النص المفهرس
صفحات 41-49
الطلاق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لا يفرك (١) مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كره منها خلقا رضي منها آخر، أو قال: غيره)(٢). قال أبو السعود: ((﴿وَعَاشِرُ وهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ خطاب للذين يسيئون العشرة معهن، والمعروف ما لا ينكره الشرع والمروءة، والمراد هاهنا: النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في المقال، ونحو ذلك، ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ فاصبروا علیھن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهونه خیرًا كثيرًا ليس فيما تحبونه ... ، وجعل الله فيه خيرًا كثيرًا فإن النفس ربما تكره ما هو أصلح في الدين وأحمد عاقبة وأدنى إلى الخير، وتحب ما هو بخلافه، فلیکن نظرکم إلى ما فیه خير وصلاح دون ما تهوی أنفسكم))(٣). قال ابن عاشور: ((أعقب النهي عن إكراه النساء والإضرار بهن بالأمر بحسن المعاشرة معهن، فهذا اعتراض فيه معنى التذييل لما تقدم من النهي؛ لأن حسن المعاشرة جامع لنفي الإضرار والإكراه، وزائد بمعاني إحسان الصحبة»(٤). (١) الفرك البغض. انظر: غريب الحديث، القاسم بن سلام ٤ / ٩١. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، ٢/ ١٠٩١، رقم ١٤٦٩. (٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٥٨/٢. (٤) التحرير والتنوير، ٤ /٧١. وجهل طبيعة الآخر من أسباب النفور والشقاق، ومن أسباب دوام العشرة الوفاء بحقوق الزوجين، والمحبة والتفاهم بين الزوجين، والانسجام بينهما، وقيام كلِّ بدوره المنوط به، فالرجل قيّمٌ على أهله، وللمرأة دورها العظيم كزوجة وأم، ومعالجة النشوز، والسعي إلى الإصلاح بين الزوجين. قال تعالى: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعُرُوفِّ وَ لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةُ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقال سبحانه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمَّ فَالصََّلِحَتُ قَنِشَتُّ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّتِىِ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِى الْمَضَاِعِ وَأَضْرِبُوهُنٌّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَآْ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤-٣٥]. فحماية الحياة الزوجية يقع نصيبٌ منها على عاتق المجتمع، فعلى المجتمع أن یکون عونًا للزوجین، داعمًا لهما. أعطى الشرع الحنيف الحق للزوج في تأديب زوجته إذا أخلّت أو قصّرت في www. modoee.com ١٣٣ حرف الطاء حقوقه على نحو يعتبر نشوزًا منها، ويجب على الزوج التدرج في استعمال وسائل التأدیب حیث یبدأ أولًا بوعظ زوجته، فإن لم ينفع معها الوعظ تحوّل إلى الوسيلة الثانية، وهي هجرها في المضاجع؛ وذلك بأن یولیھا ظهره عند نومه، أو یهجر مضجعها فينام بعيدًا عنها (١)، فإن لم ينفع معها الهجر لجأ إلى الوسيلة الثالثة وهي الضرب. قال الإمام الرازي: «الذي یدل علیہ نص الآية أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقی منه إلى الضرب؛ وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق))(٢). على أن الزوج لا يتعجّل في اللجوء إلی وسیلة الضرب، بل یصبر على زوجته، ويتحمّل تقصيرها، ويكرّر المحاولة في إصلاحها بالوعظ وإلا فبالهجر، فإذا عيل صبره ولم يعد يتحمّل شططها، ورأى أن الضرب قد يأتي بالإصلاح المنشود باشر وسيلة الضرب كعلاج لها، وليس كانتقام منها؛ لأن بعض النساء قد لا ينفع معهن إلا (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠ / ٩٠. وانظر: الأم، الإمام الشافعي ١١٤/٥، بدائع الصنائع، لكاساني ٣٣٤/٢، المغني، ابن قدامة ٧/ ٤٦. (٢) مفاتيح الغيب، ١٠/ ٧٢. الضرب. أما عن صفة الضرب فإنه يكون غير مبرح، أي: غير شديد شائن، قال الإمام النووي: ((الضرب المبرح هو الشديد الشاق)»(٣). وسئل ابن عباس عن الضرب غير المبرح، فقال: «بالسواك ونحوه))(٤). وعلى الزوج أن يتقي ضرب الوجه، ويجتنب ضرب البطن وغيره من المواضع المخوفة. وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم!)(٥). وضرب الزوجة الناشر: القصد منه زجرها وتأديبها حين لا يجدي معها النصح ((ولا يحل استعمال هذه الرخصة إذا عرف أنها لا تنفع في تهذيبها وزجرها عما هي علیه))(٦). كما شرع الإسلام علاجًا حاسمًا لنشوز (٣) المنهاج شرح صحيح مسلم ٨/ ١٨٤. وليس المراد بالفاحشة المبينة هنا: الزنا؛ لأن حد الزنا للمرأة المحصنة هو الرجم، وإنما المراد بالفاحشة المبينة هنا أن يدخلن من يكرهه أزواجهن أو أن يعصين أزواجهن. (٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٦/ ٧١٢. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب النكاح، باب ما يكره من ضرب النساء، ٣٢/٧، رقم ٥٢٠٤. (٦) الخلافات الزوجية، مجدي الشهاوي ص٨٦. ١٣٤ ◌َالنَّفَبـ القرآن الكريم الطلاق الزوجة، فلقد وضع علاجًا حاسمًا لنشوز الزوج، قال تعالى في سورة النساء: ﴿وإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَاً وَالصُّلَحُ خَيْرٌ وَأَحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: ١٢٨]. والخوف لا یکون إلا بظهور بوادر وأمارات تنذر بعاقبة ما يخاف الإنسان من أجله، فخوف المرأة هنا من بعلها مبني على بوادر قد تؤدي إلى نشوز عنها، وترفّع وسوء عشرة وعدم لين في قول، أو رقة في سلوك، وقد يرافقه عبوس وتقطيب وتغيّر في المعاملة، وقد يتطور إلى عدم مؤانستها ومعاشرتها. من النشوز فتبدو أعراضه بالسكوت عن الخير والشر والجفوة والتذمر من الصغائر مع تجاهل وعدم مبالاة، فإذا ظهرت هذه العوارض على بنية الحياة الزوجية، وأفلست المرأة في إصلاح ذات البين من قبلها بطريقتها غير المباشرة فبإمكانها أن تضع حدًّا لهذه المعاناة بالمصارحة والمصالحة بينها وبين زوجها، لاسيما إذا لمست بحاستها الأنثوية أن زوجها قد لوى عنان فرسه منصرفًا عنها، أو أنها لم يعد لها في قلبه متسع(١). فالزوجة العاقلة هي التي تستشعر دائمًا مدی قرب زوجها وحبه لها، فإذا حدث فإنها تبادر بمعالجة الأمور بحكمة ورويّة، والزوج العاقل الکریم یقدر لزوجته حرصها على استرجاع المودة والوصل ((فيسمو عنده قدرها، ویری فيها نفسًا وفيّة، وروحًا نقية)»(٢). عن عائشة رضي الله عنها قالت: سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية(٣). وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أما في حال الإعراض وهو أخف درجة أن رجلًا سأله عن هذه الآية، فقال: ((هي المرأة تكون عند الرجل فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو فقرها أو كبرها، أو سوء خلقها وتكره فراقه؟ فإن وضعت له من مهرها شيئًا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج))(٤). (١) انظر: الخلافات الزوجية، رعد الحيالي ص٧٧ -٧٨. (٢) انظر: الأسرة في الإسلام، مصطفى عبد الواحد ص١٠١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب إذا حلله من ظلمه فلا رجوع فيه، ٣/ ١٣٠، رقم ٢٤٥٠. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي www. modoee.com ١٣٥ حرف الطاء عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس، ویزول به الخلاف خير على الإطلاق، ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح من الرجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك(١)، والإسلام يدعو إلى بذل كل الجهود لتثبيت دعائم الحياة الزوجية وتقوية عراها؛ لأن رابطة الزوجية من أعظم الروابط وأحقها بالحفظ، وميثاقها أغلظ المواثيق، وأجدرها بالوفاء(٢). وقوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَ﴾ فالشح طبيعة وجبلّة في الإنسان، قال ابن جبير: ((هو شحّ المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمہ لها أیامها»، وقال ابن زيد: (الشح هنا منه ومنها))، وقال ابن عطية: ((وهذا أحسن؛ فإن الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها، والغالب على الزوج الشح بنصيبه من الشابة))(٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: إن تحسنوا وتتقوا في عشرة النساء بإقامتكم عليهن مع كراهيتكم لصحبتهن، واتقاء ظلمهن فهو أفضل لكم(٤)، ثم بيّن الله ٤٠٤/٥. (١) المصدر السابق ٥ /٤٠٦. (٢) بناء الأسرة المسلمة، خالد العك ص ٣١٤. (٣) انظر: المحرر الوجيز ٢٢٩/١. (٤) المصدر السابق ٥/ ٤٠٧. وقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ لفظ تعالى أن الميل القلبي أمر لا يؤاخذ عليه الإنسان؛ لأنه لا يملكه، وإنما يؤاخذ على الميل الحسي الذي يقع باختياره؛ كميله إلى إحدى نسائه وتفضيلها على غيرها في النفقة، أو في المعاشرة، فهذا لا يجوز. ((فالإحسان والتقوى هما مناط الأمر في النهاية، ولن يضيع منهما شيءٌ على صاحبه، فإن الله خبيرٌ بما تعمله كل نفس؛ خبيرٌ ببواعثه وكوامنه، والهتاف للنفس المؤمنة بالإحسان والتقوى؛ والنداء لها باسم الله الخبير بما تعمل، هتافٌ مؤثر، ونداءٌ مستجابٌ، بل هو وحده الهتاف المؤثّر والنداء المستجاب»(٥). قال الإمام القرطبي: ((وهذا خطاب للأزواج ... ، أي: إن تحسنوا وتتّقوا في عشرة النّساء بإقامتكم عليهنّ مع كراهيتكم لصحبتهنّ، واتّقاء ظلمهنّ، فهو أفضل لكم))(٦). وفي حاشية زاده: ((وإن تحسنوا بإمساكهنّ بمعروفٍ وحسن المعاشرة، مع عدم موافقتهن لطباعكم، وتتّقوا ظلمهن بالنشوز والإعراض، فالله تعالى يثيبكم عليه)) (٧). ((ولا يخفى ما في خطاب الأزواج بطريق (٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٢/٢. (٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٠٧/٥. (٧) حاشية محي الدين شيخ زادة على تفسير البيضاوي ٢/ ٤٥٠. مَوَسُ حَرَا القرآن الكريمِ ١٣٦ الطلاق الالتفات، والتعبير عن رعاية حقوقهن بالإحسان، ولفظ التقوى المنبئ عن كون النشوز والإعراض مما یتوقّی منه، وترتيب الوعد الكريم على ذلك، من لطف الاستمالة والترغيب في حسن المعاملة))(١). وفي الآية بيانٌ لحرص الإسلام على حماية الأسرة المسلمة، وحلّ مشكلاتها، ولمّ شملها، وتنقية أجواء البيت المسلم؛ ليؤدي رسالته المنوطة به، وحثّ على إحسان العشرة والتضحية والإيثار والصبر والإحسان. وقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيمُواْ أَن تَعْدِ لُواْبَيْنَ اَلْنِسَلَهُ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]. لأن الأمر ليس بمقدوركم ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾ وفي هذا ظلم لها، وهضم لحقها، وجرح لكرامتها، والواجب على ذلك الزوج الظالم أن يراجع نفسه، ويتقي الله في امرأته التي أهملها ﴿وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِیمًا ﴾ فلابد أن یحرص الزوجان على الصلح لما فيه من الاستقرار العائلي، لاسیما إذا کان لهما أولاد. (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٣٩/٢. مرحلة الشقاق بين الزوجين: في حالة عجز الرجل عن علاج نشور زوجته، أو فشل الزوجة فى علاج نشوز زوجها، فالحل الحاسم هنا هو اللجوء إلى التحكيم العادل بينهما عن طريق حكمين عدلين من أهل الزوج والزوجة، يجتهدان في الإصلاح بينهما، وتقويم المعوجّ منهما، قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَآْ إِصْلَحَا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاْ إِنَّ اُللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]. مفترق الطريق: تعسّرت السبل، وغلّقت الأبواب، وباءت كل محاولات الصلح بالفشل، حينئذٍ فلا سبيل إلا الفراق، قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّ مِّن سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]. إذا استحالت العشرة، وتعذّر الوفاق، فلا بأس بالفراق ﴿ وَإِنيَنَفَرَّقَا﴾ بطلاقٍ أو خلعٍ ﴿يُغْنِ اللّهُ كُلًَّ﴾ من الزوجين ﴿مِّن سَعَتِهِ ﴾ من فضله وإحسانه، بأن يعوّض الزوج بزوجة صالحة توافقه، ويعوّض الزوجة بزوج صالح يحسن صحبتها ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ أي: كثير الفضل، واسع الرحمة ﴿حَكِيمًا ﴾ يعطي ويمنع، ويفرّق ويجمع، بعلمه تعالی و حکمته. www. modoee.com ١٣٧ حرف الطاء من توسعته، قال الرازي: (فهو تعالی واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، واسع القدرة، واسع العلم، فلو ذکر تعالى أنه واسعٌ في كذا لاختصّ ذلك بذلك المذكور، ولكنه لما ذكر الواسع وما أضافه إلى شيء معينٍ، دلّ على أنه واسعٌ في جمیع الكمالات»(١). وناسب ذكر وصف الحكمة، لبيان أنه تعالى حكيم في سعته وفضله على عباده، حكيم في أحكامه وأقداره، قال الإمام القرطبي: ((وإن لم يصطلحا بل تفرقا، فليحسنا ظنهما بالله، فقد يقيّض للرجل امرأة تقرّ بها عينه، وللمرأة من يوسّع عليها)»(٢). وفي الآية وعدٌ من الله تعالى بإغناء كلَّ من الزوجين إذا تفرقا من سعته؛ حتى لا يلتفت كل منهما لغير الله، ولا تعتلج في قلبه همومٌ على مستقبله، ولا حزنٌ وحسرةٌ على ماضيه، وكذلك وصف الحكمة فيه ما يوحي بالرضا والتسليم بأقدار الله تعالى فهي صادرةٌ عن حكمةٍ بالغةٍ، فهذه السعة التي وعد الله به عباده سعةٌ قائمةٌ على حكمته تعالى، وتسليةٌ لكل من ابتلي بالفراق، بأن فرج الله قريبٌ، وفضله واسعٌ. ومن مآثر حضارتنا الإسلامية الزاخرة (١) مفاتيح الغيب، ١١/ ٦٩. (٢) الجامع لأحكام القرآن ٤٠٨/٥. (٣) انظر: مجلة رسالة الإسلام السنة الثانية ص٤٢٧، مجلة منار الإسلام السنة الرابعة والعشرين، عدد ٧، ص ٨٣. ١٣٨ مَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة الْقُرْآن الكَرِيْمِ وناسب هنا ذكر السعة، تقريرًا لما تقدّم بالمآثر والمفاخر والقيم الرائعة: أنه كانت هناك أوقاف لعلاج بعض مشكلات الأسرة، منها أوقاف لسكن الأيامى من النساء اللاتي لا مأوى لهن، حيث تخصص لهن دار يشرف عليها نسوة فضليات يقمن برعاية الأيامى، من هذه الدور: دار الدقة التي كانت بمدينة مراكش، وكانت ملجأً للنساء اللاتي یقع نفور بینھن وبین بعولتهن، فکن يقمن في هذه الدار إلى أن يزول الخلاف الزوجي، وكان على رأس هذه الدار مرشدة تعالج أسباب الغضب، وتهيئ نفوس الزوجات لعودة العلاقة الطيبة بينهن وبين أزواجهن(٣). ثالثًا: التدابير الواقية من العجلة في الطلاق: إذا كان الطلاق مشروعًا عند استحالة الحياة الزوجية ووصولها إلى طريقٍ مسدودٍ، وتباين الطباع، وتنافر النفوس، واحتدام المشكلات، وتعذّر الحلول، فإن الإسلام يدعو إلى التريّث في اتخاذ القرار، وينهى عن العجلة؛ ذلك أن التسرّع في الطلاق زلزالٌ مفاجئٌ يهدم بنيان الأسرة، ويشتت أفرادها، من هنا شرع الرّجعة في الطلاق، فجعل الطلاق مرتين، مرة بعد الطلاق مرة، كما رغّب في الطلاق السّني، وهو أن يطلّق الزوج زوجته في طھر لم یجامعها فیه، وشرع العدّة في الطلاق الرجعي، وأمر ببقاء المرأة في بيت الزوجية، كلّ هذه التدابير مدعاةٌ لعودة المودة والرحمة والسكن. وقد یجمع الله الشتیتین بعدما يظنّان كلّ الظّنّ أن لا تلاقيا (١) (١) البيت لمجنون ليلى في ديوانه ص١٢٢. شبهات حول الطلاق مما يشغب به أعداء الإسلام ويرددونه: أن في الإسلام يطلّق الرجل المرأة متى شاء، وليس لها الحق في إنهاء حياتها الزوجية، وأن الطلاق ضرر كبير على المرأة والأطفال، وهدم لأركان البيت. وقصدهم الطعن في شريعة الرحمن، وصرف الناس عنها لقوانين وضعية جائرة لا تحقّق مصلحة المرأة ولا الرجل ولا البيت، وصدّ الناس عن سبيل الله. ولاشك أن الطلاق قد يترتب عليه أضرار، لكن بقاء الحياة الزوجية بين زوجين متنافرين متباغضين كارثة كبرى، والإسلام لم يبتدع الطلاق، بل كان معروفًا ومألوفًا في كثير من التشريعات والنظم والأديان والمذاهب ولا يزال، ففي اليهودية نجد ما يدل في العهد القديم على إباحته بلا سبب منصف. ففي العهد القديم سفر التثنية: ((إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها، فلم تجد نعمة من عينيه؛ لأنه وجد فيها عيبًا، فله أن يطلّقها، ويخرجها من بيته)) (٢). بل نجد نصوصًا تبيح بيع المرأة، حيث أعطت اليهودية المحرفة للأب سلطة مطلقة على جميع أولاده، فأتاحت له حق بيع (٢) سفر التثنية ٢٤/ ١. www. modoee.com ١٣٩ حرف الطاء إحدى بناته إذا احتاج إلى المال. وقدیمًا في اليونان: إلى جانب احتقار المرأة وازدرائها واعتبارها رجسًا من عمل الشيطان، فلقد كانت العذارى من النساء يقدّمن قرابين في المعابد، أما البنت فإنها تابعة لأبيها، يحق له أن يبيعها أو يهبها لمن يشاء، وكذلك الزوجة تعد مملو کةً لزوجها، وكان من حق الزوج أن يطلّق زوجته، ويطردها من بيته متى شاء. وعند الرومان: کان من حق الأب أن يبيع أي فرد من أفراد أسرته، وكان باب الطلاق مفتوحًا على مصراعيه. أما الهنود: فلم يكن للمرأة عندهم الحق في طلب الطلاق مهما كانت الأسباب، أما الرجل فكان من حقه أن يتزوج بما شاء من النساء. وفي الصین: لم یکن یسمح للبنت برؤية من سيتزوجها إلا في ليلة الزفاف، وللزوج الحق في بيع زوجته متى شاء كما تباع الإماء، وما كان للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها مهما كان السبب، أما الرجل فله أن يطلّقها بأي سبب(١). أما الفرس فقد جعلت المزدكية المال والنساء كُلَّا مباحًا، فهتكت الأعراض، واختلطت الأنساب، وعمت الفوضى في (١) انظر: قصة الحضارة، ديورانت ٤/ ٢٧٤. جوبيه القرآن الكريمِ (٢) المجتمع (٢). بینما لم يرد في الإنجيل نصٌّ صريحٌ في تحريم الطلاق، بل جاء نصٌّ موهمٌ لیس صريحًا لكنه حمّل ما لا يحتمل، وأوقع فهمه الخاطئ، وتفسيره المنحرف النصارى في عنت شدید، وشقاء ونکد؛ إذ ليس من حق الرجل أن يطلّق زوجته، ولا من حق المرأة أن تطلب الطلاق، فتعيش مقهورة مكبوتة في بیت لا تطبقه، وزوج لا ترغبه، ولربما يصل بها الأمر إلى الجنون أو الانتحار، الأمر الذي دفع بعض النصارى إلى التخلي عن هذا الدين الذي يقيّد الحريات، وينتقلوا لدين آخر، أو يقلّصوا دور الدين، ويفصلوه عن الحياة، كما حدث في العلمانية، أو ينسلخوا من الأديان، حتى انتشر الإلحاد في الغرب بسبب فساد النصرانية وتناقضاتها وإفلاسها وعنتها وجمودها وإفلاسها، ومجافاتها للواقع، أو یبتدعوا مذهبًا جديدًا کما وقع في أوروبا حيث ظهرت البروتستانتية كحركة معارضة ومناهضة لكثير من تعاليم الكنيسة، وكان من نتائجها إباحة الطلاق لا بسبب الزنا فحسب، بل بسبب استحالة العشرة بين الزوجين، كذلك لما نشبت الثورة الفرنسية أباحت الكاثوليكية في فرنسا الطلاق، وفي مصر على سبيل المثال لا يزال كثير من (٢) انظر: الملل والنحل، الشهر ستاني ٨٦/١، مركز المرأة في الشريعة اليهودية، محمد عاشور ص ٩٥ . ١٤٠ الطلاق الأزواج النصارى يعيشون منفصلين عازبين واقعي متوازن، يلبي حاجة النفس البشرية، ويوازن بين المصالح ويقدّمها على المفاسد، وجعل الطلاق بيد الرجل على أن يمنح المرأة حقها بالمعروف، ويسرّحها بإحسان، فأحاط الطلاق بتشريعات حكيمة، وآداب قويمة، وقيم سامية، بينما كان الأمريكان يعزفون عن الطلاق لغلاء تکالیفه، والآن اتجه العالم الغربي بأسره إلى إباحة الطلاق، بل في دول الشرق التي كانت تحرّمه وتجرّمه کالصين واليابان والهندوس والبوذيين في الهند. تحت سقف واحد؛ لأن الكنيسة تحرّم الطلاق إلا في حالة الزنا، وربما كاد الرجل لزوجته ودسّ لھا لیدبّر فضیحةً حتی یخلص منها، ومن غرائب القوانين في الغرب أنه في عام ١٩٢٣م صدر تعديل يسمح للزوجة بطلب الطلاق لخيانة الزوج ولو لمرة واحدة، وأصبح ممكنًا للزوج الذي يرغب في الانفصال عن زوجته أن یقیم ليلة بفندق مع امرأة أخرى مسجلًا ذلك في فاتورة الفندق، أو أن يصوّر نفسه في وضع مخلّ مع عاهرة، ويرسل بالصورة إلى زوجته نكايةً فيها، وجرحًا لمشاعرها، وتخلّصًا منها! ولقد ثار النصارى على الكنيسة، وطالبوا بتغيير هذه التشريعات الجائرة، ولم تسمع لهم الكنيسة، بل تدخلت الدولة في عهد النظام المخلوع لحل هذه المشكلة المزمنة، وسنت قوانين جديدة للنصارى تعتق الأزواج من ربقة النظام الكنسي وتعتته، واستعانت ببعض النصارى في سن هذه القوانين، ثم قدّموها للكنيسة لتطبّقها على رعایاها؛ رفعًا للحرج عنهم، فضرب رؤساء الكنيسة بها عرض الحائط، بل هددوا وتوعدوا من ينفّذ هذا القانون من القساوسة بالعزل. لقد شرع الإسلام الطلاق لأنه تشريع كما جعل للمرأة حق إنهاء الحياة الزوجية بالخلع، أو فسخ العقد إذا اختل فيه شيء، أو كان الزوج مصابًا بما يحول بين المعاشرة، ويحرم المرأة من حقوقها، وهناك أيضًا حق التفريق بين الزوجين، ولها ضوابطها كما في کتب الفقه. موضوعات ذات صلة: الأسرة، الحدود، النساء، النكاح www. modoee.com ١٤١