بمعنى النفي، و﴿يَنظُرُونَ﴾ بمعنى:
ينتظرون، أي: ما ينتظر هؤلاء المكذّبون
الذين زلوا بعد ما جاءتهم البينات؟! سائقًا
له في أسلوب الإنكار، وصيغة الغيبة مجردة
عن الافتعال؛ تنبيهًا على أنهم في غاية البعد
عن مواطن الرأفة والاستحقاق بمظهر الكبر
والنقمة بإعراض الله عن خطابهم، وإقباله
من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم.
و﴿يَنْظُرُونَ﴾ إن عدّيت بـ (إلى) فهي
للنظر بالعين؛ وإن لم تعدّ فهي بمعنى
الانتظار.
وإتيان الله في قوله: ﴿إِلََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ
فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ من الصفات الاختيارية
التي أخبر بها تعالى عن نفسه، أو أخبر بها
عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فتثبت
على وجه يليق بجلال الله وعظمته من غير
تشبيه ولا تحریف(١).
فوصف الله تعالى هنا بالإتيان في ظلل
من الغمام کوصفه بالمجيء في آيات أخر،
ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه،
أو صح عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، والقول في جميع ذلك من جنس
واحد، وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها:
فهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه،
ووصفه به رسوله صلی الله علیه وسلم، من
غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا
تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته،
والله تعالی لیس کمثله شيء لا في ذاته، ولا
في صفاته، ولا في أفعاله، فلو سأل سائل:
كيف يجيء سبحانه ؟ أو كيف يأتي؟ فليقل
له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: لا أعلم
کیفیة ذاته! فليقل له: وكذلك لا تعلم كيفية
صفاته!
فإن العلم بكيفية الصفة ينبع من العلم
بكيفية الموصوف، وقد أطلق غير واحدٍ
ممن حكى إجماع السلف منهم الخطابي:
مذهب السلف أن صفاته تعالى تجري على
ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها (٢).
يقول شيخ الإسلام: ((وكذلك ما ورد
من نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام،
ومن نزوله إلى الأرض لما خلقها، ومن
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص٩٤.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢/ ٢٠.
www. modoee.com
٢٦٧

حرف الظاء
نزوله لتكليم موسى عليه السلام وغير ذلك، وجل في ظلل من الغمام يوم القيامة للفصل
﴿هَل
كله من باب واحد، كقوله تعالى:
يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْفَحَامِ
[البقرة: ٢١٠].
وَالْمَلَتِكَةُ﴾
بين عباده، وهو إتيان حقيقى يليق بجلاله، لا
تعلم کیفیته، ولا يسأل عنها، کسائر صفاته،
وما ذهب إليه أهل التعطيل من أن المراد
بإتيان الله: إتيان أمره، فتحريف للكلم عن
وقوله: ﴿وَجَلَةَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفَّا صَنَا﴾
[الفجر: ٢٢].
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ
و قوله:
الْمَلَتِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَتِ
رَيِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨](١).
مواضعه، وصرف للكلام عن ظاهره بلا
دليل، إلا ما زعموه دليلاً عقليًّا، وهو في
الحقیقة وهمي، ولیس عقليًّا؛ فنحن نقول:
الذي نسب فعل الإتيان إليه هو الله عز
وجل، وهو أعلم بنفسه، وهو یرید أن يبيّن
لعباده، كما قال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن
تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦].
فمثل هذا من صفات الله تعالى التي
وصف بها نفسه يمرّ كما جاء ويؤمن بها،
ويعتقد أنه حق، وأنه لا یشبه شيئًا من صفات
المخلوقين، فسبحان من أحاط بكل شيء
علمًا(٢).
فيكون معنى قوله تعالى: ﴿إِلََّ أَن يَأْتِيَهُمُ
اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢١٠].
أي: یأتیهم الله نفسه، هذا ظاهر الآية،
ویجب المصیر إلیه؛ لأن كل فعل أضافه الله
إليه فهو له نفسه، ولا يعدل عن هذا الظاهر
إلا بدليل من عند الله.
وتأويلات كلها باطلة، وهي خلاف منهج
السلف في تفسير هذه الآية، أعرضنا عن
ذكرها.
والمعنى الحق لها: هو إثبات إتيان الله عز
(١) مجموع الفتاوى، ابن تيمية ٤/ ١٧٣.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشوكاني ١٥٢/٧.
وإذا كان يريد أن يبيّن، وهو أعلم بنفسه،
وليس في كلامه عيٌّ، وعجز عن التعبير بما
أراد، وليس في كلامه نقص في البلاغة، إذًا
فكلامه في غاية ما يكون من العلم، وغاية
ما يكون من إرادة الهدى، وغاية ما يكون
من الفصاحة والبلاغة، وغاية ما يكون من
الصدق، فهل بعد ذلك يمكن أن نقول: إنه
لا يراد به ظاهره؟! کلا، لا يمكن هذا إلا
ولأهل البدع في هذه الآية وجوهًا إذا قال الله هو عن نفسه أنه لم يرد ظاهره.
إذا المراد إتیان الله نفسه، ولا یعارض ذلك
أن الله قد يضيف الإتيان إلى أمره، مثل قوله
تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اَللَّهِ﴾ [النحل: ١].
ومثل قوله تعالى: ﴿أَوْ بَأْتِىَ أَمْرُ رَيِّكْ﴾
[النحل: ٣٣]؛ لأننا نقول: إن هذا من أمور
الغيب، والصفات توقيفية، فنتوقف فيها
٢٦٨
فَضْو
جَوَبُوالَهُ النفسية
القرآن الكريم

الظل
على ما ورد، فالإتيان الذي أضافه الله إلى تحت الله ولا شك، ومن قال بأنها فوق الله
تعالی فھو کافر.
نفسه يكون المراد به إتيانه بنفسه، والإتيان
الذي أضافه الله إلى أمره، يكون المراد به
إتیان أمره؛ لأنه ليس لنا أن نقول على الله ما
لا نعلم، بل علينا أن نتوقف فيما ورد على
حسب ما ورد.
ومن احتج بنفي الظل عن الله تعالى
بحجة أن إثبات الظل يلزم منه علو الشمس
على الله تعالى، فقد أخطأ من جهتين:
الأولى: خطؤه على لغة العرب، وحصره
الظل فقط بأثر الشمس للشاخص القائم،
والظل في لغة العرب والقرآن يأتي لمعانٍ
منها ما ذكرناه: وهو كل ما يكون فوقنا
ويسترنا.
والثاني: توهّمه أن إثبات الظل لله تعالى
يلزم منه تشبيه الخالق بالمخلوق، وهو في
الحقيقة غير لازم.
فإثبات الظل بهذا المعني -أي: بمعنى
أنه يكون فوقنا- لا يخالف فيه أحد من
أهل السنة والجماعة، فمن لوازم إثبات
علو الله على خلقه إثبات فوقية الله تعالى،
وهذا يكون عامًا لجميع الخلق، فالله تعالى
فوق خلقه بذاته مستوٍ على عرشه، فهو بهذا
المعنى يظلّهم ولا شك.
فالله تعالى بهذا المعنى العام يظلّ العرش
وغيره، فهو تعالى مستوٍ على العرش، بائن
من خلقه، لا يخرج عن ظله شيء، فالشمس
والظّلل في قوله تعالى: ﴿فِ ظُلَلٍ مِّنَ
اَلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]: جمع (ظلّة)، كظلم
جمع ظلمة، والغمام: اسم جنس جمعي
لغمامة، وهي السحاب الرقيق، وسمي
بذلك لأنه يغم، أي: يستر.
فالظلة: هي ما يستر من الشمس أو غيره،
فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة؛ لما
لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها،
وتدمّر ما أتت عليه إلى غير ذلك من أنواع
المجد الذي لا يقدره حق قدره إلا الله.
و(الغمام) قالوا: إنه السحاب الأبيض
الرقيق، لكن ليس كسحاب الدنيا، فالاسم
هو الاسم، ولكن الحقيقة غير الحقيقة؛
لأن المسميات في الآخرة، وإن شاركت
المسميات في الدنيا في الاسم، إلا أنها
تختلف، مثلما تختلف الدنيا عن الآخرة.
وفي تنكير (ظلل) إثبات عظمة الله
عز وجل؛ لأنها تدل على أنها ظلل عظيمة
وكثيرة؛ ولهذا جاء في سورة الفرقان:
﴿ وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ ﴾ [الفرقان: ٢٥].
يعني: تثور ثورانًا بهذا الغمام العظيم من
كل جانب، كل هذا مقدمة لمجيء الجبار
سبحانه وتعالى، وهذا يفيد عظمة الباري
سبحانه وتعالى .
وفي قوله تعالى: ﴿فِ ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾
www. modoee.com
٢٦٩

حرف الظاء
[البقرة: ٢١٠].
إشكال؛ لاقتضائه الظرفية، وهي
مستحيلة على الله تعالى.
لكن قد أجاب على هذا الإشكال الشيخ
ابن عثيمين رحمه الله، حيث قال: ((قوله
تعالى: ﴿فِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠].
(في) معناها (مع)، يعني: یأتي مصاحبًا
لهذه الظلل، وإنما أخرجناها عن الأصل
الذي هو الظرفية؛ لأنا لو أخذناها على أنها
للظرفية صارت هذه الظلل محيطة بالله عز
وجل، والله أعظم وأجل من أن يحيط به
شيء من مخلوقاته، ونظير ذلك أن نقول:
جاء فلان في الجماعة الفلانية، أي: معهم،
وإن کان هذا التنظیر لیس من كل وجه؛ لأن
فلانًا يمكن أن تحيط به الجماعة؛ ولكن الله
لا يمكن أن يحيط به الظلل، وهذا الغمام
يأتي مقدمة بين يدي مجيء الله عز وجل،
كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ ﴾
[الفرقان: ٢٥].
فالسماء تشقق لا تنشق، کأنها تنبعث من
كل جانب.
وقيل: إن (في) بمعنى الباء، أي: يأتيهم
بظلل من الغمام، وهي ظلل تحمل العذاب
من الصواعق، أو الربح العاصفة، أو نحو
ذلك، فتكون كقوله تعالى: ﴿وَغَحْنُ نَتَرَبَّصُ
بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِوِ
أَوْ بِأَيْدِينَآً﴾ [التوبة: ٥٢].
وهذا قول باطل؛ لمخالفته ظاهر الآية.
فيكون في قوله: ﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾ وجهان:
الأول: أنه متعلقٌ بمحذوف؛ لأنه صفةٌ
لـ(ظلل) التقدير: ظللٍ كائنةٍ من الغمام،
و(من) على هذا للتبعيض.
والثاني: أنها متعلقةٌ بـ (يأتيهم)، وهي
على هذا لابتداء الغاية، أي: من ناحية
الغمام(١).
وتجلي الملائكة في ظلل من الغمام أمر
مألوف، منه ما في الصحيح عن البراء رضي
الله عنه قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف
وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشّته
سحابة فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه
ینفر، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه
وسلم فذكر ذلك له، فقال: (تلك السكينة
تنزلت بالقرآن)(٢).
وعن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ
من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده؛
إذ جالت الفرس، فسكت فسكتت، فقرأ
فجالت الفرس، فسكت وسكتت الفرس،
ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان
ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه،
(١) انظر: الدر المصون، السمين الحلبي
١/ ٧٦٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
القرآن، باب فضل سورة الكهف، رقم
٤٧٢٤، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين، باب نزول السكينة لقراءة القرآن،
رقم ١٨٩٢.
٢٧٠
القرآن الكريمِ

الظل
فلما اجتّه رفع رأسه إلى السماء حتى ما
يراها، فلما أصبح حدّث النبي صلى الله
علیه وسلم، فقال: (اقرأ یا ابن حضیر، اقرأ
یا ابن حضير)، قال: فأشفقت يا رسول
الله أن تطأ یحیی، و کان منها قريبًا، فرفعت
رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى
السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح،
فخرجت حتى لا أراها، قال: (وتدري ما
ذاك؟) قال: لا، قال: (تلك الملائكة دنت
لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس
إليها، لا تتوارى منهم)(١)(٢).
وإسناد الإتیان إلی الملائكة؛ لأنهم الذین
یأتون بأمر الله أو عذابه، وهم الموکل إليهم
تنفيذ قضائه، فإسناد الإتيان إليهم حقيقة (٣).
ومتى يكون مجيء الملائكة؟ الظاهر أنه يوم
القيامة، أو عند الموت(٤).
رابعًا: التظليل على بني إسرائيل في
الصحراء:
لما ذكر الله تعالى ما دفعه عن بني
إسرائيل من النّقم، شرع يذكّرهم أيضًا بما
أسبغ عليهم من النعم، فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا
عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ﴾ وورد ذلك في موضعین:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
القرآن، باب نزول السكينة والملائكة عند
قراءة القرآن، رقم ٤٧٣٠.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٣ /٤٥.
(٣) التحرير والتنوير ٥٧٧/١.
(٤) انظر: زاد المسير ٢٢٦/١.
الأول: في سورة البقرة، حيث قال:
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ
وَالسَّلْوَّ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمّْ وَمَا
ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة:
٥٧].
والثاني: في سورة الأعراف حيث
قال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ
اَلْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِبَتِ مَا
رَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلَكِن كَانُواْ
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠].
وهذا التظليل من النعم على بني
إسرائيل، والمعنى: جعلنا الغمام ظلة عليكم
من حرّ الشمس.
وهذا هو الإنعام السابع الذي ذكره الله
تعالى، وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بهذه
الألفاظ في سورة الأعراف، وظاهر هذه
الآية يدل على أن هذا الإظلال کان بعد أن
بعثهم(٥).
قال السعدي: «هذا شروع في تعداد نعمه
على بني إسرائيل على وجه التفصيل ... ، ثم
ذكر نعمته عليكم في التيه والبرية الخالية من
الظلال، وسعة الأرزاق، فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا
[البقرة:
عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ اَلْمَنَّ﴾
٥٧].
وهو اسم جامع لكل رزق حسن یحصل
بلا تعب، ومنه الزنجبيل والكمأة والخبز،
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢/ ١١٧.
www. modoee.com
٢٧١

حرف الظاء
وغير ذلك))(١).
وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه
بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول
مدينة الجبارين وقتالهم ... ، فعوقبوا في
ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في خمسة
فراسخ أو ستة، روي أنهم كانوا يمشون
النهار كله، وينزلون للمبيت، فيصبحون
حیث کانوا بکرة أمس(٢).
وجاء في تفسير ابن كثير: ((أنه لما
دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى عليه
السلام: كيف لنا بما ها هنا؟ أين الطعام؟
فأنزل الله عليهم المنّ فكان يسقط على
الشجر الزنجبيل، والسلوى، وهو طائر
يشبه السماني أکبر منه، فکان یأتي أحدهم
فينظر إلى الطير، فإن كان سمينًا ذبحه وإلا
أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام
فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه
الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا،
فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا
الشراب، فأين الظل؟ فظلّل عليهم الغمام،
فقالوا: هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت
ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان،
ولا ینخرق لهم ثوب، فذلك قوله تعالی:
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ
الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾، وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٥٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١ / ٤٠٦.
مُؤْسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجَرّ
فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَنَا عَشْرَةً عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ
أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]))(٣).
والظاهر أن الخطاب في قوله:
﴿وَظَلَّلْنَا﴾ لجميعهم ... ، وقيل: الذين
ظللوا بالغمام بعض بني إسرائيل، وكان
الله تعالى قد أجرى العادة فيهم أن من
عبد الله ثلاثين سنة، لا يحدث فيها ذنبًا
أظلته الغمامة، وكان فيهم جماعة يسمون
أصحاب غمائم؛ فامتن الله تعالى لكونهم
فيهم من له هذه الكرامة الظاهرة، والنعمة
الباهرة (٤). والأول أصوب.
وإنما خاطب الموجودين في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا
عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾
[البقرة: ٥٧].
وأراد به آباءهم، وهم قوم موسى عليه
السلام، ولكن لما كان ذلك منّةً على
الآباء الذين هم أصلٌ، صار کأنه واقع على
الأبناء(٥).
ومعنى قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا﴾ أي: جعلناه
ظلّا عليكم، وكان ذلك في التيه حين
تاهوا ... ، وما كان عندهم ماء ولا مأوى؛
ولكن الله تعالى رحمهم، فظلّل عليهم
الغمام.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٢٧٢.
(٤) روح المعاني، الألوسي ٣٢٤/١.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩١/٣.
٢٧٢
جَوَبُوالَةُ النَّفْسِيَّة
الْقُرآن الكَرِيمِ

الظل
فيكون ﴿ وَظَلَّلْنَا﴾ مفعول على إسقاط صار كمظلة تظلهم أينما ساروا، فلا يحسون
بوهج الحر یلفح وجوههم.
حرف الجر، أي: بالغمام، كما تقول: ظللت
على فلان بالرداء، أو مفعول به لا على
إسقاط الحرف، ويكون المعنى: جعلناه
عليكم ظللًا، فعلى هذا الوجه الثاني يكون
فعل فيه، بجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه،
كقولهم: عدّلت زيدًا، أي جعلته عدلًا،
فكذلك هذا معناه: جعلنا الغمام علیکم ظلة،
وعلى الوجه الأول تكون (فعل) فيه بمعنى
(أفعل)، فيكون التضعيف أصله للتعدية،
ثم ضمن معنى فعلٍ يعدّى بـ (على)، فكان
الأصل: وظللناكم، أي أظللناكم بالغمام ... ،
ثم ضمن (ظل) معنى كلل أو شبهه، مما
یمکن تعدیته بـ(علی)، فعداه بـ(على)(١).
يقول في التبيان: ((أي: جعلناه ظلًا،
وليس كقولك: ظللت زيدًا بظل؛ لأن ذلك
يؤدي إلى أن يكون الغمام مستورًا بظل
آخر»(٢).
و﴿اَلْغَمَامَ﴾: هو ما غمّ السماء فغطّاها
من سحاب وقتام، وكلّ مغطّ فهو غمام،
ومنه: غمّ الهلال، أي: غطاه الغيم، فهو
اسم جنس جمعي للغمامة، واسم الجنس
الجمعي هو الذي يفرق بينه وبين مفرده
بالتاء المربوطة، أو ياء النسب، مثل: روم
ورومي، فتكاثف الغمام في الصحراء حتى
(١) إعراب القرآن، ابن سيده ١/ ١٦٤.
(٢) التبيان في إعراب القرآن، العكبري ٦٥/١.
قال ابن عثيمين في تفسيره: «الغمام: هو
السحاب الرقيق الأبيض.
وقيل: السحاب مطلقًا.
وقيل: السحاب البارد الذي يكون به
الجو باردًا، ويتولد منه رطوبة، فيبرد الجو،
وهذا هو الظاهر)»(٣).
خامسًا: رفع الجبل فوق بني إسرائيل
كأنه ظلة:
أخبر الله سبحانه وتعالى أنه رفع فوق
بني إسرائيل الجبل كأنه ظلة، فقال: ﴿وَإِذْ
نَشَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ, ظُلَّةٌ وَظَنُواْ أَنَّهُ، وَاقِعٌ
بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ
فَتَّقُونَ ﴾
﴾ [الأعراف: ١٧١].
ونظيره: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الُْورَ﴾
[البقرة: ٦٣ - ٩٣].
ونظيره أيضًا: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلُورَ
بِمِيثَقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤].
وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام
التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به
موسى عليه السلام، رفع الله على رءوسهم
جبلًا ثم ألزموا، فالتزموا وسجدوا، وجعلوا
ينظرون إلى فوق رءوسهم خشية أن يسقط
عليهم (٤).
(٣) تفسير سورة البقرة، ابن عثيمين ١٣٨/٣.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٦/٢.
www. modoee.com
٢٧٣

حرف الظاء
والمعنى: واذکر -أيها الرسول- إذ رفعنا
الجبل فوق بني إسرائيل كأنه سحابة تظلّهم،
وأيقنوا أنه واقع بهم إن لم يقبلوا أحكام
التوراة.
و﴿نَثَقْنَا﴾: النتق: الفصل والقلع،
والجبل: الطور، والناتق الرافع، والناتق
الباسط، والناتق الفاتق، وامرأة ناتق ومنتاق:
كثيرة الولد، وأخذ ذلك من نتق السقاء، وهو
نفضه حتى تقتلع الزبدة منه، ونتقنا الجبل:
قلعه من أصله(١).
ويأتي النتق بمعنی: الرفع، فیکون معنی
قوله: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا الْجَلَ﴾ أي: رفعناه، وهو
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلْتُطُوَرَ بِمِيثَقِهِمْ﴾
کقوله:
[النساء: ١٥٤].
وعن ابن عباس: رفعته الملائكة فوق
رؤوسهم(٢).
والتشبيه في قوله: ﴿كَنَّهُ, ظُلَّةٌ﴾ أي:
كهيئة الغمام، وجملة: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ حال
من ﴿اَلْجَبَلَ﴾ في محل نصب (٣).
وهذه آية أظهرها الله لهم تخويفًا لهم؛
لتکون مذکرة لهم، فیعقب ذلك أخذ العهد
عليهم بعزيمة العمل بالتوراة، فكان رفع
الطور معجزة لموسى عليه السلام؛ تصديقًا
له فيما سيبلّغهم عن الله من أخذ أحكام
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٤٣٦/١.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٩/٣.
(٣) مشكل إعراب القرآن، الخراط ١/ ١٧٣.
التوراة بعزيمة ومداومة (٤).
وقد ذكر الله فى القرآن أشياء كثيرة من
معجزات موسى عليه السلام ... ، منها هذه،
وهي: إظلال الجبل ﴿فَوْقَهُمْ كَنَّهُ, ظُلَّةٌ
[الأعراف: ١٧١](٥).
وقد قيل: إنما رفع الله تعالى الجبل
فوقهم؛ إظلالًا لهم من الشمس؛ جزاءً
لعهدهم، وكرامة لهم، ولا يخفى أن هذا
خرق لإجماع المفسرين، وليس له مستند
أصلًا (٦).
وفي هذه الآية من الفوائد: عتوّ بني
إسرائيل، حيث لم يؤمنوا إلا حين رفع
فوقهم الطور كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم،
فحينئذٍ آمنوا، وهذا الإيمان في الحقيقة يشبه
إیمان المکره الذي قيل له: إما أن تؤمن أو
تقتل.
وبيان قوة الله عز وجل وقدرته؛ لقوله
تعالى: ﴿وَإِذْ نَشَقْنَا الْجَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ ظُلَّةٌ
[الأعراف: ١٧١].
فلا أحد من الخلق يستطيع أن يحمل
ذلك الجبل، ويجعله ظلة لا يسقط عليهم
إلا الله عز وجل؛ فالأحجار العظيمة الثقيلة
الكبيرة أمسكها الله تعالى بقدرته.
(٤) التحرير والتنوير ١٦٦٩/١.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ١٤٣.
(٦) روح المعاني، الألوسي ٢٩٦/٤.
مَوَسُو ◌َرَا
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٢٧٤