النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْتُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِّيْمِ الطَّعَامِ عناصر الموضوع مفهوم الطعام T ٨ الطعام في الاستعمال القرآني ٩ ألفاظ ذات صلة ١٠ الله تعالى هو المطعم لخلقه ١٢ الرسل بشر يأكلون الطعام ١٧ أنواع الأطعمة في القرآن الكريم ٢١ الإطعام في القرآن الكريم ٢٩ طعام الآخرة ٣٨ الطعام وعبادة التفكر ٤٥ المُجَلَدُ الثَانِى وَالعُشْرُونْ حرف الطاء مفهوم الطعام أولًا: المعنى اللّغوي: لفظ الطّعام مصدر مشتق من مادة (طعم)، بمعنى أكل، قال ابن فارس: ((الطاء والعين والميم أصلٌ مطّردٌ منقاسٍ في تذوّق الشّيء، يقال: طعمت الشيء طعمًا، والطّعام هو المأكول)» (١)، فالطعام اسم جامع لكل ما يؤكل، ويأتي الطعام مجازًا بمعنى الشبع؛ يقال: ما يطعم آكل هذا الطّعام، أي: ما يشبع، ويقال: إنّ هذا الطّعام طعمٌّ، أي: يطعم من أكله، أي: يشبع، وفي الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال في زمزم: (إنّها طعام طعم) (٢)، أي: يشبع الإنسان إذا شرب ماءها، كما يشبع من الطّعام (٣)، وقال الراغب: ((إنّه يغذيّ بخلاف سائر المياه)) (٤)، وقد يطلق لفظ (الطعام) ويراد به صنفًا معيناً دون غيره، كالبر مثلًا؛ فإنّ أهل الحجاز إذا أطلقوا لفظ (الطعام) عنوا به البرّ خاصّةً (٥). والخلاصة أنّ الطعام في اللغة يطلق على كلّ ما يؤكل ويتغذّى عليه مما خلقه الله عز وجل. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يختلف المعنى الاصطلاحي للطعام عن معناه اللغوي؛ إذ الطعام في الاصطلاح يطلق على: كلّ ما يتناول من الغذاء (٦). وكلّ شيء يأكله الإنسان أو غير الإنسان يسمى طعامًا، فالطعام ((اسم لكل ما يؤكل ويطعم))(٧)؛ فلا يختص لفظ الطعام بأصناف معيّنة مما يؤكل؛ بل كلّ ما يؤكل فهو طعام، سواء کان مما أحله الله عز وجل لعباده أو مما لم يحلّہ لهم. (١) مقاييس اللغة ٤١٠/٣. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه، رقم ٦٥١٣، ١٥٢/٧. (٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ١٢٥/٣. (٤) المفردات ص ٣٠٤. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ /٢٦٧٣. (٦) انظر: المفردات، الراغب ص٣٠٤. (٧) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٩١/٥. ٨ جوبيع القرآن الكريم الطعام الطعام في الاستعمال القرآني وردت مادة (طعم) في القرآن (٤٨) مرة (١). والصيغ التي وردت كالآتي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٥ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ﴾ [قريش: ٤] الفعل المضارع ١٢ [الإنسان: ٨] فعل الأمر ٢ ﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَآيِسَ الْفَقِيَرَ ٢٨﴾ [الحج: ٢٨] المصدر ٢٨ ﴿أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ ﴾ [البلد: ١٤] اسم الفاعل ١ ﴿طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وجاء الطعام في القرآن على أربعة أوجه(٢): الأول: كل ما يطعم منه، ومنه قوله تعالى: ﴿اُلَّذِىّ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ [قريش: ٤]. الثاني: السمك، ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ, مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]. الثالث: الذبائح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي: ذبائحهم. الرابع: الشراب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنَّهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ،مِنِيَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: ومن لم يشربه. (١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٤٢٥- ٤٢٦. (٢) انظر: والوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص ١٩٤ - ١٩، نزهة الأعين، ابن الجوزي ص ٤١٢ - ٤١٣، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٣٢٢-٣٢٣. www. modoee.com ٩ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا ٨ حرف الطاء ألفاظ ذات صلة ١ الأكل: الأكل لغةً: من أكل الطعام يأكله أكلًا، فهو آكلٌ، والإكلة - بالكسر- الحال التي يأكل عليها؛ متكئًا أو قاعدًا، يقال: إنه لحسن الإكلة، والأكلة - بالفتح - المرة الواحدة المشبعة، والأكلة -بالضم - اسم للقمة (١). الأكل اصطلاحًا: ليس هناك تعريف اصطلاحي للأکل یختلف عن تعريفه اللغوي، فالأکل معروف ولا يحتاج إلى تعريف، ويطلق لفظ الأكل ويراد به فعل الأكل، أي: تناول الطعام، وقد يطلق ويراد به الطعام نفسه. الصّلة بين الأكل والطعام: يغلب استعمال لفظ الأكل في التعبير عن عمليّة الأكل، وقد يستعمل للدلالة على ما يؤكل، أمّا الطعام فيراد به دائمًا ما يؤكل؛ لذا يقال: تناولت طعامي، ويندر أن يقال: تناولت أکلی. الغذاء: ٢ الغذاء لغة: من الفعل غذا بمعنى: نما، والغذاء كل ما يتغذّى به، وقيل: ما يكون به نماء الجسم وقوامه؛ من الطّعام والشّراب واللّبن، وقيل: اللّن غذاء الصغير وتحفة الكبير(٢). الغذاء اصطلاحًا: يعرّف علماء التغذية الغذاء بأنّه: ((موادٌّ تؤخذ عن طريق الفم؛ للإبقاء على الحياة والنمو، حيث تمد الجسم بالطاقة، وتبني الأنسجة، وتعوض التالف منها))(٣). الصّلة بين الغذاء والطعام: من خلال التعريفات السابقة يظهر أنّ الغذاء والطعام لهما نفس المعنى، ولا يكاد يظهر (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١/ ١٠٠. (٢) انظر: المصدر السابق ٣٢٢٣/٥. (٣) معجم الصناعات الغذائية والتغذية، محمد فهمي صديق ص ٢٠٧. ١٠ جَوُور لِلْقُرآن الكَرِيمِ الطعامى فرق بين اللفظين؛ إلا أنّ لفظ الغذاء فيه تركيز على معنى التغذية والنمو المستفاد من تناول الغذاء، أمّا لفظ الطعام ففيه تركيز على الطعم الذي يجده الإنسان عند تناول طعامه، ولفظ الطعام أعمّ من لفظ الغذاء. الشراب: ٣ الشراب لغة: مشتق من الفعل: شرب، يقال: شربت الماء أشربه شربًا، والشّرب الاسم، وكذا الشّراب، والشّرب: الحظّ من الماء(١). الشراب اصطلاحًا: المعنى الاصطلاحي للشراب نفس المعنى اللغوي؛ إذ الشراب في الاصطلاح من الشّرب، والشرب ((تناول كل مائع؛ ماء كان أو غيره))(٢)، فالشراب كل مائع يشرب؛ سواء كان ماءً أو غير الماء. الصّلة بين الشراب والطعام: الفرق بين الشراب والطعام ظاهرٌ بيّنٌ؛ إذ الشراب ما كان مائعًا كالماء، ويتناوله الإنسان شربًا، أمّا الطعام فيشمل كل ما يتناول من الأكل، فهو بذلك قد يطلق على الشراب أيضًا. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٦٧/٣. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٥٧. www. modoee.com حرف الطاء الله تعالى هو المطعم لخلقه لقد خلق الله عز وجل الخلق، وتكفّل سبحانه برزقهم والعناية بهم؛ فهو وحده سبحانه يطعمهم ويسقيهم، وهو سبحانه يرزقهم ويهديهم، لم يخلق سبحانه الخلق لحاجةٍ لهم، ولم يرد منهم أن ينفعوه بشيءٍ؛ فهو سبحانه وتعالى الغنيّ عن خلقه؛ فالخلق خلقه، والملك ملكه، والكلّ تحت سلطانه وحكمه، قال عز وجل: ﴿لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحِيدُ ﴾ [لقمان: ٢٦ ]. وقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُدْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾ [فاطر: ١٥ - ١٧]. وهو سبحانه الواحد الأحد، الفرد الصمد، كلّ الخلق محتاج إليه، وهو غير محتاج لأحد. ولقد أخبر الله سبحانه عن غاية خلقه للعباد، وبيّن أنّه ما يريد منهم رزقًا ولا طعامًا؛ وإنّما خلقهم سبحانه لعبادته وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وطاعته، قال عز وجل: وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ اَلْمَتِّينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. فعبادة الله هي الغاية العظمى لخلق الجنّ والإنس؛ فما خلقوا إلا ليستجيبوا لربهم، وليذعنوا له سبحانه بالطاعة والعبادة؛ وذلك من خلال طاعة رسله، والتزام أمره، واجتناب نهيه، والخضوع لشرعه عز وجل (١). أولًا: تنزيه الله تعالى عن الحاجة للطعام: إنّ الله عز وجل ليس محتاجًا من عباده أن يطعموه، أو أن يرزقوه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، وليس محتاجًا من عباده أن يرزقوا خلقه؛ بل ليس محتاجًا إليهم لیرزقوا أنفسهم؛ فهو سبحانه قد تكفّل برزقهم ومعاشهم، وبرزق الخلق أجمعين، وهو سبحانه الغني الحميد، والخلق كلهم فقراء إليه(٢)؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ أي: كثير الرزق، الذي ما من دابّة في الأرض ولا في السماء إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، وهو سبحانه ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِّينُ﴾ أي: الذي له القوة والقدرة كلها، ونفذت مشيئته في جمیع البریات، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه أحدٌ، ومن قوته سبحانه أنّه أوصل رزقه إلى جميع خلقه (٣). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٠٥٥/١٧ (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٤٥/٢٢. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨١٣. ١٢ جوبي لِلْقُرآن الكَرِيمِ الطعامى خلقه، وعظم ملکه وسلطانه هو وحده من يجب أن يتّخذه العباد وليًّا؛ ولا يتّخذ وليُّ سواه؛ فهو سبحانه الخالق الرازق، فاطر السماوات والأرض، يسدي لعباده النفع، ويدفع عنهم الضّر، وهو غير محتاج لغيره، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَنَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إَِّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمٌ وَلَاتَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]. فلا ينبغي للعبد أن يتّخذ وليًّا إلا الله وحده لا شريك له؛ فإنّه فاطر السموات والأرض؛ خلقهما وأبدعهما على غير مثال سبق، وهو سبحانه ﴿يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ فهو من يطعم الخلق ويرزقهم، وهو الرزاق المتفضّل على الخلق أجمعين، وهو سبحانه منزّه عن الطعام والشراب؛ فلا يحتاج لطعام ولا لشراب، ولا يحتاج لأحدٍ من خلقه، ومن كانت هذه صفاته فهو الإله الحقّ، الذي لا إله غيره، ولا معبود بحقٍ سواه (١). ولقد ردّ الله عز وجل على الضالين وأمّه إلهین من دون الله عز وجل بأنهما كانا محتاجين إلى الطعام والشراب، وكيف لمن كان محتاجًا لطعامه فقيرًا لغيره أن يكون إلهًا يعبد؟! قال الله عز وجل: ﴿مَّا الْمَسِيحُ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٥/٥. إنّ من كملت صفاته، وكمل غناه عن أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَنتُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطّعَامُ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنٌ لَهُمُ اُلَيَاتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]. قال البغوي: ((أي: كانا يعيشان بالطعام والغذاء کسائر الآدمیین، فکیف یکون إلهًا من لا يقيمه إلا أكل الطعام؟!)) (٢). وإنّ حقيقة رزق الله عز وجل لعباده وإطعامه لهم حقيقة لا ينكرها أيّ عاقل، ولا يستطيع أن يتجاهلها حتى المشرك الكافر؛ فالمشركون يقرون بأنّ الخالق الرازق هو الله سبحانه، قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَلَین سَأَلْتَهُمِ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهِ فَأَنَّى يُؤْفَّكُونَ اللَّهُ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٢) وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣]. لَا يَعْقِلُونَ )﴾ فسبحان من يرزق العباد ويطعمهم، وسبحان من تنزّه عن الحاجة للطعام المفترين الذين اتخذوا عيسى عليه السلام والشراب، وسبحان الغني عن كل العباد. (٢) معالم التنزيل ٨٣/٣. www. modoee.com ١٣ حرف الطاء ثانيًا: الطعام نعمة إلهية تستوجب الشكر: لا شكّ بأنّ إطعام الله عز وجل لخلقه ولعباده نعمة عظيمة منه سبحانه عليهم، ولولا إطعام الله عز وجل للخلق ورزقه لهم لفنيت حياتهم، وانعدم وجودهم؛ فحياة الخلق أجمعين إنّما هي من الحيّ القيوم، ومعاشهم وقوام أمرهم إنما هو بإطعام الله عز وجل ورزقه لهم. والعبد الشاكر لربّه عز وجل يستشعر دائمًا نعم الله عز وجل عليه، ويقابل تلك النعم بالشكر والثناء على المنعم سبحانه، وقد أخبر الله عز وجل عن نبيه إبراهيم عليه السلام كيف حاجّ قومه، وقدم بين يديهم الأدلة والبراهين على أنّ الله وحده هو الإله الحق الذي يجب على العباد أن يعبدوه دون سواه؛ لأنّه سبحانه وحده المنفرد بالإنعام على خلقه وعباده بأصناف النعم والعطايا، قال الله عز وجل مخبرًا عن إبراهيم عليه السلام وهو يحاجّ قومه: ﴿قَالَ أَفَرَءَ يْتُم مَّا كُمْ تَعْبُدُونَ ﴿ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ) فَهُمْ عَدُوٌّ لِيِ إِلََّ رَبَّ الْعَلَمِينَ * الَّذِى خَلَقَنِىِ فَهُوَ بَدِينِ ) وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْفِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِيْنِ ، وَالَّذِى يُسِتُنِى تُرَّبُحْبِينٍ ﴿ وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَتِ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨٢]. فالله سبحانه هو المنفرد بالإنعام على العباد؛ فهو وحده المنفرد بنعمة الخلق، ونعمة الهداية للمصالح الدينية والدنيوية، وهو وحده المنفرد بإطعام العباد ورزقهم، وهو وحده الذي بيده الشفاء من الأمراض والأسقام، وهو وحده الذي بيده الموت والحياة؛ فيجب أن يفرد وحده بالعبادة والطاعة، ويترك ما سواه من الأصنام والآلهة التي لا تخلق، ولا تهدي، ولا تمرض، ولا تشفي، ولا تطعم ولا تسقي، ولا تمیت، ولا تحيي، ولا تنفع عابدیھا، بکشف الكروب، ولا مغفرة الذنوب (١). إنّ من أنعم على عباده بالخلق والهداية، وتفضّل عليهم بالإطعام وبأصناف الرزق هو وحده من يعبد، وهو وحده من يطاع، قال سبحانه آمرًا قريشًا خاصةً والناس عامةً: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا أَلْبَيْتِ الَّذِىّ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤]. فقد علل سبحانه أمره لهم بالعبادة له بأنّه سبحانه قد أسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، وجمع لهم أعظم نعمتين؛ حيث أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، وفي الجمع بين هاتين النعمتين نعمة عظمى؛ لأنّ الإنسان لا ینعم ولا یسعد إلا بتحصيل النعمتین معًا؛ إذ لا عیش مع الجوع، ولا أمن (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٩٢. ١٤ جونيو القرآن الكريمِ الطعام مع الخوف، وتكمل النعمة باجتماعهما (١). فمن الواجب على العباد الذين يتمتعون بنعمة إطعام الله عز وجل لهم أن يقابلوا تلك النعم بالشكر الجميل والثناء الحسن على المنعم المتفضل على خلقه وعباده، ولا ينبغي أن يشركوا به سواه؛ فإنّ غاية الظلم أن يشرك العبد بربّه، وأن یعبد معه سواه، وَلَا أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ () وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى أَلْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءُ عَلَيْكُمْ ١٨٠٠٠٠ د. أَدَعَوْتُهُوُهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِتُونَ ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمّ فَأَدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٤]. ثالثًا: التحليل والتحريم لا ينبغي إلا لله عز وجل: إنّ من عقيدة أهل الإيمان آنّهم يؤمنون بأنّ التحليل والتحريم والتشريع لا ينبغي إلا لله عز وجل؛ فلا يحلل ولا يحرّم إلا هو سبحانه، وليس لأحد من الخلق أن يصدر حكمًا على أمر من الأمور أو على طعام أو شراب بالحلّ أو الحرمة من غير دليل ثابت منٍ شرع الله عز وجل؛ فالتحليل والتحريم حقٌّ خالصٌ لله عز وجل، فهو سبحانه خالق الخلق، ربّ العالمين، یعلم ما يصلح عباده، (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٩/ ١١٢. وهو أحكم الحاكمين، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَثْرُّ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ولقد أنكر الله عز وجل على عباده أن يتخذوا مشرّعًا غيره سبحانه فقال عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: ٢١]. وأنكر عز وجل على من يحلّلون ويحرّمون بأهوائهم فقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَ يْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِنْهُ حَرَامًا وَحَلًا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. وقال جل ذكره ناهیًا عباده عن التحليل والتحريم من غير علم من الله عز وجل، ومبينًا جزاء من فعل ذلك الذنب العظيم: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ اَلْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَّرُواْ عَلَ اللَّهِ اَلْكَذِبَّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ () مَتَعُ قَلِلٌ وَلَمْعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. فهذه الآية خطاب للمشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم وأهوائهم مما كان شرعًا لهم، ابتدعوه في جاهليتهم، قال ابن كثير: ((ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلّل شيئًا مما حرم الله، أو حرّم شيئًا مما أباح الله عز www. modoee.com ١٥ حرف الطاء وجل بمجرد رأیه وتشھیه» (١). ولقد قرن الله تعالى القول عليه سبحانه في التحليل والتحريم بلا علم بالشرك به فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْـ يُنَزِّلّ ◌ِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٣]. قال الشيخ الفوزان: ((وكذلك التحليل والتحريم حق لله تعالى، لا يجوز لأحدٍ أن يشاركه فيه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَّ يُؤْكَرٍ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ ◌َيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُتْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. فجعل سبحانه طاعة الشياطين وأوليائهم في تحليل ما حرّم الله شركًا))(٢). وعلى هذا فلا ينبغي للعباد أن يحللوا أو يحرموا إلا بما جاء في شرع الله عز وجل، فالحلال ما أحله الله عز وجل، والحرام ما حرّمه الله تعالى، وليس لأحد في هذا الأمر من شيء، حتى النبي صلى الله عليه وسلم قال عن نفسه حين أكل الصحابة رضي الله عنهم من الثوم عام فتح خيبر وكانوا جیاعًا ثم راحوا إلى المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد)، فقال (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٣٦٤. (٢) كتاب التوحيد ص ١٢٤. الناس: حرّمت، فبلغ ذلك النبي صلى الله علیه وسلم فقال: (يا أيها الناس إنّه ليس بي تحريم ما أحل الله لي؛ ولكنها شجرةٌ أكره ريحها)(٣). ولقد أبطل الله عز وجل ما افتراه المشركون على الله عز وجل من تحريم بعض أصناف الأنعام التي أحلها الله عز وجل، وما ذلك إلا افتراءً وكذبًا منهم على الله سبحانه، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَجِيَرَةٍ وَلَا سَلِبَةٍ وَلَ وَصِيلَةٍ وَلَا حَلٍِّ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ اَلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. وهذه الآية الكريمة ردٌّ وإنكارٌ لما ابتدعه هؤلاء المشركون الجاهلون من تحريم ما أحلّ الله عز وجل؛ حيث كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذکر بحروا أذنها -أي: شقوها-، وخلوا سبيلها، فلا تركب ولا تحلب، وكان الرجل منهم يقول: إن شفيت فناقتي سائبة، ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وإذا ولدت الشاة أنثى فھي لهم، وإن ولدت ذکرًا فهو لألهتهم، وإن ولدتهما قالوا: وصلت الأنثى أخاها؛ فلا يذبح لها الذكر، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره، ولم (٣) أخرجه الإمام مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهى من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها عن حضور المسجد، رقم ٢،١٢٨٤ / ٨٠. ١٦ القرآن الكريمِ الطعامى يمنعوه من ماء ولا مرعى، وقالوا: قد حمي ظهره، و کلّ ذلك ما أنزل الله به من سلطان، وما هو إلا افتراء على الله عز وجل، وما هو إلا من أهوائهم ورغباتهم، يجعلون من أنفسهم مشرعین من دون الله عز وجل (١). إنّ الإله الحق الذي يطعم عباده ويرزقهم هو وحده من يحلل لهم ما يشاء، ويحرّم علیهم ما يشاء، ومن ادعی تحلیلاً أو تحريمًا من غير هدى من الله عز وجل فقد افترى على الله الكذب، وحمّل نفسه إثمًا مبينًا. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٦/١١. الرسل بشر يأكلون الطعام إنّ الله عز وجل قد أرسل الرسل والأنبياء لهداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، يدعونهم إلى عبادة ربّهم، مبشرين ومنذرين، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَإِلَّ أَنَاْ فَأَعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال سبحانه: ﴿رُسُلاَ مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اُلُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. وكان من حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أن اصطفى هؤلاء الرسل والأنبياء من بين البشر، ولم يجعلهم من الملائكة أو خلقًا آخر؛ وذلك لأنّ الرّسول إذا كان من جنس من أرسل إليهم کان أقدر على حمل الرسالة، وأعلم بحال المرسل إليهم، وكان أدعی لقبول دعوته، وهذا أمر بدهي واضح، لا يحتاج إلى حجة وبرهان، وهذا ما يقتضيه العقل، وتوجبه الفطرة؛ بل إنّ من حكمة الله عز وجل أن يبعث الرسول من نفس القوم المرسل إليهم، يعرفهم ويعرفونه؛ یعرف حالهم، ويعرفون حسبه ونسبه وخلقه وصدقه، ليكون أدعى إلى إيمانهم به، وأسرع لاستجابتهم له. فکلّ من بعث الله عز وجل من الرسل والأنبياء كانوا رجالاً من البشر، قال الله عز www. modoee.com ١٧ حرف الطاء وجل: ﴿وَمَآ أَزْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا تُوجِىّ إِلَيْهِمَّ فَتَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وكانوا جميعًا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويسعون في قضاء حوائجهم كغيرهم من البشر، قال الله سبحانه: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِىِ الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. وهذا كلّه لا ينقص من قدرهم، ولا يقلل من شأنهم، ولا يخدش رسالتهم التي بعثهم الله عز وجل بها؛ إذ الرّسل والأنبياء بشر كسائر البشر، إلا أنّ الله عز وجل قد اصطفاهم بإنزال وحیه علیهم، وبتکلیفهم بحمل رسالته، وتبليغ دعوته. ولقد أنكر الله عز وجل على الكافرين المعاندين -من مشركي مكة- حينما عجبوا من كون الرسول المرسل إليهم بشر مثلهم، وأنكروا أن يرسل الله عز وجل إليهم محمدًا وهو بشرٌ يأكل الطعام كما يأكلون، ويمشي في الأسواق للبيع والشراء وابتغاء المعاش كما يمشون(١)، وليس لهؤلاء المكذبين في دعواهم تلك من حجّةٍ أو دلیل، وما أرادوا بذلك إلا أن يلبسوا الحق بالباطل، ويضلوا العباد عن الصراط المستقيم، قال الله عز وجل مخبرًا عن أولئك المكذبين (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٤٠. جَوْبُورُ القرآن الكريم الجاحدين: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ اُلْطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي اْأَّتْوَاقِّ لَوْلاً أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]. فهؤلاء المشركون المكذبون الذين كفروا بنبوة محمدٍ صلی الله عليه وسلم، وكذبوا بها، وجحدوها مع علمهم بصدقه فیما یخبر به عن ربّه عز وجل اعتمدوا في تکذیبهم هذا على شبهة واهية، وهي کون النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم بشرًا مثلهم؛ يأكل الطعام، ويمشي في الطرق والأسواق كما يمشي سائر الناس؛ يطلب المعيشة، فهو ليس بملك ولا بملك؛ لأنّ الملائكة لا تأكل، والملوك لا تتبذّل في الأسواق، فعجب - أولئك المكذبون- أن يكون الرسول مساويًا للبشر، لا يتميز عليهم بشيء(٢). وشبهتهم تلك مردودة علیھم، إذ لا يقبلها عقل، ولا يرتضيها منطق؛ فما العجيب في کون الرسول بشرًا؟!، وإنّما جعله الله بشرًا ليكون قريبًا ممن أرسل إليهم، مجانسًا لهم، ولم يجعله الله عز وجل ملكًا من الملوك المتكبرين، الذين يمتنعون من المشي في الأسواق؛ لأنّ ذلك من فعل الجبابرة، ولأنّه أمر بدعائهم فاحتاج أن يمشي بينهم يبلغهم دعوة ربهم عز وجل(٣). (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٧/١٠. (٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٦/ ٧٣. ١٨ الطعام الباطل من أولئك المكذبين قد سبقهم به إخوانهم الذین سبقوهم بالكفر والتكذیب ممن كذبوا رسل الله عز وجل على مر العصور؛ فقد قالت عاد عن نبيّهم هود عليه السلام: ﴿مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْ كُلُ ٣٣ مِمَا تَأْكُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٤]، وقالت ثمود عن نبيّهم صالح عليه السلام: ﴿أَشْرَأَمِنَّا وَحِدًا تَّنَّهُهُإِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤]. وقال فرعون وقومه عن موسى وهارون عليهما السلام: ﴿أَنْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَيِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]. ولذا قال الله عز وجل مخاطبًا كفار قريش: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُوْنَبُواْالَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَيَالَ أَمْرِهِمْ وَلَمْعَذَابٌ أَلِيُّ ن ذَلِكَ بِأَنَّةٌ كَانَتْ تَأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَِّتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ مَّدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّاً وَاسْتَغْنَى اللَّهَ وَاَللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٥-٦]. فهذا دیدن المكذبين المعاندین، یثیرون الشّبه والأباطيل، ويجعلون منها سببًا یحرمهم من الإيمان بالله عز وجل وبرسله، ویصدّون بها الناس عن سبيل الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَ هُ اَلْهُدَىّ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]. ولقد ردّ الله عز وجل على تلك الشبهة ولقد بيّن الله عز وجل أنّ هذا القول الباطلة، وكذّب من قال بها، ((وبيّن سبحانه أنّ الرسل يأكلون، ويمشون في الأسواق، ويتزوجون، ويولد لهم، وأنّهم من جملة البشر؛ إلا أنّه فضلهم بوحيه ورسالته، وأنّه سبحانه لو أرسل للبشر ملكًا لجعله رجلًا، وأنّه لو كانت في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، لنزّل عليهم ملكًا رسولًا؛ لأنّ المرسل من جنس المرسل إليهم)) (١)، وقد جاء بيان ذلك في كثير من آيات الكتاب العزيز؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقوله عز وجل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنِ كُمْ لَا تَعْلَمُونَ ، وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدَّا لَا يَأْكُلُونَ [الأنبياء: ٧ - اُلَطَّعَامَ وَمَا كَانُوَأْ خَلِينَ ﴾ ٨]. وقوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَّا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَمْ أَزْوَجًا وَذُرِيَّةٌ﴾ [الرعد: ٣٨]. وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا تُوجِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ اَلْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]. وقد أمر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يصدع أمام قومه بأنه بشر مثلهم، ليس غريبًا عنهم، وما يميّزه عنهم أنّ الله عز وجل قد أوحى إليه، واصطفاه ليكون (١) أضواء البيان، الشنقيطي ١٨/٦. www. modoee.com ١٩ حرف الطاء قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَ أَنَّا إَِهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]. وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الرسل السابقين قد قالوا مثل ذلك لأقوامهم ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّعْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]. مرسلًا إليهم -والبشرية لا تنافي الرسالة-، الله عز وجل بالرسالة، له صفات البشر؛ يأكل الطعام، ويبتغي المعاش، وهذا حال الرسل أجمعين، ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَتُّهُ. صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الَّعَامُّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ أُنْظُرْ أَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]؛ وبهذا فإنّ أكل الرسل عليهم السّلام للطعام ليس نقصًا فیھم ولا عيبًا؛ بل هذه طبيعتهم كغيرهم من البشر، ولا يعتبر أكلهم للطعام متناقضًا مع کونھم رسلٌ من الله عز وجل. فهذه من سنّة الله عز وجل، أن يبعث الرسول من جنس المرسل إليهم، وما ينبغي أن یقال: لم لم یبعث الله عز وجل ملكًا رسولًا؟، إذ كيف للبشر أن يستفيدوا من ملك يغايرهم في أصل الخلقة؟، ويخالفهم في الحقيقة والصفات؟ قال تعالى: ﴿ قُل لَوْ كَانَ فِى الْأَرْضِ مَلَتِكَةٌ يَمْشُونَ مُطَمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا ﴾ [الإسراء: ٩٥]. ((فلو كان في الأرض ملائكة يسكنوها مطمئنين لكان الرسول إليهم من الملائكة؛ ليقع الإفهام، وأمّا البشر فلو بعث إليهم ملكٌ لنفرت طبائعهم من رؤيته، ولم تحتمله أبصارهم، ولا تجلدت له قلوبهم)) (١). ولقد ردّ الله عز وجل على الذين غالوا في عيسى عليه السلام، وقالوا بأنّه إله من دون الله عز وجل، وبيّن سبحانه أنّ عيسى عليه السلام ما هو إلا بشر اصطفاه (١) البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ٧٩. ٢٠ جوببيو القرآن الكريم الطعام أنواع الأطعمة في القرآن الكريم لقد ذكر الله عز وجل في كتابه العزيز أصنافًا عديدةً من الأطعمة؛ حيث ذكر سبحانه أصنافًا من الفاكهة؛ كالأعناب، والرمان، والنخيل، والتين، والثمرات، وذكر سبحانه الحبّ، والزيتون، والأبّ (١)، والعسل، واللّبن، وأصنافًا من اللحوم، كلحوم الطير، والأنعام، ولحوم ما أخرج من البحر، وغير ذلك من الأطعمة. ومن تأمل فيما ذكر من الأطعمة في کتاب الله عز وجل يجد أنّ الله عز وجل قد ذكر تلك الأطعمة إمّا على سبيل تعداد نعمه سبحانه على عباده، والتنبيه على منافع بعض الأطعمة، ودعوة الإنسان إلى التفكر والتأمل كما في قوله تعالى: ﴿فَلْنُظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِ لِ أَنَّا صَبَيْنَا أَلْعَةُ صَبَّارَ، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَّا فَأَثْبَتَنَا فِيَهَا حَبََّ ن وَعِنَبًا وَقَضْبًا(١٨) وَفَكِهَةً وَأَبَّا ٣٠ وَزَيْتُونًا وَفَخْلا ٢١ [عبس: ٢٤- وَحَدَابِقَ غَلَبًا أَعًا لَكُمْ وَلِأَتْفَيِكُمْ ٣١ ٣٢]. وإمّا على سبيل بيان قدرة الله عز وجل في خلقه وبديع صنعه، كما في قوله تعالى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتٌ (١) الأب هو كل ما أنبتت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس. انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٩/٢٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤ / ٢٥٢ وَجَنَّتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعُ وَتَخِلٌ صِنْوَانٌ وَغَيِّرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِ آلْأُكُلِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ يَمْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]. وإمّا على سبيل التشريع، وبيان ما أباح سبحانه لعباده، وما حرّم عليهم من الأطعمة، كقوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلََّّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ يِّ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وإمّا على سبيل بيان طعام أهل الجنّة، وما أعد الله عز وجل لهم من نعيم مقيم، وذلك كثيرٌ في القرآن المجيد، منه قول الله سبحانه: ﴿وَأَصْحَبُّ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ الْيَمِينِ في سِدْرٍ تَخْضُودٍ ، وَطَلْجِ مَّنْفُورٍ ٦ وَظِلِ تَمْدُورِ ﴿ وَمَاءِ مَسْكُوبٍ ﴿ وَفَكِهَذِ كَثِيرَةٍ لَّا [الواقعة: ٢٧ - ٣٣]. مَقْطُوعَةٍ وَلَّا مَمْتُوعَةٍ (٢) وقوله: ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّوُنَ نْ وَلَيْرِ [الواقعة: ٢٠ - ٢١]. كَيْرِ مِّعَّا يَشْتَهُونَ (٢١). ونقف في هذا المبحث بإذن الله تعالى على أنواع الأطعمة في القرآن الكريم من حيث الحلّ والحرمة، والتعرف على شيء من حكمة الباري سبحانه في التحليل والتحريم. www. modoee.com ٢١ حرف الطاء أولًا: الأطعمة المباحة: إنّ من رحمة الله عز وجل بعباده، وعظيم فضله عليهم أن خلق لهم أصنافًا متنوعةً من الأطعمة والأغذية والأشربة؛ فمنها الجامد ومنها اللّين، ومنها الحلو ومنها المالح، ومنها الحار ومنها البارد، ومنها ما ينبت في الصيف ومنها ما ينبت في الشتاء، ومنها غير ذلك؛ ولم يجعل سبحانه طعام العباد شيئًا واحدًا؛ تسأم منه النفوس، وتملّه الأجساد. ومن كرمه سبحانه أن جعل عامّة ما خلق لعباده من الطعام حلالًا طيبًا، ولم يحرّم عليهم إلا قليلا من ذلك، وجعل سبحانه كلّ ما كان طيبًا رزقًا حلالًا للعباد، وأمر سبحانه عباده أن يأكلوا منه، ویشکروا ربّهم عليه. قال عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنْتُمْ إِنَّاهُ تَعْبُّدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. وهذا الأمر قد أمر الله عز وجل به من قبل رسله عليهم السلام ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ حُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِ بِمَا تَعْمَلُونَ [المؤمنون: ٥١]. والطيبات يراد بها: كلّ ما أحلّ الله عز وجل لعباده من الطعام والشراب، فطاب بتحليل الله عز وجل له (١)، والطيبات أيضًا هي ما يستطاب ويستلذ من مباحات المأكل (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٧/٣. مَوْسُورُ فَضْو القرآن الكريم والفواكه (٢). فما أعظم نعم الله عز وجل على العباد؛ إذ أباح لهم الطيبات؛ يأكلون منها، ويستلذون بطعمها وريحها، وتتقوى أجسامهم بالتغذي عليها، قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ اَلَّيِّبَاتُ ﴾ [المائدة: ٤]. قال الفخر الرازي: ((واعلم أنّ الطيب في اللغة هو المستلذ، والحلال المأذون فيه يسمى أيضًا طيبًا تشبيهًا بما هو مستلذ؛ لأنّهما اجتمعا في انتفاء المضرة؛ فلا يمكن أن يكون المراد بالطيبات هاهنا المحللات، وإلا لصار تقدير الآية: قل أحلّ لكم المحللات، ومعلومٌ أنّ هذا ركيك؛ فوجب حمل الطيبات على المستلذ المشتھی، فصار التقدير: أحلّ لکم کلّ ما يستلذ ويشتهى))، ثم قال: ((ثم اعلم أنّ العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة)) (٣) وقد امتنّ الله عز وجل على عباده بأن أحلّ لهم الطيبات، وذلك في سياق تذكير العباد بعظيم نعم الله عز وجل عليهم، وسعة رحمته بهم، وجزيل عطائه لهم، قال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرَاْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٤٠/١٨. (٣) مفاتيح الغيب ٢٩٠/١١. ٢٢ الطعامى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ ٦١ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَّى تُؤْمَّكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَُ الَّذِينَ كَانُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَكَّةَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [غافر: ٦١ - ٦٤]. يقول السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيْبَتِ﴾: ((وهذا شامل لكل طيب؛ من مأكل، ومشرب، ومنکح، وملبس، ومنظر، ومسمع، وغير ذلك من الطيبات التي يسّرها الله عز وجل لعباده، ويسر لهم أسبابها)) (١). فالطعام الحلال هو كل طعام طيب، أحلّه الله عز وجل لعباده، وغالب الأطعمة طيبة محللة، ولا ينبغي أن يقال عن طعام: إنّه حرام إلا إذا ثبت تحريمه في كتال الله عز وجل، أو في سنة نبيه صلی الله علیه وسلم، والقاعدة في ذلك أنّ الأصل في الأطعمة الحل إلا ما ثبتت حرمته. وقد ذكر الله عز وجل أنّ من خصائص النبي محمد صلی الله عليه وسلم آنّه يحلّ لمن اتبعه الطيبات، ويحرّم عليهم الخبائث، فقال تعالی مادحًا من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، ومبيّنًا بعض أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم: عليه وسلم، وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه (١) تيسير الكريم الرحمن ص٧٤١. ﴿ الَّذِينَ يَغَِّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُفِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنَُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَّيثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فمما جاء به هذا النبي الكريم أنّه يحلّ الطيبات. ولما أحلّ الله عز وجل لعباده الطيبات؛ فإنّه سبحانه نهاهم أن يحرّموا على أنفسهم شيئًا من تلك الطيبات التي أحلّها سبحانه وتعالى لهم؛ فإنّ الله عز وجل أراد من عباده أن یتمتعوا بنعمه، وأن یأکلوا مما أحلّه لهم، ولا ينبغي أن يحرّم العبد على نفسه شيئًا أحله الله عز وجل له، فقال عز وجل: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حًَا طَّيِّبًا وَأَنَّقُواْ اللَّهَ ٨٧ اَلَّذِىَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨]. فليس لأحد من المسلمين أن يتعدّ حدود الله عز وجل، بتحريم شيء على نفسه مما أحل الله لعباده المؤمنين من طيبات المطاعم والملابس والمناكح، ولا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وإنّما الفضل والبر في فعل ما ندب الله عز وجل عباده إليه، وعمل به رسول الله صلى الله www. modoee.com ٢٣ حرف الطاء الأئمة الراشدون (١). ويفهم من هاتين الآيتين أنّ الأکل من الحلال، والتلذذ بالطيبات لا يتنافي مع تقوى الله عز وجل؛ بل العبد التقي ينعم بما أحلّ الله له، ويشكر المنعم سبحانه على عطائه ونعمه، وليس من التقوى تحريم الطيبات، وهجر المباحات، وقد أکل النبي صلى الله علیه وسلم ثرید اللحم ومدحه، و کان یحب الحلوى، ويحب الطيب، ويتزوج النساء(٢). قال القرطبي: «قال علماؤنا: في هذه الآية وما شابهها، والأحاديث الواردة في معناها ردٌّ على غلاة المتزهدين، وعلى كل أهل البطالة من المتصوفين؛ إذ كل فريقٍ منهم قد عدل عن طريقه، وحاد عن تحقيقه))(٣). فالعبد التقي ينعم بما أحلّ الله من الطيبات، ولا يعتدي بالإسراف أو التقتير، ولا يتعدّى الحلال إلى الحرام، ولا يحرّم ما أحل الله سبحانه وتعالى (٤). ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله یحب أن یری أثر نعمته على عبده)(٥). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٥٢٢. (٢) انظر: الوسيط، طنطاوي ٤ / ٢٦٢. (٣) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٦٢. (٤) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٠٧٤/٣ (٥) أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، رقم ٥١٠/٤،٢٨١٩. قال الترمذي: هذا حديث حسن. ومن نعمته سبحانه على عباده أنّه أباح لهم التمتع بالحلال الطيب من الأطعمة وغيرها، قال الصنعاني: «في هذه الأحاديث دلالة أنّ الله تعالى يحب من العبد إظهار نعمته في مأكله وملبسه؛ فإنّه شكر للنعمة فعليّ، ولأنّه إذا رآه المحتاج في هيئة حسنة قصده لیتصدق عليه))(٦). ثانيًا: الأطعمة المحرّمة: لقد حرّم الله عز وجل بعض الأطعمة وبعض الأشربة على عباده، ولا شكّ أنّ لهذا التحريم حكمًا عظيمةً أرادها الله عز وجل؛ قد يظهر للعباد بعضها، ويخفى علیهم بعضها الآخر، والله عز وجل یحل ما يشاء، ويحرّم ما يشاء، والعبد يسمع ويطيع مولاه، ولا يتجاوز حدوده، فالعبد عبد، والرّب ربُّ. وإنّ من رحمة الله عز وجل بعباده أن جعل الأطعمة المحرمة قليلةً محصورةً، يسهل على العباد معرفتها، ويسهل عليهم تجنبها، ولا يتضررون بالامتناع عنها؛ بل الخیر کلّه في التزام أمر الله عز وجل، وعدم مجاوزة حدوده؛ فإنّه سبحانه یشرع لعباده ما يصلحهم، وهو سبحانه أعلم بما ينفعهم، ﴿أَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. رقم ٧٥. والحديث صححه الألباني في غاية المرام، (٦) سبل السلام ٨٦/٢. ٢٤ جوبيه القرآن الكريم الطعام وقد بيّن الله عز وجل المحرمات من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَلْمَيْنَةُ وَالدَّمُ وَمُ الْخِنِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَّرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوْبِالْأَزْلَمْ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ [المائدة: ٣]. الأطعمة منذ العهد المكي، حیث أنزل الله عز وجل قوله: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمَا مَسْفُوحًا أَوْلَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقًا أُهِلَ لِغَيْرِ الَّهِ يِّ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاِغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فهذه الآية المكية جاءت في سياق الردّ على المشركين الذين كانوا يحرّمون على أنفسهم بعض الأطعمة، ویفترون على الله عز وجل الكذب بأنّه قد حرّمها، قال تعالى: ﴿ثَمَنِيَّةَ أَزْوَجٌ مِّنَ الضَّأَنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ اٌلْمَعْزِ أَثْنَيْنِ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْنَّيَيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ نَيِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣]. ثمّ جاءت هذه الآية: ﴿قُل لَّ أَجِدُفِ مَآ أُوچی ﴾لتبین أنّ الحرام ليس ما حرّمه أولئك الجهال على أنفسهم، ونسبوا التحريم إلى الله كذبًا وافتراءً عليه؛ وإنّما الحرام ما حرّم الله عز وجل، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم(١). فالمحرمات الواردة في هذه الآية ليست جميع المحرمات؛ لأنّ هذه الآية مكيّة، وقد نزل بعدها تحريم بعض الأطعمة في العهد المدني؛ كما في سورة المائدة، في (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٤/٦، (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٥/٧، البحر المحيط، أبو حيان ٢٤٣/٤. فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٢٥٠. وقد ورد في السّنة تحريم بعض الأطعمة أيضًا؛ كلحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. والحصر الوارد في آية الأنعام محمول على أنّه لم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرّمٌ غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة ((المائدة)) بالمدينة. وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والخمر وغير ذلك، وكذلك فقد حرّم الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أكل كلّ ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين، وليست آية الأنعام منسوخة بآية المائدة -وقد ذهب بعض المفسرين إلى القول بذلك-؛ بل كلتا الآیتین محکمتین(٢). ونلاحظ في الأطعمة المحرّمة أنّها إمّا محرمة لذاتها؛ كلحم الخنزير، والدم المسفوح، و کل ذي ناب من السباع وغيرها، وهذه المحرمات مستقذرة في ذاتها، وإمّا www. modoee.com ٢٥ حرف الطاء أن تكون تلك الأطعمة في الأصل حلالا، ثم عرض عليها ما جعلها محرّمة؛ كالميتة، والمنخنقة، والموقودة .. ، فهذه المحرمات إنّما حرّمت لما طرأ عليها من الموت دون تذکیة شرعية. ثالثًا: حكمة التحليل والتحريم: إنّ ممّا لا شك فيه أنّ تحليل الله عز وجل لكثيرٍ من الأطعمة، وتحريمه لبعضها ينطوي على كثيرٍ من الحكم التي أرادها الله عز وجل؛ وقد يظهر للعباد بعض هذه الحکم، ويخفی علیھم بعضها، والذي يجب أن يقال أولًا: إنّ الله عز وجل يتصرّف في ملکه کیف شاء، ويشرع لعباده ما يريد، وهو سبحانه ﴿لَا يُسْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ولا ينبغي للعبد أن يقول: لم أحلّ الله هذا الطعام وحرّم ذاك؟ بل الواجب على العبد أن يسلم لأمر الله عز وجل وهو مطمئن البال، واثق بربّه العليم الحكيم سبحانه وتعالى، وبعد ذلك إن ظهر له شيء من حكم التحليل والتحريم فحسن، وإن لم يظهر له فإنّه لا يعترض على أمر الله عز وجل؛ بل يسلّم ويطيع. والمسلم يعلم أولًا أنّ الله عز وجل يبتلى العباد ويختبرهم؛ يبتليهم بما شرع لهم من الأحكام، وبما فرض عليهم من الواجبات، يبتليهم بالحلال والحرام، يبتليهم بالأوامر والنواهي ليميز سبحانه المطيع من غيره، وليعلم الله -وهو سبحانه أعلم بعباده- من يسلّم ويستجيب لربّه ممن يعترض وينقلب على عقبيه، وقد أخبر الله عز وجل بهذه الحكمة من التشريع في الآيات التي أمر فيها المؤمنين بتحويل قبلتهم إلى المسجد الحرام، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ أَلَِّ كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَبِعُ الَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَ عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال السعدي عن هذه الآية: ((دلّت الآية على أنّه لا يعترض على أحكام الله عز وجل إلا سفيةٌ جاهلٌ معاندٌ؛ وأمّا الرشيد المؤمن العاقل فيتلقى أحكام ربّه بالقبول والانقياد والتسليم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَّةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمَّ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمُ بَيْنَهُ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]))(١). ولا شكّ بأنّ فیما أحلّ الله عز وجل لعباده منافع جمّة، ومصالح عظيمة؛ ففي تغذي الإنسان على الطعام الحلال سلامة بدنه، وقوام صلبه، واستقامة صحته، ووفرة قوته، وتقويه على القيام بما أمره الله عز (١) تيسير الكريم الرحمن ص٧٠. جَوَسُور الْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٦