النص المفهرس
صفحات 61-80
الطغيان
مسلكه مع قومه، وهو مسلك البغي ﴿فَغَى
عَلَيْهِمْ﴾ وتشير إلى سبب هذا البغي وهو
الثراء ﴿وَءَانَيْلَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوَأُ
بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ ﴾ ثم تمضي بعد ذلك في
استعراض الأحداث والأقوال والانفعالات
التي صاحبتها في النفوس.
لقد كان قارون من قوم موسى، فآتاه الله
مالًا کثیرًا، يصوّر کثرته بأنه کنوز، والکنز
هو المخبوء المدخر من المال الفائض
عن الاستعمال والتداول، وبأن مفاتح هذه
الكنوز تعیی المجموعة من أقوياء الرجال،
من أجل هذا بغى قارون على قومه، ولا
یذکر فیم کان البغي ليدعه مجهولا يشمل
شتى الصور، فربما بغى عليهم بظلمهم
وغصبهم أرضهم وأشياءهم، كما يصنع
طغاة المال في کثیر من الأحیان، وربما بغی
عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال)»(١).
ومن أبرز قصص الطغيان في القرآن قصة
صاحب الجنتين.
قال سبحانه: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَا تَّجُلَيْنِ
جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهُا بِنَخْلٍ
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًاً ) كِلْنَا الْجَنَيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا
وَلَمْ تَظْلِرِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَهُمَا نَهْرًا
وَكَانَ لَّهُ ثَمَرَ فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ
مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ
ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَعُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِيِهِ أَبَدًّا لل
٣٥
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤٤٢/٥.
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةً وَلَپن ◌ُِّدُ إِلَى رَبِّ
لَأَجِدَتَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٢-٣٦].
فهما جنتان مثمرتان من الكروم،
محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما
الزروع، ويتفجر بينهما نهر، إنه المنظر
البهيج، والحيوية الدافقة، والمتاع والمال.
﴿كِلْنَا الْجََّيْنِ ءَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ
شَيْئًا﴾ ويختار التعبير كلمة ﴿تَظْلِ﴾ في
معنى تنقص وتمنع، لتقابل بين الجنتين
وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم یشکر،
وازدهی وتکبر.
وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه
بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحسّ بالزهو،
وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس،
ويتعالى على صاحبه الفقير ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ.
وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَا لَا وَأَعَزُّ نَفَرًّا
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين،
وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور؛ وقد
نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه؛
وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدًا،
أنكر قيام الساعة أصلًا، وهبها قامت فسيجد
هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب
الجنان في الدنيا، فلابد أن يكون جنابه
ملحوظًا في الآخرة!
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا
أَخْلُقُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا (٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ
قَآيِمَةً وَلَيْن ◌ُدِدْتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرَاً مِّنْهَا
www. modoee.com
٦٧
حرف الطاء
مُنْقَلَبًا ﴾ [الكهف: ٣٥-٣٦].
(إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان
والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها
أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم
حتى في الملأ الأعلى! فما داموا یستطیلون
علی أهل هذه الأرض، فلا بد أن یکون لهم
عند السماء مكان ملحوظ!))(١).
ومن القصص التي تبيّن أن الاستغناء
سبب من أسباب الطغيان قصة أصحاب
الجنة ﴿إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ اَلْجَنَِّ إِذْ أَقْتَمُواْ
(١) وَلَا يَسْتَشُْنَ ﴿٨ فَطَافَ عَلَيْهَا
◌َصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِ
طَابِفُ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ
فَثَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ { أَنِ أَغْدُواْ عَلَى حَرّيِّكُمْ إِن كُمْ
صَرِمِينَ ﴿ فَأَنْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ { أَنْلَّا يَدْخُلَهَا
أَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ، وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْدٍ قَدِرِنَ فَّاً
رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَصَلُونَ ا بَلْ تَحْرٌ مَخْرُومُونَ (٧) قَالَ
أَوْسَكُلُهُمْ أَمْ أَقُل لَّكُمْلَوْلَا تُسَبِّحُونَ { قَالُواْ سُبْحَنَ رَيِّناً
إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ ؟ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَوَمُونَ
قَالُواْ يَوْتِلْنَا إِنَّا كُنَّا طَيِغِيْنَ ا عَسَى رَبَّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا
خَيْرً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَيْنَارَ غِبُونَ﴾ [القلم: ١٧-٣٢].
ومن القصص التي تبرز الطغيان بسبب
الاستغناء بالقوة الجسدية قصة عاد:
فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ
اْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوْلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بَِايَتِنَا
يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].
(١) المصدر السابق ٦٤/٥.
يقول تعالى ذكره: ﴿فَأَمَّا عَادٌ﴾ قوم هود
﴿فَاسْتَكېرُوا﴾ على ربهم وتجّروا ﴿فِى
الْأَرْضِ﴾ تكبرًا وعتوًّا بغير ما أذن الله لهم
به ﴿وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةٌ أَوْلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِى خَلَقَهُمْ﴾ وأعطاهم ما أعطاهم من عظم
الخلق، وشدة البطش ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ﴾
فيحذروا عقابه، ويتقوا سطوته لكفرهم
به، وتكذيبهم رسله، يقول: ﴿وَكَانُواْ بِشَايَئِنَا
يَجْحَدُونَ﴾ وكانوا بأدلتنا وحججنا عليهم
يجحدون(٢).
سادسًا: الأولاد:
حذّر الله تبارك وتعالى في كتابه من
فتنة المال والولد، فقال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّمَا أَمْوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةٌ وَاَللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ
عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥].
فهذا تحذير من الله للمؤمنين من الاغترار
بالأزواج والأولاد، فإن بعضهم عدو لكم،
والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك
الحذر ممن هذه وصفه، والنفس مجبولة
على محبة الأزواج والأولاد، فنصح تعالى
عباده وحذّرهم أن توجب لهم هذه المحبة
الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان
فيها ما فيها من المحذور الشرعي، ورغّبهم
في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده
من الأجر العظيم المشتمل على المطالب
(٢) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٤٤.
٦٨
جوببيو
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
الطغيان
العالية، والمحاب الغالية، وأن يؤثروا مؤمنان وطاغ كافر)) (٢).
الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية (١).
وأخبر تبارك وتعالى أن الولد قد یکون
سببًا في الكفر، فقال: ﴿ وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ
مُؤْمِنَّيْنِ فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾
[الكهف: ٨٠].
قال الألوسي: ((فخفنا خوفًا شديدًا أن
يغشى الوالدين المؤمنین لو بقي حيًّا طغيانًا
مجاوزة للحدود الإلهية، و کفرًا بالله تعالى؛
وذلك بأن يحملهما حبه على متابعته، كما
روي عن ابن جبير، ولعل عطف الكفر على
الطغيان لتفظيع أمره، ولعل ذكر الطغيان مع
أن ظاهر السياق الاقتصار على الكفر ليتأتى
هذا التفظيع، أو ليكون المعنى: فخشينا أن
يدنس إيمانهما أولًا، ويزيله آخرًا، ويلتزم
على هذا القول بأن ذلك أشنع وأقبح من
إزالته بدون سابقية تدنيس، وفسّر بعض
شراح البخاري الخشية بالعلم، فقال: أي:
علمنا أنه لو أدرك وبلغ لدعا أبویه إلى الكفر،
فيجيبانه، ويدخلان معه فى دينه لفرط حبهما
إياه، وقيل: المعنی خشینا أن يغشیهما طغيانًا
عليهما، وكفرًا لنعمتهما عليه من تربيتهما
إياه، و کونهما سببًا لوجوده بسبب عقوقه،
وسوء صنيعه، فيلحقهما شر وبلاء، وقيل:
المعنى خشينا أن يغشيهما ويقرن بإيمانهما
طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٦٨.
وقال القرطبي: ((والمعنى: أن يلقيهما
حبه في اتباعه، فيضلا، ويتدينا بدينه))(٣).
وقال ابن كثير: ((أي: يحملهما حبه على
متابعته على الكفر، قال قتادة: قد فرح به
أبواه حین ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو
بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء
الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له
من قضائه فيما يحب)» (٤).
وقال سيد رحمه الله: «فهذا الغلام الذي
لا يبدو في حاضره ومظهره أنه يستحق
القتل، قد كشف ستر الغيب عن حقيقته
العبد الصالح، فإذا هو في طبيعته كافر طاغٍ،
تكمن في نفسه بذور الكفر والطغيان، وتزيد
على الزمن بروزًا وتحققًا، فلو عاش لأرهق
والديه المؤمنين بكفره وطغيانه، وقادهما
بدافع حبهما له أن يتبعاه في طريقه، فأراد الله
ووجه إرادة عبده الصالح إلى قتل هذا الغلام
الذي يحمل طبيعة كافرة طاغية، وأن يبدلهما
الله خلفًا خيرًا منه، وأرحم بوالديه، ولو كان
الأمر موكولًا إلى العلم البشري الظاهر لما
كان له إلا الظاهر من أمر الغلام، ولما كان
له علیه من سلطان، وهو لم یرتکب بعد ما
يستحق عليه القتل شرعًا، وليس لغير الله
ولمن يطلعه من عباده على شيء من غيبه أن
(٢) روح المعاني، الألوسي ٣٣٣/٨-٣٣٤.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ٣٧/١١.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ١٨٥/٥.
www. modoee.com
٦٩
حرف الطاء
یحکم على الطبيعة المغيبة لفرد من الناس،
ولا أن یرتب على هذا العلم حكمًا غیر حکم
الظاهر الذي تأخذ به الشريعة، ولكنه أمر الله
القائم على علمه بالغيب البعيد)»(١).
سابعًا: الاستخفاف وغفلة الناس:
يمارس الطغاة على مر العصور وسيلة
الاستخفاف بالجماهير.
يقول تبارك وتعالى عن فرعون:
﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا
فَسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤].
قال ابن كثير رحمه الله: ((أي: استخف
عقولهم فدعاهم إلى الضلالة، فاستجابوا
له)»(٢).
وقال الشوكاني رحمه الله: ((أي: حملهم
على خفة الجهل والسفه بقوله، وكيده
وغروره، فأطاعوه فيما أمرهم به، وقبلوا
قوله، وكذّبوا موسى))(٣).
وقال سيد رحمه الله: ((واستخفاف
الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه، فهم
يعزلون الجماهير أولًا عن كل سبل المعرفة،
ویحجبون عنهم الحقائق حتی ینسوها، ولا
يعودوا يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما
يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم
بهذه المؤثرات المصطنعة، ومن ثم يسهل
(١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٨١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٢٣٢/٧.
(٣) فتح القدير، ٤ / ٦٤١.
استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم،
فيذهبون بهم ذات اليمين، وذات الشمال
مطمئنين! ولا يملك الطاغية أن يفعل
بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا
يستقيمون على طريق، ولا يمسكون
بحبل الله، ولا يزنون بميزان الإيمان، فأما
المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم
واللعب بهم كالريشة في مهب الريح، ومن
هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون
فيقول: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ
كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾)) (٤).
وقد بلغ بفرعون من الخفة والاستخفاف
بقومه أن قال: ﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:
٢٤].
((قالها الطاغية مخدوعًا بغفلة جماهيره،
وإذعانها وانقيادها، فما يخدع الطغاة شيء
ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلتها وطاعتها
وانقيادها، وما الطاغية إلا فرد لا يملك في
الحقيقة قوة ولا سلطانًا، إنما هي الجماهير
الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب!
وتمد له أعناقها فيجر! وتحني له رؤوسها
فيستعلي! وتتنازل له عن حقها في العزة
والكرامة فيطغى! والجماهير تفعل هذا
مخدوعة من جهة، و خائفة من جهة أخرى،
وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم.
فالطاغية -وهو فرد- لا یمکن أن یکون
(٤) في ظلال القرآن ٥/ ٣١٩٤.
مُوسُوبَةُ النفسية
القرآن الكريم
٧٠
الطغيان
أقوى من الألوف والملايين، لو أنها شعرت قاتلوهم كأنهم بغاة، والحاصل أن العوام
يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف
الناشئ عن الجهل)) (٢).
بإنسانيتها وكرامتها وعزّتها وحريتها، وكل
فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة،
ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك
لها شيئًا! وما يمكن أن يطغى فرد في أمة
كريمة أبدًا، وما يمكن أن يطغى فرد في أمة
رشیدة أبدًا، وما یمکن أن يطغى فرد في أمة
تعرف ربها، و تؤمن به، و تأبى أن تتعبد لواحد
من خلقه لا يملك لها ضرًّا ولا رشدًا! فأما
فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذّلة
ومن خواء القلب من الإيمان ما جرؤ به على
قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة:
أَنَاْ رَبُّكَمْ
الْأَعْلَ﴾ وما كان ليقولها أبدًا لو وجد أمة
واعية كريمة مؤمنة، تعرف أنه عبد ضعيف
لا يقدر على شيء، وإن يسلبه الذباب شيئًا
لا يستنقذ من الذباب شيئًا!))(١).
يقول الكواكبي رحمه الله: ((فالعوام هم
قوت المستبدّ وقوّته، بھم علیھم یصول،
وبهم على غيرهم يطول، يأسرهم فيتهللون
لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على
إبقاء الحياة، ويهينهم فيثنون على رفعته،
ویغري بعضهم ببعض فیفتخرون بسياسته،
وإذا أسرف بأموالهم يقولون عنه: إنه
کریم، وإذا قتل ولم يمثّل يعتبرونه رحيمًا،
ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر
التأديب، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة،
(١) المصدر السابق ٣٨١٥/٦.
((والطغيان لا يخشى شيئًا كما يخشى
يقظة الشعوب، وصحوة القلوب؛ ولا يكره
أحدًا كما يكره الداعين إلى الوعي واليقظة؛
ولا ینقم علی أحد کما ینقم علی من یھزون
الضمائر الغافية»(٣).
(٢) طبائع الاستبداد، الكواكبي ص ٥٢.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٤٣/٥.
www. modoee.com
٧١
حرف الطاء
مظاهر الطغيان وآثاره
للطغيان مظاهر وآثار نتناولها فيما يأتي:
أولًا: الضلال والعمى:
أهل الطغيان ((يدعهم الله سبحانه
یخبطون علی غیر هدى، في طريق لا يعرفون
غايته، واليد الجبارة تتلقفهم في نهايته،
كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ، غافلة
عن المقبض المكين، وهذا هو الاستهزاء
الرعيب، لا كاستهزائهم الهزيل الصغير))(١).
قال الله سبحانه عن أهل النفاق
والطغيان: ﴿اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُّهُمْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ
يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥].
عن مجاهد في قوله:
وَيَمُدَّهُمْ﴾ قال:
يزيدهم ﴿فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال: يلعبون
ويترددون في الضلالة (٢).
((والصواب: يزيدهم على وجه الإملاء
والترك لهم في عتوهم وتمردهم، كما قال:
﴿وَتُقَلِّبُ أَفِدَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ
بِهِ= أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[الأنعام: ١١٠]))(٣).
((ومن يكتب الله عليه الضلال - وفق سنته
تلك- يظل في طغيانه عن الحق، وعماه عنه
أبدًا ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وما
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤٥/١.
(٢) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١/ ١٦٩.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٨٤.
في تركهم في عماهم من ظلم، فهم الذين
أغلقوا بصائرهم وأبصارهم، وهم الذين
عطّلوا قلوبهم وجوارحهم، وهم الذين
غفلوا عن بدائع الخلق، وأسرار الوجود،
وشهادة الأشياء -التي يوجههم إليها في
الآية السابقة- وحيثما امتد البصر في هذا
الكون وجد عجيبة، وحيثما فتحت العين
وقعت على آية، وحيثما التفت الإنسان
إلى نفسه أو إلى ما يحيط به لمس الإعجاز
في تكوينه، وفيما حوله من شيء، فإذا عمه
-أي: عمي- عن هذا كله ترك في عماه،
وإذا طغى بعد هذا كله وتجاوز الحق ترك
في طغيانه حتى يسلمه إلى البوار)) (٤).
وقال عز وجل: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا
هَادِىَ لَّهُ، وَيَذَرُهُمْ فِ ◌ُفْيَِمْ يَعْمَعُونَ﴾ [الأعراف:
١٨٦].
(يقول تعالى ذكره: إن إعراض هؤلاء
الذين كذبوا بآياتنا، التاركي النظر في حجج
الله والفكر فيها لإضلال الله إياهم، ولو
هداهم الله لاعتبروا وتدبروا، فأبصروا
رشدهم، ولکن الله أضلهم، فلا يبصرون
رشدًا، ولا يهتدون سبيلاً، ومن أضله عن
الرشاد فلا هادي له، ولکن الله يدعهم في
تماديهم في كفرهم وتمردهم في شركهم
يترددون؛ ليستوجبوا الغاية التي كتبها الله
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤٠٧/٣.
٧٢
جوسيس
القرآن الكريمِ
الطغيان
لهم من عقوبته، وألیم نکاله))(١).
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ
الشَّرَّ أَسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ
أَجَلُهُمَّ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقََّنَا فِى
◌ُغْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [يونس: ١١].
والمعنى: فنترك الذين لا يرجون لقاءنا
فیما هم فيه من طغيان في الكفر والتكذيب،
يترددون فیه، متحیّرین لا یھتدون سبيلا
للخروج منه(٢).
ثانيًا: محاربة الحق، وتكذيب الأنبياء
والدعاة:
مجرد ما يسمع أهل الطغيان الرسالة
الربانية حتى يهرعوا لاستخدام الحجة التي
طالما استخدمها من قبلهم، وهي اتهام
الدعاة المخلصين بالكذب والدجل؛ ليبرّروا
لأنفسهم قمعهم ومحاربتهم وقتلهم.
وليس غريبًا أن يتعرّض الأنبياء
الصّادقون، أصحاب المنهج الرباني السليم
للتكذيب والمعاداة، يقول سيد قطب
رحمه الله: ((فأمّا الذين كفروا بكل رسول
فقد كانوا هم الذين أخذتهم العزة بالإثم،
فاستكبروا أن ينزلوا عن السلطان المغتصب
في أيديهم لله صاحب الخلق والأمر، وأن
يسمعوا لواحد منهم ... ، وقد بلغ من عقدة
السلطان في نفوسهم ألا ينتفع اللاحق منهم
(١) جامع البيان، الطبري ٢٩١/١٣.
(٢) انظر: المنار، رشيد رضا ١١/ ٢٥٦.
بالغابر، وأن يسلك طريقه إلى الهلاك، كما
يسلك طريقه إلى جهنم كذلك! إن مصارع
المكذبين - كما يعرضها هذا القصص-
تجري على سنة لا تتبدل: نسيان لآيات الله،
وانحراف عن طريقه، إنذار من الله للغافلين
على يد رسول، استكبار عن العبودية لله
وحده، والخضوع لرب العالمين، اغترار
بالرخاء، واستهزاء بالإنذار، واستعجال
للعذاب، طغیان وتهديد وإيذاء للمؤمنين،
ثبات من المؤمنين، ومفاصلة على العقيدة،
ثم المصرع الذي يأتي وفق سنة الله على
مدار التاريخ!»(٣).
وقد بلغ بأهل الطغيان والباطل في
محاربة الحق أن أوصى بعضهم بعضًا
بعدم السماع لهذا القرآن، واقترحوا وسيلة
لمحاربة کتاب الله، وهي التشويش واللغو.
قال سبحانه وبحمده: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْفِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾
[فصلت: ٢٦].
((أي: لا تسمعوه ﴿وَالْغَوْافِيهِ﴾ أي:
عارضوه باللّغو، وهو الكلام الخالي عن
فائدة، وكان الكفّار يوصي بعضهم بعضًا: إذا
سمعتم القرآن من محمد وأصحابه فارفعوا
أصواتكم حتى تلبّسوا عليهم قولهم، وقال
فيه بالمكاء والصفير
مجاهد: ﴿وَالْغَواْفِيهِ ﴾﴾
والتخليط من القول على رسول الله صلى
(٣) في ظلال القرآن ١٣٠٦/٣.
www. modoee.com
٧٣
حرف الطاء
الله عليه وسلم إذا قرأ ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ كلّ نبي من الأنبياء لأدلة تثبت صدق دعوته
وربانیتها.
فيسكتون))(١).
وقريبًا من هذا المعنى قوله جل وعلا
على لسان نوح عليه السلام: ﴿وَإِنِ كُلَّمَا
دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَِعَهُمْ فِيَّ مَاذَانِهِمْ
وَأَسْتَغْشَوْاْ فِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا﴾
[نوح: ٧].
وقال سبحانه عن قوم نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، مَا نَرَنِكَ إِلَّا بَشَرًّاً مِّثْلَنَا
وَمَا نَزَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّ الَّذِيْنَ هُمْ أَرَاذِلْنَا
بَادِىَ الرَِّ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلّ
نَظُنَّكُمْ كَذِيِينَ﴾ [هود: ٢٧].
وقال عن قوم عاد: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ: إِنَّا لَغَرَنكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا
◌َنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦].
وقال عن قوم شعيب: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ
مِثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ اَلْكَذِبِينَ﴾ [الشعراء:
١٨٦].
وقال عن أصحاب القرية: ﴿قَالُواْمَآ أَنْتُمْ
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ
إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥].
وقال عن قوم ثمود: ﴿أَلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِمِنْ
بَيْنِنَا بَلْ هُوَكَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥].
فرغم اختلاف هؤلاء الأقوام واختلاف
الأنبياء إلا أنّ الموقف واحد، هو التكذيب
والرفض الواضح للدّعوة، رغم ما حمله
والخلاصة: أن أهل الطغيان يتهمون
دعاة الإصلاح بالكذب والدجل، وأن
دعوتهم وإن كانت فى خارجها صالحة فإنها
في باطنها خبيثة باطلة.
ثالثًا: إيثار الدنيا على الآخرة:
من أبرز مظاهر الطغيان نسيان الدار
الآخرة، وإيثار الدنيا عليها، فيشعر الطاغية
أنه خالد مخلّد في هذه الحياة، وينسى
الآخرة والبعث والنشور والجنة والنار،
يقول تبارك وتعالى مذكّرًا بمصير الطغاة
الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة: ﴿فَأَمَا
مَنْ طَغَى ) وَءَاثَرَ الْخَيَوَةَ الدُّنْيَ ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ
اَلْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧-٣٩].
فإذا اجتمع الغنى مع نسيان الآخرة،
وإيثار الحياة الدنيا، فإن الثمرة لهذا
الاجتماع المشئوم هو الطغيان، قال سيد
رحمه الله: ((والطغيان هنا أشمل من معناه
القريب، فهو وصف لكل من يتجاوز الحق
والهدى، ومداه أوسع من الطغاة ذوي
السلطان والجبروت، حيث يشمل كل
متجاوز للهدى، وكل من آثر الحياة الدنيا،
واختارها على الآخرة، فعمل لها وحدها،
غير حاسب للآخرة حسابًا، واعتبار الآخرة
هو الذي يقيم الموازين في يد الإنسان
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٥٠.
جَوَسُولَة النفسي
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ
٧٤
الطغيان
وضميره، فإذا أهمل حساب الآخرة، أو آثر الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ
كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨- ١٩].
ويقول تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ
اُلْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ، فِى حَرْيٌ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ
الدُّنْيَا تُؤْيِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾
[الشورى: ٢٠].
عليها الدنیا اختلّت کل الموازين في يده،
واختلت کل القيم في تقدیره، واختلّت کل
قواعد الشعور والسلوك في حياته، وعدّ
طاغيًا وباغيًا، ومتجاوزًا للمدى))(١).
وليس معنى هذا أن الإسلام يرفض
الحياة الدنيا بالكلية، ولكن الإسلام لا
يريد لهذه الحياة أن تصبح بمتاعها ولذاتها
وشهواتها وإمكاناتها إلهًا معبودًا من دون
الله؛ لهذا ذمّ الله من قدم الحياة الدنيا،
فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى
اُلْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا
عِوَجَا أُوْلَكَ فِ ضَلٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٣].
وانظر إلى سحرة فرعون حين دخل
قلوبهم الإيمان كيف نظروا إلى قومه وملكه
وجنده ودنياه، وقد هدّدهم بما هدّدهم،
فـ﴿قَالُواْ لَنْ تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ
وَالَّذِى فَطَرَنَا فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ
اْحَيَوَةَ الدُّنْيَاآَ ﴿ إِنََّءَامَنَا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا
وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه
(٧٢ -٧٣)].
فالمطلوب من المسلم أن يحرّر إرادته،
فلا يصبح ويمسي مجرد مريد للحياة الدنيا.
يقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ
عَجَّلْنَا لَهُ, فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُّرِيْدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ.
جَهَتَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا مَّدْخُورًا (٥) وَمَنْ أَرَادَ
(١) في ظلال القرآن ٣٨١٨/٦.
ويقول عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ
الدُّنْيَا وَزِينَنَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِيَهَا
لَا يُبْخَسُونَ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَمْ فِ الْآَخِرَةِ
إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
وقد أمر الله بالإعراض عمن طغى وتعلّق
بهذه الحياة وآثرها على الحياة الباقية، فقال
سبحانه: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَّنَ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ
إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩].
قال سيد رحمه الله: ((هذا الأمر
بالإعراض عمن تولى عن ذكر الله، ولم
يؤمن بالآخرة، ولم يرد إلا الحياة الدنيا
موجّه ابتداء إلى الرسول صلى الله عليه
وسلم ليهمل شأن أولئك المشركين الذين
سبق الحديث في السورة عن أساطيرهم
وأوهامهم، وعدم إيمانهم بالآخرة.
وهو موجّه بعد ذلك إلى كل مسلم
يواجهه من يتولى عن ذكر الله، ويعرض
عن الإيمان به، ويجعل وجهته الحياة الدنيا
وحدها، لا ينظر إلى شيء وراءها، ولا يؤمن
بالآخرة، ولا يحسب حسابها، ويرى أن حياة
www. modoee.com
٧٥
حرف الطاء
الإنسان على هذه الأرض هي غاية وجوده، يؤمنون بالله، ولا يبتغون شيئًا وراء الحياة
الدنيا، فمهما كان شأنهم فهم محجوبون عن
الحقيقة، قاصرون عن إدراكها، واقفون وراء
الأسوار، أسوار الحياة الدنيا)) (١).
لا غاية بعدها، ويقيم منهجه في الحياة
على هذا الاعتبار، فيفصل ضمير الإنسان
عن الشعور بإله يدبّر أمره، ويحاسبه على
عمله، بعد رحلة الأرض المحدودة، وأقرب
من تتمثل فيه هذه الصفة في زماننا هذا هم
أصحاب المذاهب المادية.
والخلاصة: أن إيثار الحياة الدنيا أساس
كل بلوى، فعن هذا الإيثار ينشأ الإعراض
عن الذكرى، والطغيان على أوامر الله
والمؤمن بالله وبالآخرة لا يستطيع أن تعالى، وعباد الله الصالحين.
يشغل باله - فضلًا على أن يعامل أو يعايش -
من يعرض عن ذكر الله، وينفي الآخرة من
حسابه؛ لأن لكل منهما منهجًا في الحياة لا
يلتقيان في خطوة واحدة من خطواته، ولا
في نقطة واحدة من نقاطه، وجميع مقاييس
الحياة، وجميع قيمها، وجميع أهدافها،
تختلف في تصور كل منهما، فلا يمكن
إذن أن يتعاونا في الحياة أي تعاون، ولا
أن يشتركا في أي نشاط على هذه الأرض،
مع هذا الاختلاف الرئيسي في تصور قيم
الحياة وأهدافها ومناهج النشاط فيها، وغاية
هذا النشاط، وما دام التعاون والمشاركة
متعذرين، فما داعي الاهتمام والاحتفال؟
إن المؤمن يعبث حين يحفل شأن هؤلاء
الذین یعرضون عن ذكر الله، ولا یریدون
إلا الحياة الدنيا، وينفق طاقته التي وهبه الله
إياها في غير موضعها.
على أن للإعراض اتجاهًا آخر هو
التهوين من شأن هذه الفئة، فئة الذين لا
رابعًا: الإفساد في الأرض:
إن الهدف الأسمى والأبرز للطاغية هو
أن یحافظ علی منصبه، دون أن ینازعه أو
يعترض على حكمه أحد، وهو لذلك يدرك
تمامًا أن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا في
بيئة فاسدة، فالطغيان كالفيروس لا ينمو ولا
يتكاثر إلا في البيئات العفنة.
فـ((الحكام الطغاة كالحشرات القذرة، لا
تعیش أبدًا في جو نظيف، ولا تنصب شباكها
للصيد والنهب إلا حيث الغفلة السائدة،
والجهالة القاتمة))(٢).
يقول الكواكبي رحمه الله: ((لا يخفى
على المستبدّ أن لا استعباد ولا اعتساف
ما لم تكن الرعية حمقاء تتخبط في ظلامة
جهل وتیه عماء، فلو کان المستبد طیرًا لكان
خفاشًا يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل،
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٤١٠.
(٢) الإسلام والاستبداد السياسي، محمد الغزالي
ص٨٢.
٧٦
صَوْسُوء
الْقُرْآن الكَرِيمِ
الطغيان
ولو کان وحشًا لکان ابن آوی یتلقف دواجن
الحواضر في غشاء الليل»(١).
فالطاغیة لا یرضی إلا أن یمحق روحانية
الأمة كلها، فلا يترك شيئًا روحانيًّا له في
أعصاب الناس أثر من الوقار (٢).
وكأن بين الطاغية وبين الرذيلة عهد
وميثاق: أن يقوم هو بحمايتها مقابل أن
تعرف له صنيعه فتحميه (٣).
((فالطاغية في نسبته إلى رعيته كالوصي
الخائن القوي علی أیتام أغنياء، یتصرف
في أموالهم وأنفسهم کما یھوی ما داموا
قاصرین، فكما أنه ليس من صالح الوصي
أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من
غرض المستبد أن تتنور الرعية بالعلم»(٤).
ومن هنا نفهم سر وصف القرآن الكريم
للطغاة بالمفسدين.
قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِمَادٍ
٦
إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ) أَِّى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ اَلْبِلَدِ
(٥) وَثَعُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ®
أُ وَفِرِعونَ
ذِى الْأَوْثَارِ ) الَّذِينَ طَغَوْاْ فِ الْبِلَدِ ، فَأَكْثَرُواْ
فِيهَا الْفَسَادَ﴾﴾ [الفجر: ٦-١٢].
فالفساد نتيجة طبيعة ومباشرة للطغيان،
يقول سيد رحمه الله معلّقًا على الآيات
السابقة: ((هؤلاء هم ﴿الَّذِينَ طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ
(١) طبائع الاستبداد، الكواكبي ص ٥٠.
(٢) انظر: وحي القلم، الرافعي ٢١٨/٢.
(٣) وحي القلم ٢٣٧/٢.
(٤) طبائع الاستبداد، الكواكبي ص ٥٠.
فَأَكْثَرُواْ فِيهَا اَلْفَسَادَ﴾ وليس وراء
الطغيان إلا الفساد، فالطغيان يفسد الطاغية،
ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء،
كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل
جوانب الحياة، ويحول الحياة عن خطها
السليم النظيف، المعمر الباني إلى خط آخر
لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض
بحال.
إنه يجعل الطاغية أسير هواه؛ لأنه لا يفيء
إلی میزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر،
فيفسد هو أول من يفسد، ويتخذ له مكانًا
في الأرض غير مكان العبد المستخلف،
وكذلك قال فرعون:
اَلْأَعْلَى
ـكـ
[النازعات: ٢٤].
عند ما أفسده طغيانه، فتجاوز به مكان
العبد المخلوق، وتطاول به إلى هذا الادعاء
المقبوح، وهو فساد أي فساد)»(٥).
وقد وصف تبارك وتعالى رأس الطغيان
-فرعون- في أكثر من آية بأنه من المفسدين.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ
وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآَيِفَةٌ مِنْهُمْ
يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَخِىء نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤].
أي: «إنه كان ممن يفسد في الأرض بقتله
من لا يستحق منه القتل، واستعباده من ليس
له استعباده، وتجبّره في الأرض على أهلها،
(٥) في ظلال القرآن ٣٩٠٤/٦.
www. modoee.com
٧٧
حرف الطاء
وتكبره على عبادة ربه))(١).
وقال سبحانه: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَوِيلَ
الْبَحْرَ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيَا وَعَدْرًّا
حََّ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُّ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ
إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بنُواْ إِسْرَوِيلَ وَأَنْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
ءَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ
اَلْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠ -٩١].
أي: كنت من المفسدين في الأرض
بضلالك عن الحق، وإضلالك لغيرك(٢).
وقال عز وجل: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى
◌ِثَايَئِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِ. فَظَلَمُواْ بِهَا فَانْظُرْكَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٣].
(يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله
عليه وسلم: فانظر يا محمد بعين قلبك كيف
كان عاقبة هؤلاء الذين أفسدوا في الأرض،
يعني: فرعون وملأه؛ إذ ظلموا بآيات الله
التي جاءهم بها موسى عليه السلام، وكان
عاقبتهم أنهم أغرقوا جميعًا في البحر))(٣).
(١) جامع البيان، الطبري ١٩ / ٥١٧.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٥٣٤.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٣/١٢.
أساليب الطغاة
للطغاة في محاربة الحق أسالیب نتناولها
فيما يأتي:
أولًا: إلباس الحق بالباطل:
من طبائع الطغاة وأساليبهم إلباس الحق
بالباطل، وقلب الحقائق الواضحة الجلية
وضوح الشمس في رابعة النهار، وقد أوضح
القرآن الكريم هذه الصفة فيهم إيضاحًا كافيًا
شافیًا.
فنرى الطغاة يحيلون الحق باطلًا،
والباطل حقًّا، وإذا بالرسول المرسل ساحر،
وإذا بالمجرم الظالم الطاغية إمام عادل.
قال تبارك وتعالى مبيّنًا حقيقة هؤلاء
القوم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ
هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿ قَالَ مُوسَىَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ
لَمَّا جَآءُكُمْ أَسِحْرُّ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّحُرُونَ﴾
[يونس: ٧٦ -٧٧].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ
مَايَتٍ بَيْنَتٍّ فَسْئَلْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ إِذْ جَآءَ هُمْ فَقَالَ
لَهُ فِرْعَوْنُ إِ لَأَظُنُّكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا﴾
[الإسراء: ١٠١].
((فكلمة الحق، وتوحيد الله، والدعوة
إلى ترك الظلم والطغيان والإيذاء لا تصدر
في عرف الطاغية إلا من مسحور لا يدري ما
يقول! فما يستطيع الطغاة من أمثال فرعون
أن يتصوروا هذه المعاني، ولا أن يرفع
٧٨
جوسين
القرآن الكريم
الطغيان
أحد رأسه ليتحدث عنها وهو يملك قواه والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح
العقلية!))(١).
وقال سبحانه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ
قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِيُوَا ◌َ لُوطٍ مِّن قَرْبَيْكُمْ
إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦].
فجعلوا أفضل الحسنات بمنزلة أقبح الخلق ينصح الناس عن اتباع خير الخلق
السيئات (٢).
وهذه الوسيلة قد استخدمها الطغاة.
قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَنَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم
مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِيمٌ أَوْ بَحْنُ أَتَوَاصَوْبِّ بَلْ
هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢-٥٣].
وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد، بل
ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فقد قال الطاغية
فرعون لقومه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلٌ
مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبَّهُ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ
أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فيِ الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦].
فأراد قتل موسى تحت مبرر الخوف على
تبديل الدين، والخوف على البلاد من الفساد
والدمار الذي سيحدثه موسى -بزعمه-
((أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد
عن كل داعية مصلح؟ أليست هي بعينها
كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟
أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث
لإثارة الخواطر في وجه الإيمان الهادئ؟
إنه منطق واحد، يتكرر كلما التقى الحق
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٢٥٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٠٧.
والطغيان على توالي الزمان، واختلاف
المكان، والقصة قديمة مكررة تعرض بین
الحين والحين))(٣).
«وهذا من أعجب ما یکون، أن یکون شر
هذا من التمويه والترويج الذي لا يدخل إلا
عقل منٍ قال الله فيهم: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ.
فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴾ [الزخرف:
٥٤]»(٤).
ثانيًا: تعليل ما هم عليه من الغنى والجاه
لأسباب ذاتية:
من طبيعة الطاغية أن ينسب النعم التي
امتن الله بها عليه إلى أسباب ذاتية، فيزعم
أنه حصل علیھا بحذقه وذکائه، وورثها کابر
عن كابر.
يقول تبارك وتعالى مخبرًا عن قارون:
﴿وَقَالَ إِنَّمَا أُوِّتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِيَّ أَوْلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ
اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَأَشَةُ
مِنْهُ قُوَّةٌ وَأَكْثَرُ جْعَاً وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ
الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: )
قال سيد رحمه الله: ((إنما أوتيت هذا
المال استحقاقًا على علمي الذي طوع
لي جمعه وتحصيله، فما لكم تملون عليّ
طريقة خاصة في التصرف فيه، وتتحكمون
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٠٧٨/٥.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٣٦.
www. modoee.com
٧٩
حرف الطاء
في ملكيتي الخاصة، وأنا إنما حصّلت هذا يشعر بنعمة ربه، ولم يخضع لمنهجه القويم،
المال بجهدي الخاص، واستحققته بعلمي وأعرض عن هذا كله في استكبار لئيم، وفي
الخاص؟
إنها قولة المغرور المطموس الذي ینسی
مصدر النعمة وحكمتها، ويفتنه المال،
ويعميه الثراء.
وهو نموذج مکرر في البشریة، فکم من
الناس يظن أن علمه وكده هما وحدهما
سبب غناه، ومن ثم فهو غير مسئول عما
ينفق وما يمسك، غير محاسب على ما يفسد
بالمال وما يصلح، غیر حاسب لله حسابًا،
ولا ناظر إلى غضبه ورضاه! والإسلام
يعترف بالملكية الفردية، ويقدر الجهد
الفردي الذي بذل في تحصيلها من وجوه
الحلال التي یشرعها، ولا يهوّن من شأن
الجهد الفردي أو يلغيه، ولكنه في الوقت
ذاته یفرض منهجًا معينًا للتصرف في الملكية
الفردية -كما يفرض منهجًا لتحصيلها
وتنميتها- وهو منهج متوازن متعادل، لا
يحرم الفرد ثمرة جهده، ولا يطلق يده في
الاستمتاع به حتى الترف، ولا في إمساكه
حتى التقتير، ويفرض للجماعة حقوقها في
هذا المال، ورقابتها على طرق تحصيله،
وطرق تنمیته، وطرق إنفاقه والاستمتاع به،
وهو منهج خاص واضح الملامح متميز
السمات.
ولكن قارون لم يستمع لنداء قومه، ولم
بطر ذمیم.
ومن ثم جاءه التهديد قبل تمام الآية، ردًّا
على قولته الفاجرة المغرورة:
لَمْ يَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ
أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جمعًاً وَلَا يُسْتَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ
الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨].
فإن كان ذا قوة وذا مال فقد أهلك الله
من قبله أجيالا كانت أشد منه قوة، وأكثر
مالًا، وكان عليه أن يعلم هذا، فهذا هو العلم
المنجي، فليعلم؛ وليعلم أنه هو وأمثاله
من المجرمين أهون على الله حتى من أن
یسألهم عن ذنوبهم، فليسوا هم الحكم ولا
الأشهاد!))(١).
وأخبر تبارك وتعالى عن فرعون أنه قال:
﴿أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ ◌َّجْرِى
مِنْ تَحْتِى أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١].
فأخبر سبحانه عن فرعون وطغيانه
وعناده أنه نادى في قومه متبجّحًا مفتخرًا
مغرورًا بملك مصر وتصرفه فيها: أليس لي
ملك مصر لا ينازعني فيه أحد، ولا يخالفني
فيه مخالف، وهذه الأنهار تجري من تحتي،
أنهار النيل وفروعه، وهي تجري من تحت
قصري، أو بين يدي في جنائي، أفلا ترون ما
أنا فيه من العظمة والملك، وما یظنّ فرعون
(١) في ظلال القرآن ٥/ ٢٧١٢.
٨٠
جوبيه
القرآن الكريم
الطغيان
أن تبيد هذه أبدًا، وما قد مكّن له من الدنيا يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَنَّابٌ﴾
[غافر: ٢٨].
استدراجًا من الله له، وحسب أن الذي هو
فيه من ذلك ناله بيده، وحول منه وقوة، وأن
موسى إنما لم يصل إلى الذي يصفه، فنسبه
من أجل ذلك إلى المهانة، وهذا أشدّ الوهم
من فرعون؛ إذ خيّل إليه أن ما قاله حجة مقنعة
لقومه، وهذا هو حال الطغاة المجرمين.
ثالثًا: كل من خالفهم فهو على الباطل:
قد يظهر الطاغية حرصه على المشورة
في الأمور، ويستشير ملأه المقربين منه؛
لتمام معرفته أنهم لن يخالفوا له رأي، فهذا
فرعون يستشير قومه في قتل موسى، وهو
الذي قتل في بني إسرائيل وأثخن، قال الله:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوِ أَقْتُلُ مُوسَى وَلَيَدْعُ
رَبَّةٌ إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي
اُلْأَرْضِ اَلْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦].
ولم يخطر على باله على الإطلاق أن أحدًا
سیعترض عليه في قتل موسی، فلسان حاله:
أنا لم أجعلكم في هذه المنزلة، وأمنحكم
هذه الرتبة لتعترضوا علي، بل لتأمّنوا على ما
أقول، أنسيتم أني ربكم الأعلى؟
فاعترض عليه أحد الحاضرين ﴿وَقَالَ
رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ:
أَنَقْتُلُونَ رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ
◌ِلْبَيْنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ
كَذِبٌُ، وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى
فلما سمع فرعون هذا الكلام أفصح عما
في نفسه من غطرسة، ولسان حاله: من ليس
معنا فهو عدونا، من خالفني فهو على باطل.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أَرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى وَمَآ
أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩].
فإذا تأملنا هذه الكلمات التي قالها
فرعون وجدناها تدل دلالة واضحة على
الفكر الإقصائي الذي كان يحمله الطاغية
فرعون ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى﴾ فلا ينبغي
أن يرى الناس إلا ما رآه، ولا يمكن لهم
أن يفكروا إلا بتفكيره، ولا نظر إلا نظره،
فهو على الصواب وغيره على الخطأ، وهو
المبصر، وهم العميان.
ولا هداية إلا ما يراه هو، كلامه رشاد،
وكلام غيره غي، هو كل شيء، وغيره لا
شيء، يقول سيد رحمه الله: ((إنني لا أقول
لكم إلا ما أراه صوابًا، وأعتقده نافعًا،
وإنه لهو الصواب والرشد بلاشك ولا
جدال! وهل يرى الطغاة إلا الرشد والخير
والصواب؟ وهل يسمحون بأن يظن أحد
أنهم قد يخطئون؟! وهل يجوز لأحد أن
يرى إلى جوار رأيهم رأيًا؟ وإلا فلم كانوا
طغاة؟))(١).
(١) في ظلال القرآن ٣٠٨٠/٥.
www. modoee.com
٨١
حرف الطاء
ويقول السعدي رحمه الله في تفسيره: الاستبداد السياسي في كل زمان ومكان
كرهه الشديد لحرية النقد والتوجيه)» (٤)
((رأى أن يستخف قومه فيتابعوه؛ ليقيم بهم
ریاسته، ولم یر الحق معه، بل رأی الحق مع
موسى، وجحد به، مستيقنًا له.
وكذب في قوله: ﴿وَمَآ أَهْدِيَكُمْ إِلَّا سَبِلَ
الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩].
فإن هذا قلب للحق، فلو أمرهم باتباعه
اتباعًا مجردًا على كفره وضلاله لكان الشر
أهون؛ ولكنه أمرهم باتباعه، وزعم أن في
اتباعه اتباع الحق، وفي اتباع الحق اتباع
الضلال))(١).
((فالطاغية يتحكم في شئون الناس
بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا
بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب
المعتدي، فيضع رجله على أفواه الملايين
من الناس يسدها من النطق بالحق والتعدي
لمطالبته)»(٢).
(إنه يعدم إرادة الناس، ويجهز عليها،
ويدمر حرية الإنسان التي هي أهم جزء من
کرامته»(٣).
((فالحاكم المجرم يريد جوًّا يسوده
الصمت الرهيب؛ لأنه يدري أن الأفواه
لو نطقت فستفضح خباه، وتکشف سره،
وهنا الطامة الكبرى؛ لذلك من خصائص
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٣٧.
(٢) طبائع الاستبداد، الكواكبي ص٣٣.
(٣) فرعون والطغيان السياسي، أحمد بهجت
ص٨.
رابعًا: الاستهزاء:
من وسائل الطغاة الاستهزاء، واحتقار
الصالحين، وقد حكى الله تبارك وتعالى
لنا في كتابه ما كان عليه أهل الطغيان من
استهزاء بالأنبياء المرسلين.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ
نَّبٍِ فِىِ الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْنِهِم مِّن نَّبِيٍ إِلَّا كَانُواْ
بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الزخرف: ٦-٧].
فعلى هذا النحو الذي تلقّى به المكذّبون
أتباع الرسل ما جاءهم به رسلهم، يتلقّى
المكذّبون المجرمون من أتباعك ما جئتهم
به(٥)
وقال جل في علاه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
بِشَايَئِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِّيْهِ، فَقَالَ إِنِِّ
رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ هُمْ بِثَايِنَّ إِذَا هُمْ
مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٦-
واستهزأ قوم نوح عليه السلام به:
﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأَ مِنْ قَوْمِهِ، سَخِرُ وا مِنْهُ﴾
[هود: ٣٨].
واستهزأت عاد بهود عليه السلام
فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ
الصَّدِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧].
(٤) الإسلام والاستبداد السياسي، محمد الغزالي
ص١٤٦.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢١٢٩/٤.
٨٢
جوسين
الْقُرْآن الكَرِيمِ
الطغيان
وقالوا لنبييهم: ﴿قَالَ أَلْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مِن قَوْمِهِ: إِنَّا لَنَرَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ
مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦].
((والواقع
واستهزؤوا بشعيب عليه السلام
﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ من أمضى أدوات النفوذ والتأثير على
تَتْرُكَ مَا يَعْبُّدُ ءَابَآؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَلِنَا الآخرين؛ ذلك أنها من أشد الأمور إيلامًا
لأصحاب المروءة، فتحجزهم عن كثير
مَا نَشَتُؤَّأَإِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود:
٨٧].
من المواقف تحاشيًا أن يقعوا في مثار
سخرية أو موضع استخفاف؛ ولذلك نبّه
واحتقر فرعون موسى عليه السلام ﴿ أَمْـ
أَنْ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴾
[الزخرف: ٥٢].
الله الرسل والمصلحين على استغلال
خصوم الدعوات الإلهية لهذه السلطة،
فقال تعالى: ﴿وَلَقَدٍ أُسْنُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ
فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ،
يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: ١٠].
وقال عن قوم موسى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِلَشِرْزِمَةٌ
قَلِيلُونَ ﴾ وَلِنَّهُمْ لَنَا لَغَيِظُونَ ، وَإِنَّا تَجَمِيعُ
حَذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤ - ٥٦].
والمتأمل يدرك أن فرعون كاذب في
دعواه؛ إذ لو کان الأمر کذلك فلم جمع لهم
خيله ورجله، يقول سيد قطب رحمه الله:
«ولكن هذا الجمع قد یشي بانزعاج فرعون،
وبقوة موسی ومن معه، وعظم خطرهم،
حتى ليحتاج الملك الإله -بزعمه !- إلى
التعبئة العامة، ولابد إذن من التهوين من
شأن المؤمنين ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْزِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾
ففيم إذن ذلك الاهتمام بأمرهم، والاحتشاد
لهم، وهم شرذمة قليلون!))(١).
وقد احتقر كفار قريش نبينا محمد صلى
الله عليه وسلم، واستبعدوا أن تكون الرسالة
(١) المصدر السابق ٢٥٩٨/٥.
نزلت على رجل مثله، واقترحوا أن تكون
الرسالة ﴿وَقَالُواْ لَوْلًا نَزْلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ
مِّنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
السخرية والاستهزاء
أن
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِی
شِيَعِ اْأَوَِّينَ ، وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ
بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الحجر: ١٠-١١]))(٢).
خامسًا: اتهام المصلحين بالتهم
الكاذبة، والتحريض عليهم:
الملاحظ على الطاغية قيامه بحملة
تحريضية كاذبة واسعة النطاق ضد
المصلحين، فهذا فرعون وقومه اتهموا
موسى عليه السلام بسعيه إلى الاستيلاء
قَالَ
على الأرض والوطن، قال سبحانه:
الْمَلَأُ مِن قَوْمٍ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحُ عَلِيمٌ
(٢) مآلات الخطاب المدني، إبراهيم السكران
ص١٦٣.
www. modoee.com
٨٣
حرف الطاء
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُونَ﴾
[الأعراف: ١٠٩ - ١١٠].
وقال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِحَنَا مِنْ أَرْضِنَا
بِسِحْرِكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٥٧].
فهم ((يصرّحون بالنتيجة الهائلة التي
تتقرر من إعلان تلك الحقيقة، إنها الخروج
من الأرض، إنها ذهاب السلطان، إنها إبطال
شرعية الحكم، أو محاولة قلب نظام الحكم
بالتعبير العصري الحديث))(١).
كما أن الطاغیة یسعی جاهدًا إلى اتهام
کل مصلح بالتآمر على البلاد والعباد، قال
سبحانه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنْتُمْ بِهِ، قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ
لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِ الْمَدِينَةِ لِثُخْرِجُواْ
مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣].
((أي: إن هذا الصنيع الذي صنعتموه أنتم
وموسى وهارون بالتواطؤ والاتفاق ليس
إلا مكرًا مكرتموه في المدينة؛ بما أظهرتم
من المعارضة والرغبة في الغلب عليه، مع
إسرار اتباعه بعد ادعاء ظهور حجته، زاد في
سورة طه ﴿إِنَّهُ، لَكَبِيْرُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ اَلْسِّحْرَ﴾
[طه: ٧١].
فأجمعتم كيدكم لنا في هذه المدينة؛
لأجل أن تخرجوا منها أهلها المصريين
بسحركم -وهو ما كان اتهم به موسى
وحده - ويكون لكم فيها مع بني إسرائيل ما
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣٤٨/٣.
جوسيق
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
هو لنا الآن من الملك والكبرياء»(٢).
كما أن الطاغية يحرص غاية الحرص
على إظهار المخالفين له بمظهر الحريصين
على النفوذ والسلطة.
قال سبحانه: ﴿قَالَ مُوسَىَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا
جَاءَ كُمَّ أَسِحْرُّ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّحُرُونَ
٧٧
قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَنَّ وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَلََّنَا وَتَكُونَ
لَكُمَا الْكِبرِيَُّ فِ الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾
[يونس: ٧٧-٧٨].
وهذه الوسيلة التي استخدمها فرعون
للتشكيك في دعوة موسى عليه السلام
استخدمتها قريش لصرف الناس عن دعوة
نبينا محمد صلی الله عليه وسلم.
قال سبحانه: ﴿وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ أَمْشُواْ
وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ﴾ [ص:
٦].
أي: «إن هذا القول الذي يقول محمد،
ويدعونا إليه، من قول لا إله إلا الله، شيء
يريده منا محمد يطلب به الاستعلاء علينا،
وأن نكون له فيه أتباعًا، ولسنا مجيبيه إلى
ذلك))(٣).
سادسًا: الترغيب:
قد يستعمل الطاغية أسلوب الإغواء
ويمارسه على ضعاف النفوس؛ وذلك أن
الطاغية يملك المال والمنصب والجاه،
(٢) المنار، رشيد رضا ٩/ ٦٣.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢١/ ١٥٢.
٨٤
الطغيان
فيغريهم بالمال الوفير، وقد بيّن لنا القرآن
الکریم کیف استخدم الطغاة هذه الوسيلة.
قال سبحانه: ﴿وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ
قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾
١١٣
[الأعراف: ١١٣ - ١١٤].
فأكّد لهم فرعون أنهم مأجورون على
حرفتهم، ووعدهم مع الأجر القربى منه؛
زيادة في الإغراء، وتشجيعًا على بذل غاية
الجهد (١).
وربما سعى الطغاة جاهدين لشغل الناس
بأمور تافهة، وقضايا جانبية، وقد أشار القرآن
الكريم إلى استخدام الطغاة لهذا الأسلوب
في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ ابْنِ
لِ صَرْحًاً لَّعَلِىَ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ آ أَسْبَبَ
السَّمَوَتِ فَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأَظُنُّهُ.
كَذِبًا﴾ [غافر: ٣٦-٣٧].
كما أن الطاغية يدرك تمامًا أن الضغط
على الناس يولّد الانفجار، فیسعی جاهدًا
إلی طریقة لينفّس بها عن الناس، وقد أشار
القرآن الكريم إلى هذه الوسيلة في قوله
سبحانه: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ
النَّاسُ ضُحَى﴾ [طه: ٥٩].
ایعني: یوم عید کان لهم، أو سوق كانوا في الأمر وهم کانوا یستبدون بالهوى، ذلك
یتزینون فیه»(٢).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣٤٩/٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٢٣/١٨.
فرغم جبروت فرعون وطغيانه إلا
أنه جعل للناس يوم عيد يتفرغون فيه
من أشاغلهم، ويلبسون أجمل ثيابهم،
وفيه يلهون ويمرحون ((والجماهير دائمًا
تتجمع لمثل هذه الأمور، دون أن تفطن
إلی أن حکامها الطغاة يلهون بها ويعبثون،
ويشغلونها بهذه المباريات والاحتفالات
والتجمعات، ليلهوها عما تعاني من ظلم
و کبت وبؤس»
وقد يلجأ الطاغية إلى التواضع للناس،
فهذا فرعون الطاغية يستشير الناس في
أمر فرعون، فيقول: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِحَكُمْ مِنْ
أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء:
٣٥].
((فيبدو تضعضعه وتهاويه وتواضعه
للقوم الذين يجعل نفسه لهم إلهًا، فيطلب
أمرهم ومشورتهم ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾
ومتى كان فرعون يطلب أمر أتباعه وهم
له يسجدون! وتلك شنشئة الطغاة حينما
يحسون أن الأرض تتزلزل تحت أقدامهم،
عندئذٍ یلینون في القول بعد التجبر.
ويلجأون إلى الشعوب وقد كانوا
يدوسونها بالأقدام، ويتظاهرون بالشورى
إلى أن يتجاوزوا منطقة الخطر، ثم إذا هم
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٩٤/٥.
www. modoee.com
٨٥
حرف الطاء
جبابرة مستبدون ظالمون!))(١).
الترهيب:
من أبرز وسائل الطغاة وتضليلهم على
الناس: إرهاب کل من تسوّل له نفسه المساس
بمناصبهم، فيحاول الطاغية أن يظهر بمظهر
القوة، ويعرض بضعف خصومه، يقول
سبحانه: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ
◌ِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوْلَمْ يَرَوْا أَنَّ
اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بِشَايَتِنَا
يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].
قال سيد رحمه الله: ((وهو الشعور
الكاذب الذي يحسّه الطغاة، الشعور بأنه
لم تعد هناك قوة تقف إلى قوتهم، وينسون
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ
قُوَّةً﴾ الأَخْفَظَلِ (٢).
وقال تبارك وتعالى مخبرًا عن فرعون:
﴿قَالَ سَنُقَيِّلُ أَبَهُمْ وَنَسْتَسِ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا
فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧].
أي: ((لا خروج لهم عن حكمنا، ولا
قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون
والعتو والقسوة))(٣).
وقد يمارس الطاغية أساليب قهرية
أخرى، يقول تبارك وتعالى مخبرًا عن
فرعون: ﴿قَالَ لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٠٠.
مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾ [الشعراء: ٢٩].
((فالطغيان لا يخشى شيئًا كما يخشى
يقظة الشعوب، وصحوة القلوب، ولا يكره
أحدًا كما يكره الداعين إلى الوعي واليقظة،
ولا ینقم على أحد کما ینقم علی من یهزّون
الضمائر الغافية، ومن ثمّ ترى فرعون يهيج
علی موسی ویثور، عند ما یمس بقوله هذا
أوتار القلوب، فينهي الحوار معه بالتهديد
الغليظ بالبطش الصريح، الذي يعتمد عليه
الطغاة عند ما يسقط في أيديهم، وتخذلهم
البراهين ﴿قَالَ لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ
مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩].
هذه هي الحجة، وهذا هو الدليل:
التهدید بأن يسلكه في عداد المسجونین،
فليس السجن عليه ببعيد، وما هو بالإجراء
الجديد! وهذا هو دليل العجز، وعلامة
الشعور بضعف الباطل أمام الحق الدافع،
وتلك سمة الطغاة وطريقهم في القديم
والجديد! غير أن التهديد لم يفقد موسى
رباطة جأشه، وكيف وهو رسول الله؟)) (٤).
ولما لم يستجب يوسف عليه السلام
لنزوات امرأة العزيز أودع في سجون الطغاة
عددًا من السنين، قال سبحانه: ﴿ثُمَّبَدَالَم
مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْاْ الْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ،حَتَّ حِينٍ ﴾
[يوسف: ٣٥].
وأول ما فگّر فيه طغاة مکة بالمکر بنبينا
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٩٣/٥.
٨٦
مَوَسُولَةُ النَّفتي
القرآن الكريم