النص المفهرس

صفحات 1-20

جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الطَّهَائِرَة
عناصر الموضوع
مفهوم الطهارة
١٤٤
الطهارة في الاستعمال القرآني
١٤٥
الألفاظ ذات الصلة
١٤٦
١٤٨
الحث على الطهارة
١٦١
أنواع الطهارة
١٨٢
آثار الطهارة
المُجَلَدُ الثَانِى وَالعُشْرُونْ

حرف الطاء
مفهوم الطهارة
أولًا: المعنى اللغوي:
الطهارة لغة:
النظافة، والتنزه عن الأدناس(١)، قال ابن فارس: ((الطاء والهاء والراء أصل واحد يدل على
نقاءٍ وزوال دنس، ومن ذلك الطّهر خلاف الدنس، والتّطهّر: التنزه عن الذم، وكل قبيح))(٢).
والطّهر بالضم: نقيض النجاسة(٣)، والمرأة طاهرٌ من الحيض، وطاهرٌ من النجاسة ومن
العيوب (٤).
ممّا سبق يظهر أنّ الطهارة في اللغة إما أن تكون حسية؛ كالطهارة من النجاسة، وإما أن
تكون معنوية؛ كالطهارة من العيوب.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
هي ((رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة، بالماء أو رفع حكمه بالتراب))(٥)، وعرّفها
الدكتور وهبة الزحيلي بأنها: ((النظافة من النجاسة حقيقية كانت وهي الخبث، أو حكمية
وهي الحدث))(٦)، وبالرجوع إلى كتب الفقه نجد تعريفاتٍ أخرى، وكلها متقاربة في المعنى،
وتدور حول محور واحد وهو: رفع الحدث، وإزالة الخبث(٧).
العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي:
الطهارة اصطلاحًا لها معنى خاص يختلف عن المعنى اللغوي، ويشتركان في إزالة
الخبث، إلا أن رفع الحدث مما اختص به الطهارة اصطلاحًا.
(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات، النووي ١١٨/٣.
(٢) مقاييس اللغة ٤٢٨/٣.
(٣) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٣٨٩.
(٤) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٣٥٥.
(٥) المغني، ابن قدامة ١٢/١.
(٦) الفقه الإسلامي وأدلته ١ / ٢٠١.
(٧) انظر: المجموع، النووي ١ / ١١، فتح باب العناية، الهروي ٤١/١.
مَوَسُوع
القرآن الكريم
١٤٤

الطهارة
الطهارة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (طهر) في القرآن الكريم (٣١) مرة (١).
والصيغ التي وردت كالآتي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]
الفعل المضارع
٩
[المائدة: ٤١]
فعل الأمر
٤
﴿أَنْ لَّا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ﴾ [الحج: ٢٦]
اسم فاعل
٣
﴿إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ [آل عمران: ٥٥]
اسم مفعول
٦
﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٥]
اسم تفضيل
٤
﴿ قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود:٧٨]
مصدر
١
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَ كُمْ تَظْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٣]
صيغة المبالغة
٢
﴿وَأَنْزَ لْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا ﴾ [الفرقان: ٤٨]
وذكر أصحاب الوجوه والنظائر عشرة أوجه للطهارة في القرآن(٢)، وزاد بعضهم ثلاثة
أوجه أخرى(٣)، لكن كل هذه الأوجه في الأغلب لا تخرج عن معنى الطهارة في اللغة الذي
هو النقاء وزوال الدنس، والتنزه عن كل قبيح (٤)، وهي ضربان: حسية، ومعنوية (٥).
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٤٢٨-٤٢٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان، ص ٦٩ - ٧١، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣١٨ -
٣١٩.
(٣) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٤١٩ - ٤٢٢.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٤٢٨.
(٥) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١ / ١٠٦٣.
www. modoee.com
١٤٥
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمّْ

حرف الطاء
الألفاظ ذات الصلة
الرجس :
١
الرجس لغةً:
الراء والجيم والسين أصلٌ يدلّ على اختلاطٍ، ومنه: الرّجس: القذر؛ لأنّه لطخٌ وخلط (١).
الرجس اصطلاحًا:
((هو النتن والقذر، قال الفارابي: كل شيء يستقذر فهو رجس، وقيل: الرجس: النجس))(٢).
الصلة بين الرجس والطهارة:
إذا كان الرجس هو الشيء الذي خالطه القذر، والطهارة هي إزالة هذا القذر، فالعلاقة
بينهما علاقة تضاد.
النجس:
٢
النجس لغةً:
النّجس: الشّيء القذر من النّاس ومن كل شيء قذرته، ورجل نجسٌ، وقوم أنجاس(٣).
النجس اصطلاحًا:
هو ((صفة حكمية توجب لموصوفها منع استباحة الصلاة ونحوها)) (٤).
الصلة بين النجس والطهارة:
إذا كان النجس وصفًا يمنع أداء العبادة على الوجه المطلوب، والطهارة هي إزالة ذلك
النجس وتلك القذارة حتى يمكن أداء العبادة على الوجه المطلوب، فالعلاقة بينهما علاقة
تضاد.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٠٧/٢.
(٢) الموسوعة الفقهية الكويتية، ١٢/١٩.
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٣١٣/١٠.
(٤) الموسوعة الفقهية الكويتية، ٨/ ٥٦.
◌َةُ النَّفِيَّة
جوبيـ
القرآن الكريمِ
١٤٦

الطهارة
الخبث:
٣
الخبث لغةً:
الخبيث ضد الطيب، وخبث خبثًا وخبائةً وخبائيةً، وهو النجس (١).
الخبث اصطلاحًا:
هو ((العين المستقذرة شرعًا، أي: النجاسة الحقيقية))(٢).
الصلة بين الخبث والطهارة:
الخبث نجاسة حسية، وإزالة هذه النجاسة ورفع هذا الخبث يسمى طهارة، إذن فالعلاقة
بينهما علاقة تقابل وتضاد.
الطيب:
٤
الطيب لغةً:
الطيب خلاف الخبيث، إلا أنه قد تتسع معانيه حسب ما يضاف إلى الطيب، فمثلًا يقال:
أرضٌ طيبة للتي تصلح للنبات، وربحُ طيبة إذا كانت لينة، وطعمةٌ طيبة إذا كانت حلالً(٣)،
ويقال: شيء طيب إذا كان طاهرًا نظيفًا (٤)، وماء طيب إذا كان عذبًا أو طاهرًا(٥).
الطيب اصطلاحًا:
((ما تستلذّه الحواسّ، وما تستلذّه النّفس، والطّعام الطّب في الشّرع: ما كان متناولًا من
حيث ما يجوز، ومن المكان الّذي يجوز، فإنّه متى كان كذلك كان طيًّا عاجلًا وآجلاً لا
يستوخم، وإلا فإنه - وإن كان طيّبًا عاجلًا - لم يطب آجلً))(٦).
الصلة بين الطيب والطهارة:
الطيب صورة من صور الطهارة، فالطيب طاهرٌ، سواء كان طيبه حسيًّا أو معنويًّا.
(١) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ١/ ١٦٨.
(٢) الموسوعة الفقهية الكويتية، ١٦ / ٤٧.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣٥/٣، مختار الصحاح، الجوهري ص ١٧٣، تاج العروس، الزبيدي
٢٨١/٣.
(٤) المغرب، المطرزي، ص ٢٩٦.
(٥) تاج العروس، الزبيدي، ٢/ ١٩١.
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٢٧.
www. modoee.com
١٤٧

حرف الطاء
الحث على الطهارة
تنوّعت أساليب القرآن الكريم في الحثّ
على الطهارة، وبيان منزلتها، بين الأسلوب
المباشر كالأمر الصريح، وغير المباشر
كالثناء على أصحاب الطهارة، وذكر محبة
الله تعالى للمتطهرين، وضرب أمثلة ممّن
اتصف بالطهارة، مثل: أمّهات المؤمنين
رضي الله عنهن، وزوجات أهل الجنّة.
أولًا: الأمر الصريح:
قال تعالى: ﴿خُذّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةٌ
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّهِم ◌ِبِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
يأمر الله تبارك وتعالى نبيّه الكريم عليه
أفضل الصلاة وأتمّ التسليم بأخذ الصدقات
وجمعها؛ تطهيرًا للأموال، وتزكية للنفوس،
وهذا أمر صريحٌ من الله تعالى في فعل ما
هو مطهّرٌ لهذه الأموال التي بين أيدينا، بل
ويطهّر النّفس من أن تتعلّق بهذا العرض
الزائل.
قال سبحانه: ﴿خُذّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيَّهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ
سَكَنُ فَُّمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣].
وهذه الآية نزلت في الصحابي أبي
لبابة، ونفرٍ معه رضي الله عنهم، كانوا
قد تخلّفوا عن غزوة تبوك، وهم الذين
قال الله فيهم في الآية السابقة للآية التي
﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ
بین أیدینا:
خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحَاوَءَاخَرَ سَيْئًا عَسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ
عَلَيْهِمْ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢].
المراد بالعمل الصالح الذي خلطوه
بالعمل السّئع: اعترافهم بذنوبهم، وتوبتهم
منها، والآخر السيئ هو تخلفهم عن رسول
الله صلی الله عليه وسلم، حین خرج غازيًا،
وتر کھم الجهاد مع المسلمین، وكانوا قد
ربطوا أنفسهم بسواري المسجد النبوي عند
عودة النبي صلى الله عليه وسلم من الغزوة،
وقالوا: لا نطلق أنفسنا حتى يأمر الله تعالى
فينا، فنزلت الآية، فأطلقهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم، قال ابن عباس رضي الله
عنهما: جاؤوا بأموالهم -يعني: أبا لبابة
وأصحابه- حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول
الله هذه أموالنا فتصدّق بها عنا، واستغفر
لنا! قال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم
شيئًا! فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً
تُطَهِّرُهُمْ﴾.
وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال: إذا كان هذا
هو سبب نزول الآية فهل يكون الأمر بأخذ
الصدقة خاصًّا فيمن نزلت فيهم الآية؟
الجواب: أن العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب، وعليه تحمل الآية على
عمومها، فيكون الخطاب موجّها للنبي
صلى الله عليه وسلم بأخذ الصّدقة منهم
ومن غيرهم، بل ويشمل كل إمام للمسلمين
١٤٨
صَوَسُو ◌َرَ النَّفِّ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الطهارة
من بعده عليه الصلاة والسلام (١).
ومعنى: ﴿وتُزَكِهم﴾ أي: تطهّرهم،
ولكن ما الحكمة من ذكرها مباشرة بعد
قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾؟
يقول الرازي رحمه الله: ((واعلم أن
التزكية لما كانت معطوفة على التطهير
وجب حصول المغايرة، فقيل: التزكية
مبالغة في التطهير، وقيل: التزكية بمعنى
الإنماء، والمعنى: أنه تعالى يجعل النقصان
الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سببًا
للإنماء، وقيل: الصدقة تطهّرهم عن نجاسة
الذنب والمعصية، والرسول عليه السلام
يزكّيهم ويعظّم شأنهم، ويثني عليهم عند
إخراجها إلى الفقراء)»(٢).
وقال تعالى: ﴿ویابَكَفَطَهِرْ﴾ [المدثر: ٤].
هذا أمر مباشر صريح في تطهير الثياب،
ولكن ما المراد بالثياب في الآية؟ وما
المقصود بتطهيرها؟
الثياب في اللغة تطلق ويراد بها: حقيقة
الثياب، وهي الملابس التي نرتديها، وتطلق
ويراد منها المعنى المجازي، كما في قوله
﴿ هُنَّ ◌ِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾
تعالى:
[البقرة: ١٨٧].
فالمراد منها في الآية: الأهل(٣)،
(١) انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي
٢/١١.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦/ ١٥٢.
(٣) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٠٩-٢١٠.
والطهارة - كما مرّ معنا- تطلق على الحقيقة
والمجاز، وعليه تنوّعت أقوال المفسرين
في المقصود بقوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَعِرْ﴾
[المدثر: ٤] (٤) .
وخلاصة ما ذكروه أنها تحتمل الوجهين
المجازي والحقيقي؛ المجازي بتطهير
النفس من المعاصي وسيء الأخلاق،
والحقيقي بتطهير الثياب من النجاسات (٥).
وَإِذْ جَعَلْنَا
وقال الله تبارك وتعالى:
الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنَا وَأَتَّخِذُواْ مِن مَقَامِ إِبْرَهِعَمَ
مُصَلّ وَعَهِدْنَاْ إِلَى إِبْرِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ ظَهْرًا
بَيْقَ لِلَطَِّفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
[البقرة: ١٢٥].
والمقصود من تطهير البيت في الآية:
تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه،
ومن الشرك بالله.
وقيل: تطهيره من الكفار، وقيل: تطهيره
من النجاسات وطواف الجنب والحائض
و کل خبیٹ(٦).
قال الألوسي رحمه الله: ((المراد
بالطهارة ما يشمل الحسية والمعنوية»(٧).
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٩/ ٤٢-٤٥.
(٥) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٢٥١/٤،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٤٠٩،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٧/٢٩.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ١ /٦٨٤، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٧٧.
(٧) روح المعاني، الألوسي ١٣٦/٩.
www. modoee.com
١٤٩

حرف الطاء
ومن حكمة هذا التطهير: تعظيم بيت عليهما الصلاة والسلام، فإنه يشمل من يأتي
بعدهما.
الله الحرام، وتهيئته ﴿لِلطَّهِفِينَ وَالْمَكِفِينَ﴾
وهم ضيوف الرحمن، الزائرون له من
حجاجٍ ومعتمرين، والمقيمون فيه من
أهله، أو غيرهم ممن يعتكف في المسجد،
أو المجاورين له (١)، ﴿وَالرُّكَعِالسُّجُورِ﴾
المصلّين: لأن الركوع والسجود هيئات
المصلي، وفي سورة الحج: ﴿لِلَّيِنِينَ
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
وَاْقَآيِينَ
[الحج: ٢٦](٢).
وهل يفهم من هذه الخطاب شمول
جميع بيوت الله تعالى في الأمر بتطهيرها
وتنزيهها؟
قال القرطبي رحمه الله: ((لما قال الله
تعالى: ﴿أَنْطَهْرَابَيْقى﴾ دخل فيه بالمعنى
جمیع بيوته تعالی، فیکون حکمها حکمه في
التطهير والنظافة، وإنما خص الكعبة بالذكر
لأنه لم يكن هناك غيرها، أو لكونها أعظم
حرمة))(٣).
ومن هذه الآية نستنتج:
أمر الله تبارك وتعالى بتطهير البيت
الحرام من النجاسات والآفات، حسيةً
كانت أو معنويّة، ومن دخول الكفار إليه،
ومن كل مظاهر الشرك.
والأمر وإن كان لإبراهيم وإسماعيل
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١/ ١٨٤.
(٢) الكشاف، الزمخشري ١ / ٩٦.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ٤٠٥/٢-٤٠٦.
جوبيه
القرآن الكريم
ولا يقتصر الأمر على البيت الحرام،
بل يتعداه ليشمل جميع بيوت الله تبارك
وتعالى، فعلى المسلم التأسّي بأبي البشر
وابنه عليهما الصلاة والسلام وأن يحرص
على تطهير بيوت الله تعالى ورعايتها.
وإنّ أعظم ما يكون به معنى الرعاية
الحقيقية لبيوت الله تبارك وتعالى، هو
عمارتها بما هي غايته، وهو إقامة الصلاة
وذكر الله جل وعلا.
قال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦].
وهذا المعنى يتجسّد فيه مقصد الإسلام
من تزكية النفس وتطهيرها، وزيادة الإيمان
وصفاء القلب، وبه يبني الإنسان حصنًا متيناً
يردعه بإذن الله تعالى من ارتكاب الفواحش
واقتراف الآثام، فيعيش طاهرًا عفيفًا، نقيًّا
تقيًّا.
ثانيًا: محبة الله تعالى المتطهرين:
ذكر الله تعالى حبّه لعباده المتطهرين
صراحة في موضعين.
قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِّ
قُلْ هُوَ أَذَى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِ وَلَا
نَقْرَبُوهُنَّ حَّى يَظْهُرْنٌ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُهُنَّ
مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ
١٥٠

الطهارة
الْمُتَّطَهِرِينَ﴾ [البقرة: ٢
السّياق هنا حول طهارة المرأة من وغيره: يعني الفرج(٢). وليس أحدٌ معصومًا
الحيض، وإتيانها من حيث أحل الله
تعالى، ولاشك أنّ هذا من الطهارة الحسية،
ولكن حين يكون التعقيب بـ ﴿إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ نجد أن
المسألة امتدت للبعد المعنوي، وهذا من
وحتى لا يسوّل لأحد أن يقول: أعصي
ثم أتوب؛ فالله تعالی یحب التوابین!، جاء
التعقيب:
أظهر الدلائل على وجود رابط وثيق بين
الطهارتين: الحسية والمعنوية، فلا تكاد
﴿وَيُحِبُّالْمُتَّطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:
٢٢٢].
تنفك إحداهما عن الأخرى، فما الرابط
بينهما في هذا الموضع؟
نهى الله سبحانه وتعالى عن إتيان النساء
وقت الحيض، والمقصود أن الجماع في
هذا الوقت محرّم، فعن أنس رضي الله عنه
أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم
یؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي
عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله تعالى:
﴿﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِّ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُوا
النِّسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء إلا
النكاح)(١).
وفي الآية أمرٌ بإتيان النّساء من حيث أمر
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب جواز غسل الحائض رأس زوجها
وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها،
٢٤٦/١، رقم ٣٠٢.
الله تعالی، قال ابن عباس رضي الله عنهما
من الخطأ، والوقوع في ذلك وارد، ففتح الله
تبارك و تعالى برحمته وفضله باب التوبة، بل
رغّب فيه، وجعل التوابين صنفًا ممن يحبهم
سبحانه.
فلاشك أن منزلة الطهارة على أصلها،
أرفع من أن يتلطّخ المرء بالذنب، ثم لا
يدري: أيدرك التوبة، أم تسبقه المنّة؟ وإن
قدّمها -أي: التوبة- فهو لا يدري أتقبل
منه أم ترد؟ ومع هذا، فلا يأس مع الرحمة
الواسعة من الإله الكريم؛ لأنه غفور حليم،
يحب ﴿التَّوَّبِينَ﴾ وهي من صيغ المبالغة،
وفيها معنى تكرر التوبة لتكرر الذنب (٣)،
ويحب سبحانه ﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ المتنزهين
عن الأقذار الحسية والمعنوية، فيدخل فيها
المتطهّرون من الجنابة والأحداث، ويدخل
فيها التطهّر بالتوبة من الذنب، سواءٌ كان
هذا الذنب من إتيان النساء في أدبارهن، أو
إتيانهن حال الحيض (٤).
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥١/١.
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١/ ٢٩٣، التفسير
الواضح، محمد حجازي ١٣٢/٢.
www. modoee.com
١٥١

حرف الطاء
يقول الشيخ السعدي رحمه الله: مقرًا لتجمعهم، ومرصدًا يرصدون به أخبار
المسلمين وتحركاتهم، وحتى يثبتوا شرعية
مسجدهم -وليس له من اسم (المسجد)
أدنى نصيب-، دعوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم للصلاة فيه(٣).
((وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس
والأحداث ... ، ويشمل التطهر المعنوي
عن الأخلاق الرذيلة، والصفات القبيحة،
والأفعال الخسيسة))(١).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا
ضِرَارًا وَكُفْرَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ
حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَاً
إِلَّا الْحُسْنِىِّ وَاللَّهُ يَشْهَدُّ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ) لَا
نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ
أَوَّلَا يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحُونَ
أَنْ يَنَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُعَلَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:
١٠٧ - ١٠٨].
سورة التوبة من السور الفاضحة
للمنافقین(٢)، وهنا يفضح الله تعالی سرًّا من
أسرارهم، ویکشف لرسوله صلی الله عليه
وسلم حقيقة المسجد الذي بنوه؛ ذلك أنّ
رجلا من الخزرج یسمی أبا عامر الراهب،
قد حمل في نفسه كل الحقد والكراهية
للإسلام، وساءه قدوم رسول الله صلی الله
عليه وسلم مهاجرًا من مكة إلى المدينة،
فوصل به الأمر أن كان في صف قریش یوم
أحد، وبعدها رحل مستنصرًا بهرقل ملك
الروم فوعده بالنّصر، وبدأ يراسل المنافقين
في المدينة، وأمرهم ببناء مسجدٍ یکون لهم
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٠.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/٨.
ففضحهم الله تعالى من فوق سبع
سماوات، وکشف خبثهم ومکرهم، ونھی
رسوله عليه الصلاة والسلام أن يذهب
إليهم، فما مسجدهم إلا رجس ونجس،
ومرتع لئلّة من الخبثاء -حاشا للمساجد
أن تكون بؤرًا لدنس قوم كهؤلاء-، ثمّ
يأتي الالتفات إلى منارة المتقين، ومورد
المتطهرين، إنّه المسجد الذي أسّس على
التقوی من أوّل یوم، قيل: هو مسجد قباء،
وقيل: المسجد النبوي (٤).
وعلى أية حال فكلاهما بني على تقوى
الله تعالى، بل انظر إلى المفهوم الأوسع.
يقول ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى:
﴿لَّمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَلِيَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ
تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَنْ يَنَظَهَّرُواْ وَاَللَّهُ
يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
((دليل على استحباب الصلاة في
المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها
على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى
استحباب الصلاة مع جماعة الصالحين،
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٣٦٧/٢-٣٦٨.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥١٩/٢.
١٥٢
القرآن الكريمِ

الطهارة
والعباد العاملين المحافظين على إسباغ العالية: ((إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم
المطهّرون من الذنوب»(٣).
الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات)»(١).
والمتأمّل في سياق الآية، ربّما يظنّ من
الوهلة الأولى أن المراد بالطهارة هنا: هو
طهارة القلب والنّفس؛ فالسیاق يدور حول
التحذير من مرتعٍ للمنافقين، والالتفات إلى
ما هو خير منه، حيث المؤمنون الطاهرون،
ولكنه التداخل الذي لا ينفك، من ارتباط
الطهارة الحسية بالمعنوية.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (نزلت هذه
الآية في أهل قباء) ﴿فِيهِ رِجَالٌ مُحِبُّونَ أَن
يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ﴾ [التوبة:
١٠٨].
قال: (کانوا یستنجون بالماء، فنزلت هذه المحب بمحبوبه (٥).
الآية فيهم) (٢).
وهذا لا يعني أن الطهارة المعنوية غير
مرادة في الآية، بل دلالة السياق، والمعنى
من حيث اللغة يحتمل الوجهين، قال أبو
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٠/٢.
(٢) أخرجه أبو داود في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب في الاستنجاء بالماء، ١١/١، رقم ٤٤،
والترمذي في سننه، أبواب التفسير، سورة
التوبة، ٢٨٠/٥، رقم ٣١٠٠، وابن ماجه في
سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب الاستنجاء
بالماء، ١٢٨/١، رقم ٣٥٧.
قال الترمذي: ((هذا حديث غريب من هذا
الوجه)).
وصححه الألباني في إرواء الغليل ١/ ٨٤-
٤٥.
((ومن المعلوم أن من أحب شيئًا لابد أن
يسعى له، ويجتهد فيما يحب، فلابد أنهم
كانوا حريصين على التطهر من الذنوب
والأوساخ، والأحداث؛ ولهذا كانوا ممن
سبق إسلامه، وكانوا مقيمين للصلاة،
محافظین علی الجهاد مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وإقامة شرائح الدين، وممن
كانوا يتحرزون من مخالفة الله ورسوله» (٤)
عليه الصلاة والسلام.
ومعنى محبتهم للتطهر: أنهم يؤثرونه
ويحرصون عليه حرص المحب للشيء؛
فلذلك أحبهم الله وأحسن إليهم، كما يفعل
ثالثًا: الثناء على أصحاب الطهارة:
أثنى الله تبارك وتعالى على رسله وأنبيائه،
فهم دعاة الطهارة، وقدوة الناس فيها، فهذا
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أطهر
خلق الله تعالى، أثنى الله سبحانه وتعالى
على خلقه، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[القلم: ٤].
وأرسله الله سبحانه طاهرًا ومطهرًا،
فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٣٧٠.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٢.
(٥) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٢١٠/٢.
www. modoee.com
١٥٣

حرف الطاء
إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولَا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ
وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَلٍ
تُّبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقدّم سبحانه التزكية على التعليم
لبيان أهميتها، والمقصود: ((يدعوهم إلى
ما يكونون به زاكين طاهرين مما كان
فيهم من دنس الجاهلية، أو من خبائث
الاعتقادات))(١).
والصحابة الكرام رضي الله عنهم هم
أكثر النّاس اطلاعًا على ستّته صلى الله
علیه وسلم، وهم أكثر حرصًا على اتباعها،
وقد ذكر الله تعالى كثيرًا من صفاتهم في
کتابه، وأقف هنا مع آیتین کریمتین تبیّنان
ما في قلوبهم رضي الله عنهم من الطهارة
والسّلامة.
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُو
يقول جل ثناؤه:
الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّاً
أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا
اَلَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا
غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ ﴾
[الحشر: ٩ - ١٠].
(١) روح المعاني، الألوسي ٣٢٥/٢.
جَوُورُ
القرآن الكريم
يذكر لنا الله تبارك وتعالى حال قلوب
الأنصار الذين تبوؤا المدينة وسكنوها من
قبل إخوانهم المهاجرين الذين أعطاهم النبي
صلى الله عليه وسلم أموال الفيء، الذي
امتن الله به عليهم من أموال بني النضير بعد
أن أجلوهم من المدينة؛ وذلك إثر غدرهم
برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقضهم
میثاقه(٢).
وهم مع صفاء قلوبهم على إخوانهم
المهاجرين، يؤثرونهم على أنفسهم مع ما
بهم من الحاجة، والإيثار كما يقول القرطبي
رحمه الله: ((هو تقديم الغير على النفس
وحظوظها الدنيوية، ورغبة في الحظوظ
الدينية؛ وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد
المحبة، والصبر على المشقة))(٣).
يقول حجازي رحمه الله: ((وهذا
بلاشك يدل على صفاء النفس من أكدار
المادة والدنيا، ويدل على قوة الروح،
ومبلغ العزوف عنها، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ
نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ لا غير،
فالشح داء عضال لا يصدر عنه خير، وهو
سبب الكثير من الجرائم)) (٤).
ثم يعرّج الله تبارك وتعالى على الذين
جاؤوا من بعد هؤلاء الصحابة الكرام رضي
الله عنهم، وهم التابعون لهم بإحسان،
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٧/٢٨.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ١٨/١٨.
(٤) التفسير الواضح، ١٩/٢٨.
١٥٤

الطهارة
يتبعون آثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة،
ويدعون لهم في السر والعلانية (١).
ويؤكدون على معنى الطهارة القلبية
من الحسد والغلّ تجاه إخوانهم المؤمنين،
فمن دعائهم: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوُ بِنَاغِلًا لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ وهذا يدل على صفاء قلوبهم،
وشدة حبهم أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم.
وهذا صدّيق الأمة: أبو بكر رضي الله
عنه، أوّل من آمن من الرجال، وأول من
صدّق حبيبه صلى الله عليه وسلم بخبر
الإسراء والمعراج، جاد بنفسه قبل ماله،
ثناء ربّه: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَّى آ
لَا يَصْلَنْهَا إِلَّا الْأَثْقَى ٥ الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى
وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى ◌َ الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ: يَتَزََّى
(٢) وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تَجْرَىَ إِلَّا أَبْشِفَ
وَجْدِرَبِّهِ اْأَعْلَ وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٤-٢١].
يقول ابن عطية رحمه الله: ((ولم يختلف
أهل التأويل أن المراد بـ ﴿الْأَنْفَى﴾ إلى
آخر السورة: أبو بكر الصديق رضي الله
عنه، ثم هي تتناول كل من دخل في هذه
الصفات)» (٢).
وأثنى الله تعالى على أهل قباء، فقاله
سبحانه: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَّرُواْ
وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٣١٣/٤.
(٢) المحرر الوجيز، ٤٩٢/٥.
يقول ابن العربي رحمه الله: «هذا ثناء
من الله تعالى على من أحب الطهارة،
وآثر النظافة، وهي مروءة آدمية، ووظيفة
شرعية))(٣).
ويثني الله تعالى على كل من يسعى
لتزكية نفسه وتطهيرها من دنس المعاصي،
ورذائل الأخلاق، قال تعالى: ﴿قَدْأَفَلَحَ مَن
[الأعلى: ١٤].
﴿قَدْأَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا﴾
وقال سبحانه:
[الشمس: ٩].
يقول السعدي رحمه الله: ((قد فاز وربح
من طهّر نفسه، ونقّاها من الشرك والظلم
ومساوئ الأخلاق)» (٤).
رابعًا: وصف زوجات النبي صلى الله
عليه وسلم بالطهارة:
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَايُرِيدُ اللّهُ
لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَبُطَهِرَكُمِ
تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
هذه الآية العظيمة تتجلى فيها عناية الله
سبحانه ببيت حبيبه ومصطفاه صلى الله
عليه وسلم، وحتى نفهم ما في هذه الآية من
المعاني العظيمة، والحكم الجليلة، لابد من
تسليط الضوء على السياق الذي وردت فيه.
يقول تبارك وتعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا النَُّّ قُل
لِأَزْوَجِكَ إِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
(٣) أحكام القرآن، ٢/ ٤٥٧.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، ص٩٢١.
www. modoee.com
١٥٥

حرف الطاء
فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَيْحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٨)
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ
فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّلِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَ أَجْرًا عَظِيمًا )
يَئِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ تُبَئِنَةْ
يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنَّ وَكَانَ ذَلِكَ
عَلَى اَللَّهِ يَسِيْرًا ﴾ ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ
وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٦) يَنِسَآءُ النَّيِّ
لَسْئُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ اَلْنِسَاءِ إِنِ أَنَّقَيَتُنَّ فَلَا
تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِ مَرَضٌ وَقُلْنَ
قَوْلاً مَّعْرُوفًا ، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّعْنَ
تَبُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ
وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيْرًا ﴿ وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى
فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللّهَ
كَانَ لَطِيفًا خَبيرًا
[الأحزاب: ٢٨-٣٤].
وبعد هذا الخطاب والتوجيه بكل ما
حواه من التشريف والتكليف، تتجلى
حكمته، وتأتي ثمرته: ﴿إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُ
لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَّكُمْ
تَظْهِيرًا﴾ إنها العناية الخاصة من الله
تعالى ببيت حبيبه صلى الله عليه وسلم،
يتولى سبحانه أن يذهب كل ما من شأنه أن
يخدش بطهارة هذا البيت وأهله الكرام،
ویرید تعالی أن یطهّرهم تطهیرًا.
والرجس: ((اسم يقع على الإثم، وعلى
العذاب، وعلى النجاسات والنقائص،
فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت))(١)،
وفيه صورة بيانية؛ إذ ((استعار للذنوب:
الرجس، وللتقوى الطهر؛ لأن عرض
المقترف للمقبحات يتلوّث بها، ويتدنس
كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات
فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر،
وفي هذه الاستعارة ما ينفّر أولي الألباب
عما كرهه الله لعباده، ونهاهم عنه، ويرغبهم
فيما رضيه لهم وأمرهم به))(٢).
والمراد بأهل البيت: أزواج النبي صلى
الله عليه وسلم، وعلي وفاطمة والحسن
والحسين رضي الله عنهم أجمعين (٣).
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله
عنها خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة
وعليه مرطٌ مرحلٌ (٤) من شعر أسود فجاء
الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين
فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم
جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ
لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهَِّكُ
تَظْهِيرًا﴾(٥).
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٨٤/٤.
(٢) الكشاف، الزمخشري ص ٨٥٥.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٣٦٣.
(٤) هو كساء عليه صور رحال الإبل.
انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي
١٩٧/٨-١٩٨.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل
الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب
عَرُ النَّفْسِيَةْ
القرآن الكريم
جوب
١٥٦

الطهارة
﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ مَتَعًاً فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ، ذَلِكُمْ أَظْهَرُ
لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
ءَايَتِ اَللَّهِ وَالْحِكْمَةِّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا
خَبيرًا﴾ تأتي هذه الآية ختامًا لما تقدم من
الأوامر الإلهية لحفظ بيت النبوة وتطهيره؛
لينطلق منه النور، ويرسل شعاعه في
العالمين، ينقل لهم ما نزل فيه من القرآن
الکریم، وما نطق به النبي الكريم صلى الله
عليه وسلم من الحكمة، وهي: ما أوحي
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من
أحکام دین الله، ولم ينزل به قرآن، وذلك
السنة (١)، ((وهذا التذكير يجيء كذلك في
ختام الخطاب الذي بدأ بتخيير نساء النبي
صلى الله عليه وسلم بين متاع الحياة الدنيا
وزينتها، وإيثار الله ورسوله والدار الآخرة،
فتبدو جزالة النعمة التي ميّزهن الله بها؛
وضآلة الحياة الدنيا بمتاعها کله وزينتها»(٢).
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبيرًا ﴾ ((إن الله كان
ذا لطف بكن؛ إذ جعلكن في البيوت التي
تتلى فيها آياته والحكمة، خبيرًا بكن؛ إذ
اختاركن لرسوله أزواجًا))(٣).
وفي صورة أخرى من صور العناية الإلهية
ببيت النبوة يأتي الأمر الإلهي للصحابة
الكرام رضي الله عنهم: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ
فضائل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم،
٤/ ١٨٨٣، رقم ٢٤٢٤.
(١) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ١٢.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٦٢/٥.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٢/٢٢.
والمتاع: عام في جميع ما يمكن أن
يطلب على عرف السكنى والمجاورة من
المواعين وسائر المرافق للدين والدنيا (٤).
و((تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو
إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال
والنساء من الريبة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ
أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ﴾ قرينة واضحة على
إرادة تعميم الحكم»(٥).
((وفي هذا أدب لكل مؤمن، وتحذير له
من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل
له، والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم
عليه))(٦).
وما أحوجنا في هذا الزمن إلى الالتزام
بهذه التعاليم السمحة، والأخلاق الراقية،
وما فساد كثير من بيوت المسلمين اليوم
إلا بسبب إهمال المرأة لأسرتها، وعدم
اهتمامها ببيتها، بل أصبحت العناية بالتزين
للخروج إلى السوق والعمل يشغل كثيرًا من
النساء على حساب العناية بالزوج والتزين
له، وأصبح كثير من الرجال تلاحق أنظاره
المتبرجات من النساء، ولا يكتف بما
أحل الله تعالى له في زوجته، فانعكست
المفاهيم، وضاع كثير من البيوت، وتشتّت
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٣٩٦.
(٥) أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٣٦٧.
(٦) فتح القدير، الشوكاني ٣٨٩/٤.
www. modoee.com
١٥٧

حرف الطاء
الأسر، وغدت العيادات النفسية، ودور
الشعوذة والدجل تعجّ بالتائهين الباحثين عن
علاج لمشکلاتهم الأسرية، ولو أنهم عادوا
إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم عليه الصلاة
والسلام، لاستقرّت أوضاعهم، وعاشوا في
سعادة وهناء، وطهارة ونقاء.
خامسًا: وصف نساء أهل الجنة
بالطهاة:
الحور العين نعيمٌ أعدّه الله تعالى لأهل
الجنة، وذكره في وصف الجنة ونعيمها
في أكثر من موضعٍ في القرآن الكريم،
وبيّن عددًا من صفاتَهنّ وسماتهنّ، ومنها:
طهارتهنّ، ووصفهنّ بالطهارة صراحةً جاء
في مواضع ثلاثة:
﴿وَبَشْرِ الَّذِينَءَامَنُواْ
١. قال تعالى:
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَتْ جَثَّتٍ تَجْرِى
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا
مِن ثَمَرَةِ رِزْقَاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن
قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِ مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوٌَ
مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة:
٢٥].
٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَوْ نَبِتُكُم بِخَيْرٍ مِّن
ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
وَأَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَبٌّ مِّنَ اللَّهُ
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران:
١٥].
٣. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدَاً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ
مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا﴾ [النساء:
٥٧].
عند تأمّل الآيات السابقة يلاحظ أن
هذه الزوجات الطاهرات هنّ مكافأة
وجزاء لأهل الطهارة في الدنيا المتقين؛
الذین رضوا بالله ربًّا، واستقاموا على عمل
الصالحات، فاستحقوا بإذن ربهم زوجات
طاهرات؛ جزاء لهم أن حفظوا عهود ربهم
ومواثيقه عليهم، فالتزموا بالطهارة ظاهرًا
وباطنًا، وبتأمل السياق لكل آية أجد أنّ لها
جوها الذي يميزها، ومعطياتها التي تتفق مع
حال المخاطبين وأحوالهم.
ففي سورة البقرة: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الضَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن
تَّحْتِهَا الْأَنْهَثُرْ ككُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ
رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأُتُواْ بِهِ.
مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥].
وقبل هذه الآية ذکر تعالی حال الکافرین،
وقال عن مصيرهم: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ
تَفْعَلُواْ فَأَتَّقُواْالنَّارَ الَّتِ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
أُمِنَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
((لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من
١٥٨
ـُ النَّسِيَةْ
جوبيع
القرآن الكريمِ

الطهارة
الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة، على يد
أفضل الخلق، بأفضل الأسباب)»(٥).
والنكال عطف بذكر حال أوليائه من السعداء
المؤمنين به وبرسله، الذين صدّقوا إيمانهم
بأعمالهم الصالحة)»(١).
((وهكذا جرت العادة في القرآن
-غالبًا- متى جرى ذكر الكفار وما لهم
أعقب بالمؤمنين وما لهم وبالعكس؛ لتكون
الموعظة جامعة بين الوعيد والوعد واللطف
والعنف؛ لأن من الناس من لا يجذبه
التخويف ويجذبه اللطف، ومنهم من هو
بالعكس)»(٢).
والبشارة: أصلها الخبر بما يسر المخبر
به(٣)، وسمّيت بذلك لما يظهر من أثر على
البشرة بتغيرها (٤).
٠
وعند تأمّل هذه الآية نجد فيها: ((ذكر
المُبَشِّر والمُبَشَّر والمُبَشَّر به، والسبب
الموصل لهذه البشارة، فالمُبَشِّر: هو
الرسول صلی الله عليه وسلم ومن قام مقامه
من أمته، والمُبَشَّر: هم المؤمنون العاملون
الصالحات، والمُبَشَّر به: هي الجنات
الموصوفات بتلك الصفات، والسبب
الموصل لذلك هو الإيمان والعمل الصالح،
فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة، إلا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٤/١.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ١ / ١١٠.
(٣) جامع البيان، الطبري ١/ ٢٢٥.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١/ ١٧٥.
وفي آية آل عمران نجد موازنة وتفاضلاً
بين أمرين، بين ما في الدنيا من شهوات زائلة
فانية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ
وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثُ
ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللهُ عِندَهُ حُسْبُ
اَلْمَعَابِ﴾ [آل عمران: ١٤].
وبين النعيم الدائم في جنات الخلود:
﴿قُلْ أَوْنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْاْ عِندَ
رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ
فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَفَرَةٌ وَرِضْوَتٌ مِّنَ اللَّهِ
" وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥].
((وفي هذه الآية تسلية عن زخارف الدنيا،
وتقوية لنفوس تاركها، وتشريف الالتفات
من الغيبة إلى الخطاب؛ ولما قال: ﴿ذَلِكَ
مَتَعُ﴾ فأفرد، جاء ﴿بِخَيْرٍ مِّنْ ذَلِكُمْ﴾
فأفرد اسم الإشارة)﴾ (٦).
وفي سورة النساء يأتي السياق بذكر
أحوال أهل النار أعاذنا الله منها وما يلاقونه
من أشد العذاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِشَايَتِنَا
سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًّا كُلَّا نَضِيَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ
جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابُّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٦.
(٦) البحر المحيط، أبو حيان ٣٩٩/٢.
www. modoee.com
١٥٩

حرف الطاء
وكعادة القرآن في الوعد والوعيد يأتي
بعد ذكر هذه الحال المخزية لمن تنجسّت
قلوبهم بدنس الكفر بالله عز وجل، ذکر مال
المؤمنين الطاهرين ﴿وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنُّهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًاٌ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ
وَنُدْخِلُهُمْ ظِلََّ ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧].
روي عن بعض السلف أنّ معنى
﴿ُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من النجاسات والقذارات
الحسية، و((لكن ظاهر اللفظ يقتضي أنهن
مطهرات من كل ما يشين؛ لأن من طهّره الله
تعالى ووصفه بالتطهير كان في غاية النظافة
والوضاءة))(١). فلفظ ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ أبلغ من
طاهرة (٢).
وجاء وصف نساء أهل الجنة بالطهارة
عمومًا، حتی یکون المعنی شاملاً جامعًا لما
يتناوله من معان الطهارة «فلم يقل: (مطهّرة
من العيب الفلاني) ليشمل جميع أنواع
التطهير، فهن مطهّرات الأخلاق، مطهّرات
الخلق، مطهّرات اللسان، مطهّرات الأبصار،
فأخلاقهن أنهن عرب متحببات إلى
أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعّل،
والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن من
الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط،
والمخاط والبصاق، والرائحة الكريهة،
(١) البحر المحيط، أبو حيان ١١٨/١.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٠٥/٤.
ومطهّرات الخلق أيضًا، بكمال الجمال،
فلیس فیهن عیب، ولا دمامة خلق، بل هن
خیرات حسان، مطهّرات اللسان والطرف،
قاصرات طرفهن على أزواجهن، وقاصرات
ألسنتهن عن کل کلام قبيح»(٣).
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٦-٤٧.
١٦٠
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ

الطهارة
أنواع الطهارة
أولًا: الطهارة المعنوية:
الأصل أن تكون البداية مع
المحسوسات؛ لأنها الطريق المؤدي لمعرفة
الماديات وإدراكها، ولكن لما كانت الطهارة
المعنوية هي الأصل، والطهارة الحسية
فرعٌ منها بدأت بها، وهنا سأسلّط الضوء
على الجوانب التي يشملها معنى الطهارة
المعنوية:
١. الطهارة من الشرك.
إن أعظم نجاسة يتلطخ بها المرء هي
الإشراك بربه وقد خلقه ورزقه؛ ولذلك
استحق المشركون بأن يصفهم الله تعالى
بـ (النّجس) فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسٌ﴾
[التوبة: ٢٨].
((لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة
النجس؛ ولأنھم لا يتطهّرون، ولا یغتسلون،
ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم،
أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغة في
وصفهم بها))(١).
يقول سيد رحمه الله: ((يجسّم التعبير
نجاسة أرواحهم فيجعلها ماهيتهم وكيانهم،
فهم بكليتهم وبحقيقتهم نجس، يستقذره
الحس، ويتطهر منه المتطهرون! وهو
(١) الكشاف، الزمخشري ص٤٢٩.
النجس المعنوي لا الحسي في الحقيقة،
فأجسامهم ليست نجسة بذاتها، إنما هي
طريقة التعبير القرآنية بالتجسيم)) (٢).
ومع وجود الآيات والشواهد الدالة على
وحدانية الله جل وعلا، نجد أکثر الناس أبی
إلا كفورًا؛ ولذا حذرنا المولى تبارك وتعالى
من الكفر والشرك أشد الحذر.
﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
قال تعالى:
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ
وَمَن يُشْرِكَ بِاَللَّهِ فَقَدٍ أَفْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا ﴾
[النساء: ٤٨].
فوصف الله تعالى الشرك: بالإثم العظيم،
وفي موضع آخر وصفه بالضلال البعيد:
﴿ وَمَن يُشْرِك ◌ِاَللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾
[النساء: ١١٦].
ولذا كان الشرك من أعظم الموبقات،
وأكبر الخطيئات التي تؤدي بصاحبها إلى
الهلكات، ومنه حذرنا حبيبنا الرحيم بنا
محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله من
السبع الموبقات المهلكات، وما ذاك إلا
لخطورته وشناعته.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا
السبع الموبقات)، قيل: يا رسول الله وما
هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل
النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال
(٢) في ظلال القرآن، ١٦١٨/٣.
www. modoee.com
١٦١

حرف الطاء
اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف،
وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)(١).
يقول ابن القيم رحمه الله: ((فأما نجاسة
الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلّظة، ونجاسة
مخفّفة، فالمغلّظة الشرك الأكبر الذي لا
يغفره الله عز وجل، والمخفّفة الشرك
الأصغر، كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق،
والحلف به، وخوفه، ورجائه))(٢).
وبيّن لنا الله تبارك وتعالى خطورة الشرك
على الأعمال الصالحة، کیف أنه يمحقها،
فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيَّكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
اْخَسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
ولذلك لا يقبل من أحدٍ عملا مهما كان
فيه من منفعة وإحسان إلا أن يكون لوجه الله
تعالی خالصًا، من قلبٍ لا یشرك بالله أحدًا
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَّأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَحِدٌّ فَنَ كَانَ يَرْحُوْلِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا
يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّدِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وهذا لقمان الحكيم يوصي فلذة كبده،
ويعطيه خلاصة الحكم والدروس، وعلى
رأسها عبادة الله وحده لا شريك له، فيبدأ
وصاياه ويستهلّها بقوله: ﴿يَبُنَّ لَأ ◌ُشْرِكْ بِاللّهِ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود،
باب رمي المحصنات، ١٧٥/٨، رقم ٦٨٥٧
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان
الكبائر وأكبرها، ٩٢/١، رقم ٨٩.
(٢) إغاثة اللهفان ١/ ٥٤.
إِنَّ الشِّرْكَ نَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣].
و((وجه كونه عظيمًا أنه لا أفظع وأبشع
ممن سوّى المخلوق من تراب بمالك
الرقاب، وسّى الذي لا يملك من الأمر
شیئا بمن له الأمر كله، وسوّی الناقص الفقير
من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من
جميع الوجوه ... ، وهل أعظم ظلمًا ممن
خلقه الله لعبادته وتوحيده فذهب بنفسه
الشريفة فجعلها في أخس المراتب، جعلها
عابدة لمن لا يسوى شيئًا، فظلم نفسه ظلمًا
کبیرًا)(٣)
وهذا نبي الله عيسى ابن مريم الطاهر ابن
الطاهرة عليه السلام يتولى الله تعالى تطهيره
وتخليصه من دنس الكفر والكافرين:
﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىَ إِنِي مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ
وَمُطَهِرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:
٥٥].
يقول ابن عطية رحمه الله: ((حقيقة
التطهير إنما هي من دنس ونحوه، واستعمل
ذلك في السب والدعاوى والآثام وخلطة
الأشرار ومعاشرتهم، تشبيها لذلك كله
بالأدناس، فطهّر الله العظيم عيسى من
دعاوى الكفرة ومعاشرتهم القبيحة له)) (٤).
٢. الطهارة من المعاصي.
الراجح من عقيدة المسلمين أن الإيمان
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٤٨.
(٤) المحرر الوجيز، ٤٤٤/١.
جَوَسُولَةُ النَّقتبـ
القرآن الكريمِ
١٦٢