النص المفهرس

صفحات 21-30

الطير
قال البيضاوي: ((﴿أَنّ أَغْلُقُ لَكُم﴾ أي:
أقدر لكم وأصور شيئًا مثل صورة الطير،
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ الضمير للكاف، أي: في
ذلك الشيء المماثل ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ
اُللهِ ﴾ فیصیر حيًّا طيّارًا بأمر الله، نبه به على
أن إحياءه من الله تعالى لا منه)»(١).
وفي الآية دليل على أنه لولا الإذن من
الله عز وجل لم يقدر على ذلك، وأن خلق
ذلك كان بفعل الله سبحانه، أجراه علی ید
عيسى عليه السلام (٢).
وقال ابن كثير في هذه الآية: كان عليه
السلام يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخ
فیه، فیطیر عيانًا بإذن الله عز وجل، الذي
جعل هذا معجزة يدل على أن الله أرسله (٣).
وأما أبو زهرة فقال في هذه الآية: ((فهنا
أعمال ثلاثة: اثنان منها لعيسى عليه السلام،
والثالث لله تعالى جل جلاله وعظمت
قدرته، أما اللذان لعيسى فهما: تصوير الطين
كهيئة الطير، والنفخ فيه، وأما الثالث الذي
هو من عمل الله تعالى وحده، فهو خلق
الحياة في هذه الصورة التي صورها عيسى
عليه السلام؛ ولذلك قال: ﴿بِإِذْنِ اٌللَّهِ﴾ أي:
بأمره وإعلامه، والكون كله بأمره سبحانه
وتعالى ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ,
﴾ [يس: ٨٢].
٨٢)
كُنْ فَيَكُونُ
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ١٨ باختصار.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٣٩٢ .
(٣) تفسير القرآن العظيم، ٢/ ٤٤ بتصرف يسير.
وهذا يدل على أنه لم يكن في عيسى
ألوهية، ولا أي معنى من معانيها)) (٤).
وقد أكد الله جل وعلا هذه المعجزة في
موضع آخر في كتابه الكريم، مخاطبًا عيسى
عليه السلام، في معرض التذكير بنعمه التي
أنعمها عليه، حيث قال جل شأنه: ﴿وَإِذْ
تَخْلُقُ مِنَ الْعِينِ كَهَيَْةِ الَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا
فَتَكُونُ طَيْرًّا بِإِذْنِ﴾ [المائدة: ١١٠].
قال ابن كثير: ((وقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ
اُلّطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ﴾ أي: تصوره
وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك
﴿فَتَكُونُ طَيْرًا پِإِذْنِ﴾ أي: فتنفخ في تلك
الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك،
فتكون طيرًا ذا روح بإذن الله وخلقه))(٥).
وهذه المعجزة باهرة قاطعة في أن الخالق
لهذا الكون لا تحکمہ الأسباب، إذ إن الناس
یجدون أسباب الخلق هو التوالد بأن تحمل
الأنثى من ذكر، وتلد، ثم يكون الحي من
بعد ذلك، فيكون من خرق الأسباب أن
يكون الحي بإجراء الحياة على يد مخلوق
لله تعالى، فقد أذن لعيسى عليه السلام أن
يصور من الطين كهيئة الطير، فمعنى (خلق)
هنا: هو تصويره جسدًا من الطين، وجعله
علی شکل طائر، ثم نفخ فيه بإذنه سبحانه،
فیکون طیرًا بإذن الله تعالى، وذكرت كلمة
(٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/ ١٢٣٠.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ٣/ ٢٢٣.
www. modoee.com
٢٤٥

حرف الطاء
بإِذْنِ ﴾ عند تصوير شكل الطير، وعندما
صار طيرًا؛ للإشارة إلى أن كل ذلك من عند
الله، وأنه الخالق، وليس عيسى هو الخالق،
ولكنه سبحانه وتعالى أجرى الخلق على
یدیه(١).
سابعًا: دروس من قصص الطير في
القرآن:
ذكرنا في المطالب السابقة قصص الطير
مع بعض الأنبياء عليهم السلام، ومع ابني آدم
عليه السلام، ومما لا شك فيه أن القصص
في القرآن الكريم حقائق ووقائع ثابتة، ومن
فوائدها أخذ الدروس والعبر، فمن الدروس
والعبر من قصص الطير ما يأتي:
١. أن الطير جند من جنود الله
تعالی.
قد يرسلها الله لإهلاك الظالمين
المعتدين، كما حصل لأصحاب الفيل
عندما أرادوا هدم الكعبة، فأرسل الله
عليهم أضعف جنوده وهو الطير، قال
تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًّا أَبَابِيلَ ®
[الفيل: ٣].
أو قد تكون مسخرة لأنبياء الله عليهم
السلام معجزة لهم وتصديقًا لرسالاتهم،
ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن داود
عليه السلام بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥/ ٢٣٩٧.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَة
القرآن الكريم
اُلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالْغَيْرُ وَكُنَّا فَعِلِينَ﴾
[الأنبياء: ٧٩].
وأخبر عن سليمان عليه السلام بقوله
تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ، مِنَ الْجِنّ
وَاْإِنِسِ وَالَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(٣)﴾ [النمل: ١٧].
٢. تعلم الإنسان من غيره من
المخلوقات، ولو كان ممن هو أدنى
منه(
وهذا دليل على عجز الإنسان وضعفه
مهما كانت قوته وسلطانه وجبروته وبطشه،
ومن ذلك: قصة الغراب مع ابني آدم، حیث
بعث الله خلقًا من مخلوقاته وهو الغراب
ليظهر للإنسان ضعفه ويعلمه كيف يدفن
أمواته(٣).
قال جل وعلا: ﴿فَبَعَثَ اَللّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ
فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾
[المائدة: ٣١].
فشاءت حكمة الله أن تضع القاتل أمام
عجزه، فبالرغم من جبروته وقتله لأخيه إلا
أنه عاجز عن أن يواري سوأته، عاجز عن
أن يكون كالغراب في أمة الطير (٤)، وكأن
ربنا عزّ وجلّ يعلّمنا أيضًا الأدب وعدم
(٢) انظر: التربية الإسلامية، محمد منير مرسي
ص ١٣٨.
(٣) انظر: التربية في عصور ما قبل الإسلام وبعده،
عباس محجوب ص ١٠٣ .
(٤) انظر: مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها، علي
أحمد مدكور ص ٢٤٦ .
٢٤٦

الطير
الغرور (١).
ولذلك تحسر القاتل وتعجب وأظهر
عجزه قائلاً: ﴿يَوَيْلَتِىَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ
هَذَا الْغُرَبِ فَأَوَرِىَ سَوْءَةً أَخِىٌّ فَأَصْبَحَ مِنَ
النَّدِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١].
فكأنه يتحسر على ما أصبح فيه، وأن
الغراب أعقل منه، وأكثر منه خبرة، و کأنه لم
يقلها إلا بعد أن مرّ بمعنی نفسيّ شدید قاسٍ
على وجدانه(٢)، وكلّما كان المقرّع به أسفل
كانت الموعظة في ذلك أبلغ (٣)، فالله هو
الذي أودع فيه هذه الغريزة، ليعلم الإنسان
وليأخذ منه العظات والعبر، وليكون وسيلة
أيضًا لبيان أحكام شرعية تتعلق بحماية
الإنسان في الأرض (٤).
ومن ذلك أيضًا: قصة نبي الله سليمان
علیه السلام مع الهدهد، حيث نجد الهدهد
يقول لسيدنا سليمان: ﴿أَخَطَتُّ بِمَا لَمْ تُمِطْ
بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبَمٍ بِنَِّ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢].
هذا هو الهدهد، وهو المخلوق الأقل
من سليمان عليه السلام يقول له: لقد عرفت
ما لم تعرفه أنت، وکان هذا القول قد جاء
لیعلمنا حسن الأدب مع من هو دوننا، فهو
(١) تفسير الشعراوي ١٧/ ١٠٢٩٢.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ٥/ ٣٠٨٤، و١٤/
٨٩٣٣.
(٣) انظر: جماليات المفردة القرآنية، أحمد
ياسوف ص ١٣٣ .
(٤) انظر: التربية في عصور ما قبل الإسلام وبعده،
عباس محجوب ص ١٠٣ .
يهب لمن دوننا ما يعلّمه لنا، وهكذا يتعلم
الإنسان ممن هو دونه، وممن سخره الله له،
وانظر كيف أبرز لنا الله أن الأدنى إن رأى
خبرًا لا بد أن يبلغه للأعلى، فتتحقق سيولة
المعلومات، التي يتخذ الأعلى على ضوئها
القرار المناسب(٥).
٣. مكانة العلم وشرفه.
ويتجلى ذلك أيضًا من قصة الهدهد
مع سليمان عليه السلام، فالهدهد مع أنه
في نهاية الضعف، ومع أنه كان في موقف
المعاتبة، حيث توعده سليمان عليه السلام
لغیابه بدون علم، ولما كان ملکه مبنيًّا على
كمال العدل استثنى بقوله: ﴿لَأَعَذِّبَتَّهُ.
عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَ ذْتَجَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ
تُبِينٍ ﴾ [النمل: ٢١].
فلولا أن العلم أشرف الأشياء، وإلا فمن
أين للهدهد أن يتكلم في مجلس سليمان
بمثل هذا الكلام: ﴿أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْبِهِ.
وَجِئْتُكَ مِنْ سَيٍَّ بِِّ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢].
ولذلك يرى الرجل الساقط إذا تعلم
العلم صار نافذ القول عند السلاطين، وما
ذاك إلا ببركة العلم (٢).
٤. الحيوانات تعرف ربها وتسبّحه
وتوحّده.
(٥) انظر: تفسير الشعراوي ٩ / ٥٦٧٤ -٥٦٧٥ .
(٦) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢ / ٤٠٧، تيسير
اللطيف المنان، السعدي ص ٢٤٢ .
www. modoee.com
٢٤٧

حرف الطاء
وتحب المؤمنین وتدین لربها بذلك،
وتبغض الكفار المكذبين، ويتجلى ذلك
فيما حكاه الله عن الهدهد: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ
بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن
سَبٍَّ بِذَلِ يَقِينٍ (٢ إِ وَجَدتُّ أَمْرَأَةُ تَمْلِكُهُمْ
وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَهْءٍ وَلَمَا عَرْشُ عَظِيمٌ )
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّيْسِ مِن دُونِ اللَّهِ
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿ أَلََّيَسْجُدُ واْلِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ
اَلْخَبْهَ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ
اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
وَمَا تَعْلِنُونَ
٢٥
[النمل: ٢٢-٢٦].
اَلْعَظِيمِ ﴾﴾
ففي هذه المدة القصيرة جاء الهدهد بهذه
المعلومات العظيمة، أخبر سليمان عن ملك
الديار اليمانية، وأن ملكتهم امرأة، وأنها قد
أعطيت من كل شيء يحتاج الملك إليه،
وأن لها عرشًا عظيمًا، ومع فهمه لملكهم
وقوتهم فهم أيضًا دينهم، وأنهم مشركون
يعبدون الشمس، وأنكر الهدهد عليهم غاية
الإنكار (١).
الطير في المثل القرآني
أشاد الله سبحانه وتعالى بالأمثال في
محکم کتابه الکریم، مبينًا أنه اشتمل علی کل
مثل من الحق یحتاجه الناس، وأن السبيل قد
استبان بتلك الأمثال، وما بقي على الناس
إلا أن يتفكروا بها ويتذكروا.
قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِ هَذَا
اُلْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍّ وَكَانَ آلْإِنسَنُ
أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلاً )﴾ [الكهف: ٥٤].
وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَتِلْكَ
الْأَمْثَلُ نَضْرِيُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾
[الحشر: ٢١].
وقد بين جل وعلا أنه ضرب للناس
أمثالهم التي يتعرفون بها على الهدى
والضلال، والخير والشر، والحق والباطل،
وما آل إليه أهلها من العواقب الحميدة، أو
النهايات الوخيمة.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَتَّبَعُوا
الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَبَعُواْ الْحَقَّ مِن رَّبِيِّمْ كَذَلِكَ
يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ ﴾ [محمد: ٣].
وقد ذكر الله الطير في المثل القرآني
لیبین حال المشرك بالله في بعده عن الهدى
وهلاكه، بالذي يهوي من السماء فتتخطفه
الطير من كل جانب.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ
(١) انظر: تيسير اللطيف المنان، السعدي ص مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ
٢٤٢-٢٤٣ .
جوسُوحَرَ النَّفِيَّـ
القرآن الكريمِ
٢٤٨

الطير
فِ مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج: ٣١].
قال الزجاج في هذه الآية: ((وهذا مثل
ضربه الله للكافر في بعده عن الحق، فأعلم
الله أن بعد من أشرك به من الحق، کبعد من
خرّ من السماء، فذهبت به الطير أو هوت به
الريح في مكانٍ سحيق، أي: بعيدٍ))(١).
حال هذا المشرك الذي ارتكس في أوحال
الوثنية، حیث قال رحمة الله في کلامه لبيان
هذا المشهد في هذه الآية: فتأمل هذا المثل
ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره،
ويجوز لك في هذا التشبيه أمران:
أحدهما: أن تجعله تشبيها مركبًا، ویکون
قد شبه من أشرك بالله برجل قد تسبب إلى
هلاك نفسه هلاگًا لا يرجى معه نجاة، فحاله
كحال من سقط من السماء فاختطفته الطير
في الهواء ومزقته في حواصلها، أو عصفت
به الربح فسقط فى مكان عميق، وعلى هذا
لا تنظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله
من المشبه به.
والثاني: أن يكون من التشبيه المفرق،
فيقابل كل واحد من أجزاء الممثِّل بالممثَّل
به، فيكون قد شبه التوحيد في علوه وشرفه
بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها
هبط إلى الأرض، وإليها يصعد منها، وشبه
تارك التوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل
(١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣/ ٤٢٥ .
سافلين لما يجده من التضييق والشدة، وشبه
الشياطين التي تؤزه وتتقاسم قلبه بالطير
التي تتقاسم لحمه، وشبه هواه الذي ألقاه
في التهلكة بالريح التي هوت به في مكان
سحیق(٢).
وقال السعدي في تفسير هذه الآية:
ولنستمع إلى ابن القيم وهو يصور لنا ((﴿وَمَن يُشْرِك ◌ِاللَّهِ﴾ فمثله ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ
مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: سقط منها ﴿فَتَخْطَفُهُ
الطَّيْرُ﴾ بسرعة ﴿أَوْ تَهْوِى بِهِ الْرِيُ فِ مَكَانٍ
سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد، كذلك المشرك، فالإيمان
بمنزلة السماء، محفوظة مرفوعة، ومن
ترك الإيمان، بمنزلة الساقط من السماء،
عرضة للآفات والبليات، فإما أن تخطفه
الطير فتقطعه أعضاء، كذلك المشرك إذا
ترك الاعتصام بالإيمان تخطفته الشياطين
من کل جانب، ومزقوه، وأذهبوا علیه دينه
ودنياه))(٣).
وذكر ابن عاشور أن الكافرين في هذه
الآية قسمان: «قسم شركه ذبذبة وشك، فهذا
مشبه بمن اختطفته الطير فلا يستولي طائر
علی مزعة منه إلا انتهبها منه آخر، فكذلك
المذبذب متى لاح له خيال اتبعه وترك ما كان
عليه، وقسم مصمم على الكفر مستقر فيه،
فهو مشبه بمن ألقته الريح في واد سحيق،
وهو إيماء إلى أن من المشركين من شركه
(٢) إعلام الموقعين، ١/ ١٣٨ - ١٣٩ بتصرف
واختصار.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٥٣٨ .
www. modoee.com
٢٤٩

حرف الطاء
لا یرجی منه خلاص کالذي تخطفته الطیر،
ومنهم من شركه قد يخلص منه بالتوبة، إلا
أن توبته أمر بعيد عسير الحصول)» (١).
والخلاصة في القول: إن الطير في هذا
المثل شبهت بالشياطين التي تتخطف
المشرك بالله من كل جانب، فتسلبه دينه
ودنياه، فهو هالك لا محالة.
الطير والتشاؤم
أخبر الله جل وعلا في محكم كتابه
الكريم عن المكذبين لرسل الله ورسالاته
المعرضين عن آياته، أنهم كانوا إذا أصابهم
الخير والخصب والسعة في الأموال
والأولاد، قالوا هذا من عند الله، أو نحن
أحق بها، وإن أصابهم الفقر والمرض
والجدب تطيروا وتشاءموا برسل الله
وأنبيائه، ومن ذلك ماحكاه الله عن قوم نبينا
محمد صلی الله عليه وسلم.
قال جل وعلا: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا
هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْهَذِهِ،
مِنْ عِنْدِكَ ﴾ [النساء: ٧٨].
وكانت العرب أكثر الناس طيرة، وكانت
إذا أرادت سفرًا نفرت طائرًا، فإذا طار يمنة
سارت وتيمنت، وإن طار شمالًا رجعت
وتشاءمت(٢)، والتشاؤم دأب الكفرة من
قبل، حيث كانوا يتطيرون ويتشاءمون
بالأنبياء والرسل عليهم السلام، كما أخبر
الله سبحانه وتعالى عن قوم صالح عليه
السلام.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَّيَّْنَا بِكَ وَبِمَن مَعَكّ
قَالَ طَيِرُ كُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ
٤٧
[النمل: ٤٧].
قال الماتريدي في هذه الآية: ((أي:
(١) التحرير والتنوير، ١٧ / ٢٥٥.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ٢١٤ .
٢٥٠
القرآن الكريم

الطير
تشاءمنا منك ويمن معك، ولم يزل الكفرة تفضلًا، ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من
يقولون لرسل اللّه عليهم السلام ولمن ابتلي بها عقوبةً))(٢).
آمن منهم: اطيرنا بكم، إذا أصابتهم الشدة
والبلاء يتطيرون بهم ويتشاءمون، ويقولون:
إنما أصابنا هذا بشؤمكم، وإذا أصابهم رخاء
وسعة قالوا: هذا لنا بنا ومن أنفسنا، وهو
ما قال موسى، حيث قال: ﴿فَإِذَا جَآءَ تْهُمُ
اَلْحَسَنَّةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ﴾ [الأعراف: ١٣١].
وكذلك قال أهل مكة لرسول اللّه، حيث
قال: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ
اللّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِنْدِكَ﴾
[النساء: ٧٨].
کانوا یتطیرون برسول اللّه ويتشاءمون
بما يصيبهم من الشدة، وما ينزل بهم من
البلاء، فأخبر اللّه رسوله، وأمره أن يقول
لهم: ﴿قُلْ كُلُّ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ [النساء: ٧٨]))(١)
قال أبو السعود: ((فأمر النبيّ صلّى
الله عليه وسلم بأن يردّ زعمهم الباطل
ويرشدهم إلى الحق ویلقمهم الحجر ببيان
إسناد الكلّ إليه تعالى على الإجمال؛ إذ لا
يجترئون على معارضة أمر الله عزّ وجلّ
حيث قال: ﴿قُلْ كُلُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: كلّ
واحدةٍ من النعمة والبلية من جهة الله تعالى
خلقًا وإيجادًا من غير أن يكون لي مدخل
في وقوع شيء منهما بوجهٍ من الوجوه كما
تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات
(١) تأويلات أهل السنة، ٨/ ١٢١- ١٢٢.
وسمی التشاؤم تَطَیُّرًا؛ لأنه من قبل كان
من دأبهم أنهم إذا خرجوا مسافرين فمروا
بطائر زجروه، أي: رموه بحجر ونحوه، فإن
مرّ سانحًا بأن مر من ميامن الشخص إلى
میاسره تیمنوا به، وإن مر بارحًا بأن مر من
المياسر إلى الميامن تشاءموا منه(٣).
وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ طََبِرُكُمْ عِندَ اللّهِ﴾
قال البغوي: ((أي ما يصيبكم من الخير
والشر عند الله بأمره وهو مكتوب عليكم،
سمي طائرًا لسرعة نزوله بالإنسان، فإنه
لا شيء أسرع من قضاء محتوم، وقيل:
طائر کم، أي: عملکم عند الله، سمي طائرًا؛
لسرعة صعوده إلى السماء)) (٤).
ثم بين الله تعالى سبب نزول الشر عليهم
حيث قال تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ﴾.
قال الشوكاني في هذه الآية: ((أي:
تمتحنون، وتختبرون ... فأضرب عن ذكر
الطائر إلى ما هو السبب الداعي إليه)»(٥).
وأخبر الله جل وعلا كذلك عن قوم
فرعون، فقد تشاءموا بموسى عليه السلام
ومن معه.
قال تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ
(٢) إرشاد العقل السليم، ٢/ ٢٠٥.
(٣) انظر: تفسير المراغي ١٩/ ١٤٧.
(٤) معالم التنزيل، ٣ / ٥٠٩ باختصار.
(٥) فتح القدير، ٤ / ١٦٥ .
www. modoee.com
٢٥١

حرف الطاء
بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ( أَلَا إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: ١٣١].
قال البغوي: ((﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّتَةٌ﴾،
جدب وبلاء ورأوا ما يكرهون، ﴿يَطَّيَّرُواْ﴾
يتشاءموا، ﴿يِمُوسَى وَمَنْ مَّعَدُ﴾، وقالوا:
ما أصابنا بلاء حتى رأيناهم، فهذا من شؤم
موسی وقومه»(١).
وهذا دليل على جهلهم وعنادهم.
قال أبو السعود: ((وهذا كما ترى شاهدٌ
بكمال قساوة قلوبهم، ونهاية جهلهم
وغباوتهم، فإن الشدائد ترقّق القلوب،
وتلین العرائك لا سيما بعد مشاهدة الآيات،
وقد کانوا بحیث لم يؤثر فيهم شيءٌ منها، بل
ازدادوا عتوًّا وعنادًا))(٢).
فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَلَآ إِنَّمَا
طَيْرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾.
قال السعدي: «أي: بقضائه وقدرته، لیس
كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب
في ذلك))(٣).
ثم بين الله جل وعلا سبب تشاؤمهم
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾،
بقوله:
وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم؛ للإشعار
بأن بعضهم يعلمون أن ما أصابهم من الخير
والشرّ من جهة الله تعالی، أو يعلمون أن ما
أصابهم من المصائب والبلايا ليس إلا بما
(١) معالم التنزيل، ٢/ ٢٢٢.
(٢) إرشاد العقل السليم، ٣/ ٢٦٤.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٠١.
كسبت أيديهم، ولكن لا يعلمون بمقتضاه
عنادًا واستكبارًا(٤).
وكذلك أخبر الله تعالى عن أصحاب
القرية حيث تشاءموا كذلك برسلهم، قال
جل شأنه: ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَّرْنَا بِكُمَّ لَّيِن لَّْ
تَنْتَهُواْ لَتَجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمِ مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
قَالُواْ طَرَّكُم مَّعَكُمْ أَيِن ذُكِرْلُ بَلَ
١٨
أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِقُونَ (١)﴾ [يس: ١٨-١٩].
قال النسفي: ((تشاءمنا بكم، وذلك أنهم
كرهوا دينهم، ونفرت منه نفوسهم، وعادة
الجهال أن یتیمنوا بكل شيء مالوا إليه وقبلته
طباعهم، ویتشاءموا بما نفروا عنه وکرهوه،
فإن أصابهم بلاء أو نعمة قالوا بشؤم هذا
وبركة ذلك»(٥)، ودل هذا القول منهم على
أنه قد نزل شيء من العذاب، والشدة حتى
تشاءموا بهم ذلك، ولم يزل عادة الكفرة
التطير بالرسل عند نزول البلاء بهم (٦).
ولما ضاقت بهؤلاء المكذبين الحيل،
وأعیتھم الحجج، لم يكتفوا بما قالوا، بل
لجئوا إلى التهديد والوعيد ﴿لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهُواْ
لَّجُنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال الطبري: لئن لم تنتهوا عما ذكرتم من
أنكم أرسلتم إلينا بالبراءة من آلهتنا، والنهي
عن عبادتنا لنرجمنكم، قيل: لنرجمنكم
بالحجارة، قاله قتادة، وفي قوله تعالى:
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/ ٢٦٤ .
(٥) مدارك التنزيل، ٣/ ٠١٠٠
(٦) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٨/ ٥١٠ .
٢٥٢
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير
القرآن الكريم

الطير
﴿وَلَيَمَسَّكُمْ مِنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَال: ولينالنّكم
منا عذاب موجع(١).
فأجاب الرسل عليهم دفعًا لما زعموه منٍ
التشاؤم بهم بقولهم: ﴿قَالُواْ طَيِّكُمْ مَعَكُمْ
أَيِّن ذُكِرُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِقُونَ﴾.
قال المراغي: ﴿قَالُواْ طَيِرَّكُمْ تَعَكُمْ﴾
أي قالوا لهم سبب شؤمكم من أفعالكم،
لا من قبلنا كما تزعمون، فأنتم أشركتم
بالله، وارتكبتم المعاصي، أما نحن فلا
شؤم من قبلنا، فإنا لا ندعو إلا إلى توحيد
الله، وإخلاص العبادة له، وفي ذلك منتهى
اليمن والبركة، ﴿أَيْن ذُكِرْلُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
مُسْرِقُونَ﴾ أي: أمن جرّاء أنا ذكرناكم،
وأمرناكم بعبادة الله، تقابلوننا بمثل هذا
الوعيد؟ بل أنتم قوم ديدنكم الإسراف
ومجاوزة الحد في الطغيان، ومن ثم جاءكم
الشؤم، ولا دخل لرسل الله في ذلك، فقد
جعلتم أسباب السعادة أسبابًا للشقاء، ولا
يخفى ما في ذلك من شديد التوبيخ، وعظيم
التهديد والتنبيه إلى سوء صنيعهم بحرمانهم
من الخيرات (٢).
[انظر بحث التشاؤم: التشاؤم بالطيور]
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٥٠٢ .
(٢) تفسير المراغي ٢٢/ ١٥٢-١٥٣ بتصرف
واختصار.
الطير في الجنة
الجنة هي الجزاء العظيم، والثواب
الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل
طاعته، وهي نعیم کامل لا يشوبه نقص،
ولا يعكر صفوه كدر، وما حدثنا الله تعالى
به عنها، وما أخبرنا به الرسول صلى الله
عليه وسلم يحير العقل ويذهله؛ لأن تصور
عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه
واستيعابه.
يقول الله عز وجل: (أعددت لعبادي
الصالحین، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت،
ولا خطر على قلب بشر)(٣).
وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس من المآكل
والمشارب.
قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ
وَتَلَذُّ الْأَعْيُبُ﴾ [الزخرف: ٧١].
وقد أباح الله لهم أن يتناولوا من خيراتها
وألوان طعامها ما يشتهون، ومن ذلك لحوم
الطير.
قال تعالى: ﴿وَلَّمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾
[الواقعة: ٢١].
قال الطبري: ((من الطير الذي تشتهيه
نفوسهم)» (٤).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة
وصفة نعيمها وأهلها، رقم ٤، عن أبي هريرة
عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ١٠٥.
www. modoee.com
٢٥٣

حرف الطاء
والاشتهاء: مصدر اشتھی، وهو افتعال
من الشهوة التي هي: محبة نيل شيء
مرغوب فيه من محسوسات ومعنويات،
وجعل الاشتهاء للحم الطير؛ لأنه أعلق
بالطعام، فلذة كسر الشهية بالطعام لذة زائدة
على لذة حسن طعمه(١).
قال الماتريدي: ((إن أهل الجنة إنما
يتناولون ما يتناولون على الشهوة، لا على
الحاجة وسد الجوع، وهو كما ذكر جل
وعلا: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ
اُلْأَعْيُثُ﴾ [الزخرف: ٧١])](٢).
فيطوف الغلمان على أهل الجنة بألوان
من المطاعم المختلفة، فيختارون منها ما
تميل إليه نفوسهم، وبأنواع من لحوم الطير
مما لذّ وطاب، فيأخذون منها ما يشتهون،
وفيه يرغبون(٣).
وأما السعدي فيقول في تفسير هذه الآية:
((أي: من كل صنف من الطيور يشتهونه،
ومن أي جنس من لحمه أرادوا، وإن شاءوا
مشويًّا، أو طبيخًا، أو غير ذلك))(٤).
وذكر لحم الطير؛ لأن لحوم الطير أنعم
اللحوم وألذها (٥).
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧/
٢٩٥ .
(٢) تأويلات أهل السنة، ٩/ ٤٩١ .
(٣) انظر: تفسير المراغي ٢٧ / ١٣٧ .
(٤) تيسير الكريم الرحمن، ص ٨٣٣.
(٥) تفسير الحجرات، الحديد، ابن عثيمين ص
٣٣٤.
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم: أن
في الجنة طيرًا أعناقها كأعناق الجزر، فقال
عمر: إن هذه لناعمة، قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: أكلتها أنعم منها (٦).
والجزر: جمع جزور، وهو البعير (٧).
موضوعات ذات صلة:
التشاؤم، الحشرات، الحيوان، الطيبات
(٦) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٣٣٠٦،
والترمذي في سننه، رقم ٢٥٤٢، والنسائي في
سننه، رقم ١١٦٣٩، عن أنس بن مالك رضي
الله عنه.
قال الترمذي: حديث حسن.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٢٥١٤.
(٧) تحفة الأحوذي، المباركفوري ٧/ ٢١٢ .
٢٥٤
جوسين
القرآن الكريمِ